‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالاتي عن التدوين والمدونات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالاتي عن التدوين والمدونات. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 23 مارس 2010

الحائط الإلكتروني؛ طريقة جديدة للتواصل المختصر (الورقة الثانية).

الورقة الثانية: في المفهوم التواصلي

لتقنيات التواصل الحديثة قدرة سحرية عجيبة على إلغاء مفهوم المكان من الأذهان؛ فلا الشرق عندها شرق ولا الغرب غرب، وكل خطوط الطول والعرض صارت مجتمعة لديها في حيز واحد، هو حيز شبكات وخيوط وحبال الاتصال العالمي البرية والبحرية ودوائر السليكون وترددات الأمواج الكهرومغناطيسية التي يزدحم بها أثير السماء.

يبدو لي أحيانا كأن زماننا هذا قد ضاق برفيق دربه المكان، فلم يعودا قادرين على تحمل بعضهما البعض، وكل واحد منهما يرجو الفكاك والافتراق ليمضي في حال سبيله متحررا من وطأة صاحبه.
ومن هنا فإن أزمة التواصل الحديثة لا تكمن فقط في عباءتي الزمن والمكان التي تضيق بنا أو نضيق بها حينما نلبسها أو تلبسنا، وإنما أيضا في الدور المزدوج للعملية التواصلية الحديثة التي تتطلب منا أن نكون مرسلين ومستقبلين في نفس الوقت، فلا معنى ولا قيمة لهاتف ثابت أو نقال، أرضي أو فضائي، إذا لم يوجد في الطرف الآخر من خط هاتفنا من يقوم بنفس دورنا، وإلا فإنه يتحول إلى مجرد تحفة تقنية مكملة لديكور البيت، ولك أن تقيس هذا المثال على سائر الوسائط التقنية الأخرى…

وحتى أنظمة التواصل الكلاسيكية الحكومية الممعنة في البرتوكول والرسميات كالراديو والتلفزيون، بدأت تغير جلدها تدريجيا لأنها وجدت نفسها مضطرة إلى التخلي عن دورها القديم أحادي الاتجاه الذي كان يقتصر على البث فقط। وأصبحت لأول مرة تنزل هي الأخرى بمبعوثيها وبالكاميرا والميكروفون إلى الشارع لتستقبل رأي الشارع وصورة الناس البسطاء ومتجددات الحياة العادية والاستثنائية والطارئة.

إن ازدحام شبكة الاتصال العالمي بالمرسلات السمعية والبصرية، يحتم على مستعمليها استحداث طرق وأنظمة عديدة لاختصار تلك المرسلات وطيها مثنى وثلاث ورباع كما يطوى ويثنى الورق على بعضه البعض حتى يصير متناهيا في الصغر..
وقد يطول بنا الحديث إذا وسعنا دائرة البحث في أنظمة التواصل المختصر من قبيل الرسائل النصية الهاتفية القصيرة (SMS)، وأنظمة الدردشة الفورية عبر المواقع الإلكترونية بأبجديتها المعقدة وأيقوناتها المختزلة للمشاعر والأفكار والمواقف، دون أن نغفل أيضا الأشرطة المنسدلة بالطول والعرض وفي كل الاتجاهات على شاشات البث التلفزيوني الأرضي والفضائي، المركزية والجهوية، الحكومية والخاصة… وكل نظام من هذه الأنظمة يتطلب دراسة خاصة.

غير أننا خصصنا هذا الإدراج للحديث عن الحائط الإلكتروني باعتباره طريقة جديدة للتواصل الافتراضي المختصر:
فإذا افترضنا أن المواقع الإلكترونية بيوت خاصة، وأن مفاتيح الولوج إليها تكون بأيدي أصحابها كما أوضحنا ذلك في إدراج سابق، فإن الحائط الإلكتروني لكل موقع أو مدونة أو منتدى هو الجزء الهامشي الخارجي المتاح للزوار حيث يمكنهم أن يسجلوا مرورهم بإضافة تعليق أو تنبيه أو إشارة أو أي حشو بلا معنى أو أي أثر آخر مفاده: (لقد مررت من هنا)، ولو تم ذلك في أحيان كثيرة ببعض الكلمات والعبارات الممتزجة بالسخرية والتحرش والبذاءة، والمغلفة بكثير من الأحقاد الدفينة والأمراض الاجتماعية المتمكنة والعلل النفسية المزمنة، كما هو الحال بالنسبة للكتابة الحائطية الواقعية التي نراها في الخارج عندما نعبر الشارع العام.

فلا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن عوالمنا الافتراضية مليئة بالمرضى والسكارى والمعربدين واللصوص والمطاريد والمتسكعين والمتطرفين والمدمنين والمنبوذين والحمقى والأغبياء بنفس الدرجة التي يكون عليها الأصحاء والمعتدلون والعقلاء والنبهاء والأتقياء والشرفاء إن لم تكن أكثر…

ولو خصصنا يوما واحدا من أيامنا العادية لقراءة تعاليق الزوار العابرين على الجدران والحيطان الإلكترونية لتعرفنا على كثير من الأسرار والنماذج البشرية المختلفة في سلوكها وتصرفاتها وأفعالها وانفعالاتها، وربما عدنا إلى تحليل ودراسة بعض نماذج الكتابات الحائطية الإلكترونية في إدراجات لاحقة.

لكن، هناك جانب آخر إيجابي في هذه الكتابات الإلكترونية الحائطية، فضلا عن أسلوبها المختصر، عند الإشارة إلى خبر أو إدراج عنوان مقال أو رابط، أو التنبيه إلى موعد أو لقاء أو ندوة أو مظاهرة أو استطلاع رأي وغير ذلك من الرسائل القصيرة والإخباريات التي تشبه إلى حد كبير البرقيات في النظام البريدي القديم.

وقد بدأت كثير من المواقع الإخبارية والفنية والثقافية ومن المجلات والصحف الإلكترونية ومواقع التعارف الاجتماعي الكبيرة تفرد مساحة كبيرة للزوار كي يكتبوا ويتعارفوا ويتواصلوا على حيطانها الإلكترونية الخارجية المكشوفة للعموم بالحرف والصوت والصورة.
والحيطان الإلكترونية نوعان: النوع الأول حيطان جماعية حيث يمكن أن يكتب كل زائر أو عابر ما شاء. وميزتها أنك تستطيع أن تتعرف على أساليب الناس في التفكير وفي فهم الأشياء دفعة واحدة، بحيث تستطيع أن تكون من هذه المختصرات صورة متكاملة عن النوايا والدوافع الكامنة وراء كل كلمة أو جملة أو شعار أو حزمة صور أو رسوم …

النوع الثاني حيطان فردية خاصة بأصحابها فقط، كأن يعمد أحد المدونين مثلا إلى حائط خارجي بعيد عن مدونته ليسجل عليه عناوين ومقترحات وروابط ومختصرات لأنشطته الخاصة في الحياة وفي العمل وفي الكتابة والتدوين। وهذا الحائط الإلكتروني الخاص أشبه ما يكون بدفتر يومي لكنه مفتوح أمام أصدقائه وزواره على مدار الساعة ليتابعوا مختلف أنشطته التواصلية مهما كانت بسيطة وعادية؛ كأن يخبر مثلا عن موعد سفر شخصي أو يذكر اسم كتاب فرغ من قراءته أو يقدم اعتذارا أو يستدعي مجموعة من الأصدقاء…وغير ذلك من متجددات الحياة اليومية.
وأكثر المدونين العرب إنما انتسبوا إلى موقع (تويتر) و(فيس بوك) وغيرها من مواقع التدوين المختصر المتخصص ليُعرفوا أكثر في محيطهم الافتراضي.

ومن هنا تأخذ الحيطان الإلكترونية هذا البعد الإشهاري الذي نجده أيضا على واجهات المحال التجارية الفخمة وفي كل ما يحيط بنا من جدران عندما تضيء بالليل لتشع بالحروف والصور والألوان في حركات ضوئية متناسقة، وحتى في سياج المستطيل الأخضر لملاعب كرة القدم عندما تقفز منه الصور والكلمات في حركات بهلوانية رشيقة بديعة قد تذهلك أحيانا عن حركة الكرة التي تتقاذفها وتتلاعب بها أقدام كبار اللاعبين المحترفين.

الجمعة، 19 مارس 2010

الحائط الإلكتروني؛ طريقة جديدة للتواصل المُختصر (الورقة الأولى).

الورقة الأولى: في المفهوم اللغوي للحائط وما جاوره.

إذا رجعنا إلى قواميس اللغة العربية نجد أن كلمة الحائط وردت بمعان ودلالات تقترب مما تفيده كلمات الجدار والسور والسياج، لأنها جميعها لا يمكن أن تسمى بهذه المسميات إلا إذا كانت محيطة بشيء ما أو مشتملة عليه. وإنما تختلف كل واحدة منها عن الأخرى فيما يمكن أن تحتمله من درجات القوة والعلو والمنع والامتداد والعمق أو التجدر في الأرض.

وإذا كان السياج هو الأضعف والأوهى في سلسلة هذه المسميات فإن السور هو الأعظم والأفخم؛ فهناك فرق شاسع بين سور المدينة العالي السميك المتماسك بالحجارة والطوب والجير وسياج الحظيرة الذي يتخذ في العادة من الشوك أو الهشيم.

ولا تسمى الحديقة حديقة إلا إذا أحدق بها أو أحاط بها حائط يمنع الآخرين من تسلقه أو تََسَوٍُره لنهب ما فيها من خضر أو فواكه। ولذلك قد تسمى الحديقة أو البستان مجازا بالحائط من باب التوسع في اللغة العربية، فيقال مثلا: حائط فلان يقصدون بستانه، أما إذا كان البستان من غير سور فهو ضاحية، ومنه ضاحية المدينة، أي: ناحيتها مما يكون خارج السور.

قال عز وجل:( فضُرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب) سورة الحديد، آية 13، إذ شبه الله عز وجل الحاجز بين أهل الجنة وأهل النار بأعظم وأفخم حائط يمكن أن نراه في الدنيا.

ولكل سور أو حائط أو جدار ظاهر وباطن، أو وجه وظهر مثل أي مسطح ورقي صالح للكتابة। أما السور والحائط فظاهرهما هو ما يراه الناس بأعينهم من الخارج فيكون ما بدا منهما شأنا عاما، أما الداخل والباطن منهما مما توارى عن العيون فهو شأن خاص ولا يمكن معرفته إلا بالاقتحام والاختراق، ومن ذلك جدران الغرف داخل البيت الواحد مثلا. ولولا وجود الحيطان لما طمح أهل الفضول والمتطفلون إلى التجسس…

وقد تستخدم هذه الكلمات بصيغ اشتقاقية مختلفة وفي سياقات مجازية। وقد ورد كثير منها في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى (والله محيط بالكافرين) البقرة أية 19؛ أي جامعهم يوم القيامة. وقوله تعالى: (أحطت بما لم تحط به) سورة النمل آية 23: أي علِمته من جميع جهاته، (وأحاطت به خطيئته) البقرة 81 : أي مات على شركه…

أو كقول بعضهم في لغة التحليل الاقتصادي مثلا: (الضرائب الحائط القصير لدى الحكومات الفاشلة)، وفلان حائط قصير: أي سهل التجاوز، ومنه قولنا في التعبير عن الخوف من الرقباء: (للحيطان آذان).

ويمكن في نفس السياق أن نورد أمثلة مرتبطة بدلالات الجدار المجازية كالجدار الرابع في لغة أهل المسرح. وهو الحاجز الوهمي الذي يكون بين الممثلين على الخشبة وجمهور الممثلين في الصالة। وقد قاد المسرحي الألماني الشهير برتولت بريشت ثورة عنيفة ضد المسرح الكلاسيكي لتحطيم هذا الجدار، عندما وجه كامل عنايته إلى الجمهور وأشركه في التمثيل والحوار فأصبح منفعلا وفاعلا في الحدث المسرحي بدل أن يكتفي بالتفرج من بعيد. ويقوم مسرح بريشت، كما هو معروف لدى المهتمين بالمسرح الطلائعي في النصف الأول من القرن الماضي على فكرة التغريب؛ أي تغريب الأحداث اليومية العادية وذلك بجعلها غريبة ومثيرة للدهشة ومحفزة على التأمل والتفكير.

كما يمكن أن نتحدث في نفس السياق عن جدار العار أو جدار الفصل العنصري بين بني البشر: كما كان الحال في جنوب إفريقيا، وكما هو الحال اليوم في فلسطين المحتلة وفي كل أرض عندما يكون النزاع قائما على التفرقة بين اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو أية ذريعة أخرى لطمس هوية الآخر.

كما أننا لا يمكن أن نغفل الحديث هنا عن الجدران والحيطان التي صنعتها الطبيعة بفعل عوامل التعرية من مطر ورياح وسيول وترسبات وانجرافات وزلازل وبراكين।وقد جرى الحديث في معاجم اللغة العربية عن الصوح، (بفتح الصاد وضمها): ويقصدون بهذه الكلمة وجه الجبل القائم أمامنا كأَنه حائط، وصُوحا الوادي: حائطاه المنتصبان كذلك.

ومن المسميات الجديدة المستحدثة في عصرنا مما يرتبط بالتحولات السياسية والاستراتيجية الجدار الفولاذي الذي أقامته الحكومة المصرية الحالية بينها وبين قطاع غزة، والجدار الإلكتروني الذي تعمل إسرائيل على إنشائه الآن بعد أن خاب مسعاها في الجدار الكهربائي الصاعق والجدار الإسمنتي العازل.

غير أن الحيطان لم ترفع قواعدها من الأرض ومنذ فجر التاريخ لتأمين السلامة والحماية فقط لأصحابها، بل لقد تحولت مع مرور الوقت إلى معارض وتحف فنية لما تراكم على واجهتها من حفر ونقش وكتابة وتشكيل.

ومجموع ما يعرض ويكتب على الحيطان من نقوش وكلمات وشعارات يمثل اليوم علما قائما بذاته، وهو علم أوفن الكاليغرافي (Calligraphy)، وهو علم تخصصي له علماؤه وأساتذته.

ولقد كانت الكتابة على الحيطان و على شواهد القبور وعلى الحجارة المنتصبة في طريق المسافرين وحتى على جذوع الأشجار شكلا من أشكال التواصل المكاني، لأنه مرتبط ومحصور في حيز جغرافي ضيق لا يمكن نقله أو تحويله.


وتحتاج المصالح البلدية في كل مدينة من مدن المغرب إلى ميزانية سنوية خاصة لتجديد طلاء الأسوار المحيطة بالمدن والأسواق والمؤسسات العمومية، ومحو ما تراكم عليها من كتابات ومنمنمات ورسوم، وخاصة عند حلول المواعيد الانتخابية.

أما الكلام عن فحوى ومغزى ما يكتب على أسوار المدارس وداخل حجراتها وحيطانها وكراسيها وطاولاتها ومراحيضها فتلك قصة أخرى لن تكتمل في تفاصيلها وأبعادها إلا بدراسة نفسية وسلوكية متخصصة। فكثير من التلاميذ يرون في كل ما يحيط بهم من مسطحات امتدادا لسبورة القسم. لكن ليس لاستظهار بيت من الشعر أو حل معادلة رياضية، وإنما لنشر بعض الشائعات حول أصدقائهم ومدرسيهم، وكتابة أسماء النجوم التي يتعلقون بها وخاصة نجوم كرة القدم وأنديتها المشهورة، وربما حتى كتابة بعض البذاءات اللفظية وبعض السخافات والشتائم والسباب، وكثير من الرسوم المخلة بالحياء العام.


ولو كان ما يكتب أو يرسم على هذا الحائط أو ذاك بالطباشير لهان الأمر، ولكن استعمال علب الصباغة البخاخة يجعل هذا المكتوب أوضح للنظر وأبقى في وجه تقلبات المناخ والدهر.
أما ما يكتب على الحيطان الإلكترونية عبر مواقع التدوين والتعارف الاجتماعي فسيكون موضوع الورقة الثانية.

الثلاثاء، 9 مارس 2010

استراتيجيات الكتابة؛ الورقة الثانية.

الورقة الثانية: انتزاع الموضوع.
مع أن ذواتنا أقرب إلى وعينا وإدراكنا وعلمنا من حبل الوريد، فإن انتزاع الموضوعات منها أشق.
وفي العادة فإننا نحكي كثيرا وفي كل حين عن تقلبات أحوال المناخ من حولنا، وعن الغلاء في أسواقنا، وعن حوادث السير على طرقاتنا، وحتى عن ما يجري بعيدا عنا أو في الجوار من كوارث وزلازل ومجاعات وفيضانات وعن كل شيء وحتى عن الفراغ، ولكننا قلما نتحدث عن أحوالنا ولا عن تلك الرجات الخفيفة أو القوية التي تعتمل في داخلنا كبركان خامل، مع أنه متقلب في داخله ومشتعل…

إننا دائما نفضل أن يكون وقع الأحداث والخطوب والأتراح على غيرنا لا علينا، حتى أن كل دول العالم المهددة في خبزها وأمنها ومناخها قد تعلمت أخيرا الدرس وبدأت تنشئ عند كل فاجعة لجنا للطوارئ ووزارات لتدبير الأزمات والنكبات، وكذلك الكلامُ نفضله دوما أن يكون لنا لا علينا، كما في الدعاء المأثور عند هطول المطر الغزير:( اللهم حوالَينا ولا علينا ) وذلك في حديث أخرجه البخاري في باب الاستسقاء.

لقد تعودنا أن نقف في طابور الحياة ونأخذ ما نحتاجه من شُبًَاكها أو نقتات بما تساقط من عيون شِباكها ثم نمضي في حال سبيلنا لنعيش بسلام ولننام وننام حتى نموت وينقطع حِسنا من غير أن نترك أثرا يترتب عليه ألم أو ندم…

لكي تنصت إلى صوتك عليك أن تسكت في داخلك صوت الناس وصوت نشرات الأخبار والطقس وثرثرة المسلسلات الطويلة والأشرطة الصاخبة وأزيز السيارات …। وحتى صوت ذبابة حمقاء تبحث عن حتفها عندما تخترق جدار سمعك الصوتي في حالة استرخاء أو صمت نادر، فتنهض لها بمبيد حشرات رشاش نهضة مفجوع أو موجوع، انتقاما وتعويضا عن الإزعاج الخاطف وبعض الراحة المفقودة…

وحين تنطفئ أضواء الناس في داخلك تلوح أضواؤك متسربلة بألوان قزح الصافية في سماء جمجمتك الصغيرة، حيث تتشابك موضوعاتك وموضوعات الناس والكون، وحيث يمكن إعادة ترتيب كل الأشياء كأنها لم تكن من قبل أو كأنها ولدت من جديد.

ليست هناك عدسة تصوير أدق من مخيلة، ولا آلة أبرع من يد، وكل حدود الكون الفسيح في القرب والبعد والطول والعرض تقع بين طرفيهما.

واللحظة الأولى عند الإمساك بالقلم لانتزاع الموضوعات وصناعة الأفكار هي الأصعب، والخطوة الأولى لاكتشاف العالم عند تعلم أبجديات الحبو والوقوف والمشي هي الأبطأ। ولا يخلو الأمر من رهبة وحيرة، ومن خطأ أو خطر سواء عند انفجار بركان من جوف الأرض أو انطلاق صاروخ منصوب على منصة أو انبعاث فكرة من جمجمة آدمية بحجم بطيخة، لكن لا قعر لها ولا قرار…

والكتابة عن موضوعاتنا أو موضوعات غيرنا أو موضوعات الكون من حولنا، شهادة إثبات على أنها كانت موجودة ومركونة في حيز أو زاوية، والعالم منذ أن كان هو هو وإنما أسماؤه ونعوته وصفاته هي التي تتغير وتتجدد بالنسبة إلى ما هو معلوم منها سابقا، وحتى أسماء الأشياء الجديدة سرعان ما تذبل أمام أنظارنا بسرعة عندما نمل أو نضجر.

وسيبقى حالنا على هذه الأرض كما هو، وحال الأشياء فيها سيبقى مترددا بين قديم وجديد، وقديم جديد، وجديد قديم، تماما كعروض الأزياء النسائية والرجالية، ومعارض السيارات وأجهزة الاتصال وأروقة الكتب الورقية والإلكترونية …।إلى أن يستقدم الآدميون من الكواكب البعيدة معادن أخرى غير المعادن، وماء غير الماء وهواء غير الهواء وترابا غير التراب ونساء غير النساء ورجالا غير الرجال وألوانا غير الألوان، وكلاما غير الكلام، وحروفا غير الحروف…

وفي هذا العقد الجديد من ألفيتنا الثالثة كم واحد منا غير هاتفه النقال وباقي الأجهزة الإلكترونية !. وحتى التلفزيون القديم الذي تربع على عرش غرف الجلوس والاستقبال ردحا من الزمن في بيوتنا قد استحال إلى برواز لوحة جدارية مشعة بالألوان النقية ثلاثية الأبعاد وبالأصوات المجسمة…। لكن فكرة التلفزيون كفكرة ووظيفة وطريقة للتواصل بقيت على حالها… إلى أن يخترع الأدميون عيونا غير العيون وآذانا غير الآذان وألسنة غير الألسنة। وإلى أن يحين ذلك الوقت سيبقى كل ما على أرضنا مما هو مصنوع أو مطبوع امتداد لذات الإنسان وكيانه المحدود بضائقة الزمان وذات اليد وبضيق المكان…

و من كان ينقش بالأمس البعيد حروفه بالإزميل على حجر، هو من كان ينقش حروفه بالأمس القريب على سجل أو دفتر، وهو من يرقن اليوم حروفه المنسدلة على مسطح زجاجي مشع لكن فقط بلمس مجسات إلكترونية استشعارية.

ومع أن الكتابة أثر باق وشهادة إثبات على كل الموضوعات التي ننتزعها من ذاتنا ومن غيرنا ومن عموم الحياة، فإن المحو فيها أكثر، وهذا ما يجعل الكتاب مختلفين عندما يطلب منهم أن يكتبوا في موضوع واحد؛ فالاختلاف يقع فقط في ما يثبته هذا ويمحوه الآخر، فيما يستحضره هذا ويغيب عن ذاك.

وفعل المحو والإثبات هو ديدن سائر الفنانين والمبدعين: فلوحة الرسام مثلا إنما هي بقية ألوان لم تستعمل، ومنحوتة النحات الحجرية هي بقية ما تساقط من قطعة الحجر بعمليات الحفر والنقر والصقل حتى تستوي على هيأة وجه أو شكل أو حركة.
ولذلك تجد الصائغ يفرش تحت مصوغاته عند القطع والخراطة والتلحيم منديلا أو لوحا زجاجيا نقيا حتى يجمع ما تساقط وما تناثر من جزيئات الذهب والفضة والماس ليعيدها إلى دورة إنتاج أخرى عندما تبرق أمامه فكرة جديدة، وفي هذه الأيام بدأت تعمل كثير من مصانع العالم وأوراشه على تدبير النفايات الطبيعية والصناعية…

ونحن أيضا عندما ندون أو نكتب قد يتساقط من حروفنا وكلماتنا قدر كبير لا يصل إلى القارئ بعمليات التنقيح والتحكيك والمراجعة। وأنا أجزم في نهاية هذا الإدراج بأن ما تساقط من حروفه أكثر مما بقي منها، حتى استوى على هذا النحو.

لا يهدأ بال الكاتب المفتون بسحر الكلام حتى يسكن كل حرف من حروفه إلى جاره، ويستقر في مكانه استقرار الجالس المستريح. وعندما ينهي موضوعاته ويرسلها على الشبكة أو ينشرها تصبح ورقة في شجرة المعرفة الإنسانية، فإما أن تثبت بقوة في أغصانها، وإما أن تسقطها الرياح.

الأربعاء، 3 مارس 2010

استراتيجيات الكتابة؛ الورقة الأولى.

الورقة الأولى: اختيار الموضوع، (خواطر بين يدي الموضوع)

سبق لنا أن قدمنا مفهوما عاما للكتابة في إدراج سابق.

أما اليوم فنريد أن نعرض لقضية اختيار موضوع الكتابة، من لحظة كونه جنينا في رحم الفكر أو الخيال إلى لحظة بلوغه الدرجة المقبولة من النضج والاكتمال، ولا نقول الكمال؛ لأن كل شيء مرتبط بعلم الإنسان وإدراكه وخياله فإنما هو نسبي، أي بالنسبة إلى شيء آخر قد ينقص عنه أو يزيد عليه قليلا أو كثيرا.

وفي البداية، لا بد أن نُسلم بأن كل ما يدرك بالحس أو العقل أو التجربة صالح لأن يكون موضوعا للكتابة، بغض النظر عن المحاذير والأسلاك الشائكة المحيطة بنا والخطوط الحمراء الموضوعة أمامنا والسقوف المتينة المرفوعة فوق رؤوسنا، لأن كل شيء موجود فإنما هو يوجد أصلا فينا أو حولنا أو يمر فينا عبر مجساتنا ووسائل إدراكنا المركبة فينا خلقة وجبلة، بغض النظر عن طبيعة الموجودات من حيث كونها حسية أو معنوية، حقيقية أو افتراضية، ومن حيث كونها صغيرة أو كبيرة جليلة أو حقيرة نافعة أو ضارة.

فكيف السبيل إلى التجاهل أو الإنكار أو المجادلة والاستكبار، وكل ما أدركناه بالحس أو الفكر أو الممارسة أو الخيال فقد حزناه وامتلكناه، ولكن بمقدار درجة وعينا الشخصي به، وفي حدود طاقة لغتنا التي ستبقى أداتنا الأولى في التفكير والتعبير رغم طوفان الصور الذي يغمرنا من كل جانب، ورغم سحر تقنيات الصورة وخدع الإخراج التي تجعلها أحيانا أجمل وأبدع من واقع الحياة ومن بيان اللغة؟.

ولو كانت قيمة موضوعات الكتابة تقاس بالحجم أو القوة أو الجدوى أو السرعة لكانت الكتابة عن الفيل مثلا أهم من الكتابة عن النملة، ولكانت الكتابة عن الخبز أجدى، ولكانت الكتابة عن العسل أحلى وأشفى، ولكانت الكتابة عن الحرية أوسع وعن السجن أضيق، ولكانت الكتابة عن الصاروخ أسرع وعن السلحفاة أبطأ، ولكانت الكتابة عن الشجاعة قوة وعن الجبن ضعفا، ولكانت الكتابة عن الوضوء طهارة وعن مبطلاته نجاسة…

إن مشكلة الكتابة حول موضوع ما لا تكمن في الموضوع نفسه كيفما كان أصله أو فصله، وإنما في اختيار الموضوع وفي الملابسات المحيطة به। وتلك الملابسات قد تكون خاصة بالكاتب وحده، وقد تكون عامة يشترك فيها مع كل الناس كما يشترك معهم في الحقوق والواجبات وفي أمهات المصالح والمشكلات، وفي الهواء الذي يتنفسونه وفي الماء الذي يشربونه.

ولو كان الكاتب يكتب عن نفسه ويقرأ لنفسه فقط لهان الأمر، ولما رفعت في وجهه المحاذير وصكوك الاتهام والغفران في كل عصر وفي كل مصر.

إن ما نفكر فيه قبل ارتكاب فعل الكتابة أو جرمها أو إثمها يبقى شأنا خاصا لا يملك أحد الحق في الاقتراب منه أو القدرة على مصادرته، لأنه في حكم العدم أو لنقل في وضعية استعداد للتشغيل (standby) فهو موجود ولكنه غير معلن. إنه موجود بالقوة وليس بالفعل. وربما لهذا السبب فإن معظم ما يفكر فيه الناس باستمرار يضيع في خضم انشغالات الحياة العادية بين أكل وشرب وصحو ونوم وجد وهزل وفراغ وعمل حتى يأتي كاتب ما فيضغط زر التشغيل ذاك، ويحول ما يفكر فيه الناس بحكم العادة إلى موضوع قد يحسبه الناس والمنتقدون والمؤيدون والمعترضون أنه خارج عن المألوف والعادة.

ولكن، قد يحدث أن يتحول مجرد البدء في التفكير إلى تهمة أو مساءلة عندما يكون إلى جانبك شخص آخر يرمقك بنظراته ويقرأ على ظاهر وجهك ما يعتمل في دواخلك وأغوارك। ففي لحظة الشرود قد تفاجأ بهذا السؤال: في أي شيء تفكر، هيا أجب؟ لقد فضحك بريق عينيك وتغيُر لون وجهك , وها قد بدأت أخيرا أولى حروف البوح ترتسم على شفتيك…

غير أن ما تثبته خطوط الكتابة أخيرا وبعد طلق فكري مؤرق ومخاض تحريري موجع عندما تطول بك ساعات الجلوس على مقعد غير مريح، سرعان ما يصبح معروفا بالاسم والصفة لدى أبعد الناس فضلا عن أقربهم، كأي مولود جديد يستحق هوية واسما يكتب في الكنانيش العائلية وفي السجلات والمحاضر الحكومية। غير أن هذا المولود قد يفرحك تارة وقد يغضبك تارة أخرى، وقد يكون سبب نعمة فتنتفع به أو نقمة فتشقى به، وقد يريحك طورا ويتعبك أطوارا॥إنه تعب الكتابة وسهدها لمن يقدرها حق قدرها، ويستقطر رحيق الروح من كلمات ليست كالكلمات…

وهناك فرق كبير بين أن تعيش لوحدك وبين أن تعيش مع الناس، وبين أن تأكل لوحدك وبين أن تأكل معهم من قدورهم وأطباقهم، فأنت في الوضع الأول مختار بينما أنت في الوضع الثاني مساير أو مجامل أو مجبر أو محتار…

فالأعراف والتقاليد والقوانين والأحكام الجاهزة سلفا هي التي تفرض علينا دوما أن نقول في موضوع ولا نقول في موضوع آخر، وأن نتكلم في وضع ونصمت في وضع آخر، وأن نعتبر بما يُعتبر عند الناس، وأن نقتنع بما يُقنعهم بحكم العرف والدين والقانون والعادة.

ولذلك من الطبيعي جدا أن يمر الكاتب قبل اختياره لموضوع ما باختبارات نفسية عسيرة وترشيحات وترجيحات، وقد يتقمص أدوار قراء مختلفين، وحتى دور الرقيب والجلاد، ويطرح أسئلة ويقترح أجوبة حول كل موضوع قيد الاختبار قبل الاختيار..

وربما تطلب الأمر تبييت الموضوع الواحد أو مجموعة مواضيع أياما عديدة حتى ينضج الواحد منها وتفوح روائحه، مما يدفعه إلى التخلص منه سريعا عبر فعل الكتابة، كما يتخلص الجسم من السوائل الزائدة وبقايا الطعام.

والكتابة أخيرا خلاصة كل الخلاصات وعصارة كل العصارات، فمن يقدر أن يقول عن العسل: إنه بُراز النحل أو قيئه॥!! ومن يقدر أن يقول عن الكتابة: إنها بُراز العقل أو قيئ المخ.. لاحظ معي كيف قادتني غواية الكتابة إلى هذه المقارنة الغريبة، وإلى هذا الأسلوب السخيف..!!

ويحس الكاتب بنشوة العائد من سفر طويل، وبراحة من تخلص من نفايات جسمه بعد طول انحباس، عندما يضع نقطة النهاية لموضوع اختاره أو جرب الكتابة فيه، فيخرج من عزلة الكتابة إلى مصافحة وجه الشمس ولقاء الناس.

والكاتب أول من يسعد بكتابته قبل أن يسعد بها غيره لأنه بالضرورة أول قارئ لما كتبت يداه، وأول منتقد لما تتصفحه عيناه. وهذا ما قد ينساه أو يتناساه الناس في العادة.
ولكنه لا يكتفي حتى يكرر فعل الكتابة أو جرمها أو إثمها مرات ومرات كمن تمكنت منه عادة الإدمان…

وحتى إذا ما قرر يوما أن يكتم صوته ويحبس مداد قلمه لحيرة أو نكد أو مرض أو وهن، فإن هاجس البوح يلح عليه في كل مرة، وتصبح الكتابة مع مرور الوقت أشبه ما تكون برياضة الصيد ولعبة المطاردة। فعليك في كل مرة أن ترمي شباك حروفك لتقتنص جديد الأفكار، وطريف الموضوعات…

وهناك ثلاثة أزمنة محيطة بكل موضوع :
زمن أول لاختيار العنوان المناسب؛ فالوقوع على العنوان هو العملة الصعبة لكل كتابة جيدة أو مثيرة، ويمكن صرفها حسب الحاجة وعلى فترات। وقد يتم العثور على العنوان بالصدفة الخارجية من خلال ملاحظة سلوك الناس وتتبع مجريات الأحداث القريبة أو البعيدة، أو بالإلهام الداخلي الذي يشحذ مع مرور الوقت بالخبرة والقراءة المستنيرة والتدريب على تمثل الرؤى والمواقف والحالات.

وتمكن العناوين الكاتب من الهجوم على موضوعاته بسرعة إذا كانت أدوات الكتابة لديه، فالعنوان هو البوصلة التي ترسم معالم الطريق أمام الكاتب وتجنبه التيه والضلال. وربما تطلب الأمر تعديل العنوان جزئيا أو كليا بعد الفراغ من كتابة موضوع ما حتى يكون أكثر دلالة وأكثر إثارة.

وزمن ثان للبسط والعرض، وحيث يمكن للكاتب أن يصول ويجول في مضمار الورق أو على شاشة الحاسوب حتى يستوفي عناصر موضوعه فقرة فقرة، وجزء جزء.

وزمن ثالث غير ثابت للمراجعة، فالعرض أو ل الأمر يكون غير مرتب وغير تام، ولكن المراجعة هي التي تصلح ما اعوج منه بوضع كل فقرة وكل جملة وكل كلمة في مكانها المناسب الذي يتطلبه السياق.

والكتابة مثل البناء لا بد لها من هياكل لغوية قوية تدعمها وتصمد بها في وجه المتغيرات، ولا بد لها من بعض الجماليات الفنية التي تجعلها ذات مزية تتجدد كلما أجلنا فيها الفكر أو جددنا فيها النظر. وللكتابة عن هذا الموضوع بقية.

الاثنين، 15 فبراير 2010

خلاصة تجربتي في الكتابة عن التدوين

بدأت الكتابة عن التدوين العربي منذ ما يزيد عن أربع سنوات، في وقت كانت لازالت مساحة التدوين العربي شبه خالية؛ إذ كان أكثر المدونين بالعربية حينها معدودين معروفين بأسمائهم أو بعناوين مدوناتهم التي تدل على أشخاصهم. وكانت معظم المواقع العربية التي تقدم خدمة الاستضافة المجانية في طور التجريب أو عند إصداراتها الأولى.

أما المواقع الغربية فلم تكن تدعم اللغة العربية إلا بشكل جزئي بسيط لا يكاد يُعتد به. وحتى موقع كوكل الغني عن كل تعريف لم يبدأ في دعم التدوين بالعربية إلا مؤخرا، كما أو ضحت ذلك في إدراج سابق.

ونظرا لتطاول العهد بيننا وبين اللحظات الأولى لظهور التدوين العربي، ربما غابت عن بعض المدونين الجدد الصورة البدائية الأولى التي كان عليها واقع التصفح الإلكتروني منذ عقد واحد أو أكثر من ذلك بقليل، بخلاف ما هو عليه الحال الآن من حيث جودة التقنية ومن حيث السرعة ومن حيث جمالية التنسيق وجاذبية العرض، ومن حيث غنى المحتوى الافتراضي وتنوعه.

وكنت قد كتبت أول إدراج عن التدوين العربي يوم سادس عشر فبراير شباط سنة 2006. أي منذ أربع سنوات كاملة. وهذه المدة وإن عدت، في حساب الزمن الطبيعي، قصيرة فهي في عمر الزمن الافتراضي أطول مما قد يُظن للوهلة الأولى. فأنا شخصيا أعد كل سنة افتراضية بعشر سنوات عادية. نظرا لسرعة التطور التقني التي تشهدها عوالم الاتصال المرتبط من جهة، ونظرا لحجم الامتلاء الهائل الذي يشهده جوف الإنترنت في كل يوم جديد من جهة ثانية. فأي واحد منا اليوم يستطيع أن يحصي عدد من انضم إليه في الفترة الأخيرة من المدونين بالعربية، من كل قطر ومن كل ناحية ؟.

وكان أول موضوع كتبته عن التدوين العربي تحت عنوان:( حديث المدونات العربية.. قراءة أولية في مشهد التدوين العربي. )، بتاريخ 16 فبراير عام 2006. ومنذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا كتبت ما يزيد عن مائة إدراج. وكل إدراج بعنوان مختلف.

ويستطيع القارئ الكريم أن يستعرض تلك الإدراجات بعناوينها المختلفة عن طريق رابطيها المباشرين على العمود الجانبي لهذه المدونة تحت فئة (تصنيف)؛ والأول منهما تحت عنوان:(عن التدوين والمدونات)، أما الثاني المتمم للأول فتحت عنوان: (من وحي الإنترنت).
ولا شك أن الارتباط بين الحديث عن التدوين وبين الحديث عن الإنترنت قوي ومتين، ولايمكن أن تفك أواصره؛ فهو ارتباط الخاص بالعام وارتباط الجزء بالكل؛ فالتدوين جزء صغير معلق في سماء العوالم الافتراضية، وهو نتاجها وابن جلدتها إن صح لنا هذا التعبير.

ولما كانت موضوعات التدوين مختلطة بغيرها من الموضوعات العامة التي شغلتني طوال هذه المدة من عمر هذه المدونة (كلمات عابرة) فقد أفردت لقضايا التدوين مدونة خالصة تحت عنوان: (تدوين التدوين). ويمكن استعراضها أيضا من خلال الرابط التالي.

وقد كانت خطتي في التدوين، باختصار شديد، تقوم على خمسة أهداف أساسية:

الهدف الأول: اختيار العناوين الدالة القادرة على اختزال التفاصيل الكبرى لواقع التدوين العربي ولتجاذباته المختلفة التي تبتدئ من المدون نفسه ومن انفعالاته الذاتية وتنتهي عند تفاعلات الآخرين والمجتمع. وعسى أن تتوضح الرؤى أكثر حول هذه العناوين والمضامين من خلال جهود زملائي في التدوين، خاصة بعد ظهور مواقع ومدونات ومنتديات عربية خاصة بقضايا التدوين العربي في الآونة الأخيرة.

الهدف الثاني: تبسيط المفاهيم عند تحليل الظواهر وعرض المشكلات بهدوء ورزانة بعيدا عن التطاحنات والحسابات ومن غير صخب أو جلبة.

الهدف الثالث: تقريب المسافة بين المدون والقارئ وحثهما على التفاعل الإيجابي بحيث يمكن لهما أن يتبادلا الأدوار ويؤثر أحدهما في الآخر، وبحيث تكون علاقتهما منتجة ومجدية وغير عقيمة أو غوغائية.

الهدف الرابع: الرفع من مستوى التدوين العربي شكلا ومضمونا، حتى لا نفسح المجال أكثر للعابثين والمجانين والمستهترين الذي يعيثون في الفضاء الافتراضي العربي فسادا وانحلالا وانحطاطا.

الهدف الخامس: تيسير العربية بجعلها أداة حية طيعة سلسلة وأنيقة في يد المدون، كما كانت سابقا لدى فطاحل الكتاب والمؤلفين العرب.
أوليس التدوين اليوم، إحدى طرق التأليف والكتابة ولكن بصيغة جديدة استطاعت أن تفرض نفسها وتشق طريقها نحو عوالم النشر الورقي أيضا. فليس هناك كبير فرق بين ما حاوله أسفلافنا وبين ما نحاوله، وبين ما راودهم وبين ما يراودنا الآن من شؤون وشجون، وإنما العبرة في كل وقت، بالإنسان نفسه من حيث هو إنسان، وليست العبرة فقط بالمكان والزمان وبمن تقدم أو تأخر…

وأنا عندما جئت إلى عوالم التدوين كنت أحمل معي همومي وهموم غيري، وفي جعبتي منتهى أملي وما وصل إليه علمي وفهمي وخيالي…
وعسى أن أكون بهذه المدونة المتواضعة قد أفدت، وإلى واقع التدوين العربي قد أضفت. وأن يكون ما أدرجناه فيها مما يحسب لنا لا علينا.
وشكري سيظل موصولا أبد الدهر، كما أسلفت في المقدمات إلى كل من زار أو علق أو تواصل وراسل.

الأربعاء، 27 يناير 2010

الإعلام العربي الجديد وأفق التغيير

لم يعد الإعلام العربي في صورته الجديدة حكرا على الأنظمة العربية الحاكمة وعلى الأحزاب السياسية المؤيدة لها أو المعارضة، وإنما أصبح، بفضل نعم التكنولوجيا ومنجزاتها الهائلة في عالم التواصل، متاحا للجميع مثل الماء والهواء.

لقد سقطت القدسية عن الخبر العربي، وتبخرت كل شعاراته الزائفة في أجواء التحرر الإعلامي الجديد، ونزل الخبر المعظم أخيرا عن عرشه من علياء مؤسسات التحرير الرسمية متخففا من قيود الآداب السلطانية وحرج تقبيل أعتاب وأقدام السادة المبجلين، مترجلا يمشي حافيا عاريا في الشوارع ويتوغل في الحارات حتى اعتاده جميع الناس وصار عندهم في حكم المتاع المشاع مثل الخبز اليومي لكل واحد منا نصيبه المنقوص أو الكامل.

وهاهو الخبر العربي اليوم قد صار مطروحا في الطرقات العنكبوتية العامة مكشوفا مفضوحا، يبثه ويلتقطه من شاء بالصوت والصورة والعبارة.
وقلم المداد المنمق الفاخر الذي كتب به مشاهير الصحفيين الألمعيين أعمدتهم الثابتة في الجرائد الوطنية العربية والحزبية، على مدى نصف قرن أو يزيد ما عاد له نفس الأجر ونفس البريق والجاه.

ويبدو أن بعض الحكومات القائمة على شأن الإعلام في وطننا العربي قد استوعبت دروس التحولات الإعلامية الجديدة، فما عادت على الأقل تطيل نشراتها الإخبارية الرسمية كما كان الأمر في السابق، ربما إشفاقا على معدة المواطن العربي المهترئة أصلا من القرحة الموجعة ومن الذبحة القاتلة بسبب الأحماض والتوابل الزائدة عند إعداد الوجبات الإخبارية العربية الرسمية الحافلة بالتدشينات وبالاستقبالات والتوديعات …

ما أسهل اليوم أن تصبح كاتبا في إحدى الجرائد الإلكترونية أو مقدم برامج في إحدى القنوات الفضائية أو مذيعا في إحدى محطات الإذاعات ... فما عاد الأمر يحتاج إلى تكوين خاص أو ثقافة عالية، وربما كان للصدفة العابرة وللعلاقات الشخصية وللتوافق المزاجي بين هذا الطرف أو ذاك أكبر الأثر في إنشاء جريدة إلكترونية، أو قناة فضائية أو محطة إذاعية جهوية أو غير ذلك من الوسائط الإعلامية التي لا يمكن أن تنتعش اليوم إلا بالوصلات الإشهارية المدفوعة الأجر أو تقتات على مكالمات المستمعين أو المشاهدين الفائضة من رصيدهم لدى شركات الاتصال.

وكثير من المحسوبين على الإعلام العربي المرئي أو المكتوب أو المسموع هم اليوم من أشباه المثقفين وقد لا يتميزون كثيرا عن طبقة العوام الأميين…وقد يكفي أن تتابع برامج المنوعات العربية المبثوتة على التلفاز في بيتك أو على المذياع وأنت تقود سيارتك…

وأخطر ما في الإعلام الجديد هو هذه السلطة الخفية التي صار يمتلكها في قلوب الناشئة الجديدة، سلطة تذعن لها النفوس قبل العقول، وتسخر لها كل معطيات التكنولوجيا والبرمجة الرقمية الحديثة التي كثيرا ما تسحرنا وتبهرنا، فتجعلنا من خلال تقنية الفوتوشوب مثلا نرى صورا غير الصور وحقائق غير الحقائق وعالما فسيحا يمتزج فيه الواقع بالخيال، والصدق بالكذب فنذعن ونتغير من غير شعور من داخلنا قبل خارجنا، وفي سلوكنا وحتى في طريقة كلامنا.

لا شك أن دور الإعلام الجديد في تشكيل الوعي لدى عموم الناس يفوق دور كل مؤسسة تربوية عمومية أو خصوصية ويتجاوز بكثير دور الآباء والمربين والدعاة والحكام وكل الوزارات وكل هيئات المجتمع التقدمية أو الأصولية…

قد ينتابك حرج وأنت تتابع بعض برامج التلفزيون مع أبنائك، وقد يفرون من مكانهم حيث يجلسون أمام التلفزيون حرجا في المرة الأولى، وقد تفر أنت أو تضطر إلى تغيير المحطة، لكن من يضمن لك أن لا تنفض أو لا ينفض أبناؤك من حولك في المرة الثانية، إن لم تجد البديل المناسب عند تغيير المحطة أصلا أو أصروا واستكبروا استكبارا…

قد يغير الإعلام الجديد فينا بعض الشيء حبا في مجاراة الركب، ولكن الإعلام الجديد سيغير في أبنائنا كل شيء لأنهم بحكم الزمن سيكونون في مقدمة الركب.

الجمعة، 22 يناير 2010

مفاتيح الولوج الرقمية؛ سِر أم خصوصية…؟!!

هناك في حياة الإنسان الواقعية ما يستدعي التكتم، حفاظا على نوع معين من إيقاع الحياة، وصونا للبيت الأسروي الصغير ولأركان المجتمع الكبير من الهدم في بعض الأحيان، وعونا على قضاء مآرب الدنيا الشخصية بالنسبة للأفراد، في أكثر الأحيان.

ولا حاجة بنا هنا إلى ذكر الحكم وسرد القصص المرتبطة بهذا الموضوع الخطير لأنه إذا ما اشترك في السر الواحد شخص ثان، ولو كان شقيق الروح وتوأم النفس لم يعد بالإمكان أن يقال عنه سرا.

وهناك حدود كبيرة فاصلة بين درجات تملك الأسرار وصونها وبين طرق اكتشافها بالصدفة أو الحيلة، وبين انتزاعها بالغصب والقهر। ويمكن أن نضرب المثال على ذلك بمحاكم التفتيش، وبأجهزة المخابرات في كل دول العالم.

ولك أن نتخيل مؤسسات بهذا الحجم، ترصد لها أضخم الأموال ويعين فيها أعتى وأمكر الرجال مهمتها الأساسية الحفاظ على أكبر أسرار الدولة وانتزاع أخطر الأسرار من الدول الأخرى المتربصة القريبة أو المعادية، ومن الانقلابيين والمناوئين في الداخل والخارج، ومن كل المتهمين والمشبوهين، وحتى من الأبرياء، عندما تختلط الأوراق ويقع الناس جميعهم تحت طائلة س وج …

ولنا في قصة احتلال العراق الشقيق الذي احترق أخضره بيابسه خير دليل على ما نقوله من غير حاجة إلى ذكر التفاصيل المودعة الآن بأمان واحتراز شديدين في البيت الأبيض الأمريكي مستودع كل الأسرار الكبيرة والخطيرة في بلاد العم سام…।

وكما أن لكل فرد أسراره فكذلك لكل جماعة ولكل مؤسسة ولكل دولة ولكل مهنة ولكل ما هو موجود في هذا الكون الفسيح। لأن مجرد وجود شيء ما هو في حد ذاته سر من الأسرار….

ومع أن معظم ما في حياتنا الافتراضية مكشوف مفضوح على ملأ الدنيا كلها إلى درجة العهر والعري المبتذلين، فإن وراء كل موقع أو مدونة أو منتدى أو صفحة إلكترونية سر خطير لا يمكن البوح به أو الإعلان عنه أو التلميح إليه، لأنه بمثابة المفتاح والقفل الافتراضيين بالنسبة لكل بواباتها الصغيرة والكبيرة، عند كل فتح أوإغلاق، وعند كل طي أو نشر…
ونعني هنا بالمفتاح الافتراضي طريقة الولوج لإدراج شيء ما على الشبكة العنكبوتية أو حذفه أو تعديله.
ونعني بالقفل تأمين الخروج النهائي من أي صفحة إلكترونية شخصية، بعد إطفاء الحاسوب ومغاردة مكان الجلوس، دون أن نترك الباب أمام الآخرين مواربا أو مفتوحا على مصراعيه ليدخلوا بعدنا ويحتلوا المنصة والمكان…

وليست المفاتيح والأقفال الإلكترونية مواد صلبة من حديد أو فولاذ، وإنما هي حزمة أرقام وحروف تنطبع على نفس واحدة هي نفس صاحبها، وعلى ذاكرة واحدة هي ذاكرة صاحبها دون غيره من الناس، كما ينطبع (كانون) القفل الوحيد حالة كونه مواد معدنية منصهرة على مفاتيحه الأصلية الأولى التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة عند الصنع…

ولولا وجود منصة الولوج الافتراضية المحمية بالأرقام والحروف السرية السحرية بالنسبة لصاحب لكل مدونة أو منتدى أو موقع أو أي صفحة إلكترونية عادية لعم النهب والسلب بيئتنا الافتراضية، ولما صح لنا أن ننسب كل هذا الكم الهائل من المواقع الإلكترونية لأصحابها الذاتيين أو المعنويين.

ومنصة الدخول الافتراضي المحمية بمثابة الحصن المنيع والجدار المرتفع لتضمن استمرار الحياة الافتراضية بالنسبة لكل المواقع والصفحات الإلكترونية أكبر فترة ممكنة…

ومع الحرص الشديد من قبل المستخدمين للبوابات الإلكترونية عند الدخول إليها أو الخروج منها، فلا يخلو الأمر من المتلصصين والقراصنة والمتجسسين الذين يتتبعون خطوات كل ولوج أو خروج عبر برمجيات القرصنة (الهاكر) قبل كل هجوم أو اقتحام؛ إما لغرض التدمير، وإما لغرض العبث بمحتويات وممتلكات الغير، وأحيانا لمجرد إثبات الذات وتحدي برامج وجدران الحماية العالية التي يرفعها أصحاب المواقع المهمة في وجوه القراصنة وقطاع الطرق الإلكترونية.

ولكن، كثيرا ما تجد بالصدفة أن أحدهم قد ترك بوابة الولوج إلى صفحته الشخصية مفتوحة على المسنجر أو الفيس بوك أو غيرهما من البوابات؛ ويحدث هذا عادة في مقاهي الأنترنت عندما يترك أحدهم مقعده دون أن يحكم إغلاق الأبواب والنوافذ الافتراضية، وكذلك الأمر بالنسبة لأماكن العيش والعمل المشترك، كالإدارات والمصالح العامة والمؤسسات الخصوصية المكتظة بالناس، وحيث يمكن للمدير مثلا أن يترصد ويراقب كل الحركات والمناورات التي يقوم بها الموظفون والأعوان من خلال الحواسيب الموصولة …

وإذا كان من السهل على أي واحد منا أن يختار ما شاء من حروف وأرقام، بعد أن يرتبها بطريقته الخاصة في نفسه، لتكون حزمة مفاتيح ولوجه السرية لبواباته الإلكترونية المختلفة، فإن أصعب ما يلي هذه العملية هو استظهار تلك الحروف والأرقام واسترجاعها بالنسق الأول عند كل مرة.

وإن فقدان سر الولوج إلى المواقع والمدونات والمنتديات أمر وارد ولا يمكن استبعاده لعامل النسيان أو غيره। وربما كان ذلك أحد الأسباب الأساسية لتوقفها، وبقائها على حالة واحدة ثابتة من غير تجديد أو تحديث.

وحدهما النسيان والموت كفيلان بأن يغيرا معالم الحياة الافتراضية في مستقبل الأيام ليغدو جزء كبير منها في حالة توقف أو جمود، إن لم نسلم مقاليد مدوناتنا ومواقعنا وصفحاتنا الشخصية في حياتنا وقبل وفاتنا إلى غيرنا، وتلك قصة أخرى قد لا تكتمل تفاصيلها إلا بعد مرور جيل واحد على الأقل من الآن، ابتداء من هذه اللحظة التي أنهي فيها كتابة هذا الإدراج وأنا على قيد الحياة.

الاثنين، 11 يناير 2010

روابط التدوين؛ من الاتصال إلى الانفصال.

تمثل الروابط والوصلات في عالم القراءة الافتراضية ما تمثله الإحالات المرجعية في الكتب والمنشورات الورقية.

والروابط تتوجه في المقام الأول إلى القارئ، حيث تتيح له إمكانيات بديلة للتعرف على الموضوع المُحال عليه من زوايا أخرى قد تكون مماثلة أو مختلفة أو مكملة، كما أنها تبرهن على سعة اطلاع الكاتب والمدون معا، وعلى جهودهما في التوفيق بين أفكارهما وأفكار غيرهما।

والروابط والإحالات تتعدى كونها مجرد إشارة مرجعية لتصبح شكلا من أشكال التواصل مع الآخرين، وحثا للقارئ على الانخراط الدائم في مشروع البحث والتنقيب عن أصول المعرفة أنى كانت مصادرها।

غير أن الروابط في عالم الإنترنت، وبغض النظر عن ما يمكن أن تجلبه للقارئ من فوائد معرفية، قد أصبحت مطلوبة في حد ذاتها لأنها تعد الآن من أهم المؤشرات على شهرة المواقع والمدونات والصفحات الإلكترونية…
ويكفي أن تجرب البحث في الشبكة عن أي كلمة أو صورة أو اسم موقع أو مدونة حتى يأتيك كوكل أو غيره من محركات البحث بكافة روابطها العشوائية المتصلة بها بسبب مباشر أو غير مباشر .
ولهذا السبب قد يعمد بعض أصحاب المواقع والمدونات المحترفين إلى استخدام بعض الحيل التشبيكية الخاصة حتى تصبح مواقعهم ومدوناتهم معروفة أكثر لدى الزوار ولدى محركات البحث।

ترى، كيف يتم التعامل مع تقنيات الربط والتشبيك في واقع التدوين العربي؟
في البداية ينبغي التمييز بين نوعين مختلفين من الروابط؛ فهناك روابط داخلية خاصة بكل مدونة على حدة، وهناك روابط خارجية تصل مدونة ما بغيرها من المواقع والصفحات الإلكترونية المنتشرة على الشبكة؛

ونقصد بالروابط الداخلية مجموع الوصلات التي تربط مضامين الإدراجات الجديدة بالقديمة। وهنا تتجلى عناية المدون بنسق مدونته الفكري المنتظم، مما يجنبه الوقوع في الحشو والتكرار.

أما الروابط الخارجية فنقصد بها كل خيوط التشبيك التي تصل مدونة ما بما يناسبها في الخارج مما هو مدرج على الشبكة.
والروابط الخارجية قد تكون من صنع المدون نفسه حينما يعمد عن قصد واختيار إلى نوع معين من التشبيك الخارجي الذي يناسب سلوكه ومنهجه في التدوين، وقد تكون من صنع غيره، ولا يكون له فيها يد। ربما لأن طبيعة موضوعاته تغري غيره بأن يضعوا لها رابطا واحدا أو أكثر على مدوناتهم ومواقعهم.

وإذا كانت الروابط والوصلات بهذه الأهمية، في خلق وشائج القربي بين المدونين، وفي إيجاد عناصر التقارب بين المواقع والمدونات، فينبغي أن تعطى لها الأهمية التي تستحقها بحيث تكون مميزة باللون أو الخاصية، ثم كيف يمكن للقارئ أن يميز بين كلمة مرتبطة وأخرى غير مرتبطة إذا كان بنط الخط واحدا؟!।

وفي العادة فإن اللون الأزرق الفاتح هو اللون الافتراضي المميز للكلمات والفقرات ذات الارتباط الداخلي أو الخارجي، الجزئي أو الكلي॥

وكما يمكن للمدون أن يفك الارتباط عن الكلمات والفقرات المرتبطة في أي وقت، يمكنه كذلك أن يغير لونها بما يتناسب مع شكل مدونته। من خلال محرر النصوص، أو من خلال لغة الهوتمييل، إن كانت له معرفة ببعض خصائص لغات البرمجة.

ومع أن الروابط مفيدة للقارئ، غير أن كثرتها في الصفحة الواحدة قد تشتت اهتمامه وتطوح به بعيدا عن السياق العام، وخاصة إذا كانت تلك الروابط عشوائية وليست لها صلة قوية بالموضوع الأساسي।

غير أن ما يحبط القارئ أكثر أن تكون تلك الروابط معطلة، بسبب خلل ذاتي فيها عند الوضع। ولذلك لا بأس إذا جرب المدون روابط مدونته أو موقعه، وتأكد من سلامتها من كل خلل قبل إصدارها. فالروابط مثل الأزرار والمفاتيح السحرية لأنها تنقلنا عند الضغط عليها بالمؤشر الرقمي من موضوع إلى موضوع، وترفعنا من مقام إلى مقام.

غير أن الروابط مثلها مثل أي جسر واصل بين ضفتين موجودتين على الأرض يمكن أن تتعرض في أي وقت للتلف والانهيار بسبب الرياح الهوجاء، وبسبب عوامل التعرية التي تتعرض لها حياتنا الافتراضية أيضا سواء بسواء।

وقد يكفي مثلا أن أحذف مدونتي هذه (كلمات عابرة) بضغطة زر واحدة بالعمد أو الخطأ لتتداعى كل روابطها على بعضها البعض كأحجار الدومينو، ولتتحول صفحاتها المربوطة إلى محركات البحث وإلى المواقع والمدونات الأخرى إلى بياض افتراضي.

وربما كانت أهم عيوب الروابط والإحالات الافتراضية أنها قد لا تصمد كثيرا مع مرور الوقت كما تصمد الروابط والإحالات الورقية المحفوظة بعناية في الصناديق أو في المكتبات، وذلك لكثرة العوارض والآفات التقنية في دنيا الإنترنت.

الجمعة، 8 يناير 2010

عندما ينجرف التدوين العربي نحو أساليب الدردشة والتسالي… !!

كانت بنية المدونات العربية، منذ اللحظات الأولى لظهورها، بنية نصية في المقام الأول. ولذلك فقد زودتها كافة المواقع التي تقدم خدمات التدوين بمحرر متطور للنصوص العربية. وبدون هذا المحرر لا يمكن للمدون أن يتحكم في مدونته؛ سواء من حيث شكل وحجم ولون الخطوط والفقرات، أومن حيث الصور واللوحات الخلفية، أو من حيث الروابط والوصلات، أومن حيث كافة الوثائق والملفات المرفقة.
فعمل التدوين، رغم بساطته في الظاهر، يقتضي اكتساب بعض المهارات الأولية في الإعداد والمراجعة। وربما اقتضى الحال معرفة بعض لغات البرمجة الأساسية في مستوياتها البسيطة والمعقدة، وذلك قبل الإخراج النهائي لكل صفحة من الصفحات أو إدراج من الإدراجات।

والمدون مهما بلغت درجته في المهارة والاطلاع والاحتراف فإنه سيبقى دائما أسيرا لكل ما يتجدد في عوالم التقنية على مدار الساعة. خاصة وأن أمر التطور التقني الرقمي لا يمكن أن يوقف له على حد. ولذلك لا يمكن لأي مدون أن يدعي في هذا المقام الكمال والتمام، وأنه قد بلغ الذروة التي ما بعدها ذروة.
كما أنه ليس بوسع أي أحد أن يجحد أهمية التدوين النصي أو ينكر أثره في المحيط العربي العام، سواء في مجال السياسة أوفي الأدب أوفي جوانب الثقافة العامة، وحتى في القضايا التقنية المستجدة।

وقد يكفي للتدليل على أهمية التدوين العربي، باعتباره متنفسا ومستراحا لفئة كبيرة مهمومة مطحونة من الشعب العربي، أنه استطاع في وقت قصير أن يلفت انتباه الرأي العام والخاص، ويثير حفيظة أصحاب القرار في وطننا العربي، حتى أصبحت المدونات مثلها مثل أي صحيفة ورقية معارضة أو منتقدة، عرضة للمصادرة والحجب، وصار المدونون موضع تهمة قد تستدعي سحبهم إلى أقفاص الاتهام، وتقتضي زجهم وراء القضبان، وربما في أحسن الأحوال أداء غرامة مالية قد ينوء بحملها شهورا وسنوات….
غير أن ما أثار انتباهي في هذه الأيام، وبغض النظر عن ما يمكن قوله حول أهمية التدوين النصي في واقع حياتنا الثقافية وعاداتنا العربية، هو زحف صناديق الدردشة والتسالي على مواقع التدوين العربي فيما يشبه العدوى।

فإذا حاولت الولوج إلى أشهر المدونات العربية على موقع (مكتوب) مثلا، فإن أول ما يطالعك ويجذب انتباهك هو صندوق الدردشة متصدرا أعلى الصفحة الأولى، ومتربعا على عرش المدونة كله. فهو تاجها وأساسها الذي قد يلهيك عن ما سواه مما هو محشور في بطن المدونة أو مشتت عند أطرافها.

ولم تعد فنون الدردشة الفورية مقتصرة على مواقعها المتخصصة المعروفة على الشبكة العنكبوتية، أو على الشريط المنسدل أسفل برامج تلفزيون الواقع العربي فقط، بل لقد دخلت المدونات على خطوط الدردشة الساخنة أيضا। وخاصة بعد أن طورت برمجيات كثيرة وبسيطة خاصة بهذا الغرض।
ويمكن الآن لأي مدون مبتدئ تثبيت صناديق الدردشة بسهولة في أي مكان من مدونته، والتحكم في جميع خصائصها ووظائفها وأشكالها وأحجامها وألوانها في أي وقت.

وتتيح صناديق الدردشة لزائر المدونة الفرصة للعثور على أصدقاء كثر موجودين مثله عند الطرف الآخر من نفس المدونة وفي اللحظة ذاتها، مما يشجع على التفاعل والمشاركة، وإن كانت أغلب الحوارات الفورية لا تتعدى عبارات التحية المنمقة، وأكثرها معاد ممجوج يدور في حلقة حلزونية مفرغة فيما يشبه الفراغ والهذيان والعبث।

فليس المهم في هذه الدردشة قيمة الحوارات المتبادلة فيها على سطحيتها وسخفها في أغلب الأحيان، ولكن الأهم هو الشعور الفوري المتبادل بوجود أشخاص كثر حولك أو بإزائك। وربما هذا الذي قد يفسر لنا سر ازدحام الكائنات الافتراضية على مواقع التعارف الاجتماعي الكبيرة ك( الفيس بوك ) مثلا।
والأمر نفسه قد ينطبق على المدونات التي تبيح لزوارها إمكانية التعرف الفوري على الآخرين عبر مربعات ومستطيلات ودوائر الدردشة المختلفة، وإن تم ذلك فيها بشكل مصغر.

ولاشك أن هناك فرقا كبيرا بين التعارف المتراخي على الآخرين عبر التعليق الرزين الذي تتيحه المدونات لزوارها أيضا وبين التعرف الفوري الآني عبر تقنية الدردشة। فالأول يبقى أثره مع مرور الوقت بل يكون محرضا للمدون على الإبداع والعطاء أكثر، كما أوضحنا في إدراج سابق، أما الثاني فيُمحى وجوده إلى الأبد بمجرد حركة شريط الدردشة التلقائي إلى الأمام أو الخلف।

ما أخشاه أن تكون إضافة خدمة الدردشة إلى المدونات حيلة مبيتة من قبل بعض المحسوبين على التدوين العربي لجلب أكبر عدد ممكن من الزوار، وفي ذلك إساءة كبرى إلى شرف التدوين النصي الذي يجتهد فيه أصحابه أيما اجتهاد، وتنقيص من قيمة التدوين الجاد، إن استفحلت هذه الظاهرة أكثر في بيئة التدوين العربي في مستقبل الأيام. خاصة وأن البيئة الافتراضية بيئة معدية، وأن أكثرها يقوم على القص واللصق والمحاكاة والتقليد، وعلى التسطيح والتمييع.

الاثنين، 28 ديسمبر 2009

مدونو الإنترنيت.. كتاب اليوم والغد.

بالأمس القريب جدا كان من الصعب أن يظهر أحدنا على جمهور القراء إلا من خلال نشرة ورقية مكلفة للمال والجهد والوقت.

ولم يكن الطريق سهلا على أي كاتب ورقي مبتدئ ليُعرف بين عموم القراء معرفة أولية قبل أن يعلو سهمه قيلا أو كثيرا في سوق المطبوعات والمطويات ويشار إليه بالبنان.
فإن لم يكن مدعوما بالوساطة والمال ويئس من اكتساب ود القارئ اضطر إلى إقبار بنات أفكاره قسرا داخل خزانة محكمة الإغلاق حتى يقيض الله لها ناشرا يبعث فيها بعض دماء الحياة من جديد، على قدر ما يسمح به واقع النشر العربي الموبوء بأمراض الفرقة والتخلف والمحسوبية والزبونية।

أما اليوم وبفضل نعم التكنولوجيا، وبعد أن فتحت أبواب السماوات الافتراضية على مصراعيها أمام الصغير والكبير، والجاهل والعالم، والغني والفقير، فقد رُفع عن جميع المدونين الحالمين التواقين الحرج، وانتفت كل الأسباب القوية وغير القوية لوأد بنات أفكارهم الكبيرة داخل جماجمهم الصغيرة।

وأنت تقلب صفحات الإنترنت تمر أمامك عينيك آلاف المدونات والصفحات الإلكترونية من كل لون وحجم وصنف، يبهرك ذالك المجهود الرائع المتجدد الذي يبذله أصحابها في وضع العناوين، وفي التنسيق وفي التخطيط والتصميم।

قد يتناقض في كثير من الأحيان محتوى المواد المدرجة داخل مدونة ما مع شكلها الفني المبهر، فتشعر أن صاحب هذه المدونة منشغل أكثر بالطلاء والألوان، ولذلك فهو لا يكتب بضع كلمات حتى يضع إلى جانبها عددا هائلا من الأيقونات والصور، وكأن أبجدية الحروف المكتوبة ما عادت تكفي في زمننا هذا للإفهام والإبلاغ।

ولكن، هناك مدونات أخرى قد استغرقها الحرف جملة وتفصيلا، وغاص أصحابها بواسطته فقط، ومن غير استنجاد بالصور، على أفكار لؤلؤية فيها قدر كبير من اللمعان والإشراق والقوة والعمق، وكأن أصحابها قد خرجوا توا من رحم الإبداع، فحرارة المخاض الإبداعي تنبعث بين كلماتهم وحروفهم كما الخبز الطازج الطري الذي خرج توا من الفرن حين تقسمه نصفين।

لا أستطيع أن أنكر على نفسي أنني صرت أستفيد وأستمتع بقراءة المدونات، وقد صارت قراءة المدونات لدي عادة। وفي كل يوم يسعفني صيد الإنترنت باكتشاف المزيد منها.

غير أن الإبداع الرقمي الجيد وإن عز وجوده ضمن هذا الركام الهائل من التراب والغبار الافتراضيين يبقى علامة مضيئة تهدي درب السالكين فيه من كل فج عميق، يتسللون إليه لواذا عبر محركات البحث لا محركات السيارة أو نعال الأقدام حين تقودهم إلى كشك صحف وجرائد ومجلات منتصب على قارعة الطريق، أو مكتبة ورقية مهجورة داخل دروب المدينة العتيقة، وقد ضربت عليها العنكبوت بنسجها.
فهل آن الأوان لكي يستحق بعض مدوني الإنترنيت المتميزين صفة أدباء وشعراء وكتاب ومبدعي اليوم قبل الغد، خاصة وأن التدوين ابن اليوم والساعة، وتواريخ كل ما هو مدرج في واقع الكتابة الافتراضية صارت له بمثابة شهادة الميلاد।
لا شك أن التراخي الزمني في الكتابة والنشر الورقيين قد ولى، وأن طفرة الإبداع الرقمي الجديد صارت تحسب بالدقيقة والثانية।

وقد يكفي أن أرسل هذا الإدراج، بعد أن فرغت منه في هذه اللحظة، على الشبكة العنكبوتية من غير حاجة إلى متعهد أو ناشر، بمجرد ضغطة زر واحدة أقل في حساب الزمن من طرفة عين، لتنتقل ملكية هذا الإدراج إلى كل قارئ افتراضي قريب مني أو مقيم في منطقة نائية.

الخميس، 24 ديسمبر 2009

ويسألونك عن العلل والأسباب الافتراضية…. !!

لكل علة افتراضية سبب مزمن أو طارئ. وقد طال اغترابي وبعدي عن العوالم الافتراضية حتى يئست من الرجوع إليها بعد أن تبدد شملي الافتراضي وذهب كل واحد من أصدقاء وزوار مدونتي (كلمات عابرة) في سبيله، يرجو دارا غير الدار، ويطرق بابا غير الباب.

وقد بقيت خلال هذه المدة الطويلة أرقب هذه المدونة عن بعد خلسة كأني غريب عنها أو كأني لست ذاك الشخص الأول الذي أسس قواعدها الأولى من عناصر كوننا الافتراضي التى لا تعدو أن تكون دوائر كهربائية وأزرارا وشاشة ضوئية، فكنت بين اللحظة واللحظة كمن يعاين طللا دارسا عصفت به ريح الصحراء الهوجاء ونثرت أشلاءه المتساقطة على الطرقات المتفرقة بعد أن غادره أحباؤه وساكنوه।

والآن، صرت أومن، أكثر من أي وقت مضى، بأن البيوت الافتراضية كالبيوت الحقيقية تماما؛ فإذا ما غادرها أصحابها لبعض الوقت حلت بها الوحشة وأطبق عليها السكون. وربما صارت، لا قدر الله، مرتعا للخفافيش والذئاب والفيروسات التي تنشر فيها الخراب والفساد والدمار، لتغدو أثرا بعد عين، وكأنها ما كانت إلا لتزول.

ولقد ترددت كثيرا في العودة مرة أخرى عبر بوابتي (كلمات عابرة) إلى أصدقاء هذه المدونة القدامى والجدد، ولقد هممت أكثر من مرة بتسليم مفاتيح الولوج إليها إلى سلة النسيان من غير رجعة، وفي أحسن الأحوال إلى عهدة الزمن الافتراضي ليفعل بها ما يشاء؛ فإما أن يحييها عبر محركات البحث أو يحفظها لبعض الوقت في الأرشيف الافتراضي المهمل، حيث تتراكم المدونات على المدونات والمواقع على المواقع، كما هوحال مقبرة سيارات الخردة، حيث العربات المتهالكة يركب بعضها بعضا بدل أن يركبها الناس، وإما أن يرديها ويتلفها إلى الأبد।

وها قد مرت قبل أيام قليلة الذكرى الرابعة على إنشاء هذه المدونة المتواضعة دون أن أنتبه أو أُنَبه إلى ذلك. وأنا هنا لا ألوم أحدا بل ألوم نفسي أولا وأخيرا، فأنا أقر على رؤوس الأشهاد وفي بورصة التداول الافتراضي اليومي بأن هذه السنة الأخيرة من عمر مدونتي كانت عجفاء من حيث العطاء، وذلك بالنظر إلى المقالات القليلة المدرجة فيها، فهي عند العد لا تتجاوز أصابع اليدين فضلا عن القدمين.
وأنا أعتبر هذا الشح نوعا من الكسل الافتراضي الذي ألم بي، إن لم يكن نوعا من تبلد الجوارح والأفكار لدي لأسباب نفسية ولأخرى خارجية عارضة لا علاقة لها بالعوالم الافتراضية، بل تدخل ضمن نكد الحياة اليومية من حولنا التي قد تذهلنا أياما وأياما حتى تحدث غشاوة البصيرة ويصدأ سيف العقل.

وأنا هنا في هذا الإدراج الافتتاحي الجديد، وبعد هذا الغياب الطويل لست بصدد التبرير أو التفسير لحالة هذا الغياب الافتراضي الطويل الذي ناهز ثمانية أشهر كاملة حتى كاد أن يصبح لدي حالة مزمنة…

وقد يكفيني في هذه اللحظة أنني فكرت وقدرت ثم عزمت على الرجوع। غير أنني أشعر كأنني أبدأ من الصفر، فالرؤية لدي غير واضحة، وأناملي لا تطاوعني كثيرا على الاستجابة السريعة عند ملامسة الأزرار ر كما في السابق. فالأفكار لازالت تتفاعل في داخلي وفي كياني، وعسى أن تتمخض في القريب العاجل عن بعض ما يمكن أن يكون مفيدا وممتعا لزوار هذه المدونة الكرام.

الثلاثاء، 19 مايو 2009

هوس التحميل في بيئة التدوين العربي

ربما كان أكثرنا لا يثق ثقة كافية في المحتوى الرقمي المتنوع الهائل لأسباب كثيرة تخص واقع البيئة الافتراضية نفسها وما يحيط بمظانها ومصادرها من شكوك وظنون مرتبطة بطبيعة الأشخاص الذاتيين والمعنويين الافتراضيين أنفسهم أيضا؛ من هم؟ وما حقيقة أهدافهم المعلنة والصريحة وراء نشرهم وقذفهم بهذا المحتوى الرقمي في الطرقات الافتراضية السيارة التي لا تنقطع حركة الجولان الافتراضي بها على مدار الوقت؟.

وبما أن البيئة الافتراضية تقوم في الأساس على مبادئ تنظيمية لوغارتمية غاية في الدقة فإن الوصول إلى أي محتوى رقمي كيفما كان نوعه يبقى سهل المنال عبر محركات البحث التي هي بالنسبة إلى هذا المحتوى الضخم بمثابة المسبار المكتشف لأعماق أعماق بحر النت العظيم؛ فلها قدرة فائقة على التسلل الخفي إلى كل المواقع الافتراضية الصغيرة والكبيرة لرصد محتوياتها القديمة والجديدة وإدراجها على قوائم البحث والفهرسة الآلية بشكل روتيني لا ينقطع.

وتعتبر خاصية التحميل بالإضافة إلى خاصيتي القص واللصق من أهم التقنيات الرقمية للتحكم والتصرف في المحتوى الرقمي وذلك بنقله من حيز إلى حيز داخل البيئة الافتراضية نفسها أو خارجها عند استخدام الذاكرة الخارجية وملحقاتها العديدة من أقراص صلبة وشرائح إلكترونية دقيقة قد يكون بعضها في حجم حبة العدس. ومن أبرز الأمثلة التي يمكن أن نسوقها في هذا المجال نقل جزء من محتوى موقع كبير إلى آخر أصغر منه، أو حتى إلى منتدى أو مدونة أو مجرد صفحة إلكترونية عادية، والعكس بالعكس أيضا.

وقد لاحظت في الآونة الأخيرة تزايد المدونات العربية المتخصصة في تحميل البرامج الإلكترونية والمحتويات الرقمية المرقونة من كتب ومجلات ومقالات وموسوعات، هذا فضلا عن المحتويات الرقمية المصورة كألعاب الفيديو وأفلام السينما وحتى حلقات المسلسلات التركية والأمريكية قبل أن يحين موعد بثها على القنوات الفضائية العربية بوقت طويل..

ولعل الميزة الأساسية لمثل هذه المدونات التي ليس لأصحابها من فضل إلا في النقل من هنا وهناك أن عدد زوارها يفوق أضعافا مضاعفة عدد زوار المدونات العادية التي يتعب أصحابها في تحرير مضامينهم بمجهودهم الخاص وفق رؤيتهم الخاصة للكون وطبيعة تكوينهم وتجربتهم.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ضحالة بيئة التدوين العربي وافتقارها إلى الجدية المطلوبة وغلبة نزعة الفرجة والمتعة والتسلية فيها على الجوانب الجدية التي يمكن أن تؤسس لعهد ثقافي جديد مفتوح المصادر.

وأنا هنا لست ضد تقنية التحميل، ولست ضد تقنية اللصق واللصق، كما أوضحت ذلك في إدراج سابق إذا استثمرت هذه الوسائل المتاحة بسخاء في واقع بيئتنا الافتراضية في سياق هادف منتج يساعد على التكوين الذاتي للمتلقي ويساهم في بناء شخصية الزائرالافترا ضي من الداخل بدل تشتيت انتباهه بالتوافه.

فما أبعد الفرق هنا بين الهدم والبناء، وبين العمق والضحالة. وما أسهل إنشاء مدونة تقتات على الفتات وعلى موائد الغير، وما أصعب إنشاء مدونة تعتصر فيها أفكارك، وتتحف زوارك بعصارة فكرك وزبدة قريحتك!.
ما أسهل أن تكون حمالا كحمار يحمل كتبا وأسفارا لا يفقه من حقيقة أسرارها شيئا!، وما أصعب أن تبني لنفسك بيتا أو مدونة متواضعة بمجهودك الخاص.
فهل آن الأوان لظهور ميثاق شرف للمدونين يحمي حقوق الغير وينصف قلة من المدونين العرب الشرفاء الغيورين على أصالة التدوين وروحه الجوهرية قبل أن يطفح سيل التحميل ويجرف في طريقه كل أخضر ويابس.

الأربعاء، 6 مايو 2009

فتور الزمن الافتراضي

مع أن الزمن هو الزمن بدقائقه وثوانيه، بليله ونهاره، وبربيعه وخريفه، وببرده وحره وهدوئه واضطرابه غيرأن الناس فيه هم غير الناس في كل مرة؛ فالناس يتغيرون على مدار الوقت والساعة، بل قد يستبدلون جلودا غير الجلود وثيابا غير الثياب وأنوفا غيرالأنوف، وحتى قلوبا وأسماعا وأبصارا … وهلم تغييرا وتبديلا واستعارة من الداخل والخارج والظاهر والباطن। والبشر في تغيرهم في كل وقت وحين كالثعابين عندما تطرح جلدها القديم الذي ضاق بجسمها مرة واحدة في كل موسم فتتركه عالقا بين الجحور الضيقة. أما البشر فييتغيرون ويخطئون ويصرون ويلحون ويحلفون زورا وبهتانا…

والغريب في الأمر أن معظم الناس يعتقدون اعتقادا جازما بأن الزمن هو الذي يتغير وليس هم الذين يتغيرون في كل مرة ألف مرة. ولذلك قد يستطيع أي واحد منا بسهولة ومن غير خوف أو حرج أو حتى استحياء أن يلوم هذا الزمن المسكين أو حتى أن يسبه، ولكنه مع الأسف قد لا يجد الشجاعة الكافية للوم نفسه فضلا عن لوم غيره.
وهذا يذكرني بصنيع بعض الشعراء الجبناء الذين يكتفون في مضمار البطولة الجوفاء بتصويب مدافع هجائهم ولومهم نحو القمر المنير مع أنه بعيد وهادئ ووديع وثابت في مداره لا يتزحزح عنه قيد أنملة.

وقد فكرت بعد هذا الغياب الطويل عن التدوين أن أفتتح سلسلة مقالاتي الجديدة عن التدوين والمدونات بهذا الإدراج الذي جعلته يمعن قليلا في ميتافزيقا العوالم الافتراضية.
وأذكر جيدا أنني عندما التحقت بقافلة التدوين العربي منذ ثلاث سنوات ونيف كنت أحس بأن الزمن الافتراضي حينها كان في أوج إقباله وفي أتم إطلالته بهاء وإشراقا، وقوة وعطاء، وأنه كان يعج بالحركة والصخب والعلاقات الافتراضية المتشابكة التي وصلت في بعض الأحيان درجة عالية من الحميمية والصراحة والشفافية الافتراضية، وذلك من خلال ردود الأفعال وحتى من خلال بعض التعليقات النارية التي ربما دلت على نوع من الحماسة الافتراضية الزائدة لدى البعض.

أما اليوم وبعد مرور كل هذا الوقت فقد بدأت أحس فتورا وركودا وخمولا وهبوطا حادا في درجة التفاعل والتعليق الموجب أو حتى السلبي من خلال متابعة كثير من المواقع المعروفة والمدونات الصديقة. وربما كان خير دليل على هذا الفتور الافتراضي هذا التباعد الذي قد يلحظه الزائر الكريم إذا ما انتبه إلى حجم المسافة الزمنية الفاصلة بين الإدراجات الأخيرة من مدونتي هذه بالنسبة إلى إدراجاتها الأولى، وانخفاض حاد في عدد التعليقات المواكبة لهذه الإجراجات الأخيرة بالنسبة إلى الأولى أيضا، وهذا رغم الارتفاع الملحوظ في عدد الزوار الذي عرفته هذه المدونة في الآونة الأخيرة من كافة البلدان العربية عامة ومن بلاد تونس الشقيقة خاصة، فتحية صادقة إلى كل زوار هذه المدونة المتواضعة من تونس الخضراء ومن كافة البلدان العربية والعالمية الذين يمرون بها بالصدفة أو يعبرون إليها من بوابات ونوافذ محركات البحث والإبحار الإلكترونية.

فمن الذي تغير ياترى؟، ومن المسؤول عن هذا الفتور الذي بدأت أحسه، وربما قد لا يحسه غيري إذا كان حديث العهد بالبيئة الافتراضية؛ فهل هو الزمن الافتراضي الملعون أبدا كصنوه الحقيقي، أم أنا، أم البيئة الافتراضية العربية والعالمية برمتها؟ !.
وهل أنا وحدي الذي تغيرت بعد مرور كل هذا الوقت الذي أمضيته في التدوين وفي العيش في كنف البيئة الافتراضية فترة طويلة بحساب عقارب الساعة التي تأبى أن ترجع إلى الخلف، أنا الكائن الافتراضي الصغير سليل هذا الكون الافتراضي الكبير بكل مواقعه ومنتدياته ومدوناته وصفحاته الهائلة التي تبتدئ ولا تنتهي إلا بإغلاق جميع نوافذ الحاسوب الصغيرة والكبيرة وقطع روابط البيئة الافتراضية الأصلية والفرعية.ومن منا لا يتغير أو يضجر وخاصة بعد كل الذي عاينته وعاينه غيري من كافة الأجيال الافتراضية العربية شيوخا وشبابا ويافعين من حروب مدمرة وإحباطات سياسية واقتصادية وصراعات بينية ثنائية وجماعية عصفت بكافة بلداننا العربية في هذا العقد الأول من الألفية الثالثة؛ وهذا منذ حرب الخليج الأولى مرورا باحتلال العراق عنوة وغصبا والحروب الصهيو أمريكية على لبنان وغزة وانتهاء بالأزمة الاقتصادية العالمية التي أعقبت رحيل بوش الملعون عن المعترك السياسي غير مأسوف عليه .وقد سببت تلك الأزمة ركودا كبيرا في نفوس جميع الناس المنتمين إلى هذا العالم الأرضي قبل جيوبهم حقيقة ومجازا وافتراضا.
أم هو وباء الفتور الافتراضي الموسمي الذي بدأ يستشري في أجسام الكائنات الافتراضية مثلما يستشري في هذه اللحظة وباء أنفلونزا الخنازير في الأجساد الآدمية، ومن قبله وبالأمس القريب كان وباء أنفلونزا الطيور، ولست أدري إن كان وباء أنفلونزا الحمير مدرجا على قائمة الجوائح والكوارث البشرية المستقبلية !!؟.

ربما احتاج الكائن الافتراضي منا بين الفينة والأخرى إلى مغادرة منصة التدوين وإلى إغلاق حاسوبه وعزله عن التيار الكهربائي وعن صبيب الأنترنت إلى وقت محدد حتى ينقشع ضباب العياء والارهاق والفتور الذهني والنفسي من حوله، وحتى يغيب ضجيج مراوح التبريد الإلكتروني عن سمعه ووهج الشاشة من عينيه، وليتطلع مرة أخرى إلى ضوء الشمس ويمسك بيديه تراب الأرض الذي يمشي عليه أو يداعب بأنامله تيار الماء المتدفق عند نهر أو جدول، وليصافح بيديه موج البحر الحقيقي بدل بحر النت الافتراضي عبر أزرار لوحة المفاتيح ومؤشر فأرة الحاسوب الإلكترونية.

أعاذنا الله جميعا من كل فتور في الجسد وفي الأعضاء وفي كل الجوارح وفي النفس وفي العقل وفي الهمة وفي الحياة كلها بوجهيها: الحقيقي والافتراضي.

الثلاثاء، 17 مارس 2009

نظام المجموعات البريدية العربية؛الواقع والآفاق.

لم تعد أهمية البريد الإلكتروني لتخفى على أحد. وقد لا نبالغ إذا قنا بأن العوالم الافتراضية بكل ما تعج به ما هي إلا نظام جد متطور لبث رسالة ما واستقبال أخرى، بالحرف أو بالصوت أو بالصورة أو بكليهما معا، وحتى بالرمز أو الأيقونة.

وقد سبق لنا في إدراج قديم أن تحدثنا عن فن التراسل بين القديم والحديث بصيغة المفرد عندما يكتب الشخص لنفسه فقط، أو بصيغة المثنى عندما يشرك غيره في الخطاب؛
ففي الحالة الأولى يحتفظ الكاتب بتلك الرسائل لنفسه ويغلق عليها الأدراج ويختم عليها بالسر والكتمان، وقد لا تكتشف أو تظهر للناس إلا بعد وفاته.
أما في الحالة الثانية فيسمح الشخص لرسالته بالعبور من مكانه الأول إلى المكان الثاني الذي يقيم فيه الشخص المُرسل إليه، فتنتقل ملكية تلك الرسالة بالضرورة إلى الطرف الثاني، ولا ترجع إليه كرة أخرى إلا في شكل رد أو جواب إذا كان مضمونها يحتمل ردا أو جوابا.
وأمر طبيعي أن يتحول كل مكتوب إلى رد أو جواب، غير أننا تعودنا الاهتمام بالرسائل أو المكتوبات الأولى وقلما انتبهنا إلى ردودها وأجوبتها الثانية التي تقتضها ظروف الزمان والمكان المختلفة.

وقد خصصنا هذا الإدراج في مرحلة أولى للحديث عن المجموعات البريدية واقعا وأفقا، باعتبارها شكلا من أشكال التراسل البريدي أيضا ولكن، ليس بصيغة المفرد أو المثنى، كما جرت العادة، وإنما بصيغة الجمع حيث يحرص المنضمون إلى المجموعات البريدية على توجيه رسائلهم ليس فقط إلى فرد واحد وإنما إلى أكبر عدد من الأفراد.

وقد لاحظت في الآونة الأخيرة إقبالا متزايدا من لدن المجتمع الافتراضي العربي على الانضمام إلى نظام المجموعات البريدية؛ ومنهم صفوة المدونين وصفوة المثقفين من الصحفيين الورقيين والافتراضيين والكتاب والقصاص والروائيين والشعراء والفنانين وكثير من المهتمين والقراء الجيدين والمتابعين الجادين للشأن العربي الافتراضي الراهن.
وفي الحقيقة لقد بدأت أمضي كثيرا من الوقت في قراءة ما يرد علي عبر المجموعات البريدية العربية التي انضممت إليها أو التي استدعيت إليها من طرف أشخاص لا أعلمهم جازاهم الله أحسن الجزاء على ضم عنواني البريدي إلى مجموعاتهم.

وأنا هنا لا أنكر على نفسي مدى الفائدة التي أجنيها من قراءة محتوى بريد تلك المجموعات شكلا ومضمونا وأسلوبا وتحليلا ومنهجا ورؤية وإبداعا. إذ يظهر أن نظام المجموعات البريدية العربية، في صورته الحالية على الأقل، قد حاز لنفسه قدرا عظيما من المسؤولية والجدية والاحترام. إذ يحرص المتراسلون في هذه المجموعات البريدية على توخي مبدأ الجودة والفائدة والمتعة بدل الاقتحام والتطفل والإزعاج. ومن هنا يمكن أن ننعت نظام المجموعات البريدية بأنه بريد الصفوة أو النخبة العربية الافتراضية.

ويبدو أن نظام المجموعات البريدية كأنه قد أعلن حربا خفية على نظام البريد الإلكتروني العادي الذي لا يخلو في الغالب من البذاءة والضحالة والإسفاف، وعلى نظام البريد المزعج الذي يعلق بالبريد الإلكتروني كما الغبار والدخان. وقد تجاوز نظام المجموعات البريدية مرحلة الإخبار العادي بمسافة بعيدة إلى محاولة ترسيخ نموذج ثقافي وفكري جاد يبقى ألقه مستمرا على الدوام أسوة بكثير من المواقع الافتراضية والمدونات العربية الجادة.

وإذا كنت لا أتردد طرفة عين في شطب عشرات من الرسائل البريدية العادية أو المزعجة دفعة واحدة وقذفها إلى الأبد في سلة الأزبال الافتراضية فإني أتردد كثيرا في شطب رسالة واحدة من الرسائل التي تردني عبر نظام المجموعات البريدية، فقد صارت عندي أشبه ما تكون بالوثاق والمراجع المفيدة والكتيبات النادرة والجذاذات البحثية النفيسة التي أحرص كثيرا على الاحتفاظ بها وتوثيقها وتجميعها في مجلد خاص حتى يتسنى لي الوقت الكافي لدراستها والكتابة عنها وتقييم محتواها في إدراجات لاحقة إن شاء الله تعالى.

الخميس، 25 ديسمبر 2008

مدونة للبيع ...!!

وصلتني هذا الأسبوع رسالة غريبة عبر البريد المزعج من شخص مجهول يطلب فيها مني أن أبيعه هذه المدونة التي أسميتها (كلمات عابرة)...!!
ومع أن البريد المزعج وغير المزعج يحمل إلينا في كل يوم رسائل عجيبة غريبة فإني لم أكن أتوقع في يوم من الأيام أن ترد علي رسالة من هذا القبيل.

وقد ترددت كثيرا في فتح هذه الرسالة المزعجة مخافة أن أصطدم بلغم من الألغام التي يضعها أصحاب البريد المزعج في الطرقات الافتراضية السيارة لاصطياد ضحاياهم، وترددت أكثر في الكتابة حول هذا الموضوع الغريب الذي قد يبدو للبعض غير ذي جدوى، أو نوعا من المزاح الثقيل والمداعبة السخيفة، وخاصة عندما يمعن أحدنا في تجاوز خصوصيات الآخر، أو يطلب منه أمرا بعيد المنال، بل لا يمكن أن يخطر حتى على البال..

وفي العادة فإن رسائل البريد المزعج هي التي يطلب فيها أصحابها منا أن نشتري شيئا بل لنقل أي شيء؛ من حبوب الفياغرا إلى السيارات إلى عروض السياحة والسفر والجنس.... وحتى نطاقات المواقع بسعة هائلة غير محدودة وقوالب جاهزة ذات تصميمات فلاشية جذابة للكتابة والتدوين، فضلا عن رسائل التسول التي ينتحل فيها أصحابها أسماء مستعارة تحيل في الواقع على أماكن وبلدان وشركات وشخصيات ... وربما كان بعضها معروفا جدا، ومنها تلك الرسالة المشهورة في عالم التسول الافتراضي التي انتحلت اسم سهى عرفات ...

ولكن، إذا نظرنا إلى جوانب هذا الموضوع من الناحية المنطقية ومن جوانب العلاقات النفعية التي تكون عادية بين الطالِب والمطالَب والمطلُوب، ألا يدور في خلد بعض المدونين مثل هذا التساؤل الذي وردني عبر البريد المزعج؟، أليس من حق المدونين أن ينتفعوا في حياتهم ببنات أفكارهم مثلهم مثل غيرهم من الكتاب والصحفيين المأجورين وغير المأجورين وحتى كتاب كلمات الأغاني البذيئة والوصلات الإشهارية الردئية وغير هولاء ممن يسترزقون من مداد أقلامهم ومما تجود به قرائحهم الفذة وغير الفذة، بالصدق أو البهتان تارة، وبالمعقول واللمعقول، وحتى بالجنون والهذيان تارة أخرى...

وفعلا، هناك فئة قليلة من المدونين استطاعت أن تستثمر في التدوين وأن تتبع استراتيجية عملية لجلب الربح عن طريق تقديم عروض مشاريع أو استثمارات أو خطط أو برامج أو تصميمات، وخاصة عند أصحاب المدونات التقنية الذين لهم باع طويل في علم الحوسبة والبرمجة بلغاتها الفنية والتقنية المتعددة.

وشخصيا لا أجد لدي الآن أي مبرر للتفكير في موضوع بيع مدونتي (كلمات عابرة) بالجملة أو التقسيط عنوانا عنوانا إو إدراجا إدراجا، بل لا يحق لي مجرد التفكير في هذا الموضوع أصلا. لأنني اخترت منذ البدء أن أُسكن كلماتي العابرة في موقع مشترك، يجري علي فيه ما يجري على غيري من المدونين المُنتسبين من أصول العيش المشترك والمرفق العام الذي لا يجوز في حقه لا الرهن ولا الكراء فضلا عن المتاجرة والمساومة والبيع.

أحمد الله أنني كلما طلبت مدونتي عند مطلع كل يوم جديد عبر خطوط الاتصال الوطنية إلا وجاءتني بصفحتها مسرعة ملبية لتقول لي : هل من مزيد، هل من جديد.... !!

وعندها يطمئن قلبي وأعلم أن مظلة التدوين العربي المنتسب التي تؤويني وتؤوي غيري لا زالت بخير، وأنها لم تتعرض إلى اختراق أو حجب أو سحب أو رجم بالصواريخ الناسفة من قبل وزاراتنا العربية في الأمن والداخلية.

الأحد، 14 ديسمبر 2008

كلمات عابرة في عامها الثالث (3)

تحل اليوم الأحد 14 من ديسمبر كانون الأول 2008 الذكرى الثالثة لانطلاق مدونة ( كلمات عابرة) على موقع مكتوب.

وأنا بهذه المناسبة لا أريد أن أسهب في كلام منمق قد لا أستحقه حول إنجازات هذه المدونة المتواضعة. فهي في النهاية مجرد كلام عابر في كلمات عابرة، وبضاعة مزجاة رميت بها في محيط الإنترنت العظيم ليلتقطها من شاء.
فإن وجدت في نفوس زوارها الكرام من مشارق الأرض ومغاربها موقعا حسنا فذاك أقصى المنى، وإن وجدت إعراضا أو امتعاضا فتلك بضاعتي قد ردت إلي ردا جميلا أعرف به مقدار نفسي في مرآة غيري، وليتميز غثي من سميني.

وأنا بهذه المناسبة أشكر كل زوار هذه المدونة الكرام المداومين منهم والمياومين والعابرين بالصدفة، وأشكر كل الأصدقاء الذين وقعوا بحروفهم الذهبية على هوامش هذه المدونة فصارت أثرا من آثار فكرهم النير وفيضا من روحهم الطيبة. وأخص بالذكر منهم الصديق الوفي علي الوكيلي، وكل المدونين الأصدقاء من بلدي المغرب ومن كافة الدول العربية الذين لا أستطيع أن أعدهم فردا فردا ، ولا أقدر أن أستثني منهم أحدا.
كما أشكر طاقم جريدة دليل الأنترنت الورقية المغربية في شخص الصديق سعيد سليماني الذي يتابع هذه المدونة عن كثب ويعمل باستمرار على نشر بعض إدراجاتها.

كما أشكر كل الزوار الكرام الذين أشادوا بالمضمون المتنوع لهذه المدونة وبأسلوبها عبر رسائلهم الإلكترونية التي أعتز بها أيما اعتزاز.

غير أنني أدرك كغيري من المدونين المدمنين أن التدوين العربي في هذه الأيام الأخيرة قد أصبح مأزوما وأنه بدأ يدخل مرحلة سبات مرضي، ولعل ذلك السبات جزء من هذه الأزمة الكونية التي ألقت بظلها على كل شيء في حياة الأفراد والدول؛
فهناك تبدد واضح لجهود المدونين العرب، إذ البعد الفردي هو الغالب على حركة التدوين العربي الآن، وهناك تراجع كبير في إقبال الزوار على قراءة المدونات وعلى التعليقات أيضا، فمؤشرات عداد الزوار في تراجع مستمر، وهناك تدن ملحوظ في نشاط المدونين، وفي عدد الإدراجات المرسلة في كل يوم.
وآمل أن تكون هذه أزمة تدوين عابرة، وأن يعود التداول الافتراضي في بيئة التدوين العربي والعالمي إلى حالته المعتادة من حيث جودة العرض وكثرة الإقبال.

وفي النهاية ليس شرطا أن تكتب لغيرك مهما كانت الظروف بل اكتب لنفسك، وحاول أن تخلق لك حالتك الافتراضية المناسبة. فليس التدوين في نهاية المطاف إلا وسيلة أثيرية جديدة متاحة في كل وقت وحين للتحرر من سلطة الزمان والمكان الأرضيين المحدودين للانطلاق وللسفر البعيد.
-------------------
إدراجات ذات صلة:
عام على مدونتي.
عام آخر على تجربتي في التدوين.

الأحد، 23 نوفمبر 2008

أثر التدوين العربي في محيطه

قد يكون من السابق لأوانه أن نتحدث عن أثر التدوين العربي في محيطه العام، وهو لم يتجاوز بعد حدود التجريب الأولى؛ فالتدوين الافتراضي مثله مثل بقية الأجناس الفكرية والأدبية الأخرى يحتاج إلى مراحل تطورية مفصلية متباعدة في الزمان والمكان لتكون نتائجه وآثاره صالحة للمقارنة والاستنتاج، ولإصدار أحكام ثابتة معقولة ومقبولة.

ومع ذلك، فإن أول ما يمكن أن يثيرنا في حركة التدوين العربي هو هذه الكثرة الهائلة من المدونات العربية التي تكدست على بعضها البعض في مدة زمنية قياسية قد تستعصي معها كل المحاولات الفردية للتتبع والإحصاء الشامل قبل التخير والفرز.

وتكاد هذه الحركة أن تغطي عالمنا العربي كله من خليجه إلى محيطه بنسب متفاوتة تبعا لما توفره كل دولة عربية لرعاياها من خطوط الإمداد والصبيب الافتراضيين اللذين تتحكم فيهما وزاراتنا الوصية على شأن الاتصال والداخلية. ولا شك أن تلك الوزاة الأم هي الوحيدة التي تستطيع أن تحصي أعداد المدونات وتعرف أسماءها وعناوين نطاقاتها تماما كما تعرف الحالة المدنية الكاملة لكل فرد يعيش داخل حدودها الجغرافية شبرا بشبر وذراعا بذراع، أو ليست المواطنة الافتراضية كالمواطنة الجغرافية؟، فأين المفر من أم الوزارات إذن؟

وهذه الكثرة الهائلة من المدونات العربية إن دلت على شيء فإنما تدل على الرغبة الدفينة في نفس كل مواطن عربي لتجريب إمكانية البوح الافتراضي عندما لا تسعفه وسائل البوح العلني. فكل مدونة هي في ذاتها وصفاتها شكل من أشكال الصراخ العربي المبحوح إن صح لنا هذا التعبير.
ولكن، من ينصت إلى هذا الصراخ أو النداء التدويني، وما نصيب كل مدونة من حصص الإنصات والزيارات؟ فواقع التدوين العربي لا يعكس حالة تطابق كاملة صحيحة بين المعروض والمطلوب، بين المدونات التي تعرف حالات إقبال غريبة وبين أخرى تعرف حالات إعراض غريبة أيضا، بين المدونات التي تعرف إخفاقا مجحفا وبين أخرى تعرف نجاحا غير مستحق. وكأن مجال التداول الافتراضي العربي لا تقاس فيه قيمة المدونات بمضمونها الإيجابي الفعال المؤثر في العقل أو الوجدان وإنما فقط بحصتها المرتفعة من عدد الزيارات والتعليقات.

وشيء طبيعي أن يعلق كل مدون آماله على حركة الزوار العابرين أو المداومين، ولذلك فإن عينه أول ما تتجه عند فتح مدونته فإنما تتجه صوب عدادها الظاهر أو الخفي؛ وكأن مؤشر العداد هو الذي يضبط إيقاع المدون النفسي والعقلي المتحكم في نشاطه التدويني ارتفاعا أو هبوطا حرارة أو فتورا.
وكل مدون، وحتى في الحالات التي يكتب فيها عن نفسه وأحواله وأسراره، فإنما مقصوده الأول الذي يدون لأجله هو القارئ الافتراضي المحتمل، وإلا فما الجدوى من إعلان مدونته على الملأ؟.

إن الأثر القريب المباشر الذي نستنتجه من حركة التدوين العربي منذ لحظة انطلاقتها الأولى حتى الآن هو في هذه الحركة الذاتية الخفية المتحكمة في عمل المدونين، أو لنقل في هذا الصراع النفسي الذي يعتمل في دواخلهم لتطوير أدائهم وتنمية مهاراتهم في التدوين شكلا ومضمونا؛
وأنا شخصيا ورغم مرور ثلاث سنوات تقريبا على إنشاء هذه المدونة التي أسميتها (كلمات عابرة) لا يمكن أن اعد نفسي مدونا محترفا لأنني أكتشف في كل يوم طريقة جديدة لتغيير مساري في التدوين شكلا ومضمونا.
وعليه، فأنا في كل يوم افتراضي جديد مدون آخر جديد؛ وأنا في هذه اللحظة التي أكتب فيها هذا الإدراج لا أستطيع أن أتذكر جلد مدونتي الأول، ولا سحنتها الأولى التي طلعت بها على الزوار الكرام أول مرة لحظة ولادتها الأولى العسيرة في محضن موقع (مكتوب) يوم الرابع عشر من ديسمبر كانون الأول عام 2005. ففي تلك اللحظة كان صبيب الإنترنت ببلادنا قليلا، وكانت الأجهزة الرقمية المتوفرة حينها تعمل بكفاءة متواضعة جدا عما هو عليه الحال الآن..

ولكنني، مع كل ذلك، لا أستطيع أن أنكر على نفسي على الأقل كل تلك الانفعالات الايجابية التي عشتها خلال هذه الرحلة الافتراضية السابقة على الصعيدين الفكري والوجداني مما لا يستطيع أن يستوعبه إحساس الزائر الكريم إلا بالمعايشة الحميمية للوحة المفاتيح الرقمية وأزرارها السحرية، تلك الأزرار التي نستطيع أن نخلق بها عوالم غير العوالم وأشكالا غير الأشكال...وتلك هي البوادر الأولى لأثر التدوين عندما تبدأ من المدون نفسه قبل أن تنتقل إلى محيطه.

الأربعاء، 12 نوفمبر 2008

إعلانات كوكل تغزو المدونات العربية

بدأت حمى الإعلانات في الانتشار التدريجي عبر المواقع والمنتديات وحتى المدونات منذ أن أضافت كوكل خدمة الإعلانات المبوبة عبر نظاميها المعروفين: (ADwords) و(ADSenSe) إلى باقي خدماتها الكثيرة التي يعرفها القاصي والداني؛ فحيثما وجهت صوبك نحو المواقع الافتراضية الكبيرة أو الصغيرة المشهورة أو المغمورة في هذه الأيام إلا وطالعتك الإعلانات من كل جانب ومن حيث لا تحتسب؛ فهي تتناسل على حواشي المواقع الافتراضية وعلى ضفافها كما يتناسل الفطر، مكتسحة مساحات كبيرة من صفحاتها الأمامية والخلفية بالطول وبالعرض.

وقد يصل هذا الاكتساح في بعض المواقع والمنتديات والمدونات حدا كبيرا تمتزج معه مواد تلك المواقع الأصلية المكتوبة أو المصورة مع المواد الإعلانية المختلفة في أحجامها وأشكالها وأهدافها فتقفز أمام ناظري كل زائر افتراضي فجأة ودون سابق إنذار، مما قد يخلق لديه كثيرا من الارتباك والتشويش، إن لم ينصرف عن المضمون الأصلي لتلك المواقع أو المدونات لينشغل كلية ببريق تلك الإعلانات وبما وراءها.

وأمر تلك الإعلانات في واقعنا الافتراضي الجديد كأمر الإعلانات الأخرى التي ألفناها حتى مججناها على صفحات الجرائد والمجلات أو على شاشات التلفزيون أو حتى تلك المبثوثة على أمواج الراديو، فقد أصبحت الإعلانات شرا لا بد منه، يتقبله أكثرنا على مضض لما يترتب عنه من تشتيت للانتباه وحبس للأنفاس وقطع لحبال التشويق عند قراءة صفحة ورقية أو افتراضية أو متابعة برنامج شيق على الأثير المرئي أو المسموع...

ومعلوم أن كل خدمة إعلانية ليست مجانية فوراءها ما وراءها من الغايات النفعية وتحكمها مصالح مشتركة بين المُعلِن والمُعلـَن عنه والمُعلـَن له، وتضبطها مواثيق وعهود وصكوك وبنود؛ لذلك يشترط فيمن يرغب في إضافة إعلانات كوكل إلى موقعه أو مدونته أن يتوفر على بطاقة ائتمانية وأن يكون مشتركا في أحد البنوك الإلكترونية لينال نصيبه من الأرباح المستحقة عن كل إعلان أو عن كل ضغطة زر يقوم بها أحد الزوار الافتراضيين على مادة ما من المواد الإعلانية المكتوبة أو المصورة ليسهم من حيث لا يدري هو أيضا في الرفع من قيمة رصيد المُعلـِن من الفوائد ويرفع من قيمة المعلـن له من الأرباح فضلا عن الشهرة والجاه.

لقد أصبحت خدمة الإعلانات الشغل الشاغل لكثير من المدونين في هذه الأيام، لذلك تراهم يبحثون عن الطرق المختلفة لتفعيلها على صفحات مدوناتهم، ويبادرون إلى الانخراط في البنوك الإلكترونية ويعملون ما في وسعهم للحصول على بطاقة ائتمانية واحدة أو أكثر، وإذا كانت قوالب مدوناتهم كلاسيكية لا تسعفهم في ذلك فإنهم يعملون على استبدالها بقوالب جديدة تدعم الخدمات الإعلانية وتطبيقاتها البرمجية الخاصة.

وتحرص كوكل على أن تكون المواد المعلنة في هذا الموقع أو ذاك، وفي هذه المدونة أو تلك ذات صلة بالمضمون العام الأساسي لكل موقع أو مدونة، وتقدم انطباعا عاما للجميع بأن محركات البحث لديها تقوم بشكل ألي على اختيار الإعلان المناسب للموقع الافتراضي المناسب.

غير أن هذه القاعدة لا تكون مطردة فكثيرا ما تظهر بعض الإعلانات غير المرغوب فيها من جانب صاحب المدونة نفسه أو من جانب زائره مما يخلق لديهما نوعا من الحرج النفسي أو الأخلاقي بسبب عشوائية بعض الإعلانات التي تلقي بها محركات البحث بشكل اعتباطي لمجرد التشابه السطحي البعيد عن الروح والجوهر.

لقد تغيرت طبيعة المدونات العربية في كثير من أهدافها ومبادئها الأولى التي تأسست عليها أول الأمر عند انطلاقة حركة التدوين العربي، وبدأ كثير من المدونين ينساقون وراء حمى الوهم الافتراضي الزائف إما للربح المادي السريع وإما للرفع من عدد الزوار بطرق ملتوية غير مقبولة.

ترى هل بدأ التدوين العربي يدخل مرحلة التشييىء حيث المعروض الافتراضي لا يعدو أن يكون من بقية الأشياء الأخرى العادية المعروضة للبيع في كل زمان ومكان؟. ولكن، عبر بوابات الإنترنت الربحية هذه المرة، بدل الأسواق التجارية الممتازة أو حتى الحوانيت المصفوفة في دروبنا العربية الضيقة.

وفي هذا الفضاء الافتراضي العالمي الجديد الذي نعيشه الآن صار الكل يبيع ويشتري وصار الكل يعرض و يتفرج في نفس الوقت والآن.

الجمعة، 31 أكتوبر 2008

مُجمَّعات التدوين العربية

مُجمَّعات التدوين الافتراضية ككتب الفهارس الورقية؛ فإذا كانت غاية الفهارس الورقية حصر أسماء المؤلفين واستقصاء عناوين الكتب التي كانت تظهر في كل عصر، من قبيل كتاب(الفهرست) لابن النديم (القرن: 4 هج) أو الكتاب الضخم (كشف الظنون..) لحاجي خليفة (القرن: 11هج) المشهورين في تراثنا التأليفي بحمع شتات الكتب العربية المصنفة قديما فإن مجمعات التدوين الافتراضية تسعى لنفس الغاية وهي التعريف بأكبر قدر ممكن من المدونات؛ من جهة التعريف بأسماء المدونين وعناوين مدوناتهم، ومن جهة الروابط الإلكترونية الرئيسية والفرعية التي تقود إليها، ومن جهة أنظمة الخلاصات التي تعطي القارئ أو الزائر نبذة عن مواصفاتها ومحتوياتها وجديد إدراجاتها.

وقد تعددت المواقع التي تقدم خدمة التعريف بالمدونات وفهرستها في كل بلدان العالم لامتلاء بيئة التدوين الافتراضي على الشبكة العنكبوتية بعدد لا يعد ولا يحصى من المدونين والمدونات مما يحتاج معه الأمر إلى جمع وتوضيب وترتيب.
ومجموع المدونات التي يتم حصرها في هذا الموقع أو ذاك هو الذي يمكن أن يحدد لنا في نهاية المطاف الفضاء التدويني (blogosphère) لمدينة ما أو لبلد ما أو لمجموعة بشرية ما أو لمجموعة لغوية ما.
وهكذا يمكن مثلا أن نتحدث في هذا الصدد عن مجمع مدونات المغرب أو مجمع مدونات البلدان المغاربية أو مجمع مدوني البلدان العربية، أو مجمع المدونين بلهجة ما أو بلغة ما في هذه الجهة أو تلك، أو حتى عن مجموع مجمعات تدوينية دفعة واحدة.

وقد كان المدونون أنفسهم هم أول من حاول جمع شتات زملائهم المدونين في نطاق واحد قبل أن تنتبه إلى ذلك المواقع المختصة بالفهرسة. وفي هذا الصدد لا بد من الإشادة بمجهود الأخ العربي الذي كان من أول المدونين المغاربة القدامى الذين وضعوا الخطاطة الأولى ل(البلوغوما) المغربية في نسختيها الفرنسية والعربية قبل أن تكثر مجمعات التدوين العربية الأخرى كثرة هائلة.
ولكل مجمع من مجمعات التدوين العربي شروطه الخاصة لقبول هذه المدونة أو لهذا الموقع في لوائحه وقوائمه، وذلك حسب التوجهات الفكرية أو السياسية أو الفنية أوالميول الشخصية أو طبيعة العلاقات التي تربط ذلك المجمع بنوع معين من المدونين.
وأنا هنا لست ضد وضع الشروط لترشيح مدونة ما في هذا المجمع التدويني أو ذاك إذا كان المنطلق ديموقراطيا وإذا كان الهدف نبيلا يسعى للرقي بقيمة التدوين العربي وتمييز جيده من رديئه، ولكنني ضد المجمعات التدوينية التي تضع شروطا مجحفة لجعل مجال التدوين العربي حكرا على بعض الأسماء دون بعض.

وجميل أيضا أن يكون فهرس بعض المجاميع العربية شاملا مفتوحا للجميع من غير قيد أو شرط، غير أن هذه الشمولية إذا لم تكن منظمة فإنها تصبح فوضى؛ وحبذا لو وزعت فهارسها إلى قوائم متمايزة مستقلة؛ فتكون هناك قائمة خاصة بالمدونات التقنية وأخرى خاصة بالمدونات الأكاديمية وأخرى بالمدونات السياسية وأخرى بالمدونات الترفيهية وهكذا دواليك، أو على الأقل أن يكون ترتيبها أبجديا كما هو حال الفهارس الورقية..
وحتى المواقع المستضيفة للتدوين تحرص على وضع فهرسة نموذجية خاصة بها، ولكنها فهرسة بعيدة عن الموضوعية لأنها في الغالب لا تخرج عن مجال الدعاية إما لأكثر المدونات انتشارا أو لأكثرها تعليقا لديها، مما يفسح المجال لأشكال مختلفة من التحايل والغش من قبل بعض المدونين المتسلقين الذين لا هم لهم إلا تصدر تلك الواجهة الدعائية لأطول فترة ممكنة.

ولكي يأخذ التدوين العربي مساره الصحيح ينبغي أن يكون الوعي بقيمة التدوين كحركة تقنية وفكرية ملائمة للتعبير عن روح العصر الجديد شعورا مشتركا بين المدون من جهة أولى وبين مواقع الاستضافة من جهة ثانية، وبين مجمعات التدوين من جهة ثالثة.
فإذا كانت الرؤية مشتركة والأهداف واحدة بين هذه العناصر الثلاثة بعيدا عن كل مصلحة ذاتية ضيقة أمكن الحديث عن بيئة تدوينية عربية جديرة بالاحترام والمصداقية.

الثلاثاء، 28 أكتوبر 2008

محاضن التدوين العربي؛ الورقة الثانية

ليس هنا، في هذه الورقة الثانية، أي مجال للمفاضلة بين هذا الموقع المحتضن للتدوين العربي أو ذاك، فالأمر متروك إلى المدون نفسه؛ فهو الذي يختار الانتساب إلى موقع ما من بين مجموعة عديدة من المواقع المحتضنة ليجعلها مستودعا لبنات أفكاره ومستراحا لممارسة أنشطته التدوينية المختلفة، وذلك بمحض إرادته، وفي حدود معرفته واطلاعه.

ولا نملك هنا إلا أن نشيد بجهود المشرفين على أي موقع يقدم خدمة الاستضافة المجانية التي تدعم اللغة العربية. فتحية إلى كل من عمل في الخفاء على جمع شتات المدونين العرب ونظم حبات عقولهم في سلك واحد، وتكرم بإتاحة مساحة افتراضية ما لغيره كي يصول فيها ويجول.

غير أن محاضن التدوين بهذا المفهوم قد تصبح في نهاية المطاف كالدوائر المغلقة أو الجزر المعزولة النائية في محيط بحر الأنترنت العظيم؛ فمدونات مكتوب أو مدونات جيران أو مدونات وورد بريس أو البلوغر العربيين أو غير ذلك دوائر مغلقة وجزر تكاد تكون معزولة عن بعضها البعض، فالداخل إليها مولود والخارج منها مفقود، كما يقال. والدليل على ذلك أن مدوني مكتوب لا يكاد يعرفهم أو يعلق على إدراجاتهم غير زملائهم المدونين في مكتوب أيضا، والأمر نفسه ينطبق على بقية مواقع الاستضافة المجانية. ولولا وجود محركات البحث التي تقود عموم الزوار إليها بالصدفة لكان واقع عزلتها أكبر وأفدح.

وبعض أصحاب المدونات المستقلة لا يتورعون عن نعت زملائهم المدونين المنتسبين بالألفاظ والمصطلحات التي تشير إلى دلالات التجمعات العربية الحقيقية المعروفة ك(القبيلة) و(العشيرة)، فيتحول موقع مكتوب في أذهان البعض إلى قبيلة عربية افتراضية مثلها مثل أي قبيلة عربية حقيقية عشائرية عتيقة في الأردن أو في الحجاز أو في العراق أو في المغرب الأقصى، ويتحول موقع البلوغر في أذهان البعض أيضا إلى حي افتراضي معاصر مثله مثل أي حي غربي حقيقي يقع في هوامش باريز أو في لندن أو نيوورك أو ساو باولو وغيرها من الأحياء الغربية المكتظة بالمهاجرين والأفاقين والهاربين إليها من كل فج عميق من الضنك والضيق... فلا تسهغرب إذا وجدت أحدهم ينعت مدوني مكتوب بقبيلة مكتوب، أو مدوني البلوغر بحي البلوغر...

ومن حق المدون المستقل أن يستشعر حريته التامة في التدوين ويتنفس ما وسعه الجهد في فضائه الأثيري الخاص، ويحلق في مجاله الافتراضي كيفما يشاء صعودا ونزولا؛ فله حرية امتلاك النطاق، وله حرية التصرف الكامل في كل صغيرة وكبيرة تخص أمر مدونته قلبا وقالبا، غير أن هذا الشعور قد يتحول عند البعض إلى نوع من التعالي الارستقراطي عندما ينظر من موقع التباهي تارة والاحتقار تارة أخرى إلى غيرهم من الدهماء والغوغاء المنتسبين إلى قبيلة آل مكتوب أو آل جيران، أو غيرهم ممن أسكنوا أفكارهم في الأحياء اللاتينية في موقعي البلوغر أو الورد بريس أوفي غيرهما من المواقع الغربية التي تقدم خدمات الاستضافة المجانية, وهي كثيرة ولا يمكن أن تعد أو تحصى، وتتفاوت فيما بينها تفاوتا بينا من حيث شروط الاستضافة ومن حيث نوعية الخدمات والخيارات المتاحة...

فهل يجوز لنا بهذا المنطق أن نتحدث عن شكل جديد من أنواع التمايز الطبقي الافتراضي في بيئة التدوين العربي؛ بين من يمتلكون حرية كاملة في التدوين المستقل وبين من يمتلكون حرية منقوصة في التدوين المنتسب؟.
وأنا لا أستطيع أن أنكر أن بعض المدونين المنتسبين يعملون من حيث يدرون أو لا يدرون على زعزعة الثقة في التدوين المنتسب بما يقومومن به من سلوكات تدوينية غير واعية وغير مسؤولة، وبما ينفثونه من السموم وبما يرمونه من الشراك والحبال الملتوية في الطرق الافتراضية السيارة لإثارة الانتباه واصطياد أكبر عدد ممكن من الزوار..

ولكن، كما أن مواقع الاستضافة المجانية العربية فيها كثير من الغثاء الافتراضي الذي يثقلها بحمولة افتراضية زائدة لا تسمن ولا تغني من جوع فيها قدر مهما من التدوين الجيد الناضج الصالح لقطف الثمار، ولكنه يكاد تضيع في موجة الغثاء ولا يكاد يتميز إلا بصعوبة.
ولكي يتميز جيد التدوين من رديئه لا بد من خلق وسيط جديد من مواقع التدوين يكون صلة وصل بين المدونين المتميزين، سواء أكانوا مستقلين أو منتسبين من جهة، وبين القارئ أو المتصفح الافتراضي النموذجي من جهة ثانية. وهذا الوسيط هو مجمعات المدونات العربي المنتقاة. وهذا هو موضوع الورقة الموالية.