‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالاتي عن قضايا اللغة العربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالاتي عن قضايا اللغة العربية. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 19 يناير 2010

عندما تتحدث التكنولوجيا بالعربية….!!

مع أن منتجات التكنولوجيا خرساء عمياء في جِبِلتها الأولى، غير أنها تستطيع أن تحس وتبصر وتسمع، وتميز وتؤذي وتنفع. وفوق ذلك كله تستطيع أن تتكلم، كما هو صوت المجيب الآلي الأنثوي الناعم الذي ينبعث قادما إلينا من المجهول عبر الهاتف الثابت أو المحمول.

وقد صارت الآلات اليوم مثل الإنسان؛ فهي محكومة في نظامها بقواعد بيانات معدة سلفا للإيقاف والتشغيل والتهيئة، وهو محكوم بالقوانين والبنود الوضعية في كل أموره الدنيوية، عند اليقظة وحتى أثناء السبات والحلم.

وكثير من المنتجات الصناعية الإلكترونية التي نستوردها بإفراط من البلدان الأسيوية تدعم اللغة العربية، سواء تعلق الأمر ببرامج التشغيل المثبتة في دوائرها وذاكرتها الإلكترونية، أو تعلق الأمر بدلائل الاستخدام المرفقة.
ويمكن أن نضرب المثال بكثير من تلك الأجهزة التي نستعملها في حياتنا اليومية العادية بشكل مستمر؛ كالتلفاز والفيديو والهاتف المحمول والأرضي بالإضافة إلى أجهزة العرض والبث والاستقبال الرقمية الأخرى। هذا فضلا عن عدد هائل لا يحصى من الحواسيب الشخصية المرتبطة وغير المرتبطة بالشبكة العنكبوتية.

وما يثير انتباهي عادة في لغة دليل الاستخدام المكتوبة بالحروف العربية أو في واجهة التشغيل العربية لمعظم تلك الأجهزة المستوردة من البلدان الأسيوية على وجه الخصوص، هو الركاكة زالتشويه.

ولعل أخطر ما فيها من عيوب لغوية التصحيف: ونعني به طبع حروف غير مناسبة مكان الحروف المناسبة، فضلا عن إسقاط بعض الحروف أو تقديم بعضها على بعض وغير ذلك من العيوب المرتبطة بالشكل والمضمون، مما يثير ارتباكا كبيرا في الفهم لدى أي مستخدم عربي، ويولد لديه انطباعا سيئا عن لغته الأم ويضطره إلى اختيار واجهة لغوية أجنبية أخرى أوضح وأسلس كاللغة الفرنسية بالنسبة لدول المغرب العربي، أوالإنكليزية بالنسبة لدول المشرق العربي.
وربما كان عدم وجود مثل هذه الواجهات العربية المشوهة الممسوخة أهون وأسلم من وجودها أصلا.

وأقل ما يمكن أن أقوله عن مختلف الواجهات العربية الرقمية التي اطلعت عليها عبر بعض الأجهزة التي جربت استخدامها من خلال الدليل أو من خلال منصة التشغيل أنها لا تعدو أن تكون ترجمة حرفية ركيكة، مثلها مثل أي ترجمة آلية عشوائية للمواقع والصفحات الإلكترونية، فبعضها مُصيب وأكثرها مَعيب.

ولكن العيب ليس في مصانع آسيا إذا ما اختارت اللغة العربية كواجهة استخدام منقوصة لأجهزتها المختلفة التي تغرق بها أسواقنا، بل العيب فينا نحن لتكاسلنا وتقاعسنا.

ثم إن تلك المصانع ومؤسسات الإنتاج الأسيوية لاتدعم اللغة العربية حبا فينا أو في لغتنا مع جهل معظم الأسيويين باللغة العربية وبعدهم عنا، وإنما الغرض من هذا الدعم الدعاية والترويج والمنافسة الشرشة لغزو أسواقنا وإغراقها المستمر بمزيد من السلع، ما دامت أسواق العرب من أكبر مراكز الاستهلاك الباذخ في العالم.
وإذا، فما هي الشروط الصحية الضرورية لوضع أي برمجة لغوية عربية سليمة؟

هنا يتجلى الدور الكبير الذي يمكن أن ينهض به علماء اللغة العربية ولجان الترجمة والتعريب المختلفة ومعاهد البحث والبرمجة العربية المتخصصة لمد معامل الإنتاج الآلي بالمصطلح اللغوي العلمي المناسب وبالكلمات والعبارات الوصفية الملائمة والمطابقة لقواعد بيانات التشغيل والتحكم الآلي.

فيكفينا كلاما وتنظيرا ونحيبا على لغتنا العربية الجميلة، وقد حان الوقت لمكننتها في معاملنا، وفق ما نريد نحن بما يتلاءم مع شروطنا وأوضاعنا الثقافية والحضارية حتى نثبت وجودنا اللغوي وفاعليته وحيويته، وقدرته على مواكبة الركب الحضاري الجامح، وعلى الإبداع والاختراع.

الخميس، 27 نوفمبر 2008

أسلوب حكومة المغرب غير المغرب

يقال في بعض طرائق النقد والتحليل الأدبيين: (إن أسلوب الرجل هو الرجل نفسه). وكلمة الرجل في هذا القول أريد بها التعميم لا للتخصيص؛ إذ المقصود منها الرجل والمرأة والشاعر والكاتب وكل متكلم بلسان قومه أو مبدع في فنه أو في مجال تخصصه، وهذا عندما يكون الأسلوب امتدادا لشخصية صاحبه في نوعية تفكيره، وفي طريقة أدائه أو تعبيره.

وكما يمكن أن نحدث عن أساليب الناس العاديين سواء أكانوا متفرقين أو مجتمعين يمكن أن نتحدث أيضا عن أساليب الدول والحكومات؛ فمنها ما يكون بالأصالة تابعا للتاريخ الوطني ولمجموع عادات البلد، ومنها ما يكون بالتبعية خاضعا لحكم تاريخ الغير ولمجموع عاداتهم أيضا. فماهو يا ترى أسلوب حكومتنا الرشيدة المغربية؟ الجواب هو ما يمكن أن تقدمه الحكاية التالية، وإن بطريقة رمزية:

فعندما ذهبت في الأيام القليلة الماضية إلى مكتب البريد في حينا حي أمرشيش بمدينة مراكش المغربية لإجراء معاملة بريدية عادية طلب مني موظف الشباك رقم:2 قبل إنها معاملتي أداء مبلغ إضافي قدره عشرة دراهم تضامنا مع الحملة الوطنية ضد الحاجـَة، فقلت له: لا بأس، لقد اعتدنا على مثل هذه الأمور كلما ولجنا صيدلية أو مصلحة عمومية...
فسلمني وصل المعاملة مصحوبا بشعار الحملة الوطنية التضامنية مكتوبا باللغة الفرنسية. فقلت له: هل يمكن أن أستبدل هذا الشعار بآخر مكتوب باللغة العربية، فقال لي: لم يوزعوا علينا غير تلك المكتوبة بالفرنسية.

ثم ألقيت نظرة على لوحة المفاتيح التي يستخدمها ذلك الموظف لإدخال بيانات المعاملات، وكانت مكتوبة هذه المرة بالحروف العربية، وسألته: لماذا لا تسلم لي بيانات معاملتي مكتوبة باللغة العربية، فقال لي: لم تجر الأوامر العليا بذلك.

ثم دسست ذلك الشعار في جيبي، ونظرت إلى الوصل وإلى ورقة الطابور التي أمدني بها الحاسب الآلي عند مدخل المكتب وكانت مكتوبة أيضا باللغة الفرنسية، وتطلعت في مرافق مكتب البريد الداخلية التي أعيد تعديلها وتحديثها بما يتوافق مع آخر طراز في التصميم الهندسي المكتبي. ثم قلت في نفسي: لقد تكاملت الصورة في ذهني عن أسلوب حكومتنا المغربية؛ فهي حينما تفكر أو تدبر فإنما تبدأ أول الأمر بلغة موليير التي رضعتها من المستعمـِر الفرنسي أما اللغة العربية المسكينة فهي آخر شيء يمكن أن يخطر على بالها.

وإذا تأملنا في مضمون هذا الشعار: ( لنتحد ضد الحاجـَة ) بفتح الجيم نجد أنه قد ترجم ترجمة حرفية عن لغة موليير، فضلا عن أن معنى كلمة الحاجة فضفاض وغير دقيق فكم من حاجة قد قضتها حكومتنا إما بتركها جملة وتفصيلا، وإما بالمماطلة والتسويف، وكم من حاجات أخرى كثيرة يطمح إليها ناظر المواطن المغربي، وأقلها مثلا الحاجة إلى الحرية وإلى الشغل وإلى تكافؤ الفرص وغير ذلك...!!
وكأن حكومتنا هنا تناقض نفسها بهذا الشعار الذي يمكن أن يرفع في وجه الفقر وفي غير الفقر أيضا، وحتى في وجهها أيضا...

وكان الأولى أن يقال مثلا في هذا الشعار:( لنتعاون) بدل لنتحد، و(على) بدل ضد، و(الفاقة) بدل الحاجة. وبهذا يستقيم هذا الشعار دلالة وأداء فيكون أليق وأنسب للروح العربية.
ترى، متى تبلغ حكومتنا رشدها، ومتى تستعيد وعيها بذاتها على غرار حكومات العالم التي تحترم نفسها وتقدر شعور رعاياها اللغوي وغير اللغوي، وإلى متى ستبقى حكومتنا هكذا سادرة في غيها تمرغ كرامتنا اللغوية الحقيقية في التراب، ضاربة بعرض الحائط مشاعر ملايين المغاربة مقابل حفنة من المتفيهقين في بلدنا بلغة موليير أو بلغة العم سام أو نوح ؟.

317dem
صورة شخصية لشعار الحملة التضامنية الذي سلم إلي في مكتب البريد، مكتوبا باللغة الفرنسية

الأربعاء، 5 نوفمبر 2008

كيف تُغتالُ اللغة العربية؟



من هنا، وفي أحد الشوارع الهامة بمدينة مراكش تُغتال اللغة العربية في واضحة النهار



الخطأ: افتيتاح قريبا ندارتي
الصواب: افتتاح محل (نظاراتي) قريبا





ترى كيف يجتمع علم البصريات والجهل بأبسط قواعد الإملاء العربي في هذا الإعلان؟!
إنه العمى اللغوي بعينه.

الثلاثاء، 8 يوليو 2008

اللغة العربية وعداوة مُـثقفيها لها

مما ابتليت به اللغة العربية عداوة مثقفيها لها. وقد ظهر هذا العداء منذ وقت مبكر من ظهور الحركات الشعوبية زمن الأمويين والعباسيين، كما هو واضح في شعر بشار وأبي نواس وفيما يحمله فكرهما من تحامل وضغينة لكل ما هو عربي إلى درجة قد تصل في بعض الأحيان إلى الازدراء والسباب والشتيمة.

ثم تولد هذا الابتلاء بصورة جديدة ملفتة للنظر مع قدوم المستعمر الغربي وحلوله بقضه وقضيضه على أرض العرب خلال القرن الماضي.

فعندما ربطت الطبقة الجديدة من المثقفين العرب (الأنكلوفونيين) و(الفرانكفونيين) وجودها بوجود المستعمر ورهنت مصالحها بمصالحه كان من الطبيعي أن تفك ارتباطها بالأصل وأن تعلن القطيعة مع ماضيها العربي وتجاهر بالانسلاخ من جلدها الأول لتحل فيها روح الكيان المستعمر بالكامل لأنها ألفت الرضاعة والنهل من أثدائه.

ومن الأسماء الثقافية المنسلخة التي ينبجس لبن العنصرية الغربية البغيضة من بين شفاهها وعلى أسلة أقلامها نذكر سلامة موسى وعبد العزيز فهمي وسعيد عقل وغير ذلك من الأسماء التي خفقت أعلامها وشعاراتها، وعششت وفرخت في الجامعات والمعاهد، وخلقت لنفسها أتباعا وتلاميذ ونظريات قائمة الذات مسنودة بالدعم المادي والمعنوي وبمباركة المرجعيات الغربية الدينية والفكرية والإيديولوجية والفلسفية، وحتى الفنية والأدبية والإنسانية والحقوقية…

فهاهو سلامة موسى المصري يعلن دونما خجل أو مواربة عن رغبته العارمة في التنصل من الانتساب العربي المشرقي للالتحاق بالنسب الغربي الشريف، وقد بلغت به الجرأة حد المطالبة باستبعاد ثقافة العرب وما يمت إليها بصلة عن مجالات البحث والدرس، يقول: كلما ازدادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له ...، هذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي سرا وجهرا، فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب ...إن الاعتقاد بأننا شرقيون قد بات كالمرض ... وليس علينا للعرب أي ولاء، وإدمان الدرس لثقافتهم مضيعة للشباب وبعثرة لقواهم ...

وها هو ذا سعيد عقل اللبناني يطالب بكتابة اللغة العربية بحروف لاتينية، على غرار صنيع كمال أتاتورك عندما أدار ظهره للعرب وللخط العربي، كما مر معنا في إدراج سابق تحت عنوان:
محنة اللغة العربية مع أساليب الدردشة و (التشات) ...!!

وعلى العموم، فقد كثرت الدعوات وتناسلت الاتهامات التي تمس كيان الشرق الثقافي واللغوي، وطبيعة الرجل الشرقي ونمط تفكيره وسلوكه حتى صار موضع نكتة وطرفة وسخرية في الأدب الغربي وفي إنتاجه الإعلامي التلفزيوني والسينمائي، وحتى في لوحات الرسم والكاريكاتور....

أما اليوم، وبعد أن دخلت أمريكا على هذا الخط العدائي منذ أحداث أيلول سبتمبر المشئومة، فقد جعلت لعدائها لونا جديدا مموها لا يكاد يُرى لمعظم الناس لأنه مخبوء تحت شعارات حالمة منسمة بعطور الحرية والديمقراطية المزعومة التي تدفقت على العالم العربي من بلاد العم سام البعيدة جدا عبر البوارج وحاملات الطائرات. وهنا مكمن الخطورة عندما يكون العداء المبطن معززا ومؤيدا بقوة السلاح.

فقد أرادت أمريكا أن يكون احتلالها للعراق الشقيق مصحوبا باختراق آخر مواز كاسح للعقل العربي وللنفوس العربية من الداخل. وهي، بعد أن أرست ترسانتها العسكرية وأقامت قواعدها الجوية والبحرية والبرية في منطقة الخليج، أرسلت على الشعب العربي كله مددا هائلا من القنوات السمعية والبصرية من فوق عبر بوابات السماء لتعيث فسادا وخرابا في وجدان الأجيال العربية الصاعدة، ولتعيد تشكيلها وقولبتها كما تشاء...

إن ما يبث على مدار الوقت والساعة على محطات (سوا) الإذاعية المبثوثة في كل ربوع الوطن العربي، وقنوات (الحرة) وبعض القنوات الأخرى المحسوبة على أمريكا نهجا وأسلوبا كمجموعة كقنوات ( إم بي سي) وأبو ظبي ودبي وغيرها من برامج التلفزيون الحوارية وبرامج تلفزيون الواقع الأمريكي ومسلسلات وأفلام هوليود وحتى والوصلات الإشهارية للعطور ومساحيق التجميل الأمريكية فضلا عن أجبانها وألبانها ووجبات أكلها السريعة... كل هذا بدأ يؤتي ثماره الخبيثة في وسط كل أسرة عربية من حيث تدري أو لاتدري على مستوى العادات والطباع الجديدة وعلى مستوى اللباس والأكل... والأخطر من ذلك أن يكون التغيير على مستوى الفكر والوجدان.... فهل منا من يتعظ أو يقاوم وينتفض...؟ !!

الجمعة، 27 يونيو 2008

الكظيمة أم الترموس


الكظيمة من الكلِمات العربية القديمة الفصيحة؛ ومن معانيها التي وردت في قواميس العرب: البئر إلى جانبها بئر، وبينهما مجرى في بطن الوادي. ومن معانيها : بطن الأرض أينما كانت، فهي كظيمة لأنها تحبس ما فيها .
وهذا رجل كظيم قد انطوى على غم أو حزن كبير، قال تعالى ( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ) يوسف / 84. فالحزن على يوسف في الآية الكريمة مكظوم، ويعقوب عليه السلام كظيم لأنه احتوى حزنه الكبير في داخله.

أما الفعل( كظـَم ) فيفيد معنى الاجتراع والرد والحبس أيضا، قال تعالى: ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) آل عمران /134. فقد فسر المفسرون معنى ( الكاظمين) بالحابسين الغيظ لا يجازون عليه، فكأنهم يجترعونه أو يردونه في جوفهم فعل الماشية التي تجترع العشب وترده إلى جوفها.

ومن الدلالات اللغوية الجديدة لكلمة (الكظيمة) التي لا تروج كثيرا في الاستعمال اليومي إطلاقها على آنية حفظ الحرارة المعروفة في لغة العامة ب (الترموس).

ولكن، لشهرة هذه الكلمة الأخيرة ( الترموس ) في أدبيات الأكل والشرب عندنا غاب عن أذهان معظم الناس أن تكون هناك كلمة عربية فصيحة أخرى غير هذه المنحوتة من اللغة الأجنبية يمكن أن تدل على هذا المُنتج الصناعي الذي يحفظ الحرارة للقهوة والشاي وغيرهما من السوائل لبعض الوقت. وحتى إذا عرفوها فكيف لهم أن يتقبلوا استعمالها بديلا عن كلمة (الترموس) المتداولة بكثرة في خطاب الإشهار التلفزي العربي.؟

وإذا تأملنا في الأبعاد العميقة لمدلولات كلمة ( الكظيمة) المشار إليها آنفا فإننا نستنتج أنها أغنى وأعمق في الدلالة بكثير من كلمة (الترموس) الجامدة.

وقد راقني مؤخرا أن أرى بعض المجلات الورقية المهتمة بشؤون المرأة والطبخ ولوازمه قد انتبهت إلى كلمة (الكظيمة) واستعملتها في الدلالة على آنية حفظ الحرارة لكن بنوع من الحذر والاستحياء، إذ لم تستعملها منفردة وإنما جنبا إلى جنب مع نظيرتها الأجنبية (الترموس) الشائعة لدينا في الاستعمال ومكتوبة بحروف لاتينية...

وقد يكفيك بعض الوقت الذي تمضيه داخل مصالح الإدارات العمومية المغربية لتختبر بنفسك كل ما يعتمل بداخلك الذي يشبه جوف الكظيمة أو (الترموس) الذي أحكم غلقه. أقصد اختبار حرارة الاستقبال بالمماطلة والانتظار، وبرودة التوديع بالتأجيل والتسويف .

كم حاجة قـُضيت في أوطاننا العربية بتركها إلى عامل الوقت الضائع من حساب تقدمنا وكرامتنا وعيشنا...
ولولا غلاف الكظيمة السميك الذي يتمتع به المواطن العربي في داخله خلقة واكتسابا لانفجرت آلاف الجسوم العربية المكلومة والمهمومة على الطرقات وعند مصالح وزاراتنا العمومية بسبب حرارة القهر وبرودة الاحتكار وصقيع البيروقراطية.. !!

الثلاثاء، 22 أبريل 2008

وعي اللغة ووعي الذات

إن الوعي بأهمية ذاتنا الفردية والجماعية هو الوعي القوي المتأصل بأهمية اللغة التي يتشكل وجودنا بها ومن خلالها.

ويقع الوعي بأهمية اللغة كوعاء شفاف أو لباس حميمي لكل ذواتنا العربية عند المسافة الممتدة في كياننا بين لساننا ووجداننا. فإما أن نكون كما نحن بخصوصياتنا اللغوية المتناسبة مع ملامحنا الجسدية التي تشكلت على مدى آلاف السنين بعوامل المناخ الإقليمي والمحلي، وإما أن لا نكون عندما نقبل أن نكون كما يراد لنا غيرنا أن نكون، حتى لو اقتـُلعنا من أصولنا وجذورنا.
وهذا ما وعاه وعبر عنه الشاعر زهير بن أبي سلمى في الزمن العربي الأول عندما قال:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
فلم يبق إلا صورة اللحم والـــدم

ولم يقصد زهير في شعره باللسان غير اللسان العربي عندما كانت العرب تتشرب لغتها العربية بكامل كيانها وإحساسها كما تتشرب الماء حتى الارتواء التام عند المناهل العذبة الصافية.

ترى بأي لسان يُـراد لنا اليوم أن نتكلم وأن نتنفس وأن نرتوي وأن نحيى وأن نتخيل وأن نحلم بعدما تلوثت مناهل اللغة لدينا بالكدر والطين بعد أن وطئتها أقدام الغزاة الأباعد ومن حذا حذوهم من الأهل والأقارب ممن يملكون في دواخلهم دعوات مرضية انفصالية أو استئصالية؟

كما أن ما يشاع اليوم من تشكيك في جدوى استعمال اللغة العربية الفصحى بين أوساط الشباب يكاد يفقدها كل قيمة حيوية وكأنما صارت في نظرهم عجوزا شمطاء تقادم عليها العهد وحفر الدهر على جبينها التجاعيد العميقة وأصاب عظامها بالوهن الشديد فلم تعد تطيق أدنى حركة، وقد آن لها الأوان لتمضي بقية أيامها في عزلة تامة انتظارا للأجل المحتوم حتى تنقرض أو يحدث الله في شأنها أمرا.

إننا هنا أمام حالة عقوق لغوي أصبح يستشري في أوساط ناشئتنا وبني جلدتنا كالمرض الخبيث. وهذا العقوق اللغوي أكثر خطرا وأشد فتكا بالنفس والوجدان من عقوق الأبوين لأن ضرره أعم وأشمل وأكثر تغلغلا وامتدادا في الزمن.

كما أصبح جسد اللغة العربية كجسد الفئران الصغيرة المغلوبة على أمرها داخل مختبر تحليلات وتجارب. فهي تتعرض على مدار الوقت لعمليات متواصلة من أنواع التلقيح والتهجين اللغوي الأنبوبي الذي ينتج في كل يوم مزيدا من التشوهات والأورام اللغوية التي تفقد لغتنا ما احتفظت به على مدى القرون الماضية من حسن وبهاء.

وقد يكفي أن تجلس بعض الوقت أمام قنواتنا العربية الفضائية الترفيهية من المحيط إلى الخليج، أو تستمع إلى أصوات المذيعين والمذيعات في الإذاعات الجهوية والرسمية لتتأكد من عمليات النحت والتعرية التي يتعرض لها جسد اللغة العربية التي لا تفقدها فقط ذلك الحسن والبهاء وإنما لتصيبها فوق ذلك بعمى الألوان. أما ما يعج به مجتمع القراءة الورقية والافتراضية في وطننا العربي فتلك طامة كبرى. وقد يتطلب أمر إصلاح هذا الوضع عددا هائلا من المراجعيين والمصححين اللغويين..

ونحن هنا لسنا بصدد الإشفاق على واقع اللغة العربية، لأن هذه اللغة كما كانت فستبقى كما هي في أسلوب القرآن الكريم وفي كل الأساليب العربية الشعرية والنثرية المعتبرة المودعة في بطون الكتب، وهي تحتاج فقط إلى من يرشد إليها ويقوم بقراءتها قراءة موجهة من لدن أهل الغيرة والمعرفة والاختصاص.
وإنما نحن هنا نشفق على أنفسنا وعلى الحالة العربية كلها التي عرفت تراجعا خطيرا في الاقتصاد والتنمية بل حتى وفي توفير أدنى شروط العيش الكريم لعموم المواطنين المغلوبين على أمرهم فما بالنا بما فوق ذلك كله ..

إن لهاثنا المرضي وراء لغات الغرب الأوربية التي آثرناها على اللغة العربية في تسيير دواليب الحياة العربية الحيوية والأساسية ردحا طويلا من الزمن منذ قدوم المستعمر الأوربي بقضه وقضيضه إلى أرضنا العربية ولد انطباعا سائدا لدى نخبنا الثقافية والسياسية الحاكمة صاحبة المال والنفوذ والقرار أنه لا يمكن أن تسير دواليب الحياة العربية إلا بلغتين لا ثالث لهما وهما: الانجليزية أوالفرنسية. وكل هذا من أجل الحفاظ على مصالحها الشخصية وتلميع صورتها في نظر الدول الغربية التي تتملق رضاها بأنواع شتى من مظاهر التزلف والخنوع والتنازلات؛ ومن أخطرها تعطيل استخدام اللغة العربية في دواليب التدبير والتسيير العام.

إن القوة اللغوية جزء لا يتجزأ من القوة الحضارية والتنموية الشاملة في جميع الدول العالمية التي تحترم شعور مواطنيها اللغوي ولا تتهاون في شأنه مقدار ذرة؛ لأن التنازل في القليل يغري بالتنازل في الكثير لمن لا شأن ولا شخصية له.

وإنه لمن الجبن أن نعلق أسباب ضعفنا وتخلفنا عن الركب الحضاري الدولي السريع على مشجب لغتنا العربية التي ربما قد تكون آخر حبال نجاتنا من الفراغ والضياع والتشتت والفرقة إذا أحسنا الاستمساك بها.
وقد يكفي أن نعلن حالة عصيان جماهيرية عربية شاملة ضد كل أشكال الهيمنة والتبعية اللغوية الأجنبية.

الأربعاء، 27 فبراير 2008

مستقبل اللغة العربية بين اللغات الأجنبية واللهجات المحلية

بدأت في الآونة الأخيرة تثار علامات استفهام كثيرة حول مستقبل اللغة العربية، وبدأ النقاش عبر وسائل الإعلام المكتوب والمقروء والمسموع، وعبر المواقع والمدونات والمنتديات يكبر حول هذا الموضوع بشكل يوحي بأن وضعية اللغة العربية قد أصبحت حرجة ومقلقة، وأن مكانتها الطبيعية التي حازتها في قلوب العرب ووجدانهم من المحيط إلى الخليج عبر عشرات القرون قد بدأت في الاهتزاز والتراجع التدريجي لصالح اللهجات المحلية أو بعض اللغات الأجنبية المفضلة عند بعض النخب التي احتكرت قرار التدبير والتسيير لكثير من عجلات التنمية العربية المعطوبة، بعيدا عن اختيارات ومطامح الشعوب العربية التي تبقى دائما في الدرك الأسفل من حيث الأولوية أو حتى الحد الأدنى من الاهتمام. وقد سبق لنا أن عالجنا بعض جوانب هذا الموضوع في فئة المقالات التي خصصناها لقضايا اللغة العربية.

وقد آثرنا في هذا الإدراج أن نقدم فقط بعض المؤشرات الأولية حول خطورة وحساسية هذا الموضوع:

- إن الإقرار بفشل المنظومة التعليمية في تحقيق التنمية المنتظرة منذ زمان للارتقاء ببلادنا، كما كشف عن ذلك التقرير الدولي الأخير قد يعتبر بوجه من الوجوه إقرارا بفشل الاختيارات اللغوية التي صيغت بها تلك المنظومة برمتها والتي ظلت تتأرجح منذ فجر استقلال المغرب بين الفرنسية والعربية، دون أن تحسم أي وزارة من الوزارات المتتالية منذ ذلك التاريخ البعيد وحتى اليوم في قرار تعميم التعريب الموقوف التنفيذ بمختلف مراحل التعليم بدل التوقف عند منتصف الطريق، كما جاء في قصة حمار الشيخ الذي توقف عند العقبة.

وقد نتج عن ذلك أن بدا نظامنا التعليمي كالمخلوق المهجن الذي يفتقر إلى الخصائص الوراثية الأصيلة الذاتية. فهو أبعد ما يكون عن حقيقة كيان المغاربة الأصيل كجغرافيا وكتاريخ وكحضارة ذات مكانة محفوظة بالحرف العربي الفصيح وبالبناء الأصيل المتجذر في التراب والمتلون بلونه.

والتداعيات السلبية للتعليم المزدوج كخطة ومنهج كثيرة ولا يخفى أمرها على أحد من المواطنين المغاربة, وخاصة المكتوون منهم صباح مساء بهم التفكير في مستقبل فلاذ أكبادهم، ولعل أكثرها شأنا ودلالة هذا السؤال الذي يؤرق كل أب وأم عندما يصل أحد أبنائهما أو بناتهما إلى مرحلة التعليم الثانوي: وماذا بعد الباكالوريا؟، وخاصة إذا كان المتعلم ينتمي إلى التخصصات العلمية.

- إن القطيعة التامة بين التعليم العالي العلمي المفرنس وبين التعليم الإعدادي والثانوي شبه المعرب توحي للمتعلم بأفضلية اللغة الأجنبية مما يجعله ينفر من العربية، ويعتبرها كالزائدة الدودية، فهو يريد التخلص منها بسرعة ليستريح من هم حضور بعض حصص العربية والدراسات الإسلامية المقررة في جدول الحصص.

- ومن أغرب الأمور التي تبعث على الاستغراب أن يثار السؤال حول مستقبل اللغة العربية في نشرات الأخبار في القناة الثانية، وهي من أكثر النماذج الإعلامية ببلادنا العالقة في فخ الفرنكفونية قلبا وقالبا حتى النخاع؛ إذ لم تكلف هذه القناة نفسها حتى الآن وبعد مرور عقدين من الزمن عبء التفكير في إحداث قسم خاص بالدبلجة، أسوة بكثير من القنوات العربية الفضائية التي تحترم شعور مواطنيها اللغوي. فما أشبه العقلية التي تدار بها هذه القناة بالعقلية التي يدار بها الشأن العام في وزارة التعليم والتربية وفي كثير من الوزارات الأخرى المتبقية ببلادنا.!!

- وليت مشكل اللغة العربية بقي مقتصرا على صراعها مع اللغات الأجنبية في هذا الوطن العربي أو ذاك، حسب قدر الهمة العربية المتوفرة عند كل وزارة من الوزارات القائمة على شأن التربية والتعليم في وطننا العربي الكبير؛

وإذا ألقينا نظرة سريعة على كثير من الفضائيات العربية الخاصة بالإذاعة أو التلفزيون فإننا نجد لديها ميلا متصاعدا نحو تعميم اللهجات المحلية على العربية، بحيث لا يكاد يستثنى منها إلا بعض القنوات الإخبارية المتخصصة كالجزيرة أوالعربية.

ومن أغرب الأشياء التي سمعتها عبر بعض الفضائيات العربية المصرية الحديثة (Otv) مما له صلة بمستقبل اللغة العربية سؤال بعضهم عن أي اللهجات العربية المحلية أكثر انتشارا وتأثيرا بعد العربية الفصحى؟.

وشيئ طبيعي جدا أن تكون لهجة إخواننا المصريين في صدارة اللهجات العربية، كما ورد على لسان بعض المستجوبين في الشارع المصري. والسبب في ذلك يرجع إلى الغزو الكاسح الذي تم منذ وقت مبكر للمشاهد العربي عبر المسلسلات والأفلام المصرية المصدرة إلى كافة البلدان العربية بالجملة والتقسيط.

أما اليوم وبعد انتشار البث الفضائي فقد التحقت بعض اللهجات المنافسة التي دخلت معها على الخط الأول أو فاتتها كاللهجة الشامية والخليجية بسبب حمى السباق الذي يعرفه مضمار الدراما التلفزيونية والسينمائية. أما لهجة المغاربة من حدود ليبيا شرقا إلى حدود المغرب غربا فإنها تأتي في الهامش والذيل، بل إنها تعتبر في نظر المشارقة من قبيل رطانة الإسكيمو أو سكان جزر الواق واق. ولا بد لها إذن، من وضع ترجمة أسفل الشاشة.

والأغرب من هذا كله أن أحد المستجوبين في الشارع المصري المتحمسين للمشروع اللهجوي الجديد الذي تبشر به كثير من القنوات الفضائية لم يجد أي حرج في الإعلان عن الحقيقة التالية التي نترجمها من اللهجة المصرية إلى العربية الفصحى كالآتي: (إذا التقي شخصان أحدهما سعودي والآخر مغربي فإنهما لا يمكن أن يتفاهما إلا من خلال اللهجة المصرية ). فأين أثر اللغة العربية من كل هذا، وهل أصبح لها مكان ما لتوحيد وجدان العرب الشتت بالتقسيم والتخلف والتبعية وبعدما صار كل واحد منا يغني على هواه اللهجوي، ويتغزل في لكنة دربه أو حيه أو قبيلته أو عشيرته أو طائفته التي تؤويه…!!

السبت، 16 فبراير 2008

وضعية الإملاء العربي في مجتمع التدوين باللغة العربية

كتب في يناير 26, 2008

كنت دائما أومن بأن المدخل الطبيعي لمعالجة مشكل الإملاء العربي هو القراءة الصحيحة الموجهة. كما كنت ولا زلت أومن بأن كل تعليم صحيح ناجح لا بد فيه من الاحتذاء على مثال صالح مقبول، تماما كما يلزم الأمر عند تعلم أي حرفة أو صناعة، أو عند اكتساب أي مهارة من المهارات التي تتطلب قدرات عالية عقلية أو نفسية أو جسمانية.

فتعلم اللغة نطقا وكتابة لا يقل في شيء عن أي تدريب عضلي. وأمر القوة والتماسك فيهما معا موكول إلى طول الدربة والمراس. وإلا فإن مآلهما الى التراخي والتراجع والانكماش.

وقبل عقد من الزمان لم تكن لدينا مؤشرات كثيرة لقياس وضعية الإملاء المكتوب بالعربية، إلا من خلال تصحيح دفاتر المتعلمين وأوراق إجاباتهم في الامتحان في مراحل التعليم الأولية الابتدائية، أو عبر ما يكنب من بحوث ودراسات في المراحل المتقدمة العالية.

ولعل كل واحد منا يتذكر إشارات التصحيح الحمراء التي كانت توضع من قبل أساتذتنا على أوراقنا وإجاباتنا في كل اختبار إملائي أو نشاط تربوي مكتوب بخط اليد.

وكنا نفخر بأنفسنا قلما قلت تلك الإشارات الحمراء المنبهة من أوراقنا وكراساتنا، وكنا نفرح أكثر كلما اختفت تماما؛ فقد كان أثر المداد الأحمر بين السطور في النفوس كأثر جرح غائر لا يندمل.

وأذكر أن أساتذتنا في مرحلة التعليم الجامعي خاصة لم يكونوا يتسامحون قيد أنملة في شأن أخطاء اللغة والإملاء. بل يمكن لتلك الأخطاء التي قد تبدو في نظر البعض هينة وضئيلة أن تعصف بمجهود الطالب كله، مهما علا كعبه في الفهم والتحليل والتفكير.

أما اليوم، وبعد هذا التدفق الهائل للمعلومات عبر وسائط الاتصال الحديثة المتعددة فقد أصبح في الإمكان قياس وضعية الإملاء العربي عبر كل وسيلة استخدام تقنية تدعم اللغة العربية؛ وأيسرها وأكثرها استعمالا، على سبيل المثال، الهاتف النقال عند كتابة وتبادل الرسائل النصية.

وربما جاءت المدونات على رأس هذه الوسائل الرقمية الجديدة التي يمكن أن تؤشر بوضوح على الوضعية الحقيقية للإملاء العربي للعوامل الثلاث التالية:

- العامل الأول: مرونة وسهولة أنظمة عمل وإنشاء المدونات، بحيث لا يتطلب فتح حساب مدونة غير توفر الشخص على بريد إلكتروني عادي وعلى بضعة دقائق معدودة من مجمل فائض وقتنا العربي الضائع.

- العامل الثاني: لم يعد الارتباط بالشبكة العنكبوتية صعبا على الناس كالسابق بفضل المنافسة الشديدة بين الشركات الكبيرة التي تبيع خدمات الاتصال المعلوماتية السلكية وغير السلكية بأثمان مغرية ومشجعة.

- العامل الثالث: كثرة المواقع التي تقدم خدمة التدوين المجاني فضلا عن وسائل الدعم الفني والتقني لها مع المساعدة والتوجيه خطوة بخطوة.

وبما أن نشاط التدوين الرقمي يعتبر الأكثر استقطابا للشباب والمراهقين ممن هم في سن التعلم والتحصيل، أو ممن أتموا تكوينهم والتحقوا حديثا بالوظائف أو بصفوف المعطلين فيمكن أن نعتبر ما يفرزه هذا النشاط من كتابات عبر صفحات ومدونات تتناسل في كل يوم بسرعة كالفطر، مؤشرا إضافيا على وضعية الإملاء لدى المدونين باللغة العربية من كل الفئات بصفة عامة ومن فئة الشباب بصفة خاصة، لاسيما وأن هذه الفئة العمرية تمثل نصف المجتمع العربي من حيث التعداد السكاني.

وقد ألزمت نفسي منذ أن خضت في الحديث عن التدوين العربي منهج التعميم والحياد؛ فأنا لا أحبذ أن أشير بالأصبع إشارة مباشرة إلى أي أحد لدواعي الإنصاف واحتراما لخصوصيات جميع الناس على اختلاف أصنافهم وتوجهاتهم وأعمارهم، ويغيظنى كثيرا أن أرى ساحة التدوين العربي قد تحولت في الآونة الأخيرة إلى معترك حقيقي لتصفية الحسابات الشخصية وللمهاترات الكلامية والتحرش والتهديد والغوغائية بأساليب لغوية ركيكة تعمها الأخطاء اللغوية والإملائية من كل جانب.

وكنت أتأمل من جيل المدونين ومظة أمل مشرقة تنآى بواقعنا الافتراضي، ولو لبعض الوقت، عن الواقع العربي الحقيقي المفعم بالخلافات والصراعات البينية التي عطلت مصالحنا وأخرت نمونا، وأضعفت وازع القوة لدينا وأطمعت كل من هب ودب من المغامرين وقطاع الطرق للسطو على أرزاقنا ومدخراتنا.

وقد يطول بي الوقت إذا حاولت أن أستعرض بعض علل التدوين العربي الإملائية، حتى لا يتحول هذا الإدراج إلى درس خصوصي للتصحيح والتقويم، ولأنني أربأ بنفسي أن أكون شاهدا على جوانب الضعف والخلل، ولأنني أحبذ أكثر أن أكون شاهدا على جوانب القوة والاكتمال.

وإنما أكتفي هنا فقط بذكر ظاهرة إملائية عامة أثارت انتباهي هذه الأيام، ويتعلق الأمر بمشكل بسيط جدا؛ وهو تهجية بعض الحروف العربية المخصوصة؛ أذكر منها:

حرف الذال الذي يكتب دالا بالإهمال بدل الإعجام، وكذلك حرف الظاء الذي ينقلب ضادا وحرف الثاء المثلثة الذي ينقلب تاء مثناة، والسين إلى صاد أو العكس، والأدهى من كل هذا أن يتحول الطاء إلى تاء والذال إلى زاي والدال إلى ضاد….

هذا فقط ما يتعلق بمستوى تهجية الحروف الأبجدية في الحدود اللغوية الدنيا البسيطة فما بالنا بما فوق ذلك بقليل؛ كأن يتعلق الأمر بكتابة الألفاظ العادية والمستعصية، أو بالتحويل الصرفي، أو بإعراب أواخر الكلمات والجمل، فضلا عما فوق ذلك كله مما يرقى إلى إحكام السبك وجمال الأداء.

وقد شاءت الصدفة العجيبة أن يتوافق وقت كتابة هذا الإدراج مع برنامج ” مباشر مع ” الذي بث مساء هذا اليوم، 26 يناير كانون الثاني، على قناة الجزيرة. وقد كان ضيف البرنامج هذه المرة الأستاذ والشاعر المصري الكبير فاروق شوشة صاحب البرنامج الإذاعي المشهور ( لغتنا الجميلة ) والأمين العام لمجمع اللغة العربية بمصر.

وقد كان موضوع هذه الحلقة أيضا خاصا بوضعية اللغة العربية وبتأثير اللهجات عليها، وبدور مجامع اللغة العربية التي لم تفلح كثيرا في معالجة الاختلالات والاختلافات اللغوية العربية العالقة بين الفصحى والعامية، تماما كما لم تفلح الجامعة العربية في حل ولو خلاف واحد من الخلافات العربية العالقة أيضا في جوانبها السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والتنموية…

ساركوزي ومـُعترك اللغة

كتب في يناير 10، 2008

أعلن الرئيس الفرنسي في تصريح متلفز البارحة، وبملء شدقيه، أن حكومته غير مستعدة للإنفاق على قنوات تنطلق من بلاده ولا تنطق بالفرنسية، في إشارة منه إلى قناة 24 الفرنسية الدولية في نسختها الإنكليزية فضلا عن العربية.

وقد ترك هذا التصريح استياء كبيرا في صفوف هيئة التحرير والمذيعين وكل الموظفين الأجانب الملحقيين للعمل بالقسمين: الإنكليزي والعربي لهذه القناة، بعد الجهود الكبيرة التي بذلوها في التدريب والإعداد والتوضيب والدبلجة منذ انطلاق بثها حتى اليوم.

ومهما كانت الآثار المترتبة عن هذا القرار مما قد يدفع إلى فتح جبهة جديدة لمعركة لغوية مرتقبة بين الفرنسيين والإنجليز، ومهما كانت الدوافع الشخصية التي جعلت ساركوزي يقدم بدون تردد على الجهر بهذا التصريح في وجه الإنجليز، فيما يشبه الصفعة المباشرة بكل ما أوتي من رباطة جأش وشجاعة لغوية، فإن هذا الموقف بالذات يصلح أن يكون درسا لحكومتنا في المغرب خاصة وفي العالم العربي عامة لفهم أبعاد وكنه المواطنة اللغوية الحقيقية الممتدة في عمق التاريخ التي لا يمكن أن تقل في شيء عن المواطنة الجغرافية المتجذرة في عمق التراب والصخر أيضا.

ومهما بلغت درجة اعتماد حكومتنا الرشيدة للغة شكسبير أو فولتير في تدبير الشأن المغربي الخاص والعام، ومهما بلغ إتقان النخبة المغربية المثقفة للغة الفرنسية التي تتصدر معظم الكراسي وتحوز أغلب المناصب، فإن ذلك يبقى مجرد ترف لغوي في انتظار أن يستوعب الجميع درس ساركوزي هذا ويعودوا إلى جادتهم اللغوية أسوة بجميع الأمم التي تعي ذاتها وتحترم كيانها.

ومما لا شك فيه أن هذا الموقف سيعيد لساركوزي كثيرا من ألقه في نظر الفرنسيين الذين أحبوه وانتخبوه، وكثيرا من الدفء إلى وجدانهم في هذه الأيام الباردة بسبب الصقيع، وقد يعيد إليه الجزء الأعظم الذي افتقده من شعبيته بسبب نزوعه الشخصي الخاص في الحياة وغرامياته وبعض تحركاته المشبوهة.
————
إدراجات ذات صلة:
ساركوزي والنزعة البوشية
وداعا بوش … أهلا بروحه وبساركوزي

الخميس، 14 فبراير 2008

فضل اللغة العربية عند العجم

كتب يوم الجمعة,آذار 09, 2007

ليس هناك من اشتغل من العجم بالعربية إلا وفضل اللغة العربية، والأمثلة على ذلك كثيرة.
ومن ذلك: أن أبا علي الفارسي، والزمخشري والخوارزمي وغيرهؤلاء الأعلام الأعاجم الأفذاذ عدد هائل لايحصى، لما اشتغلوا بالعربية وذاقوا حلاوتها، هاموا بها وفتنوا بمحاسنها، وأفنوا الليالي والأيام في تحصيلها، والتأليف فيها وفي علومها وفنونها وآدابها وقواعدها النحوية والبلاغية والعروضية.
ومن المستحيل أن يكون هؤلاء القوم قد اجتهدوا كل هذا الاجتهاد في العربية وأفنوا مدة عمرهم في دراستها دون أن يتمكن منهم حبها وعشقها. فالأولى بهم وبكل عاقل الاشتغال بالأحسن والأفصح والأبلغ والأحكم والأكمل. فهمة النفس في العادة تتوق إلى ما فوق، ولا تتنتكس أو تنكص إلى خلف إلا لعلة مرضية أو لحاجة اضطرارية.
ولو علم هؤلاء القوم أن اللغة الأعجمية لها نفس القيمة والأفضلية التي اكتشفوها في اللغة العربية ما عرجوا على العربية كل هذا التعريج، والمكوث عند أطيافها وظلالها ردحا طويلا من عمرهم، ولكان الآولى بهم أن يلموا بها إلماما خفيفا ثم يعودوا إلى لغتهم الأم.

ومن بعض الكلمات أو الشهادات الخالدات التي سجل بها الأعاجم فضل اللغة العربية وعلو شأنها نقتطف ما يلي:
قال الزمخشري: (فرقك بين الرُّطب والعجم، فرق بين العرب والعجم).
وقوله أيضا: (العرب نبـْعٌ صُلب المعاجم، والغـرْبُ مثلٌ للأعاجم).
فانظر إلى الزمخشري كيف جعل العرب رُطبا لفضيلته عند العرب كمصدر قوي لتغذية الجسم والعقل والعجم عجما. والعجم بتحريك الجيم هو النوى. وهناك فرق شاسع بين التمر والنوى.
ثم انظر إليه كيف جعل العرب مثل شجر النبع، وهو صلب تتخذ منه القسي، وجعل العجم مثل شجر الغرب، وهو رخو سريع الانكسار كنبات الخروع الذي سبق لنا أن تحدثنا عنه في بعض إدراجاتنا.

لقد بلغ ولع الأعجم باللغة العربية إلى حد المباهاة بتعلمها. فهذا الخوارزمي وهو فارسي الأصل يقول: ( والله لأن أهجى بالعربية خير لي من أن أمدح بالفارسية).

فأين نحن اليوم ـ أبناء اللغة العربية ـ من هؤلاء القوم، وأين همتنا من همتهم في العناية بها ومقاومة عمليات النحت والتآكل التي تتعرض لها اليوم…؟؟ !!.

وليس ذلك فقط من السيول والتيارات الجارفة القادمة من بعيد، وإنما حتى من معاول الهدم الداخلية، إما جهلا وإما تقصيرا وإما عقوقا.

الأربعاء، 13 فبراير 2008

محنة اللغة العربية مع أساليب (التشات) والدردشة

كتب يوم الأربعاء,أيلول 27, 2006

ما عادت لغتنا العربية تفهم كما كانت تفهم في السابق لدى معظم التلاميذ، بل حتى لدى طلاب الجامعة، فصاروا يجهلون أغلب معاني كلماتها.، ويمكن من هنا أن نتصور محنة أستاذ النصوص العربية القديمة مع طلبته…!!

وكيف تؤثر فيهم تلك اللغة العربية وهم بالكاد ينطقون حروفها، أو يتهجونها تهجئة الغرباء المبتدئين، وينفرون منها، ويستثقلون موادها وملقنيها؟؟!!…

وصار أكثرهم يحس عند تعلمها كأنه شخص غريب عنها، أو كأنها غريبة عنه، مثله مثل أي شخص أجنبي يتعلم اللغة العربية أول مرة، بل ليته كان مثله في شغفه ورغبته!!.

وأصعب شيء على التلميذ أو الطالب أن تواجهه بنص أدبي تراثي، سواء في شعره الموزون، أو في نثره الفني المتوازن المتناسب في جمله وفواصله.

ثم من يقرأ ذلك الشعر الصافي السلس الخالي من النتوءات، أو النثر الفني الخصب الراقي المتنوع في أساليبه؟! ومن يرشد إليهما بعدما تهنا جميعا في أودية السراب والاستلاب، إلا من حماه الله وأخذ بيده.

وقد صار القابض على التراث - اليوم - كالقابض على النار، أو قل: صار كالغريب بين الأهل والأقارب!!.

بل، والأخطر من هذا كله أن جل شبابنا صاروا من أصحاب (التشات) والدردشة و(البلوتوث) و(المسنجر)، ولم تعد لهم صلة كبيرة بمواقع الفكر والثقافة، على كثرتها، وعلى علاتها.

وقد جهل كثير منهم أو تجاهلوا تماما أن هناك لوحة للمفاتيح العربية، فأخذوا يكتبون كلامهم الغث الركيك كله بحروف لاتينية وأرقام حسابية؛ فحل رقم 2 محل الهمزة، و3 محل العين، و7 محل الحاء، و9 محل القاف وهكذا ….

كنا- زمانا- نعيب دعوة الشاعر اللبناني سعيد عقل عندما طالب بكتابة القصيدة العربية المنثورة بحروف لاتينية في النصف الثاني من القرن الماضي، وثارت حوله الشبهات وقامت الأرض ولم تقعد من جانب الغيارى والقائمين على شأن اللغة في ذلك الوقت!!.

وقد تكون تلك دعوة مبررة في زمنها، وفي بلد كلبنان منفتح متحرر ومتعدد الديانات والقوميات واللغات، وفي سياق حمى التجديد الشعري لذلك الجيل الأدبي الذي كان يبشر بميلاد قصيدة النثر.

ولكن، من يقدر الآن أن يمنع أو يرفع صوته أو حتى أن يعيب الأمر على أجيال كاملة هجرت الحرف العربي الجميل خطا وشكلا ونقطا ؟؟!!…

لا أعتقد أن شابا إسبانيا أو فرنسيا أو روسيا يجرؤ على كتابة كلامه بغير لغته؟ وهل رأى أحدكم في قناة غربية أو في صفحة إلكترونية أجنبية كلاما مكتوبا بحروف عربية؟! إلا أن يكون ذلك من باب التعمية أو السخرية؟!!….

الثلاثاء، 12 فبراير 2008

فصل ما اتصل من الضمائر الحرة

كتب يوم الخميس,تموز 06, 2006

ليس لهذا العنوان صلة كبيرة بقضايا النحو العربي، ومسائله المستعصية وشواهده المليئة بالضرب والجرح، من قبيل المثال المعروف الذي درجنا عليه في دراسة قواعد اللغة العربية في الصفوف الأولى والمتوسطة والعالية: ضرب عمرو زيدا، وكل ما تفرع عنه من أمثلة أخرى كثيرة اكتست بلباس الضرب وتطبعت بطبائعه…

في الحقيقة لا تروقني كثير من شواهد وأمثلة النحويين المتكلفة التي لا تخلو من استبداد وسادية، وهذا موضوع شائك يحتاج إلى تخليص مثلما هو واقعنا العربي العام الملتبس، وقد نعود إليه في وقت لاحق بعد أن تتهيأ له أرضية النقاش…

ومن المعلوم أن جزء كبيرا من كتب التراث العربي القديم في مختلف فروع العلم والأدب قد ألف باستدعاء من أصحاب السلطان وباقتراحهم وتوجيههم وإشرافهم، وقد مُهِرت جلها بأسمائهم وألقابهم المنتفخة بلا حدود، ووضعت لها مقدمات طويلة في مدحهم وإطرائهم وتقبيل الأعتاب بين أيديهم، حتى كادت أن تمحى شخصية أصحابها وتذوب نهائيا أمام ما استشعروه من خوف ورهبة أمامهم؛ رهبة تجعلهم يبدون غير ما يضمرون أو يجبرون على ذلك مداهنة أو تملقا، أو إيثارا للمصالح المعجلة في دنياهم الفانية…

ولا شك أنه قد تطرق إلى تلك الكتب التي تبدو في ظاهرها بعيدة عن أمور السياسة والسلطان كثير من ملامحهم الاستبدادية، فخفي أمرها على جمهور المثقفين، وحتى على كثير من الدارسين المتخصصين؛

فكما يمكن أن نتحدث عن استبداد السلاطين ووزرائهم وأعوانهم يمكن أيضا أن نتحدث عن استبداد النحويين والعروضيين، وأهل الصرف والبلاغة، والشعراء والكتاب والمؤرخين وحتى بعض الحكماء والفلاسفة والصوفية وأصحاب الخرق المنقطعين في صوامعهم…

ولكن، من منا تحدث يوما عن هذا النوع من الاستبداد المقنع القابع وراء شواهد النحو والصرف والبلاغة، والمعشش في كثير من نصوص الشعر والإنشاء والكتابة التي تعرض على ناشئتنا في مختلف مراحلهم التعليمية…؟؟!!

فهناك آلاف مؤلفة من عناوين الكتب التراثية وأعلام الشعر والأدب والكتابة حكم عليها بالإقبار، ولازالت رهينة حبس مؤبد أو في حكم المجهول، ولا يعلم بها إلا قلة قليلة من الباحثين المتخصصين الذين يتقنون فن النبش والتنقير لا فن التعتيم والتزوير. وليس هناك سبب مقنع يدعو القائمين على الشأن التعليمي والتربوي إلى إقصائها.

وياليت الأمر وقف عند هذا الحد، فربما اختلقوا لأجل ذلك ذرائع استبدادية، من قبيل التحريض أو المس بأمن الدولة أو بمبدأ الأخلاق العامة، وغير ذلك كثير..

وما أسهل اختلاق الذرائع الاستبدادية على المستبد وعلى أعوانه الذين كثيرا ما يتجاوز ضررهم ضرر المستبد نفسه. وهو الذي أنيطت به مهمة حماية رقاب الناس ورفع هممهم عاليا بدل خفضها أو خنقها أو حتى اجتثاثها من أصولها إذا لزم الأمر.

إن تعاظم وانتفاخ المستبدين داخل بلداننا العربية ينتج عنه ضمور حاد لدى عموم الشعب، يجعل من الوطن العربي أشبه ما يكون بالجسم الذي أصابه داء الشلل الحاد، فهو لا يتحرك إلا على إيقاع آلام الأطراف المبرحة وأوجاع البدن المنهك من الجوع والحرمان، فكيف لهذا الجسم العربي الجائع أن يتحرك برأس ثقيل منتفخ..!!

وقد يكون سر فرادة ذلك التراث العربي المُقصى عن الأنظار أن أصحابه اختاروا التحليق الحر الطليق بعيدا وخارج السرب، أو ربما لأن أصحابه كانوا ذوي ضمائر حية غير متصلة بخدمة دنيئة لفلان أو علان…

إن نفاق الأدباء والعلماء وامتهانهم لأنفسهم هو الداء العضال الذي يُعدي باقي الضمائر الحية المحصنة بمبدأ العزة والكرامة، وهو ، في نفس الوقت، فيتامين الحياة والنمو والانتفاخ السريع لغابة الاستبداد داخل وطننا لدرجة التوحش والسادية…

وإن ما نجهله عن حقيقة تراثنا الفكري والأدبي أكثر مما نعلمه، أو بالأحرى أكثر بكثير مما أريد لنا أن نعلمه في الحدود الدنيا لما يبقيه ( غربال الرقابة) ذي العيون الواسعة الساهرة على كل ما من شأنه أن … والذي لا يكاد يبقي شيئا ذا بال يمكن أن ينفع في تغيير القلوب والعقول…

وكثيرا ما كانت دهشة طلبتي كبيرة عندما كنت أعرض عليهم بعض النصوص الأدبية العربية التي تشذ عن مألوفهم، أو أعرض عليهم بعض الأسماء المغمورة التي خرجت عن مهيع الموضوعات الشعرية والأنواع الأدبية المسطورة منذ ظهور التعليم النظامي داخل بلداننا العربية، وكثيرا ما يتساءلون بحرقة وحيرة: لم غيبت عنا من قبل؟؟!!

وإذا انتقلنا إلى المشهد الثقافي العربي المعاصر طالعتنا نفس الملامح الاستبدادية الموروثة، فلازالت سياسة فصل الضمائر الحية المتصلة مع بعضها البعض قائمة؛ فهي قائمة في التعليم بجميع أسلاكه، وفي جميع الوزارات العربية المنشغلة بهاجس أمنها وأمن حكامها وحلفائهم وأعوانهم في الداخل والخارج.

وحتى في المشهد الإعلامي العربي المكتوب خاصة الذي يسعى جاهدا للتخلص من عبء رقابة الرقيب على الأسماع والقلوب والأبصار والعقول لازال بينه وبين الإعلام الغربي الذي كاد أن يمسك هناك بخناق الفساد والمفسدين أمد بعيد وأشواط قانونية وإضافية.

ولنا في قصة الكاتب المغربي الساخر رشيد نيني التي تحدث عنها الأخ بلا فرنسية إشارة وعبرة. وربما تكون قد اختزلت تفاصيل كل ما عرضنا له في هذا الإدراج.

الاثنين، 11 فبراير 2008

جغرافية اللغة العربية وسياسة تجفيف المنابع

كتب يوم الخميس,حزيران 01, 2006

لا تتحدد قيمة الإنسان الحقيقية إلا من خلال كيانه اللغوي الذي ينتسب إليه، وكما يمكن أن نتحدث عن جغرافية الأوطان بتضاريسها ومناخها وسياستها واقتصادها وحضارتها وموروثها وقوتها وضعفها، كذلك يمكن أن نتحدث عن جغرافية اللغة، بما تمثله من أبعاد خطيرة لا ينبغي الاستهانة بها أو التقليل من أهميتها في تحقيق الانتماء الحقيقي الأكثر بقاء واستمرارا داخل رقعة مكانية ما، مهما اتسعت تلك الرقعة الجغرافية على أصحابها، أو ضاقت بهم، أو ضاقوا هم بها،لأن جغرافية اللغة أرحب دوما من جغرافية المكان.

إن جغرافية اللغة من جغرافية النفس والعقل والوجدان، وتلك مناطق غائرة وبعيدة لا تستطيع أي قوة في العالم أن ترصدها أو تعبرها أو تخترقها، خاصة عندما تكون محمية بجهاز صد داخلي منيع سليم من الأمراض والعلل.

لقد كان ظهور أمريكا بجبروتها العسكري وأطماعها الاستعمارية، على مسرح الأحداث داخل الوطن العربي، منذ احتلالها للعراق منذ ما يزيد على ثلاث سنوات، امتدادا طبيعيا للاستعمار الأوربي القديم لمعظم بلداننا العربية. ولا زالت آثار الاستعمار الأوربي القديم وجراحه التي لم تلتئم بعد، وعلله الكامنة والظاهرة قائمة داخل كل بلد من بلداننا العربية بقدر قد يزيد هنا أو ينقص هناك.

وقد انضافت إليها الآن، علل الغزو الأمريكي الأكثر جرحا وضررا وإيلاما في التاريخ العربي الحديث، بسبب توافق خط البيت الأبيض الأمريكي الحاكم، مع الخط الصهيوني في تعطيل جميع مصالح العرب والمسلمين، وتلفيق الحجج والذرائع، في كل مرة، لإطالة أمد الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين المغتصبة أكبر فترة ممكنة، ولبقاء أمريكا على أرض العرب والمسلمين ناهبة لثرواتهم، وجاثمة على صدورهم، إلى أن تحل داهية عظمى تذهلها عن نفسها وعنهم، أو ينفد مخزون النفط العربي، وعندها قد تحول خرطوم الشفط لديها إلى ناحية أخرى من هذا العالم.

وتلك كلها أسباب قوية خارجية عمقت في داخلنا شروخا وتصدعات كثيرة، هي السبب فيما نعانيه الآن من شعور بعدم التوافق بين جغرافية اللغة العربية وجغرافية المكان العربي.

ومعلوم أن حل جزء مهم من مشاكل أمتنا العربية والإسلامية متوقف على حل أم القضايا العربية والإسلامية، وهي القضية الفلسطينية، حلا عادلا منصفا يعيد الحق الطبيعي لأصحابه الطبيعيين.
وقد أثبت التاريخ العربي والإسلامي أن أحسن لحظات التوافق لدى المواطن العربي والمسلم، مع ذاته، ومع لغته، ومع ساسته وحكامه، ومع محيطه الخاص والعام، هي تلك اللحظات التي كانت تُرد فيها فلسطين خالصة إلى ديار العرب والمسلمين…

إن طرح قضية الخصوصية اللغوية داخل الوطن العربي في سياق الأزمة الحضارية العامة التي تجتازها أمتنا العربية من المحيط إلى الخليج، حق طبيعي ومبرر، كما الحق في الماء والهواء، غير أنه أصبح اليوم موضع شبهة، وقد يجر على صاحبه إذا ما قصد إثارته،إحراجا أو اتهاما يشعره بنوع من القلق والحيرة والتناقض مع ذاته ومحيطه؛

ومن مظاهر ذلك التناقض العجيب أن تجد نفسك محتاجا إلى الدفاع عن قضية اللغة العربية داخل بلدك العربي، إذ من المفروض أن لا يثار مثل هذا الموضوع أصلا داخل بلد يفترض فيه احترام خصوصيتنا اللغوية التي حملها وأوصلها إلينا الأجداد على مدى قرون طويلة من الكفاح والنضال.

ومن مظاهرها أيضا أن يجد كثير من المدونين العرب دوافع كثيرة للحديث عن هذا الموضوع الشائك في سياقات متعددة ولأسباب مختلفة.

أو أن يجد أحد المدونين نفسه مضطرا لاختيار عنوان مثير للفت الأنظار إلى هذه القضية، كعنوان مدونة أخينا أحمد التي جعل لها شعار ( بلا فرنسية )، وقد حرك عنوانه هذا توابع وزوابع، وجعله عرضة للشك والحيرة أو الريبة.

وتلك فقط محاولة متواضعة من أخينا أحمد لمقاومة النزوع الفرنكفوني المتغلغل في بلد المغرب. ولا يعني بالضرورة موقفا عدائيا من الثقافة الفرنسية الأصيلة التي غذت الثقافة العالمية في جوانب العلم والحياة والثقافة الرفيعة. وإنما قصد الأخ أحمد أن يعبر عن إحساسه. وهو إحساس يشعر به معظم المغاربة البسطاء العاديين تجاه معظم المؤسسات الرسمية التي لم تحترم شعورهم عندما اختارت أن تجعل من اللغة الفرنسية، رغم دستورية اللغة العربية في البلاد، لغتها الأم في معظم ما تصدره من وثائق، أو فيما تعالجه من معطيات تخص شؤون المواطنين المغاربة، أوفيما يدلي به مسؤولوها من خطابات (مفرنسة) لا يفهمها إلا قلة من المغاربة المتفرنسين أو مزدوجي اللغة.

وكثيرا ما يسبب هذا الموقف إحراجا للأبناء، عندما يطلب منهم آباؤهم (التقليديون) تعريب كلام أحد الوزراء أو أحد المسؤولين، أو ترجمة ما تصدره معظم وزاراتنا من وثائق أو فواتير، لا يكاد يميزها المغاربة الأميون أو محدودي التكوين إلا بحكم العادة، كما العميان عند تعودهم على الطرقات وحفظهم لمنعرجاتها وحفرها مع تكرار عبورهم ومرورهم بها في كل يوم ووقت …

ومن مظاهر ذلك التناقض أيضا أنك عندما تدلي ببطاقتك إلى أي موظف أو مسؤول حكومي، فإنه يقلبها ظهرا لبطن، ولا يعتد إلا بالبيانات الموثقة فيها بالفرنسية.

ومن مظاهر ذلك التناقض أيضا أن التعليم الخصوصي الذي بدأ ينتشر على نطاق واسع ليغطي كافة مراحل التكوين والتعليم بالمغرب، تعطى فيه الأولوية القصوى للغة الأجنبية، وتحول بوصلته وأهدافه بعيدا في اتجاه الخارج، بما يخدم مصلحة المستعمِر. وكأنه يحرث أو يزرع في غير أرضه.

فمعظم المنتسبين إلى مؤسسات التعليم الخصوصي من إداريين وأساتذة وطلبة وتلاميذ ناشئين وحتى آباؤهم الموسرين جدا، أو ميسوري الحال المتشبهين بهم والمتعلقين بأهدابهم ترفعا عن البقية العظمى من الفقراء والكادحين، لا يتواصلون فيما بينهم، في الغالب الأعم، إلا عبر اللغة الفرنسية خالصة أو ممزوجة ببعض الكلمات الدارجة، بحيث ينتابك أحيانا شعور بأنك في مقاطعة فرنسية، أو شبه فرنسية إذا لم تنتبه إلى جغرافية المكان من حولك.

وهنا تتجسد أمامك كل التناقضات القائمة بين جغرافية المكان وجغرافية اللغة، فحتى أسماء الأشخاص والأماكن العربية والمغربية تحرف وتحول عن أصولها لتتطابق مع مخارج الحروف اللاتينية؛ فاسم مراكش يتحول إلى (مَغَاكِش)، وعبد الباقي إلى ( أَبْدْ البَاكِي) وهكذا دواليك، فأي تناقض أكبر من هذا؟!!، وأي مسخ وطمس أكبر من هذا عندما تستعار حتى رطانة الأجانب وحتى ميوعتهم وحركاتهم وإشاراتهم… ؟!!

فعندما ظهر التعليم الخصوصي في المغرب إبان فترة الانتداب الفرنسي، أول مرة، عمل جاهدا على تقوية الحساسية اللغوية العربية وحمايتها رغم كل ما بذله المستعمِر من جهود مضنية لتعميم التفرنس بين المغاربة، حتى إذا أعياه الأمر نهج سياسة التفريق العنصري البغيض بين سكان المغرب العرب والبربر المتعايشين منذ القدم وإلى الأبد، من خلال الظهير البربري المشؤوم.

وتلك الروح الوطنية هي التي عمقت الشعور الوطني والحساسية اللغوية العربية بين أبناء المغرب في تلك المرحلة الحرجة، وفسحت المجال لظهور نخبة من رواد الحركة الفكرية والعلمية والأدبية والنقدية خلال مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. ولا زالت بصماتها واضحة على مجمل الحياة الثقافية العربية المغربية المعاصرة، ولا زال ألقها مشعا رغم مرور أزيد من نصف قرن.

وقد استطاعت تلك الحركة أن تستوعب ثقافة المستعمِر الأجنبي وتصهرها في حس لغوي أصيل، دون انفصال أو استلاب.

إن استشعار الخصوصية اللغوية العربية في الشارع، وفي البيت، وفي الإعلام، وعلى ألسنة حكامنا وساساتنا ومسئولينا ومثقفينا أبسط مطالب الشعوب العربية اليوم، بعد أن أعيتها مطالبها الكثيرة الأخرى في توفير فرص العمل والعيش الحر الكريم.

ولكن واقع الحال يجعل تلك الغاية بعيدة المنال الآن، مع إصرار حكوماتنا المتزايد على تكريس التبعية للآخر، ولوقوعها في فخ الهيمنة وكماشة صندوق النقد الدولي وغير الدولي، لتغدو الفرنكفونية في بلدان المغرب شكلا من أشكال تملق حكوماتنا للمستعمِر القوي المتغلب، الذي يجر وراءه سلسلة طويلة من الولاءات والتنازلات المتتالية التي قد تضع مبدأ الكرامة والعزة الوطنية في مهب الرياح العاتية القادمة من كل اتجاه وناحية.

ليس لدي أي موقف من الثقافة الأجنبية كيفما كان مصدرها، أقدر وأحترم كل ثقافات العالم على اختلاف لغاتها ولهجاتها ومللها ونحلها، فهي بمثابة الجداول الصغيرة التي تنطلق في جريانها من منبع واحد طبيعي أصيل، ولا بد لها أن تصب في نهاية انسيابها عند بحر الإنسانية الأعظم.

لكن ما أخشاه أن نعمل بوعي أو بجهل أو تهور، أو لحساب مصالح معجلة، أو حلول آنية ملفقة لا ينتبه إلى عواقبها الوخيمة، إلا بعد فوات الأوان عندما تصبح مناهلنا ومنابعنا اللغوية الأصيلة شحيحة أو جافة، وعندها لابد لنا أن نستجدي و نصطف على منابع الغير لإرواء ظمئنا على حساب سمعتنا وكرامتنا وعزتنا…

كان جبران خليل جبران الذي خدم اللغة الإنجليزية والأدب الإنكليزي والأمريكي بقدر خدمته للغة العربية وأدبها الحديث يقدر أهمية التواصل الثقافي بين الشعوب، على أن لا تتخلى عن انتمائها، وكان يُشبه صنيعه، فيما أنتجه من أدب وفن غزيرين بالشجرة الوارفة الظلال، تمد أغصانها إلى أبعد نقطة ممكنة، لكن تبقى جذورها راسخة في مكانها.

وقد ذكرني موقف جبران بموقف الزعيم الهندي غاندي الذي اتخذته الأخت المحترمة عايدة الخالدي شعارا لمدونتها ( آفاق ) على موقع ( مكتوب)، تقول فيه عن نفسها:
أقتدي بعظيم الهند غاندي، وأفتح نافذتي على كل الاتجاهات، دون أن أدع الريح تقتلعني من جذوري.

حيل اللغة وحقيقة الإنسان المُـقنًّـعة

كتب يوم الثلاثاء,أيار 02, 2006

يقوم سلوك الإنسان في التعامل مع العالم الخارجي المحيط به والسيطرة عليه على مبدأ جوهري عميق وسطحي بسيط في نفس الوقت، ويشترك فيه مع معظم المخلوقات الكونية التي تحرص جميعها على جلب الغذاء النافع لها، ودفع الخطر المحدق بها، للحفاظ على نقاء نوعها وبقاء سلالتها لأطول فترة ممكنة.

وهذا المبدأ هو مبدأ الحيل الغريزية التي أودعها الخالق فيها. وبه وحده تتمكن من مجابهة أعدائها والحفاظ على حياتها؛ ففرار الأرانب الضعيفة أمام السباع الضارية، وإن انطوى على جبن، في عرف البشر، مثال واحد على هذا المبدأ، وكذلك الأمر بالنسبة لسرطانات البحر التي تحمي جسمها الرطب داخل الهياكل الصدفية الجوفاء في قيعان البحار الموحشة، فهي مثال واحد آخر من بين عدد هائل من المخلوقات التي لا يُحصيها عدًّا ولا يُحيط بها علمًا غيرُ خالِقها الجبار الذي أودعها خفايا سره وبليغ حكمته، فتكون حيلُها التي هي سبب وجودها وبقائها بعدد أنواعها. وهل الإنسان بالنسبة لها إلا بمثابة حبة رمل من شاطئ، أو نقطة ماء من بحر، أو ذرة تراب من يابسة…!!؟؟

وتلك الأرانب الجبانة، في عين الإنسان، لم تستطع منذ أن خلقها الله، أن تعدل من سلوكها هذا أو تزيد فيه أو تنقص منه، وكذلك الأمر بالنسبة لسرطانات البحر التي لم تستطع أن تغير شيئا من عادتها في التخفي وتحمل أعباء جر الأصداف الثقيلة التي تضطر إلى تغييرها كلما ضاقت عن جسمها الذي ينمو داخلها.

وحده الإنسان يتمتع بالقدرة على التنكر خلف أقنعة كل المخلوقات البرية والبحرية والجوية، والتصرف فيها بالزيادة والحذف والتعديل، كما أوضحنا في بعض الإدراجات السابقة.(1)

ولأن الإنسان مخلوق من ضعف ونقص وجهل فسيبقى علمه ناقصا على الدوام، فكان التحايل على ضعفه وعلى نقصه وعلى جهله أهم حافز لديه لبلوغ نوع من الكمال النسبي فقط، عندما يقاس إلى سابقه الذي سرعان ما يَجُبُّه لاحقُه. أما الكمال المطلق فلن يبلغه أبدا، وإلا لو كان تقدمه وتحضره دليلا على نضجه واكتماله لكف عن الحروب وسفك الدماء منذ زمان، بل إن اختراعه لسلاح فتاك يجره دوما إلى صنع ما هو أشد بأسا وفتكا…!! وقس على ذلك سائر مبتكراته ومخترعاته التي يدل لاحقها على نقص السابق منها…

إن عقل الإنسان مثل تلك الثمرة التي تنمو وتكبر ولكنها لن تنضج أبدا، لأن مصالح كل العباد متوقفة على نقصهم وضعفهم وحاجتهم إلى غيرهم في كل زمان ومكان.

ولو بلغ الإنسان الكمال لتعطل العلم والعمل منذ زمان، وما عادت هناك حاجة ماسة إلى مدرسة أو معلم، أو أقلام أو كتب أو أجهزة أو برامج أو حواسب….

ولا مجال الآن للاندهاش أمام منجزات الإنسان الجبارة والهائلة في عالم التقنية والاتصال، وفي كل ما اخترعه حتى اليوم أو ما يمكن أن يبتكره في الغد القريب أو البعيد من أجهزة وآلات يستعيض بها كل مرة عن حالة من حالات ضعفه أو نقصه أو جهله؛ فكل منجز تقني بشري على هذه الأرض وفي محيط فلكها الذي اهتدى إليه الآن ما هو في الحقيقة إلا امتداد لعقله الذي لازال يتعلم من جهله، ولذاته الضعيفة والناقصة التي يسعى دائما جاهدا ليخلق لها وسائط، ويجعل لها امتدادات تخترق حدود الزمان والمكان؛ أو ليست وسائل الاستشعار الآلي وأجهزة الاتصال السمعي والبصري الفضائي الرقمي المتطور إلا امتدادات لعقله وسمعه وبصره، فغدا (أعقل) وأسمع وأبصر مما كان، وهل الرافعات الضخمة إلا امتداد لذراعيه، فغدا أقوى مما كان، وهل السيارات والبواخر والطائرات النفاثة والصواريخ والأقمار الاصطناعية السابحة في الفضاءات البعيدة إلا امتداد لقدميه، حتى غدا أسرع مما كان…؟!!

ومع الأسف الشديد، فهناك ميل لدى حكوماتنا وهيئاتنا الثقافية والعلمية والدينية إلى تهويل أمر العلم والابتكار على شعوبها، بسبب احتكارها للمعرفة والثقافة ووسائطها المختلفة والحساسة؛ من صحافة وإعلام ومؤسسات البحث العلمي، وتقنينها بما يوافق طموحاتها وأطماعها ومصالحها التي كثيرا ما تتعارض مع مصالح الشعوب العربية ورغباتها، وممارسة أشكال الإقصاء البيروقراطي لصالح حفنة من المتنفذين والمنتفعين والوصوليين الذين يدورون في فلكها كالطحالب السامة التي تعيق وتشل حركة المثقفين الأحرار الشرفاء من هذه الأمة الذين ينفرون بطبعم المتأصل فيهم من طقوس الولاءات والانحناءات، مما جعل كثيرا منهم يفرون إلى عالم التدوين والكتابة الافتراضية على مواقع الشبكة العنكبوتية.

إن جهاز الحاسوب الذي أكتب بواسطته الآن هذا الإدراج مثلا، هو بالضرورة امتداد لعقلي وحواسي التي أودعها الله في جسمي الضعيف قبل أن أعي حقيقة ذاتي وكياني، وعندما أرسل هذا الإدراج على الشبكة العنكبوتية يصبح لدى قارئه بمثابة البداية لما انتهيت إليه عند الفراغ منه، وخلاصة المخاض الذي مررت به في تلك الأوقات العسيرة التي تقع عند حدود المسافة الزمنية الفاصلة بين تسويده وتبييضه.

فهذا الإدراج صلة وصل بيني وبينك أيها القارئ الكريم، على رغم ما قد يكون بيننا من تباعد في المكان، وتباين في الطباع والأمزجة، واختلاف في الأهداف المتوخاة والأقنعة المستعارة، غير أنه يمثل لي الآن حاجة ورغبة؛

أما الحاجة ففي بحثي عن وضوح أفكاري من خلال اللغة التي أكتب بها هذا الإدراج، وهذا في حد ذاته جوهر هدفي الذي يمكنني من مقاومة حالة الغموض التي تكتنفني قبل كل كتابة، فالكتابة حرب مستمرة على حالة الغموض التي تعتري كياننا الداخلي. وكل الكتابات المنجزة إلى الآن هي انتصارات على حالات الغموض التي اعترت مَن كان قبلنا. ودائرة الوضوح لدينا تزداد بمقدار اطلاعنا على تجارب غيرنا من الأحياء والأموات، والاستنارة بأفكارهم التي تعبوا في إخراجها من حيز العدم إلى حيز الوجود.

أما رغبتي فتتمثل في نقل هذا الوضوح إليك على النحو الذي انتهيت إليه الآن، كما كان يفعل أسلافنا من خلال تراثهم الذي أوصلوه إلينا بخطوط أناملهم الرشيقة، وقد يكون تفاعلك أو تعليقك على هذا الإدراج وسيلة للمقايسة التي تريني حقيقة فهمي في مرآة عقلك، ودرجة وضوحي بالقياس إلى نبراس فهمك، كما كان يفعل أسلافنا من خلال طررهم وحواشيهم التي ذيلوا بها كتب السابقين، فلا فرق بيننا وبينهم إلا في نوع الحيلة والوسيلة، ولا فرق بين وجه ورقة مخطوط نالت منه الأرضة والرطوبة أو سطح شاشة حاسب مضيء نقي أملس.

وعلى ضوء هذا المبدأ نستطيع أن نفهم حاجة الإنسان الفرد إلى غيره في كل الأوضاع والأحوال، وافتقار الشعوب إلى بعضها في السراء والضراء. وعلى هذا المبدأ أيضا تنشأ جميع العلاقات الفردية والجماعية والإنسانية، وتتحدد معظم الأهداف والغايات، وتُقضى كل المآرب والحاجات…!!

لقد جعل الإنسان بين رغباته وحاجاته ورغبات الآخرين وحاجاتهم شروطا وقوانين ووسائط شتى ما هي، في الواقع، إلا مجموعة أسباب وذرائع وحيل يقدمها كل واحد منا بين يديه، لتلبية رغبة أو قضاء حاجة، وعلى قدر تلك الحيل والذرائع وكثرتها وانتظامها ونجاعتها وفائدتها لعموم البشرية تتحدد إنسانيته، ويقاس مدى نجاحه أو فشله، ويحدد موقعه بين إنسانيته وحيوانيته، عند طرفي متناقضات شتى تتراوح بين سرعة أو إبطاء، وبين قوة أو ضعف، وبين سمو أو سخف، وبين عزة أو مهانة…. إلى آخر الثنائيات المتضادة التي تحكم واقع الإنسان في هذا الكون المحدود بجاذبيته وانجذابه، بمائه وناره، وبهوائه وترابه، ويبسه ورطوبته، وبعفونته وطراوته، وبقسوته ولينه، وبعدله وظلمه، وبضعفه وجبروته…

وما دمنا قد أثرنا في الإدراج السابق قضية اللغة العربية، فإن اللغة بشكل عام أهم تلك الحيل والوسائط الناجعة التي يقدمها الإنسان العربي المدون اليوم بين يديه سفيرا لدى قرائه الافتراضيين من مختلف الدول العربية، لمد حالة الوضوح حول ذواتنا المنعزلة، و قضايانا الكثيرة الملتبسة.

وأن يتوصل كل فرد عربي إلى توضيح حقيقة نفسه وحقيقة محيطه العربي الخاص والعام بلغة عربية تحترم شروط الصحة والسلامة اللغوية، وبأسلوب رشيق قريب إلى الأفهام حتى يظنه القارئ أسلوبا عاديا، وإذا رام تقليده تبلد وحار وأصبح لديه مستعصيا أمر عظيم الأهمية، لما نراه اليوم من اختلال وتباين واضحين في أساليب كثير من المدونين يفضح بشكل سافر عُوارهم ونقصهم، وقصر باعهم في شأن اللغة العربية؛ فهما وأسلوبا وأداء وإملاء.

وإذا اتحدت أساليب المدونين العرب اليوم على نهج لغوي ثابت مفهوم ومقبول، ومتساو إلى حد معين في تحقيق شروط الصحة اللغوية، كما كان الأمر بالنسبة لأسلافنا من المحيط إلى الخليج رغم ما ابتلوا به أيضا من آفات وحروب ومضايقات وأزمات، يمكن أن تبدأ حياة جديدة لثقافة التدوين العربية تليق بحقيقة اللغة العربية الصافية النقية التي غابت عن كثير من المدونات العربية.

ورغم ما تتميز به المدونات العربية من حرية وذاتية وموضوعية وجرأة وصراحة، وابتعاد عن طقوس الولاءات السياسية والسلطوية التي طالما احتكرت عقول الناس وعواطفهم، وأرهبتهم وأرعبتهم ببلاغة الكتاب المأجورين، غير أنها تفتقر اليوم إلى القواعد اللغوية السليمة التي يحرص عليها أعداؤنا في لغتهم أشد الحرص.

وقلما أقرأ مدونة عربية دون أن أسجل عليها جملة لا بأس بها من الأخطاء اللغوية والتعبيرية التي كثيرا ما تسبب بعض الامتعاض لدي، رغم أهمية موضوعاتها، ورغم ما يبديه أصحابها من عواطف وصراحة، وسداد رأي، لكن صواب الفكرة يبقى من صواب العبارة…

إن حيل اللغة العربية ووجوه التصرف في ألفاظها ومعانيها وبلاغتها لتمثل بالنسبة للقارئ والكاتب العربيين متسعا رحبا لا يمكن أن يضيق على كليهما في أي وقت إذا أحسنا الاطلاع، ولكل واحد منهما كامل الحظ للولوج بالتعبير اللغوي العربي والمناورة به حتى عند أضيق المسالك والمنعرجات. لكن، لمن أدام النظر وسلك كل دروب المعاني القريبة والبعيدة، ومرن نفسه على قراءة النصوص العالية والمتوسطة والعادية، ليكون لديه رصيد المعرفة بطرق الأداء كبيرا ومتنوعا ينفق منه عند الحاجة كيف يشاء..
————–
هامش:
(1) راجع إدراجنا السابق: ( الإنسان ذلك الحيوان المقنع).

أزمة لغة عربية أم أزمة حكومات عربية؟

كتب يوم السبت,نيسان 29, 2006

أزمة اللغة العربية اليوم جزء من أزمة الحكومات العربية؛ في ضعفها وتخلفها وتشرذمها، وغياب وعيها بذاتها، واتساع الهوة بينها وبين شعوبها، وانشغالها الزائد بهاجس أمنها الذي كاد يغطي على مجمل سياستها المرتبطة في الغالب بدرء المخاطر عنها، وجلب المصالح لنفسها ولمحيطها ولأتباعها ولحلفائها في الداخل والخارج، ولإطالة أمدها في الحكم أكبر وقت ممكن رغم استبدادها وإخفاقاتها الكثيرة التي تضطرها دوما إلى تكميم الأفواه المعارضة المطالبة بضرورة الإصلاح الشامل، وشل الأيادي النقية التي تشير إلى مواطن الخلل والزلل، بدل الإذعان للحق والاعتراف بالتقصير أو الخطأ الذي كثيرا ما يترتب عن نتائجه في البلدان الديمقراطية التي تحترم إرادة شعوبها استقلال واعتذار المسؤول، وانسحابه من الحياة السياسية بأقل الخسائر الممكنة التي يمكن أن تتفاقم إذا ما أصر على البقاء في منصبه وعناده رغم اعتراض المعترضين، كما هو حال معظم حكامنا وساساتنا ومسؤولينا. ولولا القدر وحتمية الموت لبقوا في مناصبهم أبد الدهر، مخلدين فيها دوما وأبدا، شاء من شاء وأبى من أبى..!!

في الماضي البعيد والقريب كان مجمل التاريخ العربي ملكا للحكومات العربية بامتياز،لا تحتل فيه الشعوب العربية إلا تلك الأدوار الصغيرة التي تشبه دور الممثلين الثانويين البسطاء(الكمبارص) في الأفلام السينمائية الكبيرة التي تتطلب حشودا ضخمة تملأ فضاء الشاشة، وتضفي على مواقف البطل هيبة وجلالا عند ظهوره أو عبوره، من خلال الهتاف والتصفيق والصراخ،أو التلويح الجماعي الكبشي أو الببغائي بالتحية من بعيد..

وكان ولاء المؤرخين والأدباء والشعراء العرب لحكامهم وأولياء نعمتهم كبيرا وكافيا ليجعل من كتاباتهم التاريخية وأعمالهم الأدبية مرهونة على الدوام بمناسبات الحكام البهية المشرقة على الدوام رغم كل هزائمهم وانتكاساتهم، وما سببوه من إحباطات كثيرة لشعوبهم..

ورغم ذلك الذوبان الكبير الذي أبداه كثير من المؤرخين والشعراء والأدباء والعلماء أمام حكامهم لدرجة انمحاء شخصيتهم تماما، وتحولهم إلى أشباح ودمى فاقدة لكل حس أو شعور، في كثير من الأحيان، فقد كان ملاذهم ومفزعهم الأخير إلى اللغة العربية، فيعملون على تنميقها وتجويدها وتجريب كل إمكانيات التفنن البلاغي والصناعي الممكنة والمتاحة من خلالها، كل بحسب اطلاعه وتحصيله واقتداره، وصولا بها إلى أقصى درجات النضج والكمال.

وعندما طويت صفحة أولئك الحكام من الوجود بقيت كتاباتهم، بغض النظر عن نوعية مضامينها السلطوية، دالة على اقتدارهم اللغوي والتعبيري..

ورغم ما شاب كلام تلك الطبقة العالمة والمثقفة من تملق وتزلف ومبالغات ومزايدات كثيرا ما عملت على طمس حق وإعلاء باطل، و تهوين الظلم وتجميل الهزائم.. فلا أحد منا الآن يستطيع أن ينكر فضل أولئك الحكام الأسلاف، على الأقل في شحذ همم تلك الطبقة المحظوظة، وتفتيق قرائحها في مضمار اللغة العربية الذي لا تحده حدود.

غير أن مضمار اللغة العربية شاق وعسير، ويحتاج إلى ترويض كبير من جانب المتكلم والكاتب ليبدع، ومن جانب المستمع أو القارئ ليفهم وليستمتع.

لذلك كانت مهمة إعداد وتربية أولئك الحكام لأبنائهم ولأعوانهم المقربين تناط بكبار المثقفين والمتخصصين في مجال اللغة العربية نطقا وكتابة وتعبيرا، وفي مجال علومها المختلفة من شريعة وآداب وعلوم شتى اطلاعا وفهما وتدقيقا.

وكثيرا ما اقترنت أسماء بعض الحكام المشهورين بأسماء بعض شعرائهم وعلمائهم وفلاسفتهم على نحو ما هو معروف مثلا من ارتباط اسم هارون الرشيد بالأصمعي، والمهدي بالمفضل الضبي، وسيف الدولة بالمتنبي، وصلاح الدين الأيوبي بالقاضي الفاضل، والمنصور الموحدي بابن رشد قبل نكبته وهلم جرا، كما كانت معظم المؤلفات العربية المشهورة تمهر بأسماء الحكام أو أعوانهم المقربين.

وإذا أبدى أحد الحكام إعراضا عن التعلم والتأدب وإتقان اللغة العربية، أو لحنا أو ضعفا، أو ركونا بينا إلى الخمول والدعة كان ذلك سببا كافيا لإقصائه أو عزله من الحكم، كما هو حال الخلفاء الموحدين مثلا الذين ارتبطت دعوتهم المشهورة ارتباطا وثيقا بعقيدة التوحيد التي لا تخلو من بعض العمق والتعقيد، كما أوضحنا في بعض الإدراجات السابقة.

أما اليوم فقد أصبحت الفرنكفونية والأنجلوسكسونية علامة بارزة تطبع معظم سلوك حكامنا العرب شرقا وغربا؛ في حياتهم وعاداتهم، وفي لغتهم ولكنتهم، وفي طباعهم وأمزجتهم تجعل الألفة بينهم وبين نظرائهم الفرنسيين أو الإنجليز أو الأمريكيين متمكنة أكثر من أي وقت مضى.

أو لم يرضعوا في الغالب من أثداء استعمارية واحدة فتأصلت فيهم طباع متماثلة هي طباع التبعية الغريزية التي عمموها على شعوبهم أيضا من خلال برامجهم وسياستهم، وفرضوها على واقع الأمة العربية حتى ضعفت صلتنا بلغتنا الأم الأصلية، واختلطت طباعنا وأمزجتنا الحقيقية بكل بديل غريب وأجنبي دخيل..!!!.

وقد يكفي الواحد منا أن يتطلع إلى مشهد مراسيم الاستقبال والتوديع لحكامنا التي تغطي في الغالب على مشاريع وانتظارات شعوبهم الحقيقية في الإصلاح والبناء، وكلمات الترحيب المتبادلة بينهم وبين نظرائهم الغربيين التي قلما تحتاج إلى ترجمان من جانبنا، ولكنها تحتاج إلى ترجمة شفوية فورية من جانبهم أو نصية تطبع على الشريط المنزلق أسفل شاشات تلفزيوناتهم، إمعانا في ترسيخ التبعية للخارج وتوسيع هامش التباين والتباعد في الداخل بين واقع حكامنا وواقع شعوبهم.

وهاهم فرنكفونيو المغرب يقيمون على أرضهم الامتحان الوطني للإملاء الفرنسي، إسهاما منهم في الحفاظ على نقاء اللغة الفرنسية خارج حدودها، في صفوف أجيالنا الصاعدة، في الوقت الذي تقتل فيه اللغة العربية يوميا من خلال التساهل المفرط في نحوها وصرفها وتركيبها على ألسنة وزرائنا والقيمين على شؤون بلداننا، على مرأى ومسمع الجميع، وفي كل المشهد الثقافي العربي المهجن، ولا من يسأل ولا من يجيب…!!