‏إظهار الرسائل ذات التسميات استراحة مراكشية وشؤون مغربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات استراحة مراكشية وشؤون مغربية. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 26 يناير 2010

مزاج طبيعي جدا

كثر الحديث في هذه الأيام عن التقلبات المناخية التي تشهدها معظم المناطق العالمية. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تقلبات عادية في درجات الحرارة والرطوبة أو في كمية التساقطات المطرية والثلجية، وإنما بتقلبات استثنائية ونوعية في المزاج الطبيعي كله.
وكأن هذه المزاج الطبيعي المتغير فجأة رسائل إنذار مبكرة للناس كي يحزموا حقائبهم لسفر كوكبي مرتقب بعيد عن واقع هذه الأرض إذا ما ضاقت بهم، أو اختلت موازينها، أو صار كل شيء فيها بالمقلوب….

وقد كان زلزال هايتي الأخير بمثابة يوم قيامة مُصغر؛ قضم ربع سكانها دفعة واحدة في أقل من طرفة عين.
لقد أربك زلزال هايتي الذي ضرب هذه المرة في الصميم موازين المختصين بعلم الزلازل، وجعلهم يقيسون ويتوقعون مدى حجم الدمار الذي ينتظر البشرية إذا ما قرر مزاج الطبيعة الزلزالي أن يضرب في كل مرة ضربته في الصميم، حيث كبريات المدن و حيث المنشآت الصناعية وحيث السدود العالية والجسور المعلقة ومحطات الطاقة النووية، ومراكز تخزين السلاح وغير ذلك من المنشآت المدنية والعسكرية والإستراتيجية والحيوية…

يُخيل إلي أحيانا أن مزاج أمنا الأرض كمزاجنا، وربما كان ذلك المزاج لديها، حين تكفهر أو تكشر أو ترتعش، نوعا من ردة الفعل على إزعاجنا لها وتحدينا لها بالحفر من هنا وبالردم من هناك وبالوصل من هنا وبالقطع من هناك…

فعلى كوكبنا الأرضي حرب غير معلنه بين كل ما هو طبيعي وبين كل ما هو صناعي، بين ما ينتجه تراب الأرض من زرع وضرع وبين ما تصنعه يد الإنسان من ضر ونفع.
وتسعى الطبيعة مع ذلك جاهدة لاحتواء أوضار البشر في بحرها وبرها وجوها للإبقاء على الحد الأدنى من التوازن فعل كل أم رؤوم تجاه سلوك أبنائها عندما تضم صالحهم وطالحهم وتحتويهم جميعا تحت جناحها ...

ولو جعل كل واحد منا نفسه مكان الأرض لما تحمل ذرة واحدة مما تحملته هذه الأرض العجوز الشمطاء منذ ملايين السنين من وزرنا..
وأحمد الله أن ترابها ما زال يطرح الثمار والغلال، وأن ماءها لازال في مذاقنا هو نفسه الموصوف بالزلال، وأن مرعاها لا تعافه إلى يوما هذا الحمير والبغال.

وما أثار انتباهي في موضوع مزاج طبيعتنا المتغير هذا هو نزعة التشاؤم والخوف من المجهول التي بدأت تسيطر على عقول الناس كلما تحدثوا عن هذا الموضوع، واحتماؤهم بالأوهام الميتافيزيقية السطحية التي يستغلها البعض عبر كثير من القنوات الفضائية لإثارة الفتن الدنيوية والدينية، مع أننا نعيش آخر صيحات التكنولوجية.

أطن أن السماء حينما تمطر ببلادنا بغزارة فإنما تمطر بالغيث الذي يحيي الأرض، وليس بالحفر التي تعرقل حركة السير على الطرقات المغشوشة أو تغرق الدور والمزارع عند الأراضي الواطئة…

وفي سلوك الطبيعة ومزاجها المتغير ما يكفينا ويكفي كل الوزارات القائمة على أمرنا من دروس لنعتبر لا لنعتذر عند الإهمال أو التفريط كلما أمطرت السماء أو شحت وكلما اهتزت الأرض أو استقرت…
ــــــــــــــــــــــــــ
إدراجات ذات صلة:
نخيل المغرب يزهر في موسم الشتاء
خيال مجنح

السبت، 26 ديسمبر 2009

سر الغمازات الضوئية على الطرقات المغربية

تستخدم غمازات السيارة في العادة للتنبيه، فالضوء الكشاف المسلط علينا من الأمام أوالخلف علامة انتباه قوية تحفز بسرعة على العودة إلى الوضع السليم على الطريق عند الغفلة أو الشرود।

ولكن لاستخدام الغمازات الضوئية مآرب أخرى تتعدد وتتلون بحسب اختلاف المغاربة في السلوك والثقافة والمهن ووسائل العيش.
وهكذا يتحول وميظ الكشافات المتقطع والمتموج والسريع والبطيء إلى إشارات ورسائل كثيرة تفيض بالمعاني والدلالات مما قد يستدعي رسالة سيميولوجية خاصة।

غير أن مرجعية تلك الدلالات والإشارات تبقى محصورة بين أصناف مستعملي مختلف الطرق المغربية السيارة وغير السيارة في هذه الجهة أو تلك؛ فلأصحاب شاحنات نقل البضائع علامة ضوئية مخصوصة، ولأصحاب التهريب ترميز ضوئي آخر ربما يكون أكثر تعقيدا والتواء، وللخطافة وأصحاب النقل البشري السري في القرى والمداشر علامة ضوئية أخرى تتناسب مع طبيعة سياراتهم المهترئة، بل وحتى لأصحاب السيارات المخملية الفارهة ذوي الوسامة والوجاهة والمكانة العالية…

ولكن مهما تعددت وتنوعت لغة الغمازات الضوئية لدى المغاربة عموما بحسب الوظيفة أو الصنعة أو المكانة أو الجهة فإن لهم إشارة واحدة تفهم بحسهم الغريزي الواحد الذي يجمعهم ولا يفرقهم. وفحوى تلك الإشارة يقول: بالقرب منكم في هذا الاتجاه أو ذاك وفي هذا الطريق أو ذاك يكمن رجال الدرك أو الشرطة، خلف شجرة أو خلف رابية.

الجمعة، 25 ديسمبر 2009

نخيل المغرب يزهر في موسم الشتاء

من يتطلع إلى شماريخ نخيل مدينة مراكش في أيام الشتاء هاته يلاحظ أمرا خارجا عن مألوف طبيعة أشجار النخيل؛ فقد خرجت عراجينها المزهرة قبل وقتها المعتاد بثلاثة أشهر أو أكثر. إذ المألوف والمعروف عن النخيل أنه لا يزهر إلا مع بداية شهر مارس أو أبريل.

وكنت أعتقد أول الأمر أن هذه الظاهرة محصورة في نخيل مراكش لعلة مرضية، غير أن الروبرتاج الذي بثته قناة المغرب الثانية في نشرة الظهيرة ليوم أمس أكد لي أن هذه الظاهرة الغريبة تعم نخيل المغرب كله। وحتى مزارعو النخيل في مناطقه المشهورة بالمغرب كزاكورة والراشيدية قد استغربوا لهذا الأمر وانتابتهم شكوك كثيرة حول مصير غلة نخيلهم المرتقبة. فمن الممكن أن تتأثر تلك الغلة المبكرة جدا برطوبة الشتاء، فالنخيل بأي أرض كان يحتاج إلى عدد معلوم من الأيام المشمسة جدا حتى ينضج على نحو جيد، والرطوبة الزائدة إن لم تتلف ثماره فقد تحد من جودتها.

ترى ما السبب في هذا التحول العجيب في الساعة البيلوجية لنخيل هذا العام؟ هل الأمر يعود إلى بداية خلل غير طبيعي في مناخ الأرض يمكن أن يقلب حياتنا على هذا الكوكب رأسا على عقب، حيث كل شيء يصير بالمقلوب॥ !!

وبعض خبراء الزراعة الذين تم استجوابهم قالوا عن الظاهرة إنها استثنائية لكنها قد تصبح ممكنة وطبيعية إذا ما توفرت لها الظروف الملائمة، خاصة وأن المغرب قد شهد السنة الماضية أمطارا قياسية أعقبتها حرارة صيفية قياسية أيضا مما حفز شجر النخيل على هذا الإزهار المبكر غير المعتاد।

وأنا أقلب صفحات الإنترنت وجدت هذا الموضوع المفيد عن النخيل، وهذا رابطه لمن يريد الاستزادة حول موضوع شجرة النخيل والعمليات الزراعية المرتبطة بها.

الجمعة، 15 مايو 2009

وأخيرا: الأدب الرقمي في مناهج التعليم الجامعي بالمغرب ...!

لا زال تلقين مواد الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعات المغربية مرتكزا في أكثر جوانبه على جهود الأستاذ الإملائية الرتيبة, ولا زالت السبورة الخشبية العريضة تحتل صدارة معظم مدرجات وقاعات التدريس في معظم الجامعات المغربية.

نقول هذا الكلام رغم أن البيئة الافتراضية الأدبية العربية قد عرفت درجة كبيرة من الامتلاء في السنوات القليلة الماضية، بحيث أصبح في الإمكان الآن أن نتحدث عن أدب عربي رقمي له أصوله ومراجعه الافتراضية الخاصة المفتوحة أو المرموزة، وعن متن أدبي رقمي هائل في مضامينه وفي تجلياته الفنية والأسلوبية.وأعتقد أنه قد آن الأوان لمواكبة كل إنتاج أدبي رقمي متراكم أو جديد مواكبة نقدية واعية كفيلة بتمييز جيده من رديئه لتطوير المعرفة الأدبية، ولإنصاف جهود الأدباء الرقميين المخلصين حتى يُعرفوا أكثر، وتجد أعمالهم الأدبية الرقمية طريقها الصحيح إلى الطلبة والباحثين وعموم المهتمين.
وقد عمل مجموعة من الأساتذة في العقدين الأخيرين على اكتساب بعض المعارف الرقمية الأولية التي يتطلبها هذا العصر الرقمي الزاخر العجيب، وأقلها مثلا فتح حساب بريدي إلكتروني لإرسال البريد أو استقباله، ومنهم من تقدم أكثر في مجال التكوين الافتراضي الذاتي، وأثبت عن جدارة واستحقاق حضورا متميزا على الشبكة العنكبوتية من خلال موقع أو مدونة شخصية.

ولكن، ومع كل هذه الرياح الرقمية المتقلبة التي تهب علينا من كل اتجاه وصوب قد تجد في صفوف الأساتذة من لا يمتلك حسابا بريديا، بل ويعاني فوق ذلك من جفوة رقمية مزمنة تجعله لا يطيق التطلع إلى شاشة الحاسوب فضلا عن ملامسة لوحة المفاتيح ومداعبة الفأرة. ولذلك فهو قد يتحاشى الخوض في هذا الموضوع، وربما قدم بين يديه مبررات عدة، وأخفها مثلا أن شعاع الشاشة يضر بعينيه.
ولا شك أن أبناء اليوم من تلاميذ متمدرسين وطلبة جامعيين غير أبناء الأمس، وهم أكثر إقبالا على الانخراط التلقائي في البيئة الافتراضية من آبائهم وأجدادهم.

والسلاح الرقمي الذي يحمله التلاميذ والطلبة إلى حجرات المدرسة ومدرجات الجامعة في جيوبهم ومحفظاتهم منوع ومشكل بين هاتف محمول وذاكرة فلاشية رقمية، وأجهزة أخرى إلكترونية للعرض السمعي البصري بغية التثقيف، في أحيان قليلة، واللعب والتسلية في أغلب الأحيان.

ولا زال أكثرنا ـ كتربويين وموجهين ومعلمين وإداريين…ـ يعتبر أن حمل الأجهزة الرقمية إلى حجرات الدرس مجرد إزعاج ومضيعة للوقت، وما فكر أحدنا في يوم من الأيام في كيفية استثمار تلك الأجهزة الرقمية المحمولة استثمارا عقلانيا مرنا في تلقين المعرفة وتثبيتها في عقول المتعلمين اليافعين، بالنظر إلى تعلقهم الشديد بتلك الأجهزة . وهو تعلق قوي ومتغلغل في وجدانهم بحيث قد يزيد حتى عن تعلقهم بأصدقائهم وأقرب الناس إليهم.
والسؤال المهم هنا هو: كيف نجعل مختلف هذه الأجهزة المتوفرة في بيئتنا الرقمية الإلكترونية امتدادا طبيعيا للأقلام والدفاتر والكراريس، ثم كيف سيكون واقع تعليمنا التقليدي المتهالك في السنوات القليلة المقبلة عندما تتجاوز البشرية مستوى التعليم الملقن إلى التعليم التفاعلي، وتنقطع صلة الناس على هذا الكوكب بالدفاتر والأقلام انقطاعا باتا لا رجعة فيه .. ؟ !

وعندما تناهى إلى علمي عزم وزارتنا القائمة على الشأن التربوي والتعليمي ببلدنا المغرب على إدراج مادة الأدب الرقمي في ترسيمة المنهاج التربوي الجامعي الجديد ابتهجت خيرا، واعتبرت هذه الخطوة فتحا جديدا من شأنه أن يضع كليات الآداب ببلادنا على سكة التطور الكوني الجديد، وهي التي بقيت حتى اليوم منغلقة على عوالم التقنية وكأنها تعيش في صحراء قاحلة بين قطيع الجمال وكثبان الرمال.
لكن، واقع التجهيزات المرصودة لهذا المطمح الحيوي قليلة إن لم نقل منعدمة حتى الآن، ليبقى تدريس الأدب الرقمي التفاعلي مجرد حبر على ورق في غياب التجهيزات التقنية الضرورية. وشيء طبيعي أنه لا يمكن تدريس الأدب الرقمي إلا في حجرات رقمية معدة لهذا الغرض، أما أن يدرس الأدب الرقمي عبر السبورة والطبشور فذلك ضرب من المحال.

ومع كل هذاوذاك أعتقد أن فكرة هذا المشروع قد جاءت متأخرة عن مثيلاتها في كثير من بلدان العالم الرقمي المتطور. وربما حكم على مادة الأدب الرقمي بسنوات أخرى من التأخير الإضافي لا يعلمها غير الله تعالى، في انتطار خروج مسلسل الإصلاح الجامعي ببلادنا من التخبط والارتجال، وانعدام التوافق بين الطموحات الكبيرة والإمكانيات شبه منعدمة، وكل ذلك على حساب الوقت الميت الضائع بين تجربة فاشلة وتجربة أخرى اكثر فشلا…

وفي نهاية هذا الإدراج يجدر بنا أن نشير إلى أن الأدب هو الأدب سواء أكان ورقيا أو رقميا، ما دام مستوعبا للتجارب البشرية التي يفرضها تطور الكائنات البشرية من الداخل والخارج وفي المحيطين: الخاص والعام.

السبت، 9 مايو 2009

عام الحصيدة

من يسافر في هذه الأيام عبر ربوع المغرب ويسير بمحاذاة طرقه السيارة وغير السيارة أو سكة القطار يدرك أنه قد ولج في حصيدة ممتدة بلا بداية ولا نهاية.
ومنذ عقود خلت لم يحدث أن أخذ الفلاحة المغاربة التقليديون والعصريون كامل أهبتهم وعدتهم لموسم حصاد متميز وواعد بالعطاء الكثير كما في هذا الموسم.

وفي الوقت الذي بدأ فيه أسطول الحصاد العصري الجرار يخرج من مخبئه ليزحف في اتجاه الحقول الواطئة لجمع غلال القمح والشعير لا زال للمنجل نصيبه الموفور في التهام ما تبقى من حقول الحبوب المعلقة في أعالي التلال والجبال، وعند منحدراتها الصعبة الضيقة التي تستعصي حتى على حركة الدواب والأقدام فضلا عن عجلات آلة حاصدة أو جرار.

ولا حديث في أوساط الفلاحة التقليدين البسطاء عند التقائهم في أسواقهم الأسبوعية في هذه الأيام إلا عن المنجل والتبانتة(1) والصباعات(2) والتويزة والخماسة والمقاطعية(3) والكاعة والدرسة وهلم جرا….
وقد مضى عهد طويل لم تتحرك فيه حركة (الشوالة) كما تحركت في هذا الموسم. والمقصود هنا بالشوالة حركة حصادة الشمال في اتجاه الجنوب. فمن المعروف أن القمح ينضج في جنوب المغرب قبل شماله. وتلك فرصة لنزوح حصادة الشمال الجماعي في اتجاه الشاوية والرحامنة والحوز أوسوس أو فكيك في اتجاه الشرق للعمل المؤقت في حقول الغير…
وقد تستمر هذه الحركة شهرا كاملا أو أكثر قبل أن تعود جماعات الحصادة التي كانت تتنقل بمناجلها في كل موسم عبر الحافلات والقطارات وحتى مشيا على الأقدام لتوفير ثمن المركوب، لما يعرف به الحصادة في العادة من قوة ومن شجاعة وصبر وتحمل.
وخلال هذه المدة يكسب هؤلاء الحصادة بعض المال يدخرونه لأوقات الشدة، ويكتسبون عادات جديدة في العيش وفي التصرف وحتى في فنون الكلام لهجة وأهزوجة قبل عودتهم إلى قواعدهم سالمين غانمين…

وأذكر جيدا كيف كان يتباهى بعض هؤلاء الشوالة العائدين إلى قريتنا الصغيرة التي تقع في الشمال بما كسبوه من مال وبما جلبوه معهم من تحف بسيطة، تماما مثلما يتباهي اليوم بعض عمالنا في الخارج بما يجلبونه معهم من سيارات فارهة وهدايا، عند عودتهم في عطل الصيف وفي مواسم العودة المقترنة بالأعياد.

وقد لا يستغرب البعض منا من شعار الوزارة الوصية على الشأن الفلاحي بالمغرب الذي أطلقته هذا العام؛ وهو شعار المغرب الأخضر على غرار تونس الخضراء.
وهو شعار قد تم إعلانه خلال معرض مكناس الفلاحي الأخير للاستهلاك الخارجي فقط، وهو لا يعني في الداخل إلا فئة قليلة من كبار الفلاحين الإقطاعيين الذين لا ينتجون في ضيعاتهم العصرية إلا للأسواق الخارجية الغربية التي يصدرون إليها بالعملة الصعبة ما لذ وطاب من عجيب الخضر وغريب الفواكه التي ما وجدت في يوم من الأيام طريقا سهلا أو صعبا إلى مائدة المواطن المغربي المسكين إلا ما يراه عبر وصلات الدعاية والإشهار..
ثم ليبقى وضع غالبية الفلاحة المغاربة المساكين على حاله أو أسوأ بسبب سلوك السماسرة والمضاربين من أصحاب الشكارة الذين يغتنون على حساب الفلاح البسيط والفلاح الأجير كالبق العالق بالبقرة الحلوب يمتص دمها وطاقتها من غير هوادة أو رحمة.

ثم كيف يمكن لهذا الشعار أن يجد له صدى في أوساط عموم المغاربة الذين لم يعرفوا في السابق موجة غلاء كاسحة كهذا العام. إنه وباء الغلاء الفتاك بالجيوب، وأثمان الخضر والفواكه ما عرفت انخفاضا أو استقرار طيلة هذا العام.وقد أصبح مجرد التفكير في حمل القفة إلى سوق الخضر والفواكه مدعاة للحيرة والتخبط والإحباط، فتقدم رجلا وتؤخر أخرى وتفكرمرتين وتساوم ثلاث مرات أو أكثر، وخاصة عندما تدرك أن جيبك قد أصبح خاويا على عروشه قبل أن تملأ ربع تلك القفة الملعونة، وقبل أن تأتي على اقتناء أمهات الحاجات الضرورية لسد رمق الجوع اليومي، من بضعة حبات بطاطس وفلفل وطماطم…أما الفواكه فتلك قصة أخرى…

ترى،هل أصبحت الحصيدة مصيدة لجيوبنا، وماذا يجدي شعار المغرب الأخضر إذا لم تتحول معه موائد الكادعين في هذا البلد إلى ربيع متعدد الأصناف والألوان؟
ــــــــــــ
هامش:(1) التبانة هي الصدرية التي يضعها الفلاح على صدره وكانت تتخذ من جلد البقر أو الماعز لتقيه من الأشواك ومن نباتات الأحراش.
(2) الصباعات يتخذها الحصاد من أنبوبة القصب على قدر أصبعيه: الخنصر والبنصر خاصة لوقايتهما من ضربات المنجل العشوائية.
(3) المقاطع هو المساعد الرسمي للخماس، وتكون أجرته نقدا أوعينا، من جنس حبوب وغلال الموسم

الخميس، 5 فبراير 2009

إذا ما طغى الماء… !!

كنت في فاتح نوفمبر الماضي قد كتبت إدراجا تحت عنوان: “هل سيستعيد المغرب دورته المناخية الممطرة.. ؟ !!“.
ومنذ ذلك الوقت إلى حدود هذه الساعة التي أكتب فيها هذا الإدراج، ومنذ أكثر من ثلاثة أشهر عرف المغرب بحمد الله وفضله ولا يزال تساقطات مطرية وثلجية هائلة لم يعهد لها المغرب نظيرا منذ عهود كثيرة خلت يقدرها بعض المعمرين المغاربة الذين أمد الله في عمرهم حتى هذه اللحظة بما يزيد عن نصف قرن أو أكثر.

ومع أن عموم المغاربة قد استبشروا خيرا بهذا الخير العميم، غير أن طفح الماء الزائد عن الحاجة جعل كثيرا من السهول والأراضي الواطئة مهددة بالغمر والفيضان، وخاصة بعد امتلأت كثير من السدود عن آخرها وعجزت عن احتجاز كل هذه المياه المتدفقة عبر الأنهار والجداول.
وما أحداث فيضان وادي بهت بعد عجز سد القنصرة عن كبح جماح مياهه التي أبت إلا أن تتجاوز حاجز السد العلوي، وتتفوق على الإسمنت والخرسانة لتغمر مساحات زراعية شاسعة بمنطقة الغرب و تغرق تجمعات سكنية قروية وحضرية مجاورة للوادي كمدينة سيدي سليمان.

لقد كشفت أمطار الخير هذه عن هشاشة المغرب غير النافع، حيث بقيت كثير من القرى والمداشر المنسية وراء التلال والجبال معزولة بعد انهيار الجسور والقناطر التي جرفتها السيول، لتبقى إلى أن يشاء الله منكوبة في عيشها وماشيتها وبيوتها الطينية.

وحتى الأحياء الهامشية في كبريات المدن المغربية لم تسلم معظم دورها الآيلة للسقوط من الانهيار؛ فكانت هذه الأمطار المباركة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير المغربي المتهالك في بنيته التحتية وما تحت التحتية إلى درجة الصفر والعدم فعرت بالمكشوف عن مغرب الترقيع والتلفيق وعن مغرب النفاق والمراء، فإذا ما طغى الماء انكشف الغطاء وتبن ما طبخ خلسة في الإناء…

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2008

كوكل يهنئ المغرب بعيد استقلاله

كوكل يهنئ المغرب بعيد استقلاله، من خلال عرضه على صفحة محرك بحثه المغربية لوحة فنية رمزية لأشهر طراز من الأبواب التاريخية العتيقة التي يعرف بها المغرب، مما يمكن أن تجد لها نظيرا في فاس أو مكناس، وفي مراكش أو الرباط العاصمة وفي غيرها من المدن المغربية العتيقة المنتشرة عبر جهاته الأربعة.


مبروك


وخلف الصورة تظهر عبارة (مبروك عيد الاستقلال)، عند ملامستها بمؤشر الفأرة
فكل عام وشعب المغرب في عزة وكرامة.

السبت، 1 نوفمبر 2008

هل سيستعيد المغرب دورته المناخية الممطرة...؟

كنت قد سمعت من أفواه بعض عامة الناس عند نهاية الصيف الماضي هنا في مدينة مراكش أن هذه السنة سنة 2009 ستكون بإذن الله سنة (ماوية) بلغة العوام أي: مائية، نسبة إلى ثروة الماء السماوية الطبيعية وليس إلى ثورة (ماو) تسي تونغ الأرضية الشعبية الاشتراكية الصينية.

وكنت قد قررت الكتابة في هذا الموضوع ضمن فئة: استراحة مراكشية وشؤون مغربية، غير أن ازدحام فكري بقضايا التدوين والمدونات أذهلني عن هذا الموضوع.
وكثير من الكلام الذي يصدر عن العوام قد يعتقده البعض مجرد شطحات جنونية وتهيؤات خرافية غير أن جذوره التاريخية والأنتروبلوجية قد تكون أبعد وأعمق مما قد نظن للوهلة الأولى. فلا شك أن أحكام القيمة التي تنشأ في مرصد العوام عن عادات الناس وأمزجتهم لها نظير مماثل عن عادات المناخ وتقلباته ومزاجه أيضا. وتلك الأحكام نتيجة خبرة ومقاربة فطرية شاملة ومراقبة طويلة لمجريات الأحداث والتطورات المختلفة التي تحصل في الزمان والمكان. والسلف يرث حصيلة تلك الخبرة عن الخلف عبر الكلام الشفوي المشترك دون انقطاع أو انفصام، ثم تسجل نتائجها وخلاصاتها لتنقش على صفحات الذاكرة الشعبية المغربية الجماعية كما تسجل حصيلة مراقبة الأرصاد الجوية في الجداول والخرائط الرقمية داخل دوائر الحاسوب الرقمية الآن.

وإذا رجعنا إلى التقلبات المناخية التي عرفها المغرب خلال شهر أكتوبر الذي أبى إلا أن يودعنا ليلة أمس على إيقاع أمطار الخير التي لا زالت متواصلة إلى حدود هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور من صبيحة فاتح شهر نوفمبر فإنها باعتبار ماكان مألوفا عند مرصد المغاربة الشعبي تعد أمرا عاديا،غير أن نشرات الأخبار الجوية في تلفزيون وراديو المغرب التابعين لوزارة الاتصال والداخلية أبت إلا أن تصف أمطار الخير التي أرسلها رب العالمين لخلقه وبهيمته بالاستثنائية، وكأن المغرب ما اعتاد عبر حقبه الطويلة إلا على القحط والجفاف ضاربة عرض الحائط بأرشيف الذاكرة المغربية عن أيام المطر الطويلة المغربية في فصلي الخريف والشتاء، وعن الخلجان والوديان والجداول التي لم تكن تجف من الماء طيلة أيام السنة كما أذكر جيدا ويذكر غيري من المجايلين لفترة السبعينات وما قبلها من القرن الماضي. فمن حفر هذه الوديان الكثيرة ومن رسم تلك الخلجان والجداول التي لا تعد ولا تحصى على صفحة الخريطة المغربية من أقصاها إلى أقصاها.. أليست حبات المطر الكبيرة والصغيرة...؟؟ !!

إن مصاب بعض المواطنين المغاربة الذين تضرروا في أموالهم ومنازلهم ومواشيهم جراء أمطار الخير وخاصة في منطقة الريف الغربي والأوسط والشرقي وفي بعض مناطق الحوز ودرعة لا يرجع فقط إلى الحمولة الزائدة من السيول التي عرفتها بعض الوديان حتى فاضت وغمرت المنازل والمناطق الصناعية، وإنما لسياسة التعمير العشوائية التي بدأت تزحف أكثر من ذي قبل في اتجاه المنحدرات والمروج وضفاف الأودية في غياب خطة وقائية لتنبيه الناس وحماية أرواحهم وممتلكاتهم ومنشآتهم الصناعية من أضرار الفيضانات.
وقد يلاحظ الزائر للمغرب أن معظم القرى الطينية والمدن المغربية الشمالية على وجه الخصوص قد اختطها أسلافنا في أماكن عالية تكون بمنجاة من وصول السيول الجارفة إليها بل إن بعضها معلق في قرون الجبال والتلال العالية بحيث لا يمكن الوصول إليها إلا بالمشي على الأقدام أو بركوب الحمير والبغال.

ترى هل يكون المغرب بتباشير المطر المبكرة لهذا العام قد دخل مرحلة مناخية جديدة يتصالح فيها مرة أخرى مع السماء ليستعيد عادته المناخية المطيرة المألوفة في ذاكرة المغاربة، وليست في ذاكرة الوزارات المغربية الوصية في التجهيز والنقل وفي تدبير الشأن المغربي العام؟ إذ أبت الوزارات الوصية على التجهيز وتدبير الشأن المغربي العام إلا أن تلقي باللائمة على خيوط الرحمة التي تصل السماء بالأرض تهربا من تحمل مسؤوليتها الكاملة على هشاشة تجهيزاتها من طرقات وقناطر ومعابر مغشوشة. وقد انهاربعضها بسرعة وأصاب بعضها الآخر كثير من التلف في غضون أسبوعين ممطرين فقط، فكيف ياترى سيكون حال منشآت وتجهيزاتنا العمومية إذا استعاد المغرب دورته المناخية المطيرة كاملة غير منقوصة كما يدور في بعض قصاصات الأنباء المناخية الشعبية التنبؤية.. ؟ !!

الأحد، 18 مايو 2008

تلك الكائنات الشهرية الطبشورية


كم أعجب للكتكوت الصغير الذي ينطلق توا في طلب رزقه وكأنه قد تعلم دروس النقر ولقط الحب قبل أن تنفلق عنه بيضته ويسقط عنه زغبه ويتجدد له ريشه.!!

أما نحن ـ معشر المواطنين العاديين ـ وقبل أن يتحول بعضنا إلى كائنات شهرية في محاضن الوظيفة العمومية وينمو على أكتافنا ليس فقط زغبنا وشيبنا وعيبنا وإنما لحم حكوماتنا الموقرة على حد قول إخواننا المصريين بعبارة أخرى معدلة على مقاس هذا الإدراج ( لحم أكتافنا من خير حكوماتنا ) فقدرنا أن نمضي حياتنا ملتصقين بمقاعدنا عند مكتب أرشيف وإدارة أو حجرة طبشور وسبورة أو بجوار تلفزيون وزارتنا في الداخلية والإعلام في انتظار خبر رفع الأجور هائمين حالمين منكمشين متقوقعين كالطائر الذي قص جناحه يحلم بالتحليق بعيدا في الفضاء الحر ولكنه لا يقدر أن يبرح مكانه.

حياة الكائنات البشرية الشهرية في مغرب اليوم كما الأمس تقوم قواعدها الهشة على راتب هزيل ثابت على حاله كعظم يابس قذف به بعيدا إلى كلب ليوفيه حقه من المصمصة، حتى لا يسمع له لهاث فضلا عن نباح أو يرى له تدفق ريق شهوة أو تكشيرة شريرة تكشف عن قواطع وأنياب.

ومع ذلك يسمى ذلك الراتب في القواميس المتداولة بالمصروف وإن كان ممنوعا من الصرف خارج حدود الأسبوع الأول من كل شهر، وفي حدود الضرورات القصوى للبقاء على قيد الحياة ومكابدة العيش المر فضلا عن أن يقي من بعض صروف غدر الزمان والمكان.

وبين طابور المائدة العائلي المعتاد بحضور جميع من تحت السقف لممارسة طقوس المضغ الحافي الجماعي وطوابير الحياة اليومية الأخرى في انتظار حافلة أو أداء فاتورة أو عد أيام التقاعد الباقية واستيفاء أقساط الديون البنكية يمضي شطر كبير من حياتنا نحن ـ معشر الكائنات الشهرية الطبشورية الطابورية (نسبة إلى الطبشور والطابور) في انتظار الذي قد يأتي ولكنه لا يأتي.

فمن أفق رحابة الوطن العربي وغناه بالمتناقضات في تدبير خيرات ما تحت الثرى وما فوقه تنبع عبودية الاغتراب الوجودي المحكوم بقلة ذات اليد لدى الكائنات العربية الشهرية الطبشورية...!!

وحدها الكائنات المخملية في وطننا العربي تكتفي بجر أذيالها الطويلة بدل أن تنجر إلى الوقوف في طابور العيش والرغيف والغاز والماء والكهرباء والحديد والإسمنت والحمام والمرحاض وهلم طابورا ...

وهي فوق ذلك معفية من سؤال منكر ونكير ومن متابعة جدول حصص التدريس والعطل ومراقبة تقويم الأعوام البسيطة والكبيسة وكبش العيد ونكد العطل الصيفة مع إلحاح ومتطلبات الأولاد...

تلك القلة القليلة من الناس الذين خيم السعد ببابهم ولفتهم النعماء بردائها ...اللهم لا حسد لهذه الفئة المخملية التي تسعد بحظها ولا شماتة بتلك الفئة الطبشورية التي تشقى بنصيبها وراتبها... وهذا على على حد قول أبي العتاهية مخاطبا هارون الرشيد:

أتتك الخلافة منقادة إليك تجرجر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها

ولكن، ما أبعد البون بين رسوم الخلافة وطقوسها وبين رسم الأماني والأوهام بالطبشور الأبيض على سبورة سوداء ..!!

ثم ألم يكن الخليفة العباسي المنصور يقول في خطبته: ( أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وسداده، وأنا خازنه على فيئه، أعمل بمشيئته، وأقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه. فقد جعلني الله عليه قفلا؛ إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم، وإن شاء أن يقفلني عليها أقفلني.)

وما أظن أننا عن أيام العباسيين وعلى عن حكاية أقفال خزائنهم ببعيدين...!!
ـــــــــــــــــ

إدراجات ذات صلة:
يوم الخبز العربي

الثلاثاء، 6 مايو 2008

عندما يصل الإنترنت إلى مجتمع القرية المغربية

الحديث عن قرية " الإنترنت " بدلالتها الكونية المتسعة المعولمة شيء والحديث عن وصول الإنترنت إلى قرية من القرى المغربية النائية المحدودة المعزولة في الزمان والمكان شيء آخر. فكيف يمكن لهذين الواقعين المتباعدين المتناقضين أن يجتمعا ويلتئما في عقول القرويين المغاربة البسطاء الذين جل متاعهم من حطام الدنيا بيت من قش وطين وبيدر وكومة تبن وبضعة حيوانات يقاسمونها عيش الحياة ومرها في الخصب والوفرة وفي الجفاف والقسوة؟!.

وكيف يمكن لقرى مغربية متواضعة رابضة في السهل أو معلقة في قرون الجبال الوعرة أن تستوعب مجرى وادي السليكون العظيم، وهي التي قد لا يتوفر معظمها على مجرى مياه عادية أو أقل من عادية كافية لإرواء ظمأ القرويين وظمأ ما في عهدتهم من أبقار وأغنام وأرانب ودجاج وبغال وحمير ..؟!!...

صحيح لقد مكن مشروع الحكومة المغربية لكهربة القرى المغربية بمساعدات دولية خارجية من إضاءة البيوت القروية بالمصابيح بدل قنديل الزيت أو مصباح الغاز(اللامبا)، غير أن هذا المشروع لن يكون مجديا إلا إذا كان مصحوبا بمد أنابيب المياه الصالحة للشرب ووصلها بكل القرى والمداشر النائية. فحاجة القرويين في هذه السنين العجاف إلى الماء آكد وأولى من حاجتهم إلى نور كهرباء لا يستغله معظمهم إلا لإضاءة إصطبل حيواناتهم وتفقد أحوالها في جنح الليل أما هم فقد اعتادوا التسلل إلى مخادعهم للنوم لواذا دونما حاجة إلى وضع (الأباجورات) عند يمينهم أو يسارهم.

ومن النتائج المباشرة لكهربة القرى المغربية وصول (البارابول) وانتشار الأطباق اللاقطة على البيوت القروية الواطئة وتزايد إقبال فتيات القرية الشابات على المسلسلات المصرية والسورية والمكسيكسية وحتى التركية إسوة بشقيقاتهن في المدينة. وقد بدأ الحديث عن أبطال المسلسلات الوسيمين والوسيمات يأخذ حيزا كبيرا من وقتهن عندما يجتمعن للسقي عند العين أو يسرحن بقطعان ماشيتهن في البراري.

أما النساء والرجال القرويون المكتهلون والطاعنون في السن فلا زال عندهم بقية ميل قوي إلى تتبع أخبار الملك (سيدنا) ونشرة الطقس وسهرة السبت والمسلسلات المغربية التي يغلب عليها الطابع القروي من قبيل مسلسل (وجع التراب) الذي حاز على نسبة مشاهدة عالية في الأوساط القروية المغربية.

أما الشباب القرويون فقد أبانوا عن ولع خاص بتتبع جديد ذبذبات القنوات الفضائية وطرق برمجتها، وضبط توجيه أطباق الالتقاط مما قد لايستطيعه بعض شباب الحاضرة. وتلك مهارات فطرية كونوها لأنفسهم من فرط عادة ملامستهم اليومية لطبق الاستقبال ولأجهزة التحكم الرقمية ولفراغ البال. وفي العادة فإن شباب القرية هم المتحكمون في جهاز(الريموت كنترول)، وهم يقبضون عليه قبضة حديدية درء لكل ما من شأنه أن يخدش حياء أو يسبب حرجا أخلاقيا، وخاصة عندما يجتمعون مع أفراد عائلتهم في أوقات الأكل أو عند الفراغ من الأعمال الفلاحية الروتينية، ويكون إلى جانبهم الأمهات والأخوات والخالات والعمات. على عادة القرويين في الالتئام الشديد عند الأكل وعند الأتراح والأفراح.

ومع انعدام وجود الهاتف الثابت بمعظم القرى المغربية غير أنه قد تم تعويض هذا النقص بالهواتف النقالة، إذ لا تخلو معظم البيوت القروية من هاتف نقال واحد أو أكثر. ومعظمها لا يستعمل إلا لتلقي المكالمات الهاتفية الخارجية الواردة عليهم من أبنائهم الذين غادروا القرية للعمل بالمدينة أو هاجروا إلى أوربا بطريقة شرعية أو سرية.

وبما أن تغطية الاتصال الهاتفي بالقرى المغربية تكون في الغالب ضعيفة فإن للقرويين طرقا خاصة ابتكروها للإبقاء على حرارة اتصال هواتفهم النقالة؛ ومنها أنهم يعلقون هواتفهم عند نقطة أو زاوية مرتفعة بمقدار معين عن سطح الأرض من ركن البيت أو باحته، وإن اقتضى الأمر فعلى عمود مرتفع أو غصن شجرة، وذلك في انتظار رنة قد تأتي وقد لا تأتي.

وأخيرا وبعد تأخر طويل جاء الدور على قرية الإنترنت العجيبة لتحل ضيفة على بعض القرى المغربية كخطوة أولى محتشمة وذلك بعد أن تم اعتماد الإنترنت اللاسلكي من قبل بعض الشركات الخاصة المحتكرة لسوق الإنترنت في المغرب.

وعندما زرت قريتي في المدة الأخيرة لم يثرني إلا حديث أهلها من الشباب وحتى من الكهول عن العوالم الافتراضية لأول مرة؛ فلم أعد أسمعهم يتحدثون عن أخبار الجزيرة والعربية وعن نتائج المباريات في القنوات الرياضية المشفرة كما في السابق، وإنما صرت أسمع لهم حديثا عن كوكل وياهو وأن معظم شباب القرية قد فتح له حسابا بريديا وأن معظمهم قد تعلم فن الإبحار عبر المواقع في مقهى قريتنا الطينية التي تحولت بين صبح ومساء إلى مقهى إلكترونية تتوفر على حاسوبين نقالين وعلى جهازين لاسلكيين للربط بالشبكة العنكبوتية، وأن فلانا الفلاني قد غمزت صنارته الافتراضية فاصطاد، وهاهو يتواصل مرة في الأسبوع مع امرأة أمريكية. وقد تواعد معها على الالتقاء هنا في القرية في الصيف المقبل. فقد أظهرت تلك السيدة رغبة قوية في زيارة قريتنا التي تنعتها في رسائلها بالجنة وينعتها شبابها العاطل بالحفرة في انتظار من يخرجهم وينقذهم منها، حتى لو تم ذلك على يد عجوز أمريكية شقراء شمطاء تطل ذات يوم كطائر الفينيق الخرافي لتنتشلهم وتحلق بهم بعيدا عن وجع تراب القرية.

الخميس، 24 أبريل 2008

تسونامي الغلاء والجوع

يبدو أن المثل الشعبي الذي تداوله المغاربة في أمثالهم الدارجة ردحا طويلا من الزمن: " حتى واحد ما كيموت بالجوع " قد تجاوز مدة صلاحيته بعد أن فقد شرطين أساسين من شروط صحة التداول والاستعمال: الشرط الأول فائض الغذاء، والشرط الثاني فائض المال.

صحيح أن نظام التوازن بين الجيب والقفة قد اختل كثيرا في هذه الأيام العالمية المعولمة المنذرة بارتفاع موجتي الغلاء والجوع ليزيد امتدادهما طولا وعرضا حتى يعما جميع الكرة الأرضية وليستوي ظهرها ببطنها وعاليها بمنخفضها.

فلا صوت الآن يعلو على هدير الجوع وصفير نذر الغلاء في كل وسائل الإعلام الدولية. الجميع حذرون والجميع مترقبون ومستنفرون.

ترى ماذا أعدت حكومات العالم النافع والمنتفع بعملائها وشركاتها المخصخصة والمخوصصة لثورة الجياع غير الوعود المعسولة برفع الأجور حفاظا على القدرة الشرائية التي وصلت إلى الحضيض.

وماذا سيكون موقفها إذا نفد صبر الجياع وتحركت عصافير بطونهم ولم تجد ما تقتات به من لقط وفتات لتهجم هجوم طير الأبابيل وترجم في طريق ثورتها كل مكان بالحجارة الملتهبة غضبا ونارا، ولتأتي على كل أخضر ويابس.

وقديما قيل:" الجوع أمهر الطباخين" أما اليوم وفي ظل شح الطبيعة واختلال توازنها من جهة انتظام التساقطات المطرية وتقتير الأغنياء وغباء الحكومات الدولية من جهة انشغالها وقتا طويلا ضائعا بحرب الطواحين الإرهابية الدولية بدل توفير الطحين لكل فم فيمكن أن نقول: إن الإحساس بالجوع صار أهم من كل النظريات الثورية البائدة لكسر الطوق وشق عصا طاعة الحكومات وخلق بواعث الانتفاضة. فلا خطبة سياسية اليوم أبلغ وأصدق من صياح الجوعى ووقوفهم في الطوابور الطويل أمام الأفران والمخابز الشعبية في انتظار رغيف أسود من الدرجة الثالثة قد يأتي وقد لا يأتي .

وفي بلاد المغرب غير المُنتفع يعرف المواطن المغلوب على أمره من مشيته الحائرة في الطرقات ومن تجاعيد جبينه التي تحكي تفاصيل حياته الشقية، ومن نوع الخبز الذي يقتات عليه أيضا.

وقد صار هذا المواطن أشد حرصا من أي وقت مضى على رتق ثقوب جيبه وسد ذرائع الإنفاق بالأعذار الملفقة فتراه أكثر إمساكا لكفه المرتعشة القابضة على راتب هزيل في حجم طائر" المقنين" الذي لا يسمن ولا يغني من جوع خوفا من أن يطير ذلك الراتب بجناحيه الخفيفتين قبل الأوان ليكمل بقية الشهر بالسلف والديون التي يتراكم جديدها على قديمها فيما يشبه المتاهة الحلزونية.

ولحسن الحظ فإن للمغاربة "المزلوطين" مقاومة فطرية عجيبة لجاذبية الإغراء ووصلات الإشهار التلفزيونية المغرية باحتساء كؤوس الشاي التي تنزل على معدتهم الخشنة بأكل العدس وأطباق الفول وبضع حبات الزيتون بردا وسلاما، وتعوضهم فراغ موائدهم من المقبلات والعصائر والفواكه الطازجة.

الأربعاء، 12 مارس 2008

حديث الجوطية

لا أعلم بالضبط متى دخلت كلمة (الجوطية) إلى اللسان المغربي الدارج. ولعل بناءها اللفظي والصوتي منحوت من كلمة (jeté) الفرنسية، على غرار كثير من الكلمات التي يستعملها المغاربة في حياتهم اليومية في وصف الأشخاص والأماكن مثل كلمة (الزوفري) التي نحتت من كلمة: (ouvrier) بعد أن شحنت بدلالات قدحية، ومثل اسم (بتيجة) الذي أطلق على مدينة سيدي قاسم. وقد نُحت من كلمتين فرنسيتين هما (petit ) و(gent)، ومثل وصف بعض تصرفات البشر المشينة بطريقة رمزية كما توحي بذلك كلمة: (الفيراج) عندما ركبت بطريقة فنية مسجوعة في التعبير المغربي الشائع الذي يجرى مجرى الأمثال: ( الله ينجيك من الحاج والعجاج والفيراج)، فاحتفظت بدلالتها الأولى لكلمة:(virage) ، من غير إضافة أو انزياح عن المعنى الأصلي لها في اللغة الفرنسية، وبما يفيد توخي الحذر من بعض الحجاج الذين لا تردعهم زيارة مناسك الحج المشرفة عن فعل المنكرات واقتراف المحرمات، تماما كما يجدر بسائق السيارة عندما يقترب من أحد المنعرجات الحادة التي تنعطف يمينا أو يسارا.

وقد يطول بنا الحديث لو حاولنا استعراض كل الكلمات والاشتقاقات اللغوية الفرنسية التي انصهرت في اللسان المغربي الدارج منذ أن فـُرض نظام الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912 حتى يومنا هذا، وقد اكتفينا بهذه الأمثلة التوضيحية فقط حتى لا نخرج عن النطاق الذي رسمناه لهذا الإدراج.

أما كلمة (الجوطية) التي جعلناها محور هذا الإدراج فتعني عند المغاربة تلك الأمكنة الهامشية التي يباع فيها كل ما هو عتيق ومستعمل. سواء تعلق الأمر بالمستعمل المحلي أو المستورد.

وإذا كانت كلمة (jeté) في الفرنسية تعني المتروك والمهمل والمُبعد، فإن كلمة (الجوطية) تعني في قاموس المغاربة اليومي عكس ذلك تماما؛ إذ المقصود منها هو إعادة كل ما هو مهمل ومقذوف به بعيدا أو حتى في القمامات والأزبال إلى دورة الحياة والإنتاج مرة ثانية أو ثالثة حتى يفنى أو تنقطع الفائدة من استعماله تماما.
ففي مغرب التهميش والهشاشة لا تستهلك الأشياء طبقا لمنطق الصلاحية والرفاهية وإنما لمنطق الضرورة والحاجة الملحة.

ومع أن كل بلدان العالم لها (جوطيتها) الخاصة، فإن (جوطية) المغاربة يمكن أن تعتبر (جوطية) كل (جوطيات) العالم. ففيها من كل لون من ألوان القمامة العالمية فن وطرف.

ولعمال المهجر المغاربة (الفاكانس) الذين يعودون إلى مغربهم في عطلة الصيف وفي المناسبات الدينية والعائلية نصيب وافر في ترويج نشاط (الجوطية) التجاري بما يجلبونه معهم من الخردة البالية. وبعضهم يقتني سيارات (الترافيك) الكبيرة عند العودة خصيصا حتى يتمكن من جلب أكبر قدر ممكن من الخردوات، وخاصة عندما يتعلق الأمر بقطع الأثاث المفكك ومحركات السيارات البالية والدراجات النارية والعادية فضلا عن الغسالات البالية و كشكول الأواني المنزلية من الصحون والكؤوس والشوك والملاعق وغير ذلك مما لا يعد كما وكيفا.

وإذا كنت من هواة جمع القناني الفارغة مثلا، فإن (الجوطية ) المغربية تقدم لك مستودعا ضخما لا ينفد من القناني المختلفة المنوعة في أشكالها وألوانها وأحجامها. وقس على هذا المنوال ما شئت من القطع والأجزاء والعناصر المستعملة المتبقية مما أصله ثوب أو خشب أو بلاستيك أو حديد أو نحاس.

ولم تبق (الجوطية) المغربية بعيدا عن ركب الحضارة التكنلوجية الرقمية، بل سايرت إيقاعها السريع، وأصبحت مكبا لكل نفايات الأقراص المدمجة والشرائح الإلكترونية المفككة ولآخر صيحة من صيحات الهواتف النقالة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة. وعند (جوطية) درب غلف بالبيضاء المشهورة عالميا في القرصنة التقنية الخبر القين.

وحتى بعض الأجانب الذين استوطنوا مدن المغرب بكثرة في السنوات الأخيرة بدأت تنمو لديهم عادة ارتياد( الجوطية) على غرار فقراء المغرب المكتوون بنار الغلاء في هذه الأيام، ولكنهم لا يبحثون بين أكوام الخردة عن برغي أو مسمار أو صفيحة قصدير، وإنما عن بعض التحف النادرة المطمورة في ثنايا أكوام (الجوطية) التي قد لا تقدر بثمن.

السبت، 8 مارس 2008

بعض تداعيات اليوم العالمي للمرأة

ثامن مارس هو اليوم العالمي الموعود من كل عام للاحتفال بعيد المرأة.
وفي هذا اليوم فقط من بين سائر الأيام كلها يطغى خطاب التأنيث قليلا أو كثيرا في وسائل إعلامنا العربية، كل بلد عربي حسب درجة فحولته اللغوية ومبلغ حصانته الفكرية الذكورية ضد تاء التأنيث ونون النسوة.

المهم أن تاء التأنيث تحضر بقوة في هذا اليوم في بلدنا المغرب، على غير العادة، سواء في المنابر الخطابية أو في الملتقيات النسوية أو عبر الشاشات والجرائد والصحف المستقلة أو الحزبية. ويشعر المرء وكأن الرجال قد أزيحوا من الواجهة لبعض الوقت أو كأنهم قد أجبروا على الرجوع إلى آخر الصف في نوع من الحياد والصمت الذي يسبق هبوب العاصفة. وإن كنت لا أعلم بالضبط طبيعة نوايا الرجل العربي الحقيقية حيال هذا الاحتفال؛ أهو فعلا إقرار واعتراف، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد مجاملة واستلطاف؟.

وتذكرت في هذه اللحظة التي استبعد فيها الرجال من دوائر هذا الاحتفال في هذا اليوم الاستثنائي كيف كانت نساء قريتنا يتحايلن على أطفالهن الذكور لإبعادهم وإقصائهم عن مجالسهن الحميمية الخاصة عندما كن يلتقين عند الطاحونة، أو عند عين الماء الجارية حيث يتزودن بالماء وينظفن الملابس، أو عند رجوعهن من السوق الأسبوعي بعد أن يلتقطن بأجهزة الرصد الغريزية لديهن جديد أخبار السوق قبل أن يعدن إخراجها وبثها في أنحاء القرية بشكل جذاب مختلف مرة ثانية.

وقد انطلقت في ربوع بلدنا السعيد بهذه المناسبة أسوة ببقية دول العالم المتحضر الأمسيات والحفلات والسهرات المعدة من طرف النساء والمحجوزة لهن خصيصا. ويتوج مشهد الاحتفال في قناتنا الثانية كما في كل عام بتوزيع (الخميسة) على عينة من النساء المتوجات كرائدات ومكافحات في مجال من مجالات الأنشطة النسوية الجماعية، حتى لو تعلق الأمر أحيانا بتربية قطيع الماعز أو استخراج زيت اللوز أو أركان بالطريقة العصرية وبالتلفيف الناعم المتحضر.

مع العلم أن هناك في كثير من القرى المغربية النائية نساء أضعن عمرهن كله في جني غلال البرتقال والزيتون في ضيعات الإقطاعيين أو الجري وراء قطعان الماشية في العراء والبرية حتى تيبست أجسادهن بحرارة الشمس وحفرت في وجناتهن المتجعدة قبل الأوان أخاديد البؤس والشقاء العميقة.

و(الخميسة) عبارة عن مجسم صغير صنع على هيأة كف بالأصابع الخمسة المبسوطة وبلون ذهبي، ربما درء للعين وتجنبا لحسد وكيد الرجال.

وقد ذكرتني تلك (الخميسة) الذهبية بالخميسة البلاستيكية التي يعلقها سائقو شاحنات نقل البضائع والحيوانات والبشر ببلادنا داخل مقصورة القيادة ليس احتفاء باليوم العالمي للمرأة المزعوم، وإنما فقط تيمنا بالبركة وتعلقا بحبال النجاة والسلامة. وقد كتب عليها دعاء الركوب، وآية الكرسي وتتوسطها عين واحدة مفتوحة. ربما اختصارا لعبارة (عين الحسود فيها عود )، أو ربما تكون رمزا لعناية الله التي ترعانا من فوق سبع سماوات.

لكن، هناك ملايين النساء في مغربنا وفي العالم أجمع قد لا يعني لهن هذا اليوم شيئا في قاموس حياتهن اليومي الذي يكدحن فيه كدحا دون أن يشعر بهن أحد…. و كم من الأشياء التي نأكلها أو نستهلكها في حياتنا العادية فيها أكثر من لمسة أنثوية خفية…!!

وحتى أحداث غزة الأليمة قد تحولت ببركة هذا اليوم السعيد فجأة إلى يوم لنصرة المرأة الفلسطينية. وهي الثكلى المفجوعة في كل وقت والحاضن الطبيعي لروح المقاومة في تفان وصمت… !!

السبت، 16 فبراير 2008

من وحي (القشابة) والجلباب.

كتب في فبراير 13, 2008

الأصل في الجلباب المغربي المشهور والمعروف أن يكون قطعة ملتحمة نسجت من صوف، قبل أن يفصلها الخياط إلى أجزاء تابعة لتضاريس جسم صاحبها حسب خطوط طوله وعرضه ثم ليعود فيضمها إلى بعضها البعض بالرتق والخياطة عن طريق (البرشمان).

ويعد (البرشمان) من أقدم التقنيات التي اكتشفها المغاربة الأولون لخياطة الجلابيب. وفيها قدر كبير من الخبرة بعلم الحساب وفك شفرة تداخل الخيوط والمزاوجة بينها حسب نمط التنسيق والتزويق الذي يعرضه الخياط التقليدي أو الذي يقترحه الزبون صاحب الخرقة الصوفية التي استبدلت فيما بعد بالقماش العادي المعروف عند العوام في بلادنا ب(التركال) الخفيف أو الثقيل.

وحكاية الجلباب أو (الجلابة) حكاية طويلة كحكاية الخبز اليومي لأنهما معا ثمرة مجهود مشترك بين عطاء الطبيعة ومجهود النساء والرجال وحتى الأطفال الذين كانت توكل إليهم مهمة حمل (وصلة) أو (صينية) الخبز على رؤوسهم الصغيرة إلى فران الدرب أو الحومة.

ومن منا لم يحمل في صغره وصلة خبز البيت أو حتى الجيران إلى أقرب أو أبعد فران.. !!

هناك أطفال صغار على عهدنا - نحن جيل المخضرمين - ربما أصيبوا بالصلع المبكر من كثرة حمل الوصلات الخشبية الثقيلة على رؤوسهم ، وخاصة إذا كان عدد أفراد العائلة كبيرا يضم إلى جانب الآباء والأجداد الأبناء الأحفاد وحتى الأصهار والأعمام والأخوال.

وخلال رحلة الذهاب والإياب المحصورة بين البيت والفران كان الأطفال الصغار يتعلمون كثيرا من فنون اللعب والتوازن… أما إذا وقعت الوصلة على الأرض واختلط العجين بالتراب فتلك خطيئة كبرى قد لا تجبر إلا بالحرمان الشديد والعقوبة المغلظة.

كان يحدث كل هذا قبل أن يتم الاستغناء عن فران الحومة وعن وصلة الخبز وعن سُخرة الأطفال وتعويض ذلك كله بتأسيس المخابز العصرية التي قد تطرح آليا خبزا مستديرا أو مستطيلا أو ملفوفا بالآلاف المؤلفة ولكنه قد يفتقر إلى نكهة الخبز البلدي.

أما الطريقة التي كان يتعرف بها صاحب الفران على خبز بيوت الحومة كلها، دون أن يختلط بعضه ببعض فتلك حكاية أخرى… وربما من هنا جاء المثل المعروف عند المغاربة:( أنا فران وقاد بحومة).

إنه المشهد ذاته يتكرر في تفاصيل حكاية الجلابة؛ فالرجل من جهة رعي الماشية وجز صوفها في أوقات معلومة من السنة الفلاحية قبل نسجها على النول الخشبي، والنساء من جهة غسل الصوف (الجزة) وتنظيفها من الوذح وتجفيفها بأشعة الشمس في العراء أو على السطوح ثم غزلها بالمغزل الخشبي في هيأة خيوط طويلة تشكل اللحمة والسدا لنسيجها، ثم يأتي الدور في الأخير على الأطفال الصغار عند الخياطة لضرب البرشمان.

فإذا غفا ذلك الطفل عن المعلم الخياط بسبب التعب أو النوم أو أخطأ أو كرر الضربة البرشمانية انهالت عليه من حيث لا يدري لعنة أو سبة أو حتى ضربة قوية تعيد إليه وعيه وانتباهه… !!

وهناك أطفال كثر تورمت مؤخراتهم وركبهم من كثرة الزحف بالدبر أو الركبتين على تراب الأرض والحصير تبعا لحركة قضيب البرشمان. فكثيرا ما كان يتعاطى الفقهاء في الكتاتيب والجوامع لمهنة الخياطة التقليدية أيضا. وكان صبية الكناب و(محاضرة) الجامع يتنابون على ضرب البرشمان أمام حضرة الفقيه.

وكان يحدث كل هذا أيضا قبل أن ينتقل كثير من خياطي الملابس الرجالية والنسائية إلى طور الصناعة والمكننة البرشمانية.

والجلباب هو اللباس الوحيد الذي يوحد عموم المغاربة ويلف أجسادهم وفق طبيعة التضاريس الجغرافية المتنوعة المحيطة بهم من الاتجاهات الأربع؛ فقد يتنوع المغاربة في لون بشرتهم ولكناتهم وعاداتهم، ولكنهم يتوحدون جميعا في لباس الجلباب. ولو نطقت (الجلابة) لكانت خير معبر عن حالهم ولزودتنا من أخبارهم القديمة بالعجب العجاب … !!

والطريف المحير في قصة الجلباب أو (الجلابة) هو (القـُب) الذي اهتدى المغاربة الأولون إلى اختراعه وجعله جزء لا يتجزأ من الجلابة.

و(القـُب) هو الجزء العلوي الذي ألحقه مصممو الجلابة الأوائل بها؛ فهو منها بمثابة الرأس من الجسد، وإن كنا نعلم أن العادة قد جرت بأن تكون الملحقات في الهوامش الجانبية أو في المؤخرة والذيل.

ويستحيل أن نتصور جلبابا في المغرب بدون هذا (القـُب)، وإلا فإنها تتحول إلى مجرد قميص عادي. ومن هنا فإن مفهوم (الجلابة) لايكتمل إلا بوجود (القـُب)، وهذا ما يجعل الجلباب المغربي يختلف اختلافا كليا عن مفهوم (الجلابية) لدى إخواننا المصريين أو (العباية) عند إخواننا في الخليج العربي.

وإلى عهد قريب، وقبل أن يستفحل اللباس والهندام العصري المستورد والمعولم، كان جل لباس المغاربة عبارة عن جلباب، سواء بالنسبة للكبار والصغار أو النساء والرجال. وصور الأرشيف التي تنتمي إلى زمن التصوير بالأبيض والأسود خير دليل على ذلك.

وللقب قابلية كبيرة للتوسع أو التضييق حسب الرغبة، وقد أخذ بعين الاعتبار عند تصميمه أن يستوعب رأس صاحبه وعمامتة أو طربوشه أيضا.

غير أن للمغاربة مآرب أخرى في هذا (القـُب) العجيب، بالإضافة إلى وقاية الجمجمة من الحر والزمهرير؛ فمنهم من يضع فيه زاده أو نقوده، ومنهم من يضع فيه كتابا أو صحيفة، و حتى وثائق ملكية وأوراق هوية، وإن اقتضت الضرورة القصوى سكينا أو مدية.

وقد يعلق بعض الإخوة المغاربة على هذا الإدراج بقولهم باللسان المغربي الدارج: (وسير تعاود لقـُبك)، من باب الاستلطاف أو من باب الجفاء والاستخفاف. غير أن في هذا القول الذي أدرجناه تكمن صورة رمزية خفية تشير إلى هذا التوحد الغريب القائم في ذهنية المغاربة ببن الجسد الآدمي المغربي والجلابة؛ فهي بالنسبة إليه بمثابة القالب وهو بالنسبة إليها بمثابة المثال.

كما أن هذا القول الذي استشهدنا به لا يقصد (القـُب) لذاته كما يبدو من أول وهلة، وإنما يقصد الرأس الذي يحتويه، ولا يقصد الرأس كرأس وإنما يقصد المخ الذي بداخله، ولايقصد المخ لذاته وإنما الفهم الذي جـُبل عليه. وكأنما المغربي بكل هذه الفذلكة اللغوية قد اختزل عقله ومصيره في (قـُبه).

ومن هنا أيضا، وارتباطا بموضوع الجلابة، كانت أريحية المغاربة واسعة لسعة حلمهم وقوة احتمالهم لأشكال القهر والخصاصة والفقر، وللنقد اللاذع وحتى للسخرية. أو ربما لأنهم قد استوعبوا عبر التاريخ البعيد كل دروس وعبر الجلابة و(القشابة) الواسعة.

طقوس عاشوراء من الاحتفال إلى التسول

كتب في يناير 17, 2008

تصاحب أيام عاشوراء المغربية بدء من فاتح محرم إلى العاشر منه طقوس كثيرة، وقد سبق لنا أن تناولنا بعضها في إدراجات سابقة.

والغريب والمدهش في هذه الطقوس هو اجتماع عنصري النار والماء، رغم أنهما يتناقضان لغويا كما يستحيل الجمع بينهما في الحقيقة والواقع؛ ففي ليلة عاشوراء توقد النيران الضخمة التي تسمى عند المغاربة ب (الشعالة) ليتحلق حولها الأطفال مبتهجين بالشرر المتطاير في عنان السماء وبمشهد النار وهي تلتهم ما جمعوه خلال عشرة أيام من أكوام الحطب، وفي يوم عاشوراء الموالي يأتي الدور على الكبار لممارسة طقوس التراشق بالماء(زمزم) ولتمتلأ الشوارع والأزقة بالماء المهراق.

وتردد في أيام عاشوراء أهازيج شعبية لا يعرف مغزاها الحقيقي الأول لبعد المسافة الزمنية بيننا وبين بواعثها الأولى. ومن هنا منشأ اختلاف الدارسين والباحثين حول دلالاتها الخاصة والعامة.

وربما اختلطت في العقائد العيشورية المغربية ما نسجه المخيال الشعبي المغربي على فترات متباعدة في الزمن حول معجزة النبي إبراهيم عليه السلام عندما أحرقه قومه بالنار ونجاه الله منها، ثم تعمق ذلك بما تكون لدى المغاربة من وجدان عاطفي تجاه قصة مقتل الإمام الحسين (1) في كربلاء لتكون هذه الاحتفالات مزيجا غامضا من الفرح والحزن، دون أن ننسى طقوس العبادة من زكاة وصوم، وطقوس الأكل حيث الإقبال على تناول الفاكهة اليابسة، أو ما يعبر عنه المغاربة في لسانهم الدارج ب(الفاكية).

كما يمكن أن نضيف إلى هذا المزيج بعض عقائد اليهود الذين سكنوا المغرب منذ القدم، وخاصة في الجانب التجاري والاقتصادي المصاحب لهذه الطقوس فيما يعرف عند التجار بيوم ( الهبا والربا )، فربما عمدوا إلى تخفيض الثمن أو إلى إغلاق محالهم التجارية في اليوم الموالي لعاشوراء.

ومع أن هذه الطقوس قد بدأت تأخذ طريقها نحو الاندثار وتكاد تفرغ من كل مدلولاتها الرمزية، ومن كل حرارتها الحميمية الشعبية بسبب تغير نمط العيش وتغير بنية المجتمع المغربي من الداخل بسبب الانفتاح والعولمة، إلا أنه مع الأسف بدأت تظهر طقوس جديدة تبعث على القلق والحرج، ولعل أبرزها ظاهرة التسول الجماعي للأطفال في أيام عاشوراء، حيث يتعرضون للناس وهم ينقرون الدفوف الصغيرة ( التعارج ) متضرعين متسولين كالمحترفين الكبار في الشوارع والأزقة ولدى مداخل المحال التجارية والبيوت، وحتى عند إشارات الوقوف الضوئية.

———
إدراجات ذات صلة:
عاشوراء المغربية
(1) على هامش عاشوراء

عندما يعود مجرى الوادي إلى سابق عهده

كتب في يناير 12, 2008

لم يتم تأسيس كبريات مدن المغرب بجوار الأنهار والوديان عبثا، وإنما ليصبح نسيج الحياة فيها مكتملا بما يوفره شريان الوادي الطبيعي من خير يشبع البطون ويروي الظمأ، ومن حسن يبهج النفس ويشرح الصدر.

أذكر إلى عهد قريب عندما كنت في سن الطفولة أن الوديان التي تخترق كبريات مدن المغرب أو تمر بجوارها كانت في حالة جيدة من الامتلاء والنقاء، بحيث كانت تفتح شهية الناس للخروج إلى جنباتها المخضرة لقضاء أمتع أيام الربيع، أما في الصيف فتصبح خلجان تلك الأودية ملاذ أطفال وشبان الطبقة الشعبية لإظهار مواهبهم في فن الغطس والعوم عندما تعوزهم الوسائل الضرورية لارتياد الشواطئ والمصطافات.

أما اليوم فقد أصبح مجرد المرور العابر بقرب هذه الوديان خطرا في حد ذاته يضيق له جهاز التنفس ذرعا كما الخاطر بسبب الروائح الكريهة المنبعثة من البرك الآسنة التي قد يبعث منظرها على التقزز والغثيان، بالإضافة إلى ما تنشره من أمراض وأوبئة في التجمعات السكنية المجاورة التي يقوم جزء كبير من نشاطها على الفلاحة المسقية بالوادي الحار وتربية الدواجن والماشية التي تقتات من الفضلات والأزبال.

ولعل زوار مراكش قد لاحظوا أن مجرى وادي إسيل الذي يخترق مدينة مراكش في جزء كبير منها قد تغير منظره هذا العام، بعد أن تم حصر معظم المياه المستعملة والنفايات السائلة والصلبة لهذه المدينة السياحية في مركز خاص للمعالجة بعيدا عن مجرى الوادي.

إن هذه الخطوة المهمة في تدبير ومعالجة النفايات الحضرية دون الاعتماد في تصريفها على مجرى وادي إيسيل جعلت هذا الوادي يستعيد كثيرا من بهائه ورونقه وخاصة بعد أن ارتفع منسوبه بفضل أمطار الخير التي عرفها المغرب مؤخرا.

ولأول مرة، ومنذ قدومي الأول إلى مراكش للوظيفة والعمل، أحسست أن هذا الوادي قد تنفس مثلي ومثل جميع المواطنين العاديين الصعداء بعد أن تخفف كثيرا من الروائح الكريهة وعبء حمل أطنان المقذوفات البشرية والصناعية لهذه المدينة السياحية الفاتنة قبل أن تتوارى في البحر أو في جوف الأرض.

ولو تواصلت أمطار الخير وارتفع منسوب المياه أكثر لتمكن هذا الوادي من تنقية نفسه بنفسه بعد جرف كل الأكياس البلاستيكية وكل نفايات الأتربة ومخلفات البناء العالقة بين ضفتيه، كما تظهر الصور التي التقطتها حديثا بالهاتف المحمول.




الجمعة، 15 فبراير 2008

برلمانيُ المغرب؛ ذلك الكائن الحاضر الغائب

كتب يوم الثلاثاء,تشرين الثاني 20, 2007

كثر الحديث في هذه الأيام، أكثر من أي وقت مضى، عن ظاهرة الغياب الفردي والجماعي للسادة النواب والنائبات المحترمين.
ومع أن الغياب الهرمي ظاهرة عامة في مؤسسات الدولة المغربية، إذ يندر أن تجد السيد المدير أو السيد الرئيس أو المسئول في مكتبه لأنه قد خرج في مهمة خاصة، إلا أن الغياب البرلماني هو الأكثر بروزا وانكشافا أمام الرأي المغربي العام بسبب البث المباشر للجلسات العمومية على القنوات التلفزية المغربية الرئيسية.

ويشعر المواطن المغربي العادي البسيط قبل غيره بنوع من الحرج، وهو يتابع حركة كاميرا البرلمان المتجولة بين المقاعد الفارغة وشبه الفارغة.

وقد يتحول هذا الشعور إلى نوع من الملل المصحوب بالغثيان أحيانا عندما تختلس كاميرا البرلمان النظر إلى بعض الوجوه البرلمانية المتثائبة أو الغارقة في النوم العميق، وحتى بعض الوجوه الوزارية التي تحضر للإجابة عن أسئلة السادة النواب، وأسئلة الفرق البرلمانية.

وفي هذه الحالة قد يصبح وَقـْع حضور هذا البرلماني إلى قبة البرلمان المهيبة للنوم كوقع الغياب إن لم يكن أشد وأفظع، فماذا تفيد تلك الأجسام البرلمانية الجامدة في مكانها التي لا يصدر عنها صوت ولا يُسمع لها حس…؟؟

وليس مشهد افتتاح الجلسة الأولى في كل دورة تشريعية بحضور جلالة الملك كمشهد اليوم الموالي إطلاقا، وكأن هذا البرلمان ما وضع إلا ليومي الافتتاح والختم؛ ( بسم الله نفتتح … ثم الحمد لله نختتم…)

فهل من أحد يسأل أو يراقب أو يحاسب أو يتابع تلك المسافة البرلمانية الطويلة الواقعة بين خطابي الافتتاح والإغلاق لكل دورة؟؟

صحيح أن كثيرا من أمور هذا البلد المعوجة تستقيم بالتدخل المباشر لجلالة الملك. وقد يكفي كدليل على ذلك أن يمر موكب جلالته ببعض الشوارع المغربية المهملة لسنوات طويلة ليتغير حالها بين عشية وضحاها…

فهل الآن الوقت لتدخل جلالته للحد من ظاهرة الغياب البرلماني الجائر وغير المبرر، ولإيقاظ بعض النواب الحاضرين النائمين الذين استسلموا لدفء المقاعد البرلمانية الوثيرة ماديا ومعنويا….

وفي الحقيقة لا أجد للنواب الذين نجحوا في الانتخابات وحلوا ببر الأمان بولوجهم قبة البرلمان أي عذر للغياب، إلا لعلة مرضية قاهرة، أو بكشف طبي سريري محلف…

ولو استشعر كل برلماني حجم الأمانة التي تقلدها مقابل كل صوت حازه لسعى إلى البرلمان راجلا قبل أن يكون راكبا، إلا أن تكون ظهور الشعب المغربي مطية للتسلق السريع والربح الوفير والتهافت على حطام الدنيا الزائل، وذريعة لكسب الحصانة التي تحولت عند بعض النواب البرلمانيين إلى ما يشبه حصان طروادة للتحايل والتعالي على الغير وأكل حقوق الشعب المغربي المسكين بالباطل…

زْريعة البلاد

كتب يوم الثلاثاء,تشرين الثاني 13, 2007

يكثر الحديث في أوساط الفلاحين عند بداية كل موسم فلاحي جديد عن “الزريعة”. والمقصود ب”الزريعة” في اصطلاح لغة الفلاحين البذور الجيدة المنتقاة المعدة للزرع فقط.

وأذكر في حداثة سني، ولأني منحدر من وسط فلاحي، كمعظم المغاربة الذين ربطوا مصيرهم بتراب الأرض وبغيث السماء أنه لم يكن في ذلك العهد من أنواع بذور القمح الصلب والرطب غير أصناف قليلة لا تتجاوزعدد أصابع اليد الواحدة، وأذكر أيضا أنه كانت هناك أوقات معلومة لبيع “الزريعة” في الأسواق الأسبوعية قبيل كل موسم فلاحي جديد، كما كان بوسع الفلاحين مقايضة ومبادلة أنواع البذور فيما بينهم، دونما حاجة إلى وسطاء أو سماسرة أو دهاقين.

وأذكر أنه كان للفلاحين نظام فطري في التعامل مع الأرض، ومع تلك البذور المنتقاة باليد حبة حبة، قبل أن تحفظ من الرطوبة في أجران كبيرة من القش والطين.

وأذكر أيضا أن صبر الفلاح في تعهده لأرضه إلى درجة العبادة كان جزاؤه الوفاء المستمر من السماء؛ فكانت الأمطار تصب في أوقاتها المعلومة، وحتى الرياح كانت تهب من جهاتها وطرقها المعروفة.

لقد كانت أيام المغرب في ذلك الزمن أياما فلاحية بامتياز، لا ينقطع فيها مجرى المياه عن الأنهار والجداول والعيون، ولا يتجاوز فصل حدود فصل آخر، بعد أن اكتسح اليوم فصل الصيف بقية الفصول.

وبما أن “الزريعة” رمز قوي للخصب وقوة النماء والانتشار، فقد أجاز المغاربة لأنفسهم نقل هذه الكلمة في استعمالهم اللغوي إلى مجال آخر غير بعيد عن دلالات الخصب، عندما أطلقوا على الأنثى أيضا عبارة “زريعة البلاد”، كما أطلقوا العبارة نفسها إطلاقا عاما على النسل المتفرع من الأصول.

أما اليوم، وبعد دخولنا عصر عولمة “الزريعة”، وبعد أن أصبح مصير تلك” الزريعة” بيد وزارة الفلاحة الوصية وشركائها الدوليين فقد انطمست كل ملامح “الزريعة” الفلاحية المغربية القديمة الأصيلة، وأصبحت أثرا بعد عين.

حقا، إنه لمن المؤسف أن تضيع “زريعة البلاد الطبيعية” في غمرة رياح العولمة الفلاحية الدولية في رمشة عين بعد كل هذا المجهود الذي بذله الفلاح المغربي القروي البسيط بخبرته الفطرية على امتداد قرون طويلة من الزمن، والله وحده يعلم مبتدأها أما نحن فإننا نشهد اليوم خبرها ومنتهاها. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ورحم الله “زريعة البلاد”.

ورحم الله مواسم الخير العميم، بعد أن غاضت المياه في جوف الأرض، وانقطع رجاء الفلاحين في هذا الموسم بسبب تأخر موعد الغيث عن وقته بكثير إلى وقت كتابة هذه السطور…

اللهم اسقنا بغيثك الكريم الذي يحيي الأمل ويغسل القلوب كما يغسل المطر الطاهر أديم الأرض من الأدران البشرية. آمين.

عالم مغشوش

كتب يوم الأحد,تشرين الأول 28, 2007

أصبح طوفان المنتجات الصناعية المستوردة والمهربة التي تغرق أسواقنا ومتاجرنا مشكلا في حد ذاته. ومع أن العرض كثير وفوق الطلب فإن الجيد منه قليل، بل يمكن أن يعد في حكم النادر.

وقد تبدو الوفرة مظهرا من مظاهر الرخاء، خاصة إذا كانت أسعار تلك المنتجات متدنية وفي متناول الشرائح الوسطى والدنيا من مجتمعنا. غير أن المشكلة هنا،لا تكمن فقط في وفرة المُنتجات المغشوشة بالقياس إلى الأصيلة، ولا في صانعها ولا في مستوردها، ولا في بائعها بالجملة أو التقسيط، ولا في الوسطاء والسماسرة المتعددين.

بل الطامة الكبرى تكمن في المستهلك المغربي البسيط نفسه،لأنه لا يملك أية خبرة، ولا أدنى معرفة بطبيعة المنتج واستعماله الصحيح، فضلا عن معايير جودة الإنتاج الدولية المطبقة بشكل صارم في قليل من الدول الديمقراطية التي تحترم مواطنيها، وتحافظ على سلامة جيوبهم وأجسامهم وعقولهم من الاختراق والانتهاك.

وهكذا يصبح المواطن المغربي المغلوب على أمره هو الخاسر الأكبر في هذه العملية، وهو الوحيد الذي يتخبط ويغرق في طوفان السلع المغشوشة دون أن يجد من يرشده أو يدله، أو يلقي إليه بطوق النجاة في هذا الخضم التجاري الموبوء بالعلل والأمراض الصناعية والتجارية.

وعلى هذا فإن المستهلك العادي هو من يؤدي في النهاية ثمن الفرق الوهمي القائم بين حدي الجودة والرداءة.
وهذا الثمن المستخلص من جهل المستهلك البسيط، ومن حر ماله الذي أفنى فيه زهرة عمره وزينة شبابه هو الذي يصب خبثا وسحتا في جيوب السماسرة والمهربين والوسطاء التجاريين، وحتى بعض الأمناء والمراقبين والمحتسبين المحسوبين على أجهزة الدولة أوعلى غرفها التجارية والصناعية.

ولك أن تجرب مثلا شراء صنبور ماء عادي من أي متجر أو متعهد أو وكيل تجاري، فإن أول نسخة تُعرض عليك تكون من النوع الرديء جدا، وإذا أظهرت من جانبك ممانعة أو اعتراضا، أو لاحت عليك بعض سِمات المعرفة بالعيوب الصناعية قُدمت لك نسخة أخرى ثانية أو ثالثة … حتى تأتيك في النهاية وبعد جهد ومكابرة النسخة الأصيلة المخزنة في الرفوف الداخلية المتوارية.

ونفس الأمر قد ينطبق على مسمار يلين عند أخف ضربة، أو بُرغي يتلف عند أول استعمال، أو حتى على شريحة من الشرائح الإلكترونية الذكية أو الغبية التي تتعطل عند أدنى تماس للخيوط الكهربائية….

فعدم تقديم المنتجات الأصلية إلى الزبون من أول وهلة علامة قوية على التدليس والغش والاحتكار، إن لم يُبع الرديء منها بنفس قيمة الجيد،( والله يجعل الغفلة بين البايع والشاري)، كما نقول نحن المغاربة في كلامنا الدارج.

وهكذا يتفاقم ظلم المستهلك ماديا ومعنويا مع التجار المحتكرين ومع كثير من الوسطاء الخبثاء المُدلسين بسبب جهله وانعدام خبرته فلا يجني إلا الخيبة والحسرة على ما ضيعه، أو بالأحرى ما ضُيع منه بسبب جهله من جهة، وبسبب الفساد المركب المحيط به من جهة ثانية.

إن جهل المستهلك هو المصيبة العظمى التي يستثمر فيها التجار والوسطاء، ويحولوها إلى أرباح مضاعفة، فلا زال رأسمال الجهل يشكل القسم الأكبر من فوائد تجارنا وسماسرتنا، بل وحتى ساستنا الذين يسيرون شئوننا ويشرفون على مشاريع التنمية والبناء لدينا… !!

ولاشك أن هذا الوضع يعد، في جانب كبير منه، من تبعات عولمة الفجاجة والتسطيح التي نعيشها في هذه الألفية الجديدة ليتعاظم الفرق بين الحدود الدنيا والعليا في كل ما تنتجه البشرية أو تصنعه.

وليت الأمر وقف عند حدود المنتجات المادية الصناعية التي تفنى بسرعة مع الاستعمال لتعاد إلى دورة صناعية أخرى من جديد، لكن بأقل جودة وكفاءة، في كل مرة.

بل إن معدن الإنسانية نفسه في تحول سريع، فما عادت الدماء دماء، ولا النظرات نظرات، ولا الملامح ملامحا، ولا النساء نساء ولا الرجال رجالا، ولا الأطفال أطفالا… !!

فالتلون المصاحب للصناعة الذي نشهده أيضا في السياسة وفي الفكر وفي الأدب وفي الفن يوحي بدخولنا مرحلة جديدة من القيم الجديدة التي تكاد تغرق في الضحالة والتسطيح ….
وحتى أمطار السماء ما عادت غزيرة كسابق عهدها، وما عادت تأتي في أوقاتها المعلومة إلا لماما…!!!
ترى، هل ينطبق الأمر نفسه على مدوناتنا؟؟، أم هي مجرد رجع صدى مغشوش لواقع مغشوش…. !!!

ساركوزي والنزعة البوشية

كتب يوم الأربعاء,تشرين الأول 24, 2007

تدخل زيارة ساركوزي للمغرب، اليوم، فصلها الأخير بمشهد استقباله للجالية الفرنسية المقيمة ببلادنا.
وقد لا يخفى العمق الدلالي الرمزي والاستراتيجي الذي تمثله مدينة مراكش الحمراء في هذه الزيارة برمتها باعتبارها أكبر مدينة حاضنة للفرنسيين الذين اختاروا العيش المُريح بالمغرب المضياف.

لقد أراد ساركوزي أن يجعل من هذه الزيارة الرسمية زيارة عمل بامتياز لا مجال فيها لإظهار العواطف والمجاملات إلا بمقدار ما يتطلبه نظام البرتوكول المصطنع، وتفرضه طقوس الوجاهة الباذخة.

فالمعروف عن هذا الرجل أنه يتمتع بحس براكماتي، وينهج سياسة استراتيجية استشرافية تتجاوز أرنبة الأنف السياسي الفرنسي الكبير، إن صح لنا هذا التعبير.

ولذلك فقد كان من الطبيعي أن يكون برنامجه لزيارة المغرب حاسما وشاملا لأكثر النواحي عمقا واستراتيجية فيما تتطلبه سياسة فرنسا الساركوزية الجديدة تجاه المغرب خاصة، وتجاه البلدان المتوسطية الجنوبية عامة، وفي أكثر القضايا المشتركة نفعا ومصلحة أو حتى حساسية أو اختلافا؛ كالأمن والحقوق والديموقراطية والإرهاب والهجرة والبناء والتشغييل والفقر والطاقة النووية (النظيفة).

وهكذا فقدأراد ساركوزي لبرنامج زيارته أن يكون، منذ الوهلة الأولى، فضفاضا وعاما يبدأ من الإبرة وينتهي بالصاروخ - كما يقال عندنا في أسلوب التعميم والمبالغة، وأحيانا حتى في أسلوب الاستخفاف والاستهانة -.
وقد تم التنويه في خطب ساركوزي التي توزعت جغرافيا بين طنجة والرباط ومراكش حول كل تلك القضايا الدسمة التي أشرنا إليها سابقا.

ترى ماذا يمكن أن نستنتج من هذه الزيارة الساركوزية التاريخية الفخمة في مشاريعها ومطامحها التي أثلجت صدور المغاربة كما ورد في نشرات معظم قنوات الأخبار الدولية..!! وإن كانت لازالت بعدُ حبرا على ورق، وفي مراحلها الأولى الجنينية.
ثم ما ذا يمكن أن نقرأه من وراء ستار سياسة ساركوزي الدولية العامة؟؟ !!

يبدو لي شخصيا، أن ساركوزي متأثر إلى حد كبير بالنزعة البوشية (نسبة إلى جورج بوش الإبن)، وربما يكون ذلك طبعا فيه لا تطبعا. المهم أن براكماتية هذا الرجل كبراكماتية ذاك، وربما فاقه في هذا السلوك الواقعي عندما اختار أن يهجُر حَليلَته ويطلق عواطفه ليتفرغ لأكثر الجوانب أهمية في مشروع قيادته للقطار السياسي الفرنسي الجديد…

كما أننا يمكن أن نضع أيضا مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي جاء به بوش وفشل في تطبيقه على الأراضي العربية المشرقية رغم كل ما أوتي من جبروت سياسي وعسكري ومالي، ورغم ما ألحقه ببعضها من دمار شامل، وخاصة في العراق ولبنان وفلسطين مقابل المشروع المتوسطي الذي جاء به ساركوزي، ليكتمل مشروعهما في النهاية وليتعانقا معا وليشملا بالضغط والإنزال والبث والتغطية كل الأراضي العربية.

لا شك أن ساركوزي تراوده الآن، وفي هذه اللحظة الحاسمة من التاريخ الفرنسي الجديد جينيا - نسبة إلى خريطة الجينات الوراثية السلالية (ADN) أحلام استعادة مكانة هيمنة فرنسا في السياسة الخارجية (الدوكولية) التي تقلصت على حساب النفوذ الأمريكي، ونفوذ بعض الدول الأوربية التي تنافس فرنسا أوتلوح ببعض الخلافات القوية معها وخاصة من جانب غريمته الأوربية (ميركل) المستشارة الألمانية.

ومما لا شك فيه أيضا أن بين سياسة حكومته في تطبيق الخريطة الجينية على الرعايا الفرنسيين الأجانب وتثبيتها في هويتهم الشخصية والعائلية وبين خارطة الطريق شرق أوسطية الأمريكية المشؤومة نوع من التشابه في الأثر وفي النتائج، مما جعلهما معا موضع استهجان واستنكار، ولما اشتم فيهما من نزعة تقسيم وتفريق وحتى عنصرية.

ومن أكثر جوانب الالتحام بين مشروعي بوش وساركوزي أيضا تحاملهما معا وبنفس الحدة واللهجة على مشروع إيران النووي، وتهديدهما لها بالهجوم والضرب المبرح تأديبا لها على رعونتها الكلامية تجاه الغرب وإسرائيل، ولإقصائها نهائيا من المنافسة النووية..

صحيح أن مشروع ساركوزي المتوسطي الكبيرلا زال في بدايته أو قيد التنفيذ، غير أن الحماسة البراكماتية الشديدة التي يتمتع بها هذا الرجل يمكن أن تذهب به بعيدا، وربما أيضا إلى نتائج وعواقب لم تكن في الحسبان… !!

وما أخشاه أكثر أن يعجل يوما بتطليق مصالح فرنسا مع بلدنا المغرب طلقة بائنة لارجعة فيها، أو حتى مع هذا البلد المتوسطي أو ذاك، أو مع هذا الزعيم العربي أو ذاك، إذا ما تعكر لديه المزاج البراكماتي بسبب عوامل التشويش الخارجي غير المحسوب، أو ما إذا استجدت في الحياة السياسة المتقلبة أمور، كما علمتنا دروس البيت الأبيض التطبيقية التدميرية على رؤوس الأبرياء والفقراء والمظلومين داخل معظم البلدان العربية والإسلامية. وهو ظلم مزدوج ومحكم الحلقات، من لدن حكامهم العرب الأقارب في الداخل، و من لدن الحكام الأجانب المجاورين في الخارج أو حتى من أبعد الأباعد…. ولنا في دروس العراق ولبنان وفلسطين وإيران ألف سامع وشاهد !!