‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أدبية ونقدية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أدبية ونقدية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 24 فبراير 2008

ملاحظات على منام الوهراني

- نجد في منام الوهراني أربع إشارات مهمة متعلقة ببعض تفاصيل سيرته؛ في الأولى إقرار صريح بمغربيته، وفي الثانية إفادة بأنه رجل فقيه ومن حفظة القرآن، وفي الثالثة إشارة تاريخية بأن الوهراني كان بدمشق أو نواحيها في حدود سنة 553 هجرية. أما الإشارة الرابعة فتصنفه ضمن كتاب المقامات الساخرة.

- من القضايا التي عالجها الوهراني في هذا الفصل: انتقاده لمذهب النحويين في تفسير بعض القضايا النحوية كترخيم النداء، واعتراضه بطريقته الساخرة على أسلوب الكتاب في عصره الذين جنح أكثرهم إلى التنميق والتزويق الفارغ من المحتوى الممتع أو المفيد.

- وفي مواقف الوهراني الساخرة، سواء في منامه هذا أو في مقاماته ورسائله، قدر كبير من الجرأة والسخرية "الكاريكاتورية"؛ ومع أن أحداث المنام تجري يوم الحشر، وهو موقف مهيب ومحفوف بالقداسة غير أن ذلك لم يمنعه من زج بعض الشخصيات المشهورة والمغمورة التي شهدها أو التقى بها في عصره أو التي عرفها من خلال التاريخ في مواقف ومشاهد تعج بكثير من السخف والمجون، بل حتى شخصيات الملائكة والخزنة التي صورها في منامه لم تسلم من تطاوله وسلاطة لسانه. ولكن كل ذلك يعرضه الوهراني من وراء المنام كقناع أوذريعة في وجه النقد ومقص الرقابة؛ فمن يقدر أن يحاكمه على ما يقوله من كلام على لسان شخوصه، أو من خلال ما يفتعله من مواقف ومشاهد في المنام. ثم أو ليس المنام مجرد تهيؤات وخيالات، رغم ما قد يصاحبها من لغو وهرطقة وهذيان. ثم أليس النوم نفسه وما يجري فيه درجة من درجات الموت.؟! فمن يقدر أن يحاسبه على موته الذي قد ينتعش بالمنام، كما ينتعش الأحياء الأموات في الواقع المتردي والحال المائل بالتمني والترجي، كما تسند الحيطان والسقوف المتداعية في الأحياء الفقيرة الهشة بألواح الخشب.

لقد حول الوهراني بخياله الجامع هذا المنام إلى يوم قيامة مصغر، على مقاسه ومقاس كثير من الشخصيات والأسماء المعروفة بالملامح والصفات وبالأقوال والأفعال. وقد أعمل الحيلة الفنية لاستدراجها واستدعائها بالتدريج حسب ما يتطلبه منطق الحكي والسرد إلى منامه بأسلوب ساخر فني متميز. وهذا الأسلوب الذي قل سالكوه في تراثنا العربي القديم والحديث أيضا كان ينظر إليه في تراثنا الأدبي على أنه فاكهة الأدباء ونتاج قريحة الظرفاء المبدعين الذين يشكلون القلة القليلة التي كثيرا ما ينظر إليها باحتقار وازدراء. لأنها قد تصيب بسهامها الحادة كبد الحقيقة المضمرة بالتدليس والتمويه، وتعري وتفضح كثيرا من الناس الذي يدعون الطهر والفضيلة ظاهرا، وهم في الحقيقة والباطن من أشر وأوسخ خلق الله.

وإذافرضنا أن المنام مجرد خيالات وأوهام فإنه مع ذلك يرشح بحديث النفس وفيضها. إن لم يكن عبارة عن صورة متشظية لواقع مر عاشه الوهراني الذي لم تنصفه الحياة فعاش على الهامش .

فوراء قناع المنام إذن، تكمن مواقف الوهراني الجريئة في كشف حقائق الأمور حول كثير من القضايا السياسية والاجتماعية والأدبية والفكرية في عصره وفي التاريخ عن طريق اختيار المشاهد والمواقف الدالة برمزيتها الشفافة أحيانا وبوقاحتها التي تخدش حياء القارئ وتستفزه تارة أخرى.

وفي هذا الفصل كما في الفصول اللاحقة مزج غريب بين المقدس والمدنس، وبين المكشوف والمستور في سلوك الفرد والجماعة، في اللحظة ذاتها وفي التاريخ.

لقد نجح الوهراني في توظيف المنام توظيفا فنيا بارعا ليصبح عنده أشبه ما يكون بشاشة افتراضية عملاقة تنعكس عليها مفارقات الواقع الشخصي والحياتي من حوله عبر الحوار المركب وحول طريقة بناء المشاهد والخلفيات، وعبر حركة الشخوص في تدافعهم وإقبالهم وإدبارهم واختفائهم من الشاشة، تماما كما يحدث في أي شريط سنمائي عجائبي أو رواية "فانتازمية".
يمكن قراءة متن منام الوهراني كاملا في مدونتنا المتخصصة بنقر الرابط التالي:
منام الوهراني: (النص الكامل)

الجمعة، 22 فبراير 2008

منام الوهراني نموذج المسرح العربي التراثي الساخر

قراءة تمهيدية:

عطفا على الإدراج السابق الذي وعدنا فيه بعرض وتقديم بعض النصوص والمتون التراثية التي تنتمي إلى ما أطلقنا عليه: أدب الظل أو “الأدب المستريح”، يسرنا أن نقدم لزوار ومتتبعي هذه المدونة الكرام متن (المنام الكبير) الذي أبدعه منذ حوالي تسعة قرون الكاتب المغمور ركن الدين الوهراني المتوفى سنة 575 هجرية.

وقد سبق لنا في هذه المدونة أن عرفنا بركن الدين الوهراني هذا في ديباجة إدراج عرضنا فيه رسالة واحدة من رسائله الهزلية. وكنا قبل ذلك قد استوحينا إدراجا آخر من الروح الساخرة الفذة التي تميز بها هذا الكاتب، كما قدمنا دراسة مفصلة مطولة قارنا فيها بين عمل المعري في رسالة الغفران وعمل الوهراني في المنام، لأنهما معا استلهما فكرة العالم الآخر ليس كقضية دينية أو ميتافيزقية، وإنما كعمل أدبي فني خالص.

وقد وردت علي منذ ذلك الوقت رسائل عديدة يستفسر أصحابها عن مزيد من المعلومات عن عن متن (المنام الكبير) للوهراني؛ أين يوجد وما السبيل إلى الاهتداء إليه؟؟.
وهو استفسار معقول ومقبول من لدن القراء العاديين الذين تصفحوا هذه المدونة، وحتى من لدن كثير من الباحثين والدارسين المتخصصين المتعطشين إلى كل ما هو غريب وجديد، ولكنهم قد يجدون صعوبة كبيرة في التعرف على مناطق الظل في تراثنا العربي حيث تقبع وتستريح كثير من المتون الأدبية المغتربة أو المُغربة التي لم ينفض عنها الغبار حتى يومنا هذا…

وقد كان حظ المنام رغم طرافته وخصوصياته الفنية الكثيرة كحظ صاحبه من حيث سوء البخت وانعدام الاهتمام في حياته وبعد مماته للعوامل التي ذكرناها في الإدراج السابق لخلل في نوع العلاقة التي تنظم المهمشين في عالمنا العربي بالمتنفذين وبعلية القوم..

ومنذ أن قام الباحثان إبراهيم شعلان ومحمد نغش بتحرير أعمال الوهراني الأدبية في الكتاب الذي يحمل اسم (منامات الوهراني ومقاماته ورسائله) والذي طبع في 308 صفحة، سنة 1968 تحت عناية وزارة الثقافة في الزمن القصير للجمهورية العربية المتحدة، عن دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، لم يتجدد طبع متن الوهراني الأدبي مع الأسف، فانقطعت صلته بالناس باستثناء قلة قليلة من المهتمين بفن هذا الرجل.

ونحن هنا ننوه بالمجهود الذي بذله المحققان في إخراج نصوص الوهراني الأولى من حيزها المخطوط إلى حيزها المطبوع، وتصحيحها وضبطها انطلاقا مما توفر لهما في ذلك الوقت من مصادر مخطوطة رغم العلات التي شابت عملهما هذا .

وحتى يأخذ منام الوهراني حظه الوافي من الوضوح والاهتمام لدى قراء هذه المدونة أيضا فقد عمدنا إلى عزله من مجموع أعمال وكتاباته الأخرى التي تضم مقامات ورسائل منوعة في مضامينها وأشكالها، وتكون تارة طويلة جدا وتارة قصيرة جدا. وبذلك يأخذ المنام طابع الاستقلال والتميز والخصوصية بتركيز الأضواء عليه وحده دون سواه.

وبما أن نـَفس الوهراني قريب من الكتابة المسرحية الحديثة من حيث توظيف الرمز والسخرية، ومن حيث البساطة والارتجال، ومن حيث الجرأة والصراحة، ومن حيث اعتماد أسلوب الحوار وتعدد المشاهد واللوحات والخلفيات فقد قدمنا هذا النص بطريقة تختلف تماما عن طريقة المحققين المذكورين. فقدعرضا متن المنام ككتلة كلامية واحدة دون أن ينتبها لخصائص الكتابة الحوارية.

وعلى العموم، فقد نهج الوهراني في منامه أسلوبا جديدا في المعالجة الأدبية والسرد. ولو كان يعيش بين ظهرانينا اليوم لأدرج ضمن أعظم الكتاب المسرحيين.

وإن غياب مفهوم كلمة “المسرح” في تراثنا العربي النقدي من الناحية النظرية لا ينفي حضور هذا المسرح كتصور بكر وخصب مجسد من خلال كثير من المتون والنصوص من الناحية العملية الآبداعية، ولو اعتبر ذلك الحضور كحد أدنى من المسرح، كمسرح بالمفهوم المعاصر، أو حتى كمجرد إرهاصات أو محاولات تجريبية أولية في حقل الإبداع الفني المتميز.

ومن عيوب النقد العربي القديم أنه لا يتسع للمتن الأدبي المستريح الهامشي، بل إنه يكاد لا يتسع إلا للمتن الأدبي الذي يسير في ركاب السلطة ويمسك بتلابيبها، كما أوضحنا في الإدراج السابق. ومن هنا كانت الضربة القاضية لكل الأنواع الأدبية العربية والمتون التي أنتجها أصحابها على هامش الحياة الدنيا التي لا تروق لذوي الفضل والتميز، أو لأنها ابتعدت كثيرا عن مألوفهم وعن قواعدهم وضوابطهم المعيارية التي لا يزيغ عنها إلا مغامر أو مهمش أو هالك.

وبما أن متن مسرحية المنام، إذا جاز لنا أن ننسبه إلى جنس المسرح، متن طويل أيضا فقد آثرنا تقديمه في مجموعة فصول سنعمل على إدراجها تباعا. كما قسمنا كل فصل إلى مجموعة مشاهد منسجمة مع طبيعة الشخصيات التي تكون فيه، كما سنعمل على تذييل كل فصل من فصول المنام بلائحة من الهوامش المرقمة بغية الشرح والتوجيه.

يعمد الوهراني إلى إعمال الحيلة لاستدراج المخاطب القريب الحاضر الذي هو صديقه (العليمي) والمخاطب الغائب الذي هو القارئ المفترض إلى عالم المنام بأهواله وأحداثه عن طريق افتعال النوم أو التناوم. ثم يرخي العنان بعد ذلك لسرده العجيب الذي تجري وقائعه في العالم الآخر، وفي لحظة حاسمة عند الحشر والنفخ في الصور حيث إرادة الله تحكم وتتحكم، وحيث الملائكة والخزنة، وحيث الميزان العظيم الذي توزن فيه أعمال البشر ليفوز من يفوز بعبور الصراط إلى الحوض والنعيم والرحمة، وليخيب من يخيب ليقع ويتردى في مهاوي جهنم وفي العذاب والشقاء.

ويستدعي الوهراني إلى منامه هذا مجموعة من الشخصيات يقحمها في سياقات ومواقف تفيض بالنقد اللاذع والسخرية التي تصل إلى حد التطاول والوقوع في المحظور الشرعي أحيانا، كما قد يستنتج من القراءة السطحية الأولى.
ويجمع المنام إلى جانب شخصيات عصره الحقيقية المعروفة المثبتة في كتب التراجم والأعلام والوفيات شخصيات مغمورة لا نقف لها على أي أثر في الكتب، وربما يكون الوهراني قد التقاها في حياته التي بدأها في المغرب وأنهاها في المشرق.

ومن هذا المزج الغريب في الشخصيات بين المُعرف والنكرة، وبين تداعيات التاريخ والأحداث التي عاصرها والتجارب الشخصية التي عاناها، وبين الواقع والخيال والممكن والمستحيل والأنا والآخر والشعر والنثر والموت والحياة والبعث والنشور تنبع كل تناقضات البوح والحكي في كشكول سرد الوهراني.

- من القضايا التي عالجها الوهراني في منامه: فساد القضاء، القيم، المحسوبية والفوارق الطبقية، الأمراض الاجتماعية والأخلاقية كالزنا واللواط، وأدب خطاب السادة والأعيان على سبيل الاستهزاء وغير ذلك من القضايا التي يمكن أن يستنتجها كل قارئ لبيب، كما عرض الوهراني موقفه من بعض القضايا الخلافية والسياسية، كموقفه صراع الأمويين والشيعة، والصوفية، والفاطميين والأيوبيين وغير ذلك.

- لقد عملنا على حذف الديباجة التي وضعها الوهراني لمنامه التي لا تختلف كثيرا عن أسلوب الرسائل السلطانية أو الإخوانية المعروفة بمبالغتها في التودد والإطراء ومن التكلف والرياء. وكأن منام الوهراني الذي جاء بعدها مباشرة هو المعادل الموضوعي لتلك الكتابات والمراسلات التي يقوم جزء كبير منها على النفاق الأخلاقي والاجتماعي والسياسي والثقافي، وكأن الوهراني نفسه المهمش في الظل هو المعادل الموضوعي لكل الكتاب البلاطيين المنعمين الذين سلطت عليهم كل أضواء العناية والشهرة، وعلى رأسهم القاضي الفاضل والعماد الأصفهاني في عصره.

ويمكن قراءة متن المنام كاملا في مدونتنا المتخصصة على الرابط التالي:
منام الوهراني: (النص الكامل)

الثلاثاء، 19 فبراير 2008

أدب الظل أو الأدب المستريح

بعيدا عن أدب الطاعة والولاء الذي قيل في حضرة السادة المبجلين من الخلفاء والملوك والوزراء والأعيان، نجد نوعا آخر يسير معه بالتوازي لكن كالظل الشاحب. ويمكن أن نطلق عليه أدب العتمة أو الأدب المستريح.

وكلمة المستريح التي وصفنا بها هذا النوع من الأدب نعني بها قدرة الكاتب أو الشاعر على التخفف من كافة الارتباطات والتوجيهات الخارجية بحيث يكون في وضعية درجة الصفر لا له ولا عليه، وبحيث يمكنه في أي وقت وحين أن يطلق العنان لجميع زفراته الحارة والباردة، كما هي في الواقع والحقيقة، لا كما يراد لها قسرا أن تكون.

وهذا النوع من الأدب المستريح لم يجد له في بيئة النقد العربي القديم، مع الأسف، من الاهتمام ما ينفض عنه غبار الإهمال والنسيان؛ لأن اهتمام معظم النقاد العرب القدامى الذين يتهمهم بعض المستشرقين بأنهم من طينة (البلاطيين)، شأنهم كشأن الشعراء والكتاب المأجورين، كان منصبا من حيث المنطلق والأساس على النصوص والمتون الأدبية التي أنتجها أصحابها المحظوظون في حضرة السلاطين أو باسمهم أو تحت وصايتهم وعهدتهم، فسلطوا عليها لأجل ذلك الأضواء وحازت لوحدها بكل ما يمكن أن يكون في الأدب من فضيلة أومزية.

فقد حدثتنا بعض كتب التراجم أن خلقا من الشعراء كانوا كالملوك يأكلون بملاعق الذهب ويملكون القصور والضيعات والحشم والخدم، ويركبون البرذون(1) الفاره الذي يمكن أن نشبهه في عصرنا الحالي بسيارة( الليموزوين) الطويلة العريضة التي لا تركبها إلا طبقة معينة من الناس اختصت بالمال والوجاهة والوسامة والجمال، ولا ترى إلا من بعيد أو عبر شاشات التلفزيون.

ومما لاشك فيه أن القدرة على الهجاء لدى الشاعر المحنك كالقدرة على المدح، فهما عنده سيان، غير أن بريق المال كالحب الشديد يصم ويُعمي ويذهل صاحبه عن نفسه وعن الحقيقة المرة من حوله وعن الوجود.

والطمع قد غير كثيرا من طباع شعراء العربية، وحولها عن سجيتها الأولى الحقيقية إلى الثانية المزيفة أو المزورة. قال أحد الشعراء مهددا أحد الممدوحين بهذه الحقيقة التي يقتنع بها الممدوحون في قرارة أنفسهم، ومعبرا في نفس الوقت عن التركيبة المزدوجة التي تجعل كثيرا من الشعراء يداهنون ويظهرون غير ما يضمرون:

لا تأمنن النفثة من شاعر ما دام حيا سالما ناطقــــا

فإن من يمدحكم كاذبـــــا يحسن أن يهجوكم صادقا

إن لعبة الأدب أو الإبداع المأجور لعبة مفضوحة مكشوفة رغم انشغال محللي الخطاب الأدبي في القديم والحديث بتحليلها وتعليلها وتجميلها عبر كثير من الكتب والمؤلفات التي قد تدرج ضمن كتب النقد والبلاغة والأساليب الرفيعة.

وقد بذل الحكام وسعهم لدرء الهجاء بالعطاء الجزيل طوال التاريخ العربي القديم المحسوب أيضا على كثير من المؤرخين البلاطيين، حتى إذا فاض الكيل بابن الرومي نطق بهذه الحقيقة في وجه الحكام وفي وجه النقاد المزيفين المجملين:

لا لأجل المديح بل خيفة الـــــهجو أخذنا جوائز الخلفاء

وبما أنه لم يكن بوسع جميع شعراء وكتاب العربية أن يلتحقوا بالكوكبة البلاطية لأسباب مختلفة؛ فمنهم من تمنعه همته، ومنهم من تمنعه عاهته، ومنهم من تمنعه قلة حيلته، أو حظه العاثر في الدنيا أوسوء طالعه، أو حتى جنوحه الفطري للسلامة والراحة فقد بقي هامش كبير من التراث الأدبي العربي في الظل ولم يجد له بعد إبداعه وحتى هذه اللحظة من يمهد له الطريق اللاحب الواضح الخالي من المسامير والشوك ليعرفه على أصله وحقيقته عامة الناس قبل خاصتهم.

وإنها لنفس التركيبة الازدواجية التي يعيشها الإبداع العربي في وقتنا المعاصر، بحيث لا سبيل إلى الشهرة إلا بالارتسام ضمن دائرة معينة من دوائر الولاء المتعددة في عصرنا. تلك الدوائر الحلزونية التي تتعدد بتعدد الأنظمة والأحزاب والطوائف والجمعيات والمدارس والمناهج والتجمعات والتكتلات والشعارات…

ويهمنا كثيرا أن نسلط مزيدا من الأضواء على هذا الأدب المستريح في الظل كالغيلم (وهو ذكر السلحفاة) عندما يدخل في مرحلة السبات الموسمي عند حلول فصل الشتاء. وهذا ما سنسعى إلى كشف غطائه بالتدريج في الأوراق الموالية.
——–
هامش: البرذون نوع من الأحمرة التي كان يركبها علية القوم

الجمعة، 15 فبراير 2008

أثر الشعر العربي الفصيح بين الأمس واليوم

كتب يوم الخميس,تشرين الثاني 22, 2007

كان أثر الشعر في زمن القريظ العربي الأول كبيرا لا تحده حدود. والأمثلة على ذلك كثيرة وممتدة في تاريخ الشعر العربي منذ بداياته الأولى. ومن ذلك هذه الحكاية المؤثرة التي رويت عن العباس بن الأحنف؛

والعباس بن الأحنف من فحول الشعر العربي القديم، وله سهم كبير في باب الغزل والنسيب. ومع أنه شاعر مؤثر في الناس بشعره الرقيق فقد كان شديد التأثر بما يسمعه من شعر غيره أيضا، فكان إذا سمع الجيد منه ترنح بجسمه واستخفه الطرب.
وفي رواية عن أبي إسحق بن إبراهيم الموصلي قال: (جاءني يوماً فأنشدته لابن الدُّمَيْـنَة شعراً: ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد… فتمايل وترنح وطـَِرب وتقدم إلى عمود وقال: أنطح هذا العمود برأسي من حسن هذا الشعر، فقلنا له: ألا ارفق بنفسك..!!).

وأنا، في هذا الإدراج القصير، لست بصدد المقايسة بين حال الشعر والشعراء في زماننا هذا، وبين حال ابن الدمينة أو العباس بن الأحنف، على مستوى ما ينبغي أن يكون للشعر من أثر في حياتنا الخاصة والعامة أيضا، كما كان واقع الحال سابقا.

صحيح، كما يقال: إن لكل عصر صوت غير الصوت، وآذان غير الآذان، وأحوال غير الأحوال. ومع ذلك فإن المقصود الأسمى من الشعر، كما كل منتج بشري فني إبداعي، أن يكون له امتداد طبيعي في كل زمان ومكان. لأنه بكل بساطة نتاج كائن مفرد هو الوحيد من بين جميع المخلوقات الذي يقبل الوحدة والتعدد والتمدد في الزمان والمكان. وهذا الكائن هو المدعو في لغتنا العربية باسم: الإنسان.

وأنا أريد في هذه اللحظة فقط، أن أنبه إلى حالة الفتور الشعري التي تسود عالمنا الثقافي العربي اليوم، وإلى واقع الجفاء الذي يطبع علاقة الشعراء مع عموم القراء والمتأدبين والمثقفين والمتلقين بشكل عام …

ترى، كم بقي للشعر من نصيب داخل دوائر اهتمامات جماهير العرب في عصرنا هذا من المحيط إلى الخليج، خاصة بعد أن تفرقت بنا السبل، واخـُترقت طبقة الأوزون الثقافية العربية، إن صح لنا هذا التعبير، فكان من أمر ذلك كله ضياع صوت الشعر في خضم طوفان الصور والمعلومات الرقمية التي تغمرنا من كل حدب وصوب.

وأنا هنا، أكاد أجزم بأن الناس في عصرنا ما عادوا يقرأون غير الصور.
وحتى نجدد العهد ببعض أصداء الشعر العربي المترددة بين الحنايا والضلوع التي تشبه قيثارة العود المرتعشة، يسرني أن أقدم لكم أبيات ابن الدمينة التي أثرت في شاعرنا الكبير العباس بن الأحنف:
ألا ياصبا نجدٍ متى هِجت من نجد
فقد زادني مَسراك وجْدا على وجدي
أإن هتفت ورقاءُ في رونق الضحى
على فنَنٍ غض النبات من الرَّنـــــــد
بكيت كما يبكي الحزين صبابـــــة
وذبت من الشوق المبرِّح والصـــــد
بكيت كما يبكي الوليد، ولم تــــكن
جَزوعا وأبديتَ الذي لم تكن تبـدي
وقد زعموا أن المحب إذا دنــــــا
يمَلُّ وأن النأي يُشفي من الوجْــــد
بكلٍّ تداوينا فلم يشف ما بنـــــــا
على أن قرب الدار خير من البعـــد
ولكن قرب الدار ليس بنافـــــع
إذا كان من تهواه ليس بـــــــذي وُد

فهل حق للعباس بن الأحنف، في زمنه الشعري ذاك، أن ينطح العمود بسبب شاعرية ابن الدمينة… !!

الإنترنت وخدمة النصوص

كتب يوم الإثنين,أيلول 17, 2007

لاشك أن شأن الإنترنت في وقتنا هذا شأن عظيم، وخدماته الكثيرة في الاتصال والتواصل لا تخفى على جميع المبحرين والمرتادين لشواطئه الممتدة إلى ما لانهاية، رغم ما يحفل به من مخاطر ومزالق …

ويأمل أهل الثقافة والأدب المرتادين لعوالم الأنترنت كغيرهم من الكائنات الافتراضية أن يسعفهم بحر الإنترنت ببعض مواده التراثية الأصيلة مما جادت به قرائح الأسلاف، عندما كانت اللغة العربية هي الوسيلة الوحيدة للتعبير وتشقيق ضروب الكلام قبل أن يطفح من حولنا طوفان الصور.

ومع الأسف الشديد فإن النصوص والوثائق التراثية القليلة المتداولة بين المدونين وأصحاب المواقع الشخصية والأندية تفتقر إلى الصحة اللغوية وأمانة النقل وسلامة الترتيب.

فوجودها بهذه الحالة كعدمها، والتعويل عليها في أمر البحث العلمي والاحتجاج لا يمكن أن ينفع بأي حال من الأحوال إلا أن يكون ذلك على سبيل الاستئناس فقط.

أما المواقع الثقافية والأدبية الكبيرة المشهورة، فهي تتفاوت في مقدار ما تجود به على زوارها من نصوص، وكل موقع له شروطه وقيوده؛

وأكثرها يشترط شروطا مجحفة للاستفادة من خدمات القراءة والتحميل، وإن كان أقلها ضررا وأخفها وطأة التسجيل والانتساب؛ وهما مما يضيق به الزائر ذرعا، وهذا رغم كل العلات والشوائب التي تكتنف تلك النصوص المعروضة للقراءة أو التحميل.

وحتى موقع الوراق التراثي المشهور بين الباحثين وطلاب العلم بوفرة مواده التراثية المتنوعة، وبمجالسه الأدبية والفكرية القيمة تجاوز اليوم مرحلة المجانية وأصبحت خدمة استكشاف النصوص التراثية لديه بالأداء، الشيء الذي خيب ظن الزوار والمنتسبين القدامى لهذا الموقع التراثي الرائد

كنت أتمنى أن يكون تطور الخدمات الإلكترونية للمواقع التراثية والثقافية والإبداعية لصالح المجانية في وطننا العربي الكبير حتى يعم نفعها الغني والفقير.

ولكن، يأبى واقع الحال إلا تكريس النخبوية الثقافية في عالمنا الافتراضي العربي تماما كما هو على أرض الواقع.

الخميس، 14 فبراير 2008

لماذا يكذب الشعراء؟

كتب يوم الأحد,آذار 04, 2007

سؤال يتردد كثيرا في أوساط المهتمين بدراسة الشعر العربي قديما وحديثا …

ولا أريد في هذه العجالة أن أجيب عن هذا الموضوع إجابة أكاديمية متبحرة، وليست لدي القدرة الكافية لمجاراة من تصدوا لهذا الموضوع من عمالقة البلاغيين العرب الذين أفنوا شطرا من حياتهم في استكشاف أسرار إعجاز الكلام المنظوم والمنثور. وعلى رأسهم الإمام العلامة عبد القاهر الجرجاني الذي أجمل في فصول جميلة وعميقة من كتابيه: (أسرار البلاغة) و(إعجاز القرآن) خلاصة الآراء النقدية والفكرية والنفسية حول هذا الموضوع، مما لا مجال لبسطه هنا.

وقد حاول كثير من البلاغيين ملاءمة البحث في هذا الموضوع مع ما ورد في القرآن الكريم من الآيات التي تخص الشعر والشعراء بالإضافة إلى سورة الشعراء.

كما أنني لا أريد أن أخوض في تفاصيل هذا المبحث الذي كثر حوله المتجادلون والمتناظرون بقدرما سأسعى إلى بسط فكرة جوابي الشخصي عن هذا السؤال الذي جعلناه عنوانا لإدراجنا هذا.

ولإجابة توضيحية تقريبية أود أن أضرب مثالا واحدا من الشعر العربي. ويتعلق الأمر بشعر الغزل.
فمن المعروف أن هذا النوع من الشعر يمثل الحيز الأضخم من مجموع الشعر العربي القديم. فمعظم الشعراء لهم نصيبهم فيه سواء أكان قليلا أو كثيرا، عميقا أو سطحيا، عفيفا طاهرا أو مفضوحا مكشوفا.

وبما أننا مقبلون بعد بضعة أيام على يوم ثامن مارس الذي اختير ليكون عيدا عالميا للمرأة فقد وجدت من المناسب استباق ذلك اليوم الموعود بهذا الإدراج.

ترى أية امرأة يصفها الشاعر …؟ ، وهل هي امرأة حقيقية لها نسخة مطابقة لأصل واقعي يحاكيه الشاعر بكلامه وإيقاعاته، أم هي مجرد واحدة من بنات أفكاره ونسج خياله…؟

وفي العادة فإن الشعراء خصوصا والأدباء عموما عندما يتناولون العوالم المحيطة بهم كعوالم المرأة والأشخاص والطبيعة وغير ذلك من الموضوعات فإنهم يسعون قبل كل شيء إلى خلق مسافة أخرى جديدة فاصلة بين تلك العوالم والموضوعات الخارجية المنظورة وبين عوالمهم الداخلية الفسيحة المحجوبة غير المنظورة.

ومن هنا تغدو عوالم الشاعر الداخلية أكثر رحابة وأكثر قدرة على استيعاب الموضوعات الخارجية مهما اتسع نطاقها ومداها، فتصبح عوالم الشاعر هي المكتسِحة لكل شيء بدل أن تكون هي المكتسَحَة، على عكس ما يتصور البعض ممن لا يملك القدرة على التغلغل في بحار الشعر العميقة.

وبعبارة أخرى أوضح فإن الشاعر عندما ينعت امرأة ما فإنه لا ينعت كائنا من لحم ودم ومن أوصاف وخصال، وإنما هو ينعت ظلها القابع تحت شموس وأضواء عوالمه الخاصة.

ومن المعلوم أيضا أن ظل الإنسان يظل ملازما له ويكون امتداد له في السكون أو في الحركة، ولكنه يختلف عنه لأنه يبقى بدون ملامح ولا لون ولا رائحة مهما بلغ صاحبه من الوسامة والوجاهة.

ولكن، لهذا الظل قدرة هائلة على التمدد والتشكل حسب مصادر الضوء وقوة إشعاعه. ويعجز عن ذلك جسم الإنسان المحدود زمانا ومكانا.

وعلى هذا، فلا أعتقد أن الشاعر يصف في شعره امرأة حقيقية ماثلة أمامه في الواقع الحقيقي الطبيعي، وإنما هو يصف أطيافها وظلالها المرتسمة في سماء مخيلته. وبعبارة أخرى أوضح فإنه لا يصف المرأة كما هي في ذاتها وصفاتها، وإنما كما يريدها أن تكون في خياله أو في أوهامه أوفي أحلامه أو حتى في هلاوسه.

فالنساء في دنيا الشعر غير النساء، إنهن بملامح الظل، تماما كما النساء على شاشات السينما أو التلفاز. حيث تغادر الممثلة ذاتها لتحل في ذات البطلة الافتراضية …!!

فهل كانت مخيلة الشعراء أقدم دور العرض السينمائية الخيالية أو المواقع الافتراضية…؟!.
ولأمر ما قالت العرب قديما، في سياق قريب مما نحن بصدده : أعذب الشعر أكذبه، وفي سياق آخر قالت: أعذب الشعر أصدقه.

الأربعاء، 13 فبراير 2008

القطار والشعر 2

كتب يوم الأربعاء,تشرين الثاني 22, 2006

الورقة الثانية: ما أشبه الشعر العربي بالقطار وبخطوط السكك !!

لم أجد، في حدود ما اطلعت عليه من كتب ودراسات للنقاد العرب المحدثين ربطا بين الشعر العربي والقطار، أو مقارنة مَــا بين سكك الشعر العربي اللغوية وبين خطوط السكك الحديدية.

وقد تكون خطوط السكك الحديدية وتقاطعاتها العجيبة، عند الملتقى، عبر المحولات اليدوية أو الكهربائية، وكذا صور القطارات السريعة والبطيئة التي ترسبت في ذهني وتفاعلت في كياني من الصغر حتى الكبر، كما أوضحت في الإدراج السابق، من بين الأسباب الخفية التي فعلت فعلها السحري الخفي في نفسي، ودفعتني للحديث عن موضوع الشعر والقطار، وعقد مثل هذه المقارنة العجيبة بين كتلة القطار الحديدية وكتلة الشعر اللفظية.

إن ذكريات الماضي المترسبة في محيط النفس الواسع كثيرا ما تفرض نفسها علينا بقوة فتطفو على السطح عندما تثيرها الأشواق والأشجان، فيتجدد عهدنا بها مرة تلو المرة كأنها بنت اللحظة، وإن كانت قد بلغت من العمر مدى قصيا.

وهكذا، قد يجد المدون أو الكاتب نفسه فجأة محشورا في زوايا نفسه يتعثر في أكوام ذكرياته، ثم يحاول جاهدا أن ينهض ويلملم ما تبعثر من خيوط تلك الذكريات، أويبحث لها عن روابط ممتدة بين الأمس واليوم، ويصنع لها صورة حقيقية من نسج كلامه لتثبت وتسكن أخيراعلى سطح ورقة أو شاشة حاسوب حتى لا تضيع منه مرة أخرى، أو يفقدها إلى الأبد.

وإذن، ما علاقة الشعر العربي الذي هو كتلة من لحم اللغة وشحمها، وذوب من عصارة تجربة صاحبها في ورشة عقله الصغير المبدع، وبين القطار الذي هو كتلة من الحديد المنصهر في معامل الأفران العالية قبل أن يصير قاطرة أو عربة مجرورة أو قضيبا من فولاذ أوحديد ؟؟

لقد دأب أسلافنا المهتمون بصناعة الشعر العربي ودراسته ونقده، وقبل أن تظهر صناعة القطارات بزمن طويل، على ربط العملية الشعرية برمتها، بواقع حياتهم الماثلة أمامهم رغم طابعها الساذج الموغل في البداوة.
وربما لهذا السبب البسيط سهل عليهم أن يجدوا روابط منطقية وطبيعية عدة بين بيت الشِّعر أي: “الكلام المنظوم” وبين بيت الشََّعر أي: ”الخيمة”؛ فكما كانوا يلوذون بخيامهم المتواضعة طلبا لراحة أبدانهم المنهكة من الجري وراء قطعان الماشية في البراري القاحلة، أو بالكر والفر في حروبهم الطويلة الممتدة كانوا أيضا يلوذون بأشعارهم الغنائية والحماسية والشجية طلبا لراحتهم الفكرية والنفسية.

والذي يدرس علم العروض الخاص بالشعر العربي، أو يقرأ كتبه المتخصصة يكتشف بسهولة أن معظم ألفاظه ومصطلحاته مقتبسة من واقع الخيمة العربية ومتعلقاتها ومستلزماتها الضرورية والكمالية. بل إن نسج الخيمة من شعَر الماعز أو وبر الإبل والغنم هو أشبه ما يكون بنسج الشِّعر العربي نفسه، غير أن لـُحمته كلام وسـَداه ألحان وأنغام كان يحدو بها الحادي وجماعة الركبان على إيقاع خطوات الجمال الوئيدة، تماما كما يوحي بذلك جو قصيدة أمل دنقل “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” التي صور فيها الواقع العربي بعد نكسة حزيران المشؤومة، وفيها يقول، مما له علاقة بسياق إدراجنا هذا، ولو في جوانبه الرمزية التى قد لا تخفى على صاحب عقل حصيف ونظر ثاقب:
ما للجمال مشيها وئيدا
أجندلا يحملن أم حديدا

وعلى هذا، فالعلاقة واضحة بين بيت العرب”الخيمة” الذي تـُرفع أركانه وزواياه بالعمود الخشبي، ويشد إلى الأرض بالأوتاد والأسباب والحبال وبين بيت الشعر العربي الذي يـبنى على نفس النمط، ويرفع على نفس الدعائم والركائز تقريبا.

ومن ثم، فإن الولوج إلى الشعر العربي القديم أشبه ما يكون بالولوج إلى الخيمة العربية نفسها. ولذلك لم يجد الخليل بن أحمد الفراهيدي مكتشف علم العروض العربي أية غضاضة في الحديث عن عمود الشعر وأشطره وأسبابه وأوتاده المماثلة أيضا …

ولكن، هل يجوز لأحدنا اليوم أن يقيس هذا الشعر بنفس المقياس القديم، على غرار صنيع الفراهيدي مثلا، وأن يوجد له روابط أخرى منتزعة من واقع هذا العصر ومكتشفاته ومنجزاته أيضا؛ كأن يتحدث أحدنا مثلا عن علاقة هذا الشعر بالبنيان الشاهق بدل الخيمة، أو عن علاقته بحركة القطارات السريعة أو السيارات أو الطائرات النفاثة أو الصواريخ العابرة والأقمار الاصطناعية السابحة بدل حركة الجمال الوئيدة الرتيبة، أوعن صلة هذا الشعر بإيقاع الحياة الصاخب السريع من حولنا وبوسائل الاتصال المتطورة عبر الأثير وعبر دوائر الكهرباء والبطائق الممغنطة وعبر صبيب الأنترنت المتدفق على الدوام وعبر عناصر شرائح السليكون والرقائق الإلكترونية الدقيقة الجامعة المانعة بدل حركة الرواة والحداة وهم يرددون وينقلون الأشعار العربية بأصواتهم البشرية المحدودة عبر الرمال والتلال والجبال؟؟

وإذا ما عدنا مرة أخرى إلى علاقة الشعر بالقطار نكتشف أن نظام الشعر العمودي بشطريه المتوازيين يشبه تماما خط سكة الحديد الذي يتكون من قضيبين حديديين متناظرين ممتدين إلى ما لا نهاية ولا يلتقيان أبدا.

إن قوة نظام الشعر العربي العمودي الشطري السـِّككي على تحمل ونقل ثقل المعاني التي وردت على خاطر جميع الشعراء العرب، وعبر كل الأمكنة والأزمنة العربية كقوة السكة الحديدية تماما في الثبات والهدوء، وفي الرتابة والأمان، بحيث يخيل إلي أحيانا أن نظام الشعر العربي الشطري كأنه هو الذي أوحى لمكتشفي القطار وصانعيه بفكرة السكة الحديدية.
ولربما كان العرب أجدر باكتشاف فكرة القطار وخط سكته قبل غيرهم من الأمم، لأنها صورة ماثلة في أشعارهم منذ آلاف السنين، غير أنهم لم يستوعبوا حقيقة هذا الاكتشاف المبهر، لما هم عليه، دوما، من الذهول والغفلة عن الذات.

ولنا أن نتخيل حجم الأفكار والمعاني التي تناقلها العرب عبر سكة شعرهم الحديدية من لدن المهلهل وامرئ القيس حتى عصرنا هذا دون أن يضيع منه شيء يذكر؛ فأي شخص بمقدوره اليوم أن يحصي بضاعة الشعر العربي التي أوصلتها إلينا سكته، ولو أنفق في ذلك عمره كله وتعاونت على ذلك جهود عدة، وأي خط شعري آخر أقدر على الصمود في وجه الزمن، والثبات أمام الكوارث والمحن والحروب التي حلت بالعرب منذ فجر تاريخهم الطويل، ولا تزال إلى يومنا هذا متقدة في أكثر من مكان … ؟؟!!.

وإن من يقرأ أطنان الشعر العربي المكدسة في الدواوين والمجاميع وفي الكتب العامة والخاصة يشعر كأن ناظمها شخص واحد، وكأن مصدرها من مكان واحد، وكأن زمانها يؤول إلى زمن واحد، وأن سكة ذلك الشعر سكة واحدة ثابتة لا تتغير ولا تنحرف ولا تتآكل، وقد لا يزيغ عنها إلا هالك.

وقد تقرأ شعر المتنبي مثلا، فتحس كأنه لم ينظم في حياته المليئة بالأحلام والأوهام والتحديات والمجابهات إلى حدود الموت غير قصيدة واحدة يُفصلـُها على مقاطع حياته المتقلبة تفصيلا بدل أن يفصل مقاطع شعره على تفاصيل حياته.

وعندما استـُبدل نظامُ الشعر العربي السككي الحديدي الصارم هذا بما يـُسمي اليوم بالشعر الحر أو القصيدة النثرية ذات الشطر الواحد الممتد أفقيا أصبح هذا الشعر العربي الجديد أشبه ما يكون بالقطار الياباني فائق السرعة الذي يزحف بسرعة خارقة في مجال سككي مغناطيسي أيضا غير أنه أحادي القضيب.

غير أن نظام الشعر العربي الحديث هذا، ورغم مواصفاته الجديدة التي توحي بالسرعة القصوى والانسياب الخارق بدا أبطا من حركة قطار الشعر القديم في الوصول إلى أهدافه وتحقيق غاياته، إذ لم يتجاوز حدود التجريب ولم ينتقل بعدُ إلى دوائر التأصيل. وكثير منه لا يقنع حتى أصحابه الذين أنتجوه.

ولا تعدو كثير من التجارب الشعرية الجديدة، مع استثناءات قليلة، إما لبطئها الناتج عن تعثرها ودورانها على نفسها، أولتسرعها أن تكون شبيهة ببعض التدريبات الرياضية الشاقة، عندما يكلف المرء نفسه السير لمسافات طويلة على رجل واحدة، مع أن الله سبحانه وتعالى قد منحه رجلين تدعمان جسمه في حالة الوقوف التام، أو في حالتي الإبطاء والإسراع!!

فهل يعود قطار الشعر العربي الحديث يوما إلى سكته الحديدية التقليدية المزدوجة المأمونة؟ أم أنه قد أضاع سيره الأول؛ فلا هو أحسن مشيته الأولى، ولا هو أحسن مشية الغرب أو الغراب الذي قلده؟.

ومع أني قد وصلت، الآن، بهذا المقال الذي خصصته لموضوع القطار والشعر إلى نهاية المطاف ومحطة النزول بقيت في نفسي حرقة بعض الأسئلة: لماذا نقلد الغرب، ولا يقلدنا هذا الغرب حتى ولو تبدى لنا في صورة غراب الشؤم واللؤم؟ وإلى متى سيبقى هاجس الحداثة العربية التجريب واللهاث وراء هذا الغرب أو الغراب؛ فكلما شهق بأرضهم بعير أو صاح غراب أو نبح كلب إلا واستجابت لشهيقهم وصياحهم ونباحهم ببلادنا آلاف الأصوات المزهوة بالتقليد والبصبصبة؟.

متى نلتفت إلى أنفسنا وذواتنا، ومتى يتحرك قطار العرب المتوقف عند حدود النقل والتقليد؟؟

القطار والشعر 1

كتب يوم الأحد,تشرين الثاني 19, 2006

الورقة الأولى: ذكرى وحنين

كلما فتحت صفحة من الشعر العربي إلا وتبادرت إلى ذهني صورة القطار.
وهذا التلازم بين الشعر العربي والقطار اكتشفته، أول مرة، في زمن الطفولة عندما كنت أستظهر قطعا من محفوظات الشعر العربي وأنا أسير بجانب سكة القطار، أو أعبر قضبانها الحديدية.

ولا أعلم بالضبط كيف راودتني فكرة الشعر والقطار في تلك المرحلة المبكرة من حياتي، فجعلتني أربط هذا الربط العجيب بينهما كلما لمحت السكة الممتدة في الأفق البعيد، أو تتبعت حركة القطار الزاحف عليها مقبلا أو مدبرا كجلمود من حديد، أو جربت المشي مترنحا ومتمايلا على أحد القضبان الحديدية منتشيا بمرحي الطفولي الحالم المسافر، قبل أن أفقد توازني وأسقط جانبا.

ولكن الذي أعلمه جيدا أن قصتي مع القطار والشعر كانت حدثا مميزا في حياتي. وقد تطورت قصتهما وامتدت في كياني وفي واقع حياتي الخاص عبر مراحلي الدراسية كلها من الابتدائي حتى الجامعي.

وهكذا شاء القدر أن تكون السكك همزة وصل بيني وبين عوالم المعرفة، وحاجزا كنت أعبره في رحلة الذهاب والإياب إلى جميع مؤسسات التعليم التي ولجتها في مدينة فاس المغربية، بدء بالمرحلة الابتدائية فالإعدادية فالثانوية فالجامعية.

بل لقد شاءت محاسن الصدف أن يكون أحد أقسامي في المرحلة الإعدادية مشرفا بشكل مباشر على خط السكة الحديد، وعند بداية النفق الذي يشطر جزء من مدينة فاس إلى نصفين في اتجاه مدينة وجدة شرقا عبر باب الفتوح.

ثم توطدت علاقة الشعر بالقطار في عقلي وكياني أكثر في المراحل الثانوية والجامعية، عندما صار توجهي أدبيا خالصا، وعندما قويت لدي نوازع الأدب، وازداد شغفي بالأشعار العربية وتعمق وعيي بها وفهمي لأسرارها وأبعادها.

وربما كانت صورة القطار التي انطبعت في ذاكرتي مع مرور الزمن مطية خفية حملتني إلى عوالم الأدب، من حيث لا أدري.

وإذا كان الأمر كذلك فالله أسأل أن يجازي عني كل القطارات وكل العربات وكل السكك والقضبان التي أوصلتني إلى عوالم الشعر والأدب، وجعلتني أتخصص في دراستهما وفي تدريسهما بعد ذلك لطلاب الجامعة. وإن في مدينة أخرى غير مدينة فاس، وهي مدينة مراكش الحمراء.

ومدينة مراكش هي المعادل الموضوعي لمدينة فاس تاريخيا وحضاريا وعمرانيا. وهي نهاية المطاف للسكك الحديدية المتجهة صوب الجنوب المغربي، وعند محطتها يحزم جميع المسافرين حقائبهم ويجبرون على مغادرة جميع العربات، للانقطاع خط السكة عند هذه المدينة.

وقد شاءت الصدف أيضا أن يكون صديقي القطار هو من حملني إلي هذه المدينة أول مرة في خريف سنة 1986، لكن ليس من أجل الدراسة كما كان الوضع سابقا، وإنما من أجل الوظيفة والتدريس والعمل.
فما أغرب العلاقة بين نقطة الانطلاق ونقطة الوصول، وما أعجب أمر القطار في حياتي بين رحلتي البداية والنهاية، وما ألطف الصدف .!!

اليوم، وقد بلغت من العمر أشده، وعيت أكثر من كل وقت مضى سر هذا الارتباط العميق في حياتي بين عوالم الأدب والشعر العربي وعوالم القطارات والعربات.

ولكن، هناك ارتباط حقيقي آخر اكتشفته اليوم بين عوالم الأشعار العربية خاصة وعوالم السكك. وهو غير ذلك الارتباط الخيالي المجازي الحالم الذي اكتشفته في طفولتي وصحبني شطرا كبيرا من حياتي.
وهذا الارتباط الحقيقي الخفي هو موضوع الإدراج الموالي.

فن الاقتباس وصلته بالإبداع

كتب يوم الخميس,تشرين الثاني 16, 2006

الاقتباس هو اقتطاع جزء من كلام سابق ليلتحم بسياق كلام آخر لاحق.
وأصعب شيء على الكاتب أو المدون التوفيق بين كلامه وكلام غيره؛ بحيث لا يبدو بعيدا عنه بمسافة طويلة.

وكثيرا ما أكتشف داخل فصول الجامعة أن أساليب الطلبة في كتابة مقدمات أبحاثهم وعروضهم تكون نازلة بقدر كبير عن مستوى متن البحوث أو العروض التي أنجزوها. فتكون معاناتي في تصحيح وتصويب المقدمات والخواتم على صغرها وضآلة حجمها أكبر بكثير من تصحيح المتون على كبرها و ضخامة حجمها. وكل ذلك لأن الطالب عند كتابة المقدمة أو الخاتمة يكون وجها لوجه أمام نفسه وعقله، وليس أمامه أو وراءه ما يسنده إلا الاتكال على مجهوده وقريحته. ومن هنا فإن أكثر عيوب الطالب تتركز في مقدمات وفي خاتمة بحثه أو عرضه. أما داخل المتن فهو مدعوم بالشواهد والاقتباسات، ولذلك قد تراه يصول ويجول في متن البحث كالخيل المتحررة من عقالها. ولكن إذا ألجأته إلى مضايق المقدمات والخواتم انكشف على حقيقته وظهرت لك زلاته وسقطاته.

والاستعانة بكلام الآخرين أمر مرغوب ومطلوب في كثير من الأحيان. ولكن، ليس على وجه الغصب والسَّرَق كما كان يفعل الفرزدق مثلا الذي اشتهر في أوساط النقاد بغصب الشعر على أصحابه الأحياء والأموات قهرا وغلبة، واعتدادا بقوة الشاعرية لديه، وليس على وجه القص واللصق كما يفعل كثير من الكتاب والمدونين اليوم، وقد عالجنا ذلك في إدراج سابق، وإنما على وجه الانتظام والتكامل بين مجهود سابق وآخر لاحق.
فالاقتباس بمعناه الإيجابي ملمح من ملامح التواصل بين الذوات، وثمرة من ثمار التلاقي والتلاقح بين العقول.

وقد كان للقدماء من الكتاب العرب والشعراء تصرفات عجيبة في هذا الشأن لسعة محفوظهم، وغزير اطلاعهم ومعرفتهم بأسرار المعاني عند تقليب وجوهها المختلفة؛

وبعض المعاني تزداد وضوحا وتأثيرا بتحريكها ونفض الغبار عنها، والتصرف فيها عند تحريرها من سياقها الأول ونقلها من مكان إلى مكان، ومن غرض إلى غرض، ومن مقام إلى مقام.

والاقتباس في الشعر هو الأعقد من كل الاقتباسات بسبب ضائقة المعنى وضائقة اللغة وضائقة الوزن وضائقة القافية. ومع ذلك لم تمنع هذه الضوائق والإكراهات المحيطة بالشعراء من التجويد والتفنن للوصول بصنعة الاقتباس أقصى غايات الانتظام والكمال والجمال، كما في هذه النماذج المختارة، وقد بينا مواضع الاقتباس من خلال اللون الأحمر:

النموذج الأول، وينسب إلى ابن حجر العسقلاني، قال مقتبسا من القرآن الكريم:
خاض العواذل في حديث مدامعي
لما جرى كالبحر في سرعة سيره
فحبسته لأصون سِرَّ هواكـــــــــم
حتى يخوضوا في حديث غيــــره

النموذج الثاني، وهو للشاعر الخباز البلدي، وقد قاله مقتبسا من القرآن الكريم أيضا:
سار الحبيب وخلف القلبــــــــــا
يبدي العزاء ويظهر الكربــــــــــا
قد قلت إذ سار السفين بـــــــــه
والشوق ينهب مهجتي نهبــــــــــا
لو أن لي عزا أصول بــــــــــه
لأخذت كل سفينة غصبـــــــــــــا

وكقول الآخر مقتبسا من القرآن أيضا:
إن الذين ترحلـــــــــــــــــــوا
نزلوا بعين ناظــــــــــــــــــــــرة
أسكنتهم في مقلتـــــــــــــــي
فإذا هم بالساهــــــــــــــــــــــــرة

وكقول الآخر أيضا مقتبسا من القرآن العظيم:
جاءني الحِبَُ زائـــــــــــــرا
وعلى مهجتي عطــــــــــــــــــف
قلت: جد لي بقبلــــــــــــــــة
قال:
خذها ولا تخـــــــــــــــــف

وكقول العفيف التلمساني مقتبسا من علم الصرف:
ياساكنا قلبي المُعنـــــــــــــى
وليس فيه سواك ثانـــــــــــــــــي
لأي شيء كسرت قلبـــــــــي
وما
التقى فيه ساكنــــــــــــــــــان

وكقول الآخر مقتبسا من علم العروض:
وبقلبي من الجفاء مديـــــــــد
وبسيط ووافر وطويـــــــــــــــــل
لم أكن عالما بذاك إلـــــى أن
قطع الليل بالفراق
الخليـــــــــــــل

والأمثلة من هذا النوع أكثر من تحصى أو تستقصى، في كلام الشعراء والكتاب. ولعل رسالة ابن زيدون الأندلسي التي كتبها على لسان ولادة بنت المستكفي أوضح مثال على فن الاقتباس المنثور. وقد استوعب فيها عددا هائلا من الإشارات والاقتباسات المناسية لسياق رسالته.

الثلاثاء، 12 فبراير 2008

تجربتي القصيرة مع موقع (الوراق) التراثي

كتب يوم الجمعة,أيلول 01, 2006

موقع الوراق أهم المواقع العربية المتخصصة في التراث العربي والإسلامي. ومنذ أن اكتشفت هذا الموقع وأنا أنهل من ينابيعه الغزيرة، في مجال الأدب العربي شعره ونثره، وفي مجال اللغة وعلوم الآلة؛ من نحو وصرف وبلاغة، وفي علوم القرآن والحديث والفقه والتاريخ والجغرافيا والفلسفة وغير ذلك مما يضيق عنه مجال البسط والعرض.
إنها فعلا ذخيرة هائلة من الكتب يقدمها هذا الموقع بين يدي كل قارئ أو باحث متخصص في التراث العربي القديم.

ويقدم هذا الموقع خدمات أخرى من قبيل التحويل التاريخي من الهجري إلى الميلادي، أو العكس، وعرض بعض المواقع ذات الصلة، وصور المدن، وقراءات صوتية لمشاهير الشعراء العرب وغير ذلك.

ومن أهم الخدمات التي يتميز بها هذا الموقع خدمة المجالس، حيث يجري نقاش مثمر وهادف وساخن في بعض الأحيان بين رواد وزوار هذه المجالس المتنوعة؛ بين كل ماهو قديم أوحديث، وبين ما هو لغوي أوأدبي أوفلسفي أوسياسي أوتربوي أواجتماعي..، بحيث تغطي حوارات هذه المجالس معظم اهتمامات المثقفين العرب.

وتتيح هذه المجالس الفرصة للتواصل مع ثلة طيبة من المثقفين العرب وشعرائهم وأدبائهم ومع الباحثين من كافة البلاد العربية…

ويكفي تسجيل بسيط للانتساب إلى هذا الموقع والاستفادة من خدماته الكثيرة.

ويسرني أن أقدم لكم تجربتي القصيرة المتواضعة مع بعض مجالس هذا الموقع المحترم. وقد تركت صدى طيبا في نفسي، وذلك من خلال الرابطين التاليين:

الرابط الأول: ويشمل بعض تعليقاتي على مواضيع الإخوة في مجالس الوراق.
الرابط الثاني : ويشمل بعض المواضيع التي اقترحتها، وردود الإخوة عليها. .يرجى الضغط على الموضوع المقترح، من موقع الوراق، لقراءة الردود.

الاثنين، 11 فبراير 2008

أيهما أسبق: الشعر أم النثر ؟

كتب يوم الثلاثاء,نيسان 25, 2006

بعض مساهماتي في مجالس الوراق(3):

اختلف الباحثون والدارسون العرب، قدامى ومحدثين، حول هذا الموضوع الشائك أي: أسبقية الشعر والنثر، كما اختلفوا في المفاضلة بينهما، بل و حتى في الإقرار بوجود نثر حقيقي قبل الإسلام يمكن أن نطمئن إلى صحة وجوده. فما وصلنا من خطب وأمثال وحكم وأسجاع وأقوال مأثورة عن الجاهليين يعتبره البعض من الأدب المنحول المدسوس.

ويمكن أن نجمل هذا الموضوع في رأيين متعارضين:
ـ الرأي الأول: ويمثله الدكتور زكي مبارك ومن لف لفه في كتابه وأطروحته المعروفة(النثر الفني في القرن الرابع ـ الهجري ـ)؛ ويذهب فيه إلى تأكيد وجود نثر فني في العصر الجاهلي، له خصائصه وقيمه الأدبية والفنية، رغم ظروف التبدي التي سببت في ضياع الجزء الأعظم منه، فقد نقل الجاحظ عن عبد الصمد الرقاشي قوله: ( ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يحفظ من المنثور عشره، ولا ضاع من الموزون عشره)، البيان والتبيين ج1 / ص 281

أما الدليل الأقوى والأنصع الذي اعتمده واستند إليه في دعم حجته فهو القرآن الكريم؛ لأنه، في نطره، يقدم صورة عن شكل هذا النثر وحالته التي كان عليها قبل ظهور الإسلام، وقبل عصر التدوين، فلا يعقل أن يخاطب القرآن قوما إلا بأسلوب القول الشائع لديهم، كما أن التحدي والإعجاز الذي واجه به القرآن الكريم العرب لا يكون إلا لمن بلغ منهم درجة معقولة من بلاغة القول، تمكنهم من فهمه ومقارنته بفنون القول الشائعة لديهم؟!.

وفي رأيي أنه إذا تأكدت صحة النصوص النثرية التي وصلتنا عن الجاهليين، على قلتها بالقياس إلى ما وصلنا من شعرهم، كما جاء في الكلام الذي نقله الجاحظ عن عبد الصمد الرقاشي، فمعنى هذا أن التزامن حاصل بين النوعين خلال مرحلة الجاهلية كلها والتي يقدر عمرها بنحو قرن ونصف قبل البعثة النبوية، حسب تحديد الجاحظ أيضا، ولا مجال للحديث هنا عن الأسبقية إلا إذا اكتشفت نصوص نثرية جديدة لجاهلية أبعد في الزمن عن الجاهلية المتعارف عليها الآن، خاصة وأن معظم هذه النصوص النثرية تنسب لأشخاص معمرين. وهم كانوا شعراء أصلا، فعمرو بن كلثوم صاحب المعلقة المشهورة معدود ضمن خطباء العرب المشهورين….

ـ أما الرأي الثاني الذي ينفي وجود نثري فني في العصر الجاهلي فيمثله الدكتور طه حسين ومن لف لفه أيضا، وهو المعروف بتشكيكه في صحة شعر الجاهليين قبل أن يشكك في صحة وجود نثرهم.

وحجته في ذلك أن الحياة الأولية البسيطة التي كان يحياها العرب قبل الإسلام لم تكن تسمح لهم بقيام أي لون من ألوان النثر الذي لا يمكن أن ينشأ أو يزدهر إلا في ظل حياة مستقرة تسمح بالروية والتفكير، والعرب الجاهليون، في نظره، بخلاف ذلك؛ لأن حياتهم تقوم على الرحلة والنجعة؛ أي أنهم مشغولون بالبحث عن مصادر الكلأ للرعي، وموارد الماء للارتواء.
وكأن التفكير عنده حكر على جنس من البشر دون جنس آخر، وعلى سلالة بشرية دون أخرى..!!!

وفي رأيي: إن المقابلة بين النوعين الأدبيين: الشعر والنثر، سواء على مستوى الأسبقية، أو الكمية أو الأهمية لا يمكن أن تقدم أو تؤخر شيئا من حقيقتهما الجوهرية التي اهتدى إليها العرب قديما بقريحتهم الفذة، وبسلاسل اختباراتهم القاسية في الحياة وفي الإصرار على الوجود، وهي وإن اختفت كثير من ملامحها المادية من خلال الرواية والحفظ، أو من خلال النقش والخط ، كما عند غيرهم من الأمم، فلا شك أنهم قد أودعوا جزء مهما من حقيقة حياتهم في نثرهم وشعرهم على حد سواء. إذ كان جل اعتماد العرب على اللغة في الاحتفاظ بصورة حياتهم على شحها وشظفها، بخلاف بعض الأمم القديمة التي كثيرا ما عولت على فنون أخرى غير فنون القول، كالنحت والرسم والموسيقى والعمران وغير ذلك..

ولا يزال أمام الباحثين مجهود ضخم لرسم صورة تلك الحياة العربية الحقيقية القديمة في أذهان أجيالنا الحالية، وذلك من خلال استنطاق لغة الأدب العربي القديم استنطاقا موضوعيا بعيدا عن الميل والهوى أو التنقيص.

ومما يؤسف له حقا أن دارس الأدب العربي أنى اتجه في دراسته لهذا الأدب يجد نفسه محاصرا بمجموعة من الشكوك والاتهامات: فالجاهلي منه غير أصيل ومنحول، والإسلامي ضعيف، والعباسي مصنوع مزخرف بعيد عن نبض الحياة، والوسيط منحط … وحتى تجربة (الحداثيين) التي ألغت المسافة نهائيا بين الشعر والنثر لم تسلم هي الأخرى من حمى التخبط والفوضى والطموح المبالغ فيه أحيانا إلى درجة الرغبة في إقبار كل ما هم قديم ومهترئ في نظرهم، ولا ضير عندهم إذا تبنوا مرجعيات أجنبية، بل لا بأس في إلغاء الأبجدية العربية واسبتدالها بأبجدية لاتينية، كما أراد سعيد عقل و بعض أنصار (القصيدة النثرية)، في منتصف القرن الماضي.

إننا في درسنا الأدبي نضيع كثيرا من الوقت في التنظير وطرح الإشكاليات والمزايدات والمصادرات بدل التعود على مواجهة النصوص الأدبية العربية وقراءتها قراءة مباشرة، قبل أن نقرأها في خلفياتها المسبقة… حتى لا يجرفنا الفراغ والإعراض عن مواجهة النصوص القديمة بصدق واتزان إلى كثير من المنزلقات الخطيرة.

باختصار شديد علينا أولا أن نقرأ أدبنا قبل أن نقرأ ما حوله، أما منطقتا الشعر والنثر فليستا معزولتين عن بعضهما كما قد يتوهم البعض، ولكل من الشاعر والأديب كامل الحق والحرية في تجاوز منطقته إلى منطقة الآخر، ليس على وجه التقليد الفج أو الهجوم المدمرالذي يلغي نقيضه، وإنما على وجه التكامل والتنافس الشريف في اختبار الطاقة الإبداعية التي يتساوى فيها جميع الكتاب والشعراء، والسلام.

مواقف الدكتور محمد مندور من الشعر العربي القديم

كتب يوم الثلاثاء,نيسان 18, 2006

مقال مطول يشمل عرضا وتحليلا ومناقشة
الملخص :
هذه محاولة لدراسة جانب من إنتاج الدكتورمحمد مندورالنقدي. ويتعلق الأمر بآرائه ومواقفه من الشعر العربي القديم. وقد قصرنا جهدنا على تتبع أهم هذه الآراء والمواقف ثم تحليلها ومناقشتها، في حدود فهمنا.
ورغم أهمية وخطورة هذه الآراء والمواقف فإن مندورا لم يفرد لها كتابا مستقلا أو بحثا خاصا مستفيضا. إذ أتت متفرقة وأحيانا متكررة بتمامها أو بأجزائها في كثير من كتبه ومقالاته. وغالبا ما تأتي ممتزجة بدراسته لقضايا أدبية ونقدية أخرى متنوعة، الشيء الذي جعل أكثر الدارسين والباحثين يغفلون عنها أو يتجاوزونها إلى قضايا أخرى تتعلق بالأدب الحديث في اتجاهاته ومناهجه وفنونه ومذاهبه وأعلامه، أو بعض قضايا النقد العربي القديم في تطوره وجموده، أو في علاقته بمناهج البحث.
ولذلك فقد حرصنا على جمع أهم هذه الآراء والمواقف المبددة، بحيث تبدو معزولة عن الأفكار والقضايا العامة، ومرتبة تأخذ بعض ملامح البحث المستقل.

- التصميم :
1 - الإطار الثقافي والمؤثرات العامة في فكر ومواقف الدكتور مندور:
أ ـ الروافد الغربية.
ب ـ الروافد العربية الحديثة.
ج - الروافد العربية القديمة.
2- دعائم النقد التطبيقي وتحليل النصوص الشعرية العربية القديمة.
3- مواقفه من الشعر العربي القديم:
أ - موقفه من الشعر العربي عامة.
ب - موقفه من الشعر الجاهلي خاصة

1- الإطار الثقافي والمؤثرات العامة في فكر ومواقف الدكتور محمد مندور:
ارتبط منهج الدكتور محمد مندور النقدي بالمجال الثقافي الإنساني الواسع الذي تطورت عبره آراؤه ومواقفه؛ فقد كان بالإضافة إلى اطلاعه على أمهات الكتب العربية القديمة، واستعداده لدراسة الأدب والقانون والاقتصاد أكثر انصرافا للنهل من منابع الثقافة الإنسانية، وخاصة الثقافة الفرنسية التي كانت سائدة خلال الثلاثينيات من القرن الماضي، دون أن ننسى الأصول الإغريقية.

وقد نبه أكثر دارسي إنتاج الدكتور مندور النقدي إلى هذا الاتجاه الشمولي في ثقافته ذات النزعة الإنسانية، بل إن بعضهم يعتبر هذه النزعة أبرز صفة في نقده (1).
ورغم هذا الاتجاه الشمولي المتعدد يمكن إجمال مراحل نمو مندور الفكري، كما أوضحها هو نفسه، في مرحلتين:

أ- مرحلة أكاديمية :
وهي مرحلة تدريسه بالجامعة. وقد تأثر فيها بثقافته اليونانية القديمة والفرنسية التي حصلها ب ” باريز”. وقد أفاد منها في كتابه ”النقد المنهجي عند العرب”، وفي أبحاثه في الأدب الحديث وقضايا الأدب ومناهجه في الدراسة على نحو ما هو واضح في كتابه ” في الميزان الجديد”، فضلا عن كتابه العزيز على نفسه” نماذج بشرية “.

ب- مرحلة استقالته من الجامعة واتصاله بالحياة المباشرة (2) .
ولن نقف عند تفاصيل هاتين المرحلتين اللتين أسهمتا في تكوين وتطوير مناهج مندور النقدية التي أجملها أيضا في ثلاثة وهي: ( المنهج الجمالي أو “التأثري”، المنهج التحليلي، المنهج الموضوعي أو الأيدلوجي (3)، ولكننا نكتفي هنا بملاحظة عامة تتعلق بمجمل إنتاج مندور النقدي وهي تعدد روافده، وتنوع مجالاته التي تشمل عددا كبيرا من فنون الأدب، ومن قضاياه القديمة والمعاصرة،العربية والغربية. بالإضافة إلى مشاغله السياسية والقانونية الكثيرة، والخصومات الأدبية التي خاض غمارها في ما كتبه من كتب وفى ما نشره من مقالات.
وقد قصرنا جهدنا على مجال واحد من اهتمامات مندور. وهو مجال الشعر العربي القديم.
ويجب أولا أن نشير إلى بعض الأسس التي يقوم عليها نقد الشعر العربي عند مندور:1 - تخضع جل آرائه ومواقفه من هذا الشعر إلى المرحلة الأولى التي أشرنا إليها سابقا؛ وهي مرحلة النقد الجمالي.
2- ظل مندور في استخلاصه لتلك الآراء والمواقف، كما أوضح في التصدير الذي مهد به لكتابه ” فن الشعر” معتمدا على نوعين من الدراسة(4):
- أولهما : الدراسات التاريخية لتطور الشعر عندنا وعند غيرنا من الأمم لكي يظل كما يقول : ” مرتكزا على ما أنتجت البشرية فعلا من شعر”(5)
- ثانيهما : النظريات الأدبية والفنية التي ظهرت عبر التاريخ. وكل ذلك لكي يستخلص في النهاية ” المقومات الأساسية التي لا يمكن أن ينهض الشعر بدونها ” (6) .
وهذا توضيح مهم من جانب مندور لأنه يؤكد المنحى الشمولي الذي أشرنا إليه سابقا، ثم ينبهنا إلى ضرورة ربط آرائه ومواقفه النقدية بشبكة من الخيوط الثقافية ذات الأصول القديمة والحديثة، وأخيرا تبين مدى استفادته منها ثم تطويعها لفهمه الخاص، ولصياغة مواقفه واستنتاجاته.

فلنقف أولا عند أهم العوامل التي ساعدت على بلورة رؤيته الجمالية التي تمثلها المرحلة النقدية الأولى، حتى نتبين مصدر كثير من آرائه ومواقفه، وكذا أصوله المنهجية في الفهم والتحليل.

أ– الروافد الغربية :
تأثر مندور في دراسته للأدب العربي القديم، خاصة بعد عودته من فرنسا سنة 1939م، بعد أن مكث بها تسع سنوات، بطريقة تدريس الأدب في الجامعات الفرنسية. وهي الطريقة التي تقوم، كما يقول، على ما يسمونه بشرح ” النصوص”؛ فقد غرس أساتذته في نفسه هناك “البحث عن الجمال في تفاصيل العمل الأدبي”( 7 ). وعماد هذا البحث الذوق الشخصي المعلل. وهذا هو مضمون المذهب التأثري أو الجمالي؛ لأن الأدب في أحد أهم المفاهيم التي يكررها في معظم كتبه “هو ما يثير فينا بفضل خصائص صياغته إحساسات جمالية وانفعالات عاطفية”.
وعلى العموم، وكما يؤكد مندور مرارا، فإن المذهب التأثري لابد منه في كل نقد لأن أي تحليل موضوعي لا يمكن أن يغني عن “التذوق الشخصي” (8).
وعلى أساس هذا التكوين أيضا صدر مندور، كما صرح بذلك، عن المذهب “التأثري”، خاصة في كتبه الأولى، “النقد المنهجي عند العرب” ثم في “الميزان الجديد” ثم “نماذج بشرية”(9) .
ومن أنصار هذا المنهج النقدي نذكر”جولي متر” و”إي ميل فاجيه”، يقول عنهما: “كنت أجد في كتبهما النقدية متعة روحية وجمالية لا نظير لها ترفع هذه الكتب إلى أرقى مستويات الأدب الإنشائي الخلاق” (10).
وبالإضافة إلى هذين الكاتبين نذكر أثر الناقد الفرنسي “جوستاف لانسون” الذي أعجب به مندور إعجابا بالغا وترجم في صدر حياته مقالته المعروفة ”منهج البحث في الأدب”، وأغرى الناس بقراءتها في صور مختلفة، كما يقول تلميذه عبد الكريم الأشتر:”وإن الإنسان ليقرأ نقده – أعني مندورا – فيجد أثر هذا الناقد حيثما اتجه فيه على الأغلب” (11) .
وعموما فقد كان لطريقة تدريس الأدب في الغرب التي اطلع عليها مندور أكبر الأثر في توجيهه إلى مجال النقد التطبيقي ومعالجة النصوص الشعرية، خاصة عند اشتغاله بالتدريس في الجامعة. وقد تحقق هذا التأثير في محاضراته التي طبعت. ونظن أنه قد حرص على أن تكون تلك المحاضرات نماذج تطبيقية لطلابه في التذوق والفهم والتحليل. ولكنها اقتصرت، فيما يخص الشعر، على بعض أعلامه من رواد حركة “البعث” و”التجديد” في أدبنا الحديث.

ب - الروافد العربية الحديثة:
تأثر مندور، قبل سفره إلى فرنسا، بالدكتور طه حسين الذي كان له أكبر الأثر في توجيهه ورعايته(12)، يقول مندور: “تأثرت قبل سفري إلى الخارج بالدكتور طه حسين في الصبر على فهم النصوص العربية القديمة، وإن كنت أعتقد أن تأثيره الأكبر كان كموجه نحو الثقافة العالمية وبخاصة اليونانية القديمة والفرنسية”(13).
أما تأثره بالأستاذ العقاد فقد كان، كما يقول، من ناحيتين: “أولاهما وصلنا ونحن شبانا بقضايا الفكر العالمية، وأما الاتجاه الثاني فقد جاءنا من حملته العنيفة هو وزميله في كتابهما “الديوان” على أدبنا العربي التقليدي ودعوتهما إلى التجديد والتطور والتقدم”
وتأثر مندور أيضا بالمازني، فقد أخذ من كتبه: “حصاد الهشيم” و”قبض الريح” ومقالاته فائدة كبرى من الناحية الجمالية(14).
وأخذ أيضا عن الدكتور محمد حسين هيكل ومن منهجه التاريخي العلمي في البحث(15).

ج - الروافد العربية القديمة :
وتأثر مندور بالإضافة إلى ما سبق، بالموروث النقدي العربي القديم. و قد أوضح بعض جوانب هذا النقد في رسالته الجامعية “النقد المنهجي عند العرب” التي قدمها لنيل شهادة الدكتوراه. و نخص هنا بعض ملامح النقد الجمالي كما تجلت في كتاب “الموازنة” للآمدي و”الوساطة” للقاضي عبد العزيز الجرجاني و كتابي: “أسرار البلاغة” و”دلائل الإعجاز” لعبد القاهر الجر جاني.

هذه هي أهم الروافد النقدية التي أثرت، فيما نظن، في تكوين منهج مندور الجمالي. وهو المنهج الذي ستأسس عليه، كما سنوضح بعد قليل، جل مواقفه من الشعر العربي القديم. وهذه الروافد تتجه في مسارين: أحدهما غربي والآخر عربي، يربط بينهما مندور هذا الربط الجمالي الذي أوضحناه. و رغم ذلك يؤكد مندور أن تكوينه لم يتم نهائيا إلا في أوربا وبفضل “الثقافة العالمية” التي استطاع تحصيلها هناك(16).
وإذن، فحديث مند ورعن الشعر العربي القديم لا ينبغي أن يعزل عن النظرية العامة للشعر، في مفهومه العام الذي استلهمه من الثقافة الأدبية الأوربية الحديثة والإغريقية القديمة، ومن الموروث النقدي العربي، بشقيه: القديم والحديث أيضا، وعند جميع أقطابه الذين امتدح ذوقهم ومنهجهم في فهم الشعر وتحليله. 2 ـ دعائم النقد التطبيقي وتحليل النصوص الشعرية القديمة:
ظل مندور رغم تطوره من المنهج الجمالي إلى المنهج الموضوعي أو الأيديولوجي حريصا على مبادئ النقد الجمالي. ويكاد مندور يقصر هذه المبادئ، في تطبيقاته، على الشعر باعتباره أصلح الأجناس الأدبية لمعالجة”التأثرية”(17) . فهو حتى في دفاعه عن الشعر”الجديد” نجده يستند إلى نفس الأسس الشعرية الخالدة بمقوماتها الثلاثة، وهي: (التصوير البياني، وومضات الوجدان، و موسيقى النغم اللغوي). على أن تنهض كل هذه المقومات وسط ما أسماه ب: “الجو الشعري”(18) .
إن مندورا يبدو تأثريا لأنه يحكم الذوق ويفضل الأسلوب الجمالي. وهو في هذا الاتجاه يلتقي مع الناقد العربي القديم الآمدي لأنه فطن، كما يقول، إلى الأهمية الكبرى التي نعلقها على “الصياغة” في الأدب (19) .
ويشرح مندور هذه العبارة مبينا حدود استعمال اللغة كوسيلة لغاية أدبية دون أن تطغى إحداهما على الأخرى فيقول:”والكاتب أو الشاعر هو من فطن إلى هذه الحقيقة ويكون من حسن الذوق وسلامة الحس بحيث يقيم النسب الدقيقة بين اللغة كوسيلة، واللغة كغاية في الأدب. فلا يسرف في اعتبارها وسيلة لأنه يحرم نفسه من عناصر هامة في التأثير؛ عناصر التصوير، وعناصر الموسيقى، و يحذر كذلك من أن ينظر إليها كغاية، فيأتي أدبه وشعره وقد غلبت عليه اللفظية وخلا من كل مادة إنسانية فكرا وإحساسا.
ومشكلة كهذه: أي حدود اللغة كوسيلة لغاية لا يمكن أن تحل نظريا، كما يرى مندور”وإنما يكتسب الإنسان إحساسا صادقا بحدودها بكثرة المران على النقد والنظر في مؤلفات كبار الكتاب والشعراء الذين نجحوا في هذا السبيل”(20) . ومن هؤلاء النقاد الذين نجحوا في هذا السبيل الآمدي. وقد عمد إلى نقل كثير من تعليقات هذا الناقد في كتابه “النقد المنهجي عند العرب”(21). ولا يخفي مندور إعجابه الشديد بهذا الناقد، فهو يعده أهم وأجدى مرجع لمعرفة الجمال والقبح في الاستعارة من كثير من مجلدات البيانيين. فهو تدريب للذوق وتبصير بمواضعه(22).
ويلحق القاضي عبد العزيزالجرجاني بالآمدي في مسألة الذوق. فكلاهما يفضل الشعر المطبوع على الصناعة(23). وإن تميز الجرجاني أكثر بنزعته الإنسانية التي يرد إليها كثيرا من آرائه في النقد. وهو في ذلك يختلف عن الآمدى الذي يغلب عليه النقد الفني الخالص، نقد الصياغة في ذاتها وعلاقاتها بطرق أدائها(24). وأعجب مندور أيضا بمنهج عبد القاهر الجر جاني ورأى فيه مزيجا من النحو والمعاني. والأساس في هذا المنهج، كما يبين مندور، هو النحو بشرط أن يشمل المعاني أيضا وأن لا يقف عند حدود الصحة اللغوية بل يتعداها إلى الجودة الفنية(25) .
حاولنا، فيما سبق وبتركيز شديد، أن نقف عند الإطار النظري والتطبيقي لآراء مندور ومواقفه التي سنعرض لها فيما يأتي. وهو إطار يستند على رؤية منهجية ذات صبغة جمالية تحاول أن تجد لها سندا في النقد القديم والحديث .

3- مواقف مندور من الشعر العربي القديم :
أ - موقفه من الشعر العربي عامة :
كان مندور، في حملته العنيفة، على ما أسماه ب “أنصار التقليد” و “البديع” شعراء وبلاغيين متسلحا بالرؤية الجمالية التي أوضحناها سابقا؛ ذلك أن انتصار البديع على”عمود الشعر”يعتبر في نظره، “أقوى ضربة نزلت بالشعر العربي، وما زالت حتى أحالته في عصوره المتأخرة إلى زخارف لفظية خاوية حرمته من كل جدة فكرية أو عاطفية أو فنية”(26).
وقد عمم مندور هذا الموقف السلبي على كل عصور الأدب العربية التي تلت العصر العباسي المتأخر خاصة، وصولا إلى أيام مندور نفسه.
وقد ظهرت بدايات هذا الانحراف منذ قدامه بن جعفر، ثم اتضحت أكثر مع العسكري الذي عاد إلى منهج قدامه “العقيم” في نظره. وكانت في تلك العودة “الكارثة التي لم تقف أضرارها عند حد والتي أتلفت الذوق الأدبي وأماتت الأدب إلى أيامنا هذه”(27) .
ونشير هنا إلى أن مندورا قد استمد بعض دعائم هذا الموقف من جهود ابن المعتز السابقة، خاصة في تتبعه لنشأة البديع وتطوره، إذ يلخص مندور هذه النشأة فيقول :”إن علم البديع ظهر أولا بطريقة تلقائية عند مدرسة من الشعراء يمكن أن يعتبر جذرها ممتدا إلى أهل الصناعة الشعرية في العصر الجاهلي أمثال أوس بن حجر وزهير بن أبي سلمى، وإن يكن هذا الاتجاه لم يتسع ويتخذ طابع المذهب إلا في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي ابتداء من الوليد بن يزيد وانتهاء إلى أبي تمام الذي جعل من المحسنات اللفظية مذهبا قائما بذاته سماه عبد الله بن المعتز في كتاب له باسم “البديع”(28). وتعليل هذا التحول في مسار البديع هو نفس التعليل الذي أوضحه ابن المعتز قديما. وهو مرتبط بطبيعة الشاعر القديم الذي كان لا “يقول إلا على قريحته ولا يعتصم إلا بمخاطره ولا يستقي إلا من قلبه”(29). ويستنير مندور في هذا الموقف أيضا بمحاولة القاضي عبد العزيز الجرجاني في فهم جماليات الشعر؛ فعبد العزيز الجرجاني في نظر مندور يفرق بين نوعين من الجمال في الشعر والأدب :
- أحدهما ظاهر شكلي تخطيطي سقيم، وهو يصدر عن البديع بما فيه من تجنيس وترصيع ومطابقة. وهذا هو لسوء الحظ ما غلب على الشعر العربي المتأخر منذ أن أعجب به المحدثون، وهو ما توفرت على دراسته البلاغة العربية في معظم أجزائها فأفسدت الذوق وردت الجمال إلى أوجه بديعية سقيمة(30).
- أما الثاني فيراه أعمق من الأول في الشاعرية والصدق وألصق بالقلوب. إنه الشعر الذي تحصل جماله الصدور ولا تحسه النواظر، ذلك الذي ” تحيط به المعرفة ولا تؤديه الصفة”(31).
وإدراك مثل هذا الشعر هو مجال الناقد الممتاز أمثال الآمدي والجرجاني، أما غيرهما من النقاد فلم ينتبهوا مثلهما إلى جماليات الشعر والنقد بل احتفلوا فقط بالزخارف في الشعر والنثر وبالموضوعات التافهة، وكان ذلك سبب حملته العنيفة هذه.
وعندما قامت حركة “البعث” أو”التجديد” في الشعر حاولت أن تتجاوز هذا المأزق فارتكزت، كما يقول مندور، على أساسين: أحدها غربي في تطلعه، وآخر عربي في صميمه، يتوخى بعث التراث العربي القديم ومحاكاته “في ديباجته الناصعة وقوة بيانه التصويري بعد أن كان انحدر خلال قرون الظلام إلى الزخارف اللفظية والمحسنات البديعية التي لا تدل إلا على العبث والمهارة التافهة، حتى ليصدق عليها أكبر الصدق تلك العبارة الخالدة التي هاجم بها ناقدنا العربي الفذ الآمدي البديع وفنونه بقوله: “إنه تطريز على ثوب خلق”(32).
ولحسن حظ مندور ، فقد وقع على عبارة الآمدي هذه، وتمسك بها بقوة ليهدم بها مرحلة طويلة من إنتاج شعرائنا على اختلاف ظروفهم وتنوع مشاربهم وتوجهاتهم في الحياة والفكر والشعور. وقد كان يحاول دائما أن يعثر في كل مكان على بعض المعاول القديمة والحديثة علها تفسح له أكبر مجالات الهدم.
لذلك، فإننا نعتبره في موقفه هذا أكثر نقاد الجيل الأول من القرن الماضي تشددا في رفض ذلك الشعر الذي تعددت بسببه، فيما يظن، التصانيف البلاغية. وهو يلتقي في هذا الحكم مع شعراء”المهجر الشمالي” وكذا أصحاب “الديوان” في حملتهم جميعا على ما أسموه بشعر “القشور والطلاء”.

ب – موقفه من الشعر الجاهلي خاصة
مقابل هذا الموقف “السلبي” لمند ورمن الشعر العربي عامة نجد له موقفا آخر يتعلق بالشعر”الجاهلي” . ويدخل تحت حكمه أيضا الشعر الأموي وجزء يسير جدا من الشعر العباسي.

وقبل أن نحلل هذا الموقف ونعلله ننبه مرة أخرى إلى ضرورة ربط هذا الموقف أيضا بذلك الإطار الجمالي الذي رسمناه سابقا؛ وهو الموقف الذي ظل يعززه دائما بتقديم مفاهيم كثيرة للشعر، وتحديد عناصره الجوهرية من مثل قوله: ” فالشعر لا بد أن يثير فينا احساسات جمالية وانفعالات وجدانية وإلا فقد صفته”.
ولتحقيق هذه الأهداف يشترط مندور ثلاثة عناصر أساسية في الشعر وهي :
ـ الوجدان في مضمونه أو الملكات النفسية ،
ـ الصور البيانية في تعبيره أو الأسلوب التعبيري ،
ـ موسيقى اللغة في وزنه(33) .
هذه هي المقومات الأساسية التي يبني عليها موقفه من الشعر “الجاهلي” بالإضافة إلى أساس آخر سنفصل القول فيه، وهو علاقة الشعر بالحياة .
وارتكازا على هذا الفهم يفضل مندور كل الشعر “الجاهلي” و “الأموي” على باقي الشعر العربي ، يقول : ” من الواضح لكل ذي بصر بالشعر أن قديم الشعر العربي أعني الشعر الجاهلي والأموي خير من الشعر العباسي وما تلاه إلى يومنا هذا(34).
ويرى أيضا أن “الشعر الجاهلي والأموي خير ما أنتج العرب القدماء من الناحية الفنية الخالصة(35) .

ويستند مندور في تعليل هذا الموقف، إلى ما أسماه ب (الطفولة الأدبية والسذاجة الغامضة للشعر)، “لأن خير أشعار الشعوب هو ما قالته أيام بداوتها الأولى حتى ليخيل إلينا أن الشعر الجيد لا تستطيعه إلا النفوس الوحشية الغفل القوية، وإذا استطاعه أحد من المتحضرين فهو في الغالب رجل أقرب إلى الفطرة منه إلى المدنية العقلية المعقدة(36) . ويوضح ذلك أكثر فيقول :”ولقد يكون في عنف الرجل البدائي وقصر مدركاته على معطيات الحس وصوره ما يفسر تلك الظاهرة”(37).

ولكن، كيف يصدق هذا التصور على شعرنا العربي؟ وهنا يلجأ مندورإلى التصنيف؛ فيفرق بين نوعين من الشعر: شعر أصيل متقدم غفل صادر عن الطبع ينطبق عليه التصور السابق، وآخر مبهرج متأخر متحضر صادر عن التقليد، يقول: “وفي تاريخ الأدب العربي … ما يزيد من رجحان كفة قديم الشعر على حديثه، وهو صدور القديم عن طبع وحياة، وصدور أغلب الحديث عن تقليد وفن”(38) .
ومما لا شك فيه أن هذا التعليل ينطوي على سمات انطباعية ذاتية مسرفة ترجع، فيما نعتقد، إلى قناعات صاحبه التي تولدت عن المرحلة الجمالية (39)، وكذا لما استقر في نفسه من آثار قراءته في الأدب الإغريقي. ففي حديثه عن الملاحم الإغريقية نجده يستعمل عبارة أخرى تشبه في مدلولها النفسي عبارة “البداوة الأولى” وهي عبارة “السذاجة الساحرة” للملاحم الإغريقية مما يؤكد أيضا ارتباط هذا الموقف بنظرته الواسعة.

وهذا الموقف يشبه إلى حد كبير موقف بعض الرومانسيين الحالمين من تعقيدات الحضارة، وحنينهم إلى فطرة الإنسان الأول، إنسان الغاب. وقد أكثر بعض هؤلاء من وصف “الوحشيين” و”الفطريين” السذج(40). كما ينطوي هذا الموقف أيضا على بعض الغموض “الرومانسي”، ولكنه،ربما، قد يزول إذا أسلمنا أنفسنا، مثله، إلى هذه المشاعر الغامضة المفعمة بالسحر أثناء قراءتنا لأشعار الطفولة البشرية، للإنسان الأول الذي لم يقم وزنا كبيرا للمعرفة والبحث والتفكير!!
فمن الثابت عند مندور أن الشعر “لا يحتاج إلى معرفة كبيرة بالحياة ونظر فيها، بل ربما كان الجهل أكبر مواتاة، وكثيرا ما يكون أجوده أشده سذاجة”(41) .
يقرن مندور إذن، وكما يفهم من قوله بين الأصالة في الشعر و”القُدمة” التي عبر عنها ب “البداوة الأولى”. وهذه الأصالة تفتقد تدريجيا كلما ابتعدنا زمنيا عن المرحلة “الغفل ” من حياتنا البشرية. و”القُدمة” كما نعرف من أهم مقاييس النقد العربي القديم. وقد ارتبطت هذه التسمية أساسا بفكرة “الفحولة” و”الطبقات”.

علاقة الشعر ” الجاهلي ” بالحياة :
يترتب عن القول السابق بسذاجة أشعار الأمم القديمة وفطرتها وبداوتها ارتباط هذه الأشعار بالحياة ارتباطا تلقائيا لا يشوبه تعقيد فكري أو فلسفي. فعظمة الشعر “الجاهلي”، في رأي مندور، تتمثل في ألفته وبساطته واقترابه من الحياة(42). وهذا هو الأصل الذي يستند إليه في تفضيله لهذا الشعر، كما ألمعنا إلى ذلك سابقا، فعبارات: الألفة، البساطة، الاقتراب من الحياة، يمكن أن تتلخص في كلمة واحدة هي الصدق والبعد عن تهمة”التقليد”. فقد كان الشعر “الجاهلي” صادقا وكذلك الشعر الأموي “لأن كليهما أخلص لبيئته ونوازعها ومثلها وطبيعة حياتها فهو من شعر الطبع” (43) .

فلا مجال إذن، عند مندور لوصف الشعر “الجاهلي” أو الأموي بالتكلف “لأن التكلف في آداب العالم أجمع لم يظهر عادة إلا في عصورها المتأخرة عندما يطغى التقليد على الطبع”(44) . لذلك، فقد أخطأ ابن قتيبة، في نظره، عندما وصف شعر زهير والحطيئة بالتكلف.
ورغم إيمان مندور بضرورة الصناعة والجهد غير أنه يجعلهما آخر مراحل العملية الشعرية. و هذه المراحل عنده، هي:( الطبع، الدوافع، الإرادة، الصناعة). وهذا ما لم يفطن إليه ابن قتيبة في نظره(45). فما يحسبه ابن قتيبة تكلفا في شعر زهير يعتبره مندور تجويدا وتثقيفا وصقلا.

ولا شك أن مندورا في تقسيم العملية الشعرية إلى المراحل الأربعة السابقة يجمع ما تفرق في كتاب ابن قتيبة ” الشعر والشعراء”. ثم إننا نجده يعطي لمصطلح “التكلف” بعدا قد لا يرضاه كثير من النقاد لسبب أساسي، فيما نظن، وهو تجريد هذا المصطلح، ثم عزله عن النظرية العامة للشعر، كما جاءت عندا بن قتيبة.

وبما أن مفهوم الشعر عند مندور يرتكز على الوجدان، فلا شك أن يكون تفضيله للشعر “الجاهلي” قائما على نفس هذا الأساس ” فالشعراء الأوائل كانوا يقولون الشعر للتعبير عن ذواتهم وما تطبعه مشاهد الحياة في نفوسهم من انطباعات “(46). ومن أهم الانطباعات التي يذكرها مندور انطباعات الديار والأطلال والرسوم الدارسة.

وبعد أن استقر مندورعلى موقفه من الشعر”الجاهلي” وعلل ذلك بما أثبتناه من مرتكزات، وهي: (الطبع، والصدق أو القرب من الحياة ، والوجدان) سهل عليه أن يقابل بين الشعر “الجاهلي” وبين غيره من الشعر اللاحق، وأن يقيم جملة من الموازنات والمفاضلات، انطلاقا من تلك المرتكزات خاصة، وانطلاقا من مرحلته التأثرية الجمالية، ثم انطلاقا من الاتجاه العام لثقافته؛ فالشعر”الجاهلي” يختلف عن الشعر العباسي، وبخاصة المتأخر منه لأن هذا الأخير ابتعد عن الطبيعة واكتفى بتقليد الشعر ” الجاهلي” والأموي. وكان ذلك، كما يستنتج، بدء “جفاف نبع الشعر العربي وتحجره، وطغيان التقليد عليه حتى أصبح شعر صيغ وقوالب أكثر منه شعر طبع وطبيعة”(47).

والمهم عندنا، أن مندورا يفترض تفاوتا واضحا بين مراحل أدبنا المختلفة: فعلى ضوء فكرة ”علاقة الشعر بالحياة ” إحدى مرتكزاته الأساسية في مواقفه الأدبية، نجده ينبه في كثير من الأحيان على فترات ذلك الانقطاع الذي كان يحصل بين الشعر العربي ومادته، أو بينه وبين واقع الحياة؛ “فإذا وجدت علاقة ما بين حياة بعض شعرائنا مثلا وشعرنا، كما هو الحال في أبى نواس والمتنبي وأبى العلاء، وكما كانت الحال في الأدب الجاهلي والأدب الأموي فإنك لن تجد شيئا من ذلك عند الشعراء المقلدين”(48). ويمثل مندور، هنا بالشاعرين الكبيرين أبى تمام والبحتري اللذين ينعتهما ب ” الكلاسيكيين الجديدين “(49).

وإذا كان الشعراء الأوائل، استنادا إلى مقياس الصدق، قد اهتدوا بأنفسهم إلى تشبيه الرسم الدارس بالوشم في ظاهر اليد فإن من تلاهم لم يعدوا التقليد(50).

فهو يشترط هنا، وكما يفهم ضمنيا، مقياسا آخر لتفضيل الشعر القديم، وهو مقياس “السبق”. وهذه الكلمة ترتبط في نقدنا العربي القديم بمصطلح ” القُدمة” المشار إليه سابقا.
ويطلق مندور صفة “السبق” بصورة مطلقة على الشعر “الجاهلي” والأموي في حين لا يطلقها إلا بصورة جزئية على العصور التالية لهما. فهو لا يميز من بين أعلام العصر العباسي، على طوله واضطراب موجة الحياة فيه، من الشعراء غير عدد قليل لا يتجاوز أصابع اليد.

والسؤال الكبير الذي يفرض نفسه الآن هو : ما هو المقياس الذي يتبقى لدراسة باقي الشعر العربي الذي لا يدخل في الدائرة المفضلة عند مندور، فهل نتركه ونبعده عن مجال الدراسة والبحث ؟ ثم هل تكفي مرتكزات مندور السابقة للدراسة والمفاضلة؟.
فمما لا شك فيه أن الشعر العربي قد عرف بعد العصر الجاهلي والأموي مستويات أخرى لم تعهد من قبل. وقد اتخذت بالإضافة إلى الأشكال الرسمية أشكالا ذاتية وموضوعية و “شعبية” جديدة، ولا شك أيضا أن هذه الأشكال قد تلونت بحسب ظروف الزمان والمكان؛ بين شرقية ومغربية وأندلسية. هذا فضلا عن عوامل أخرى كثيرة مؤثرة كالاستقرار والفتن والحروب ثم التفاعل الحضاري الذي شهدته أغلب المناطق العربية مع الفرس والترك والروم والأوربيين. وكل هذه العوامل لم يحسب لها مندور حسابا يذكر، وإنما اكتفى بمعياري : “التقليد” و “الصدق” كأساس للمفاضلة والتمييز بين مراحل شعرنا المختلفة.
وبسبب هذا التصنيف الصارم الذي يقيده مندور بحدين متطرفين : إبداع أو اتباع ولا ثالث لهما يمكن أن يقبل التوسط، يصعب علينا تمييز فنون الشعر العربي وتياراته وعصوره، فضلا عن خصوصيات شعرائه في مختلف المراحل.

خاتمــة :
هذا هو موقف الدكتور محمد مندور من الشعر العربي القديم عامة، و”الجاهلي” خاصة؛ وقد رأيناه يفضل ويدافع عن الشعر “الجاهلي” ثم الأموي وجزء يسير جدا من الشعر العباسي. أما باقي الشعر العربي فلا يعد أن يكون نسخة مزخرفة للشعر القديم، فقد قضت عليه آفة التقليد، وزادته محاولات النقاد والبلاغيين، من مثل قدامه بن جعفر وأبي هلال العسكري ضعفا وتحجرا، بل تفاهة. فهو لا يرى لغير هذا الشعر المفضل عنده فضلا إلا في تجويد العبارة عن المعاني المستهلكة، والتفنن في البديع.
ويمكن، في الختام، أن نضع موقف الدكتور محمد مندور من الشعر ” الجاهلي “إزاء موقف أستاذه الدكتور طه حسين لكن بشكل معكوس، وبحذر شديد، إن جاز لنا ذلك؛ على أساس أن الأول يقبل ويفضل من هذا الشعر ما يرفضه الثاني، أو ما يشك في وجوده أصلا. وهذا أمر آخر قد يحتاج إلى وقفة أخرى أكثر تفصيلا وأبعد عمقا، وذلك بهدف تقويم ومراجعة حصيلة نقادنا في القرن الماضي. انتهى ./ ….
———-
الهوامش :
(1)- انظر على سبيل المثال مقالا للدكتور عبد الكريم الأشتر تحت عنوان : مندور الإنسان والناقد . مجلة المعرفة ( السورية ) ع/179، كانون الثاني، 1977 ، ص 102. وانظر أيضا تعقيبا وردا على هذا المقال بنفس المجلة للكاتبة فاطمة ازميرلي تحت عنوان : مندور والنقد. نفس السنة، ع/181، ص179 . وأطلق الدكتور محمد برادة على هذا الاتجاه الشمولي صفة “الإنسانوية” .انظر أطروحته حول مندور المترجمة إلى العربية تحت عنوان : محمد مندور وتنظير النقد العربي . الفصل /1، ص31 . وانظر أيضا مقالا تحت عنوان ” ذكريات مع بابا مندور ” مجلة الآداب (البيروتية) ع/5 ، سنة 1968 ، ص 74 ، وع/ 1 ، سنة 1961 ، ص 37 .
(2)- انظر إشارته إلى ذلك في كتابه ” النقد والنقاد المعاصرون ” ص 223 . وانظر أيضا تفاصيل هذه المراحل في كتاب الدكتور محمد برادة المشار إليه سابقا . وانظر أيضا كتاب هنري فياض ” محمد مندور رائد الأدب الاشتراكي ” ط/2 ص 44.
(3) - فن الشعر، ص 3
(4)- نفسه.
(5)- نفسه.
(6) - انظر حديثه عن منهج تفسير النصوص في مقدمة كتابه ” في الميزان الجديد “، ص 4.
(7) ـ في مواضع متفرقة من “النقد المنهجي عند العرب”.
(8)- حاولنا إحصاء كلمة ” ذوق ” في كتابه ” النقد المنهجي عند العرب ” وحده وتبين لنا أن عددها يتجاوز المائة. وهذا دليل واضح على اعتماده المنهج ” التأثري” في هذا الكتاب.
(9) - مجلة الآداب ( البيروتية)، ع/1، 1961، ص 37 .
(10) - نفسه.
(11)- مقال الدكتور الأشتر المشار إليه سابقا، ص 115.
(12)- راجع على سبيل المثال علاقة مندور بطه حسين في كتاب هنري فياض المشار إليه، ص 11 .
(13)- مجلة الآداب ( البيروتية )، ع/1، 1961، ص 39 .
(14)- نفسه .
(15)- نفسه.
(16)- نفسه
(17)- النقد والنقاد المعاصرون، ص 223 .
(18)- مجلة الآداب ( البيروتية)، ع/1، 1961، ص 39 . وانظر أيضا كتابه ” قضايا جديدة في أدبنا الحديث “، ص 12 . وقد ظل مندور حتى آخر مقالاته في الشعر ناقدا يتحرك فهما ومنهجا في إطار النظرية التعبيرية، كما صرح بذلك الدكتور جابر عصفور، مجلة الثقافة، ع/1، سنة /10، كانون الثاني، بغداد، 1980 .
(19)- النقد المنهجي عند العرب، ص 123 .
(20)- نفسه.
(21)- المصدر نفسه، ص 124 .
(22)- المصدر نفسه، ص 140 .
(23)- نفسه.
(24)- المصدر نفسه، ص 263 .
(25)- نفسه. وانظر أيضا إشارته إلى إعجابه بالجر جاني في كتابه ” في الميزان الجديد “، ص 127 .
(26)- فن الشعر، ص 148 .
(27)- النقد المنهجي عند العرب، الفصل السابع ( تحول النقد إلى بلاغة ، ص 32.
(28)- الأدب وفنونه ، ص 164 .
(29)- النقد المنهجي عند العرب، ص 140. وهو ينقل عن صاحب ” البديع ” .
(30)- المصدر نفسه، ص 274 .
(31)- هذه العبارة تتردد كثيرا في كتب مندور. وهي فيما نظن توحي بنوع من الغموض السحري الخفي الذي يميز رؤيته الجمالية. وهي، كما أشار مندور نفسه إلى ذلك، عبارة قالها إسحاق الموصلي وقد سأله الخليفة أن يصف له الأنغام. في الميزان الجديد، ص 10.
(32)- انظر مقالا له تحت عنوان ” معركة الأدب بين الشيوخ والشباب”، مجلة الآداب (البيروتية )، ع/5، 1957 ،ص 11.
(33)- فن الشعر، ص5 . والأدب وفنونه، ص 31.
(34)- فن الشعر، ص 144.
(35)- نفسه.
(36)- النقد المنهجي عند العرب، ص 17 .
(37)- نفسه.
(38)- نفسه.
(39)- الطابع المميز لهذه المرحلة، في نظر الدكتور محمد النويهي هو الكلاسيكية المسرفة والرومانسية المسرفة أيضا. مجلة الآداب (البيروتية)، ع/3، 1976، ص 123.
(40)- راجع على سبيل المثال الفصل الثاني الذي خصصه الدكتور محمد غنيمي هلال للحديث عن الفرد والمجتمع، ص 123. والفصل الثالث : الطبيعة في الأدب الرومنتكي، ص 169.
(41)- النقد المنهجي عند العرب، ص 17.
(42)- نقد الشعر عند مندور، مقال للدكتور جابر عصفور، مجلة الثقافة، ع/1، 1980، ص 21.
(43)- فن الشعر، ص 146.
(44)- النقد المنهجي عند العرب، ص 40.
(45) ـ المصدر نفسه، ص 39.
(46)- الأدب وفنونه، ص 58.
(47)- فن الشعر، ص 146.
(48)- في الميزان الجديد، ص 178.
(49)- ترد هذه العبارة كثيرا في كتابه ” النقد المنهجي عند العرب ” وفي غيره مقترنة بالشاعرين المذكورين.
(50)- النقد المنهجي عند العرب، ص 361.

مصادر ومراجع :
1 – كتب الدكتور محمد مندور :
إبراهيم المازني. محاضرات ألقيت سنة 1945، در نهضة مصر .
الأدب وفنونه، مكتبة نهضة مصر، القاهرة.
خليل مطران، محاضرات ألقيت سنة 1945، دار نهضة مصر.
في الأدب والنقد، دار نهضة مصر.
فن الشعر، سلسلة المكتبة الثقافية، رقم 305، الهيئة العربية المصرية العامة للكتاب، 1974.
في الميزان الجديد، ط/3، مكتبة نهضة مصر.
قضايا جديدة في أدبنا الحديث، دار الآداب البيروتية، كانون الثاني، 1958.
النقد المنهجي عند العرب، مكتبة نهضة مصر.
النقد والنقاد المعاصرون، مكتبة نهضة مصر.

2 – مراجع حديثة :
الرومنتكية، محمد غنيمي هلال، بيروت، دار الثقافة، 1973.
محمد مندور رائد الأدب الاشتراكي، هنري فياض. دار الثقافة بيروت ومكتبة النهضة السودانية، الخرطوم ط/2، 1977.
محمد مندور وتنظير النقد العربي، الدكتور محمد برادة، دار الآداب البيروتية، ط/2 ،كانون الثاني، 1979.

3 – المجلات :
مجلة (الآداب ) البيروتية، عدد/5، 1957 وعدد/1، 1961 وعدد/3، 1967 وعدد/5، 1968.
مجلة ( المعرفة ) السورية، عدد /179، كانون الثاني،1977 وعدد/181، آذار مارس، 1977.
مجلة ( الثقافة ) العراقية، عدد/1، السنة /10، كانون الثاني، 1980 .

العالم الآخر بين المعري والوهراني

كتب يوم الأحد,نيسان 16, 2006

المحور الأول:
العالـم الآخـر وتشكله السـردي، بين “رسالـة الغفـران للمعـري” و”منامـات الوهــراني”.

سؤال الانطلاق:
كيف توصل أبو العلاء المعري وركن الدين الوهراني إلى إجراء أحداث حكايتهما على مسرح ”العالم الآخر” في عملهما الفني والأدبي؟

هناك سلسلة معقدة ومترابطة من العوامل والمراحل مهدت لذلك. والقضية هنا لا تتعلق بأسبقية المعـــري أو غيره في جعل فكرة “العالم الآخر” محور عمل أدبي فني بقدر ما يتعلق الأمر ببلاغة نص أدبي حاول أن يختط طريقة جديدة في الكتابة النثرية، وفي التأليف” القصصي” أو السردي بالمفهوم العام للسرد، وربما تكون شكلتهـــــــا ظروف وشروط واحتياجات فنية كان يتطلبها العصر آنذاك سواء في شرق العالم الإسلامي أو غربه.

ولا تهمنا هنا فكرة “العالم الآخر” من الناحية القرآنية أو “الحديثية” أو حتى من ناحية العقائد الموروثة عن مرحلة ما قبل الإسلام فيما يتعلق بالبعث والنشور، والجنة والنار، والثواب والعقاب، والذنوب والغفران، والشياطين والتوابع. فهذه أمور معروفة ومقررة، وقد ألقت بظلالها الكثيفة، فعلا، على أعمال المعري والوهراني مثلهما مثل كثير من الشعراء والأدباء منذ العصر الجاهلي وإلى الآن، وإلى أن يشاء الله. وإنما الذي يهمنا، هنا، أكثر هو كيف وقع التعامل مع فكرة “العالم الآخر” تعاملا فنيا صرفا في رسالة الغفران للمعري وفي منامات الوهراني، وما هي العوامل المستجدة المؤثرة في ذلك؟

1- عامل الإخفاق وصلته بالنوم والحلم أو اللامعقول :
كانت معاناة كل من المعري والوهراني شديدة مع عصريهما وواقعيهما. إذ لم يوفق أي واحد منهما في أن يصبح كاتبا من كتاب الدولة الرسميين المقربين أو شاعرا من شعراء البلاط المُقَدَّمين، ربما لتركيبتهما النفسيـــة الخاصة التي جبلا عليها، لينضما بذلك إلى زمرة الأدباء الذين قُدر لهم أن يكتبوا خارج دائرة البلاطات الرسمية. وممــا زاد وضعهما تعقيدا اضطراب موجة الحياة من حولهما؛ فقد أخفق الوهراني في رحلته إلى المشرق التى عـول عليها كثيرا أسوة بغيره من المرتحلين من أهل المغرب، وهو المغربي الذي ظل حريصا في أدبه وكتابته على جميع صفاته المغربية، كما تدل على ذلك رسائله ومقاماته ومناماته.
ويظهر من أخباره القليلة المتفرقة ومن كتاباته المغمورة أنه لم يستفد من هذه الرحلة التي قام بها إلى بلاد المشرق خلال القرن الهجري السادس شيئا بخلاف معاصره ابن جبير مثـــلا الذي أبدى إعجابه وسعادته بحكم الموحدين والأيوبيين.

أما المعري، وهو ابن الشام فقد عاد من رحلته العراقية إلى بغداد خائبا. وقد حكم على نفسه بعد هذه الرحلـــة المشؤومة حكما قاسيا، وجعلها رهينة حبس اختياري في بلدته الصغيرة ”المعرة” بالشام، كما هو معروف ومتــداول. وقد أسهب الدارسون في تحليل أسباب عزلة المعري هاته، وذهبوا في ذلك مذاهب شتى.

ومن المعلوم أن الرحلة إلى بغداد أضحت منذ وقت مبكر، مصدر شؤم وخطر كبيرين بالنسبة لكثيـــر مـــــــن الشعراء والكتاب خلال عهود طويلة من تاريخ العباسيين وحتى بعد انقراضهم؛ فقد تهيبها المتنبي رغم شموخه النفسي والشعري، وآثر عليها دولة بني حمدان الصغيرة في حلب، وربما ازدادت بعد المعري شؤمــا ولؤمــا، على نحو ما صورته “لامية العجم” للطغرائي في بداية القرن الهجري السادس.

وعلى العموم فقد كان هذا الإخفاق، في تقديرنا، أحد الدوافع المهمة التي هيأت لكل من المعري والوهرانـي الوقت الكافي والجو النفسي الملائم للتأمل والانطلاق نحو آفاق جديدة لإبداع كتابة بعيدة عن الأدب الرسمـــــــي المتمثل في الرسائل الديوانية والقصائد المدحية، وربما ليصبح هذا النوع الجديد من الكتابة ذلك البديــــــل أو “المعادل الموضوعي” لذلك الأدب المتداول، في حالة التنافر وانعدام التوافق بين جاذبية الذات والموضوعات الخارجية التى قد تحتاج إلى مقاومة أو مناورة خاصة يبدو أنها لم تتوفر لهما.

وربما يكون عامل الإخفاق هذا هو الذي دفعهما إلى ملأ تلك الهوة القائمة بين أدبهما وواقعهما بكل نقيـــض وعجيب وغريب، ولتنضح كتابتهما، بسبب ذلك بكثير من السخط والسخرية والاستخفاف بالناس وعــــــــــدم التعويل عليهم. إذ لا فرق، عندهما بين قريبهم و بعيدهم، وحيهم وميتهم، وحاضرهم و غابرهم، وجــــــدهم وعبثهم.
وهكذا، فقد أكثر الوهراني من ذم الدنيا وأهلها، فلم يترك رذيلة ولا نقيصة رآها في أهل عصره إلا وأعلنها مصرحا تــــــــارة، وملمحا تارة أخرى.

أما قصة المعري في الطيرة والانقطاع عن دنيا الناس والقسوة عليهم والرأفة بالحيوان والهوام مقابل ذلك، فهي معروفة. ولذلك فقد أكثر في مؤلفاته من ذكر الموت والاستعداد له، ووصف عمليات الدفن والإقبار. وهذه كلها عتبات نفسية وذهنية وفكرية لولوج “العالم الآخر” أو بالأحرى عالم “اللامعقول”.

وإذا كانت صلة المعري والوهراني بالأحياء غير مجدية في واقعهما، فهل فكرا من خلال خيالهمـــــا أو “لا وعيهما” في الاتصال بالأموات، والتماس علاقة أخرى بين عالم الأرض وعالم السماء، ولو عن طريق تداعي الأفكار والتخييل وافتعال الموت، من طريق النــوم أو التنــــاوم أو “المنـــام”، حسب تعبير الوهراني؟؟!!.

يقول المعري في “الفصول والغايات” منبها إلى أهمية النوم في تقريب المسافة بين الحياة والموت، وفي إيقاظ “اللاشعور”، وفي فتح أبواب التخييل التي يمكن أن تسلمه إلى “العــالم الآخــر” بفضائه وأشباحه، وشخوصه الغريبة أو الممسوخة :
( هل للمنية نسب إلى الرقاد. لا أتخيل إذا انتبهت أحدا من الأموات، وإذا هجعت لقيني قريب عهد بالمنية، ومن قد فقد منذ أزمان، أسألهم فيجيبون، وأحاورهم فيتكلمون، كأنهم بحبال الحياة متعلقون ).

2- تأثير المقامة :
لقد كان لنجاح المقامات الباهر قبيل عصر المعري، بقليل، أثر كبير في توسيع دائرة التخييل عند الكتـاب. وهذا النجاح دفع ببعض الأنواع النثرية ذات المنحى القصصي أو السردي إلى مزيد من النضج والاستقـــلال التدريجي عن نمط الكتابة النثرية الفنية المعروفة بشقيها الديواني و الإخواني، لذلك فإننا لا نعجب إذا رأينــــا الصفدي صاحب (الوافي بالوفيات) يطالب بجعل المقامات وما شابهها قسما مستقلا بذاته بعيدا عن ” الترسل”؛ يعني أدب الرسائل والإنشاء، وذلك قبل أن يتطور فن السرد والقص، بمفهومه الحديث بزمان.

ولعل أهم فكرة جاءت بها المقامة بالإضافة إلى حليتها اللغوية وحيلها المعنوية هي فكرة “البطل النموذجي” أو الافتراضي الذي يمكن أن يشبه كل الناس، ولا يكون أحد الناس. وفي المقامة - كما هو معروف - يتوارى الكاتب وراء “بطله النموذجي” هذا تاركا له حرية القول والفعل، مكتفيا فقط بمراقبته من بعيد.

غير أن المعري والوهراني يختلفان عن صاحب المقامات في أسلوب استدراج أبطالهما على مسـرح حكاياتهما؛ فقد استغل المعري والوهراني مناسبة ورود خطاب عليهما، فكان جوابهما على الشخصيـن المقصودين بالخطاب أن اقترحا عليهما رحلة خيالية و”عجائبية”. ولم يكتفيا بالجواب فقط بل جعلاهما بطلين لحكايتهما، يحاوران الشخوص المتخيلة والمستحضرة على مسرح “العالم الآخر” الذي يتعرفان على تفاصيله و يزجان قسرا في أحداثه وأهواله.

كما أن اختيارهما لهذه الشخوص قد تم بعناية فائقة بحيث تكمن النوايا والأهداف غير المعلنة لكل واحد منهما وراء اختياره لهذه الشخصية أو تلك.

المحور الثانـــــي :
العلاقـــــــة بين المقـــــدس وفن الســــــــرد :

تفيض رسالة الغفران ومنامات الوهراني بمشاهد ولوحات ” قصصية” تتنافى مع القداسة الدينية التي يفترض أن تحيط بموضوع العالم الآخر المقدس أصلا. إذ لم يأبها بالمحظور الديني، وراحا يضمنان الآيات القرآنية، ويزجان باسم الرســـول ( صلى الله عليه وسلم )، والملائكة والخزنة، والشخصيات الإسلامية والتاريخية والعلمية والأدبية، فــــي مواقف وسياقات قد تتجاوز حدود اللياقة، بل وتنضح - في بعض الأحيان - بالخلاعة والمجون، كما هو الشـأن بالنسبة للوهراني، في مناماته.
وسنقتصر، هنا، على ذكر بعض المشاهد واللوحات الفنية الغنية عن كل تعليق.

أ ـ بالنسبة لرسالة الغفران للمعري :
من المشاهد التي تطالعنا في رسالة الغفران مشهد “العربدة” بين الندماء في الجنة، حينما افتعل المعري على لسان ابن القارح منافرة بين الشاعرين الجاهليين : الأعشى والنابغة الجعدي، قال موبخا لهمـــــــــــــا:
( يجب أن يُحذر من مَلَك يعبُر فيُرفع حديثه إلى الجبار الأعظم فلا يجُر ذلك إلا إلى ما تكرهان ).
ويسخر المعــري في مشهد آخر من نظرية ” شيطـــان الشعــر” التي بنى عليها ابن شهيد رسالتـه ” التوابع والزوابع”، ونظم لهذا الغرض أشعارا غريبة على لسان رئيس الجن الشيخ ” أبي هدرش”.
وفي إحدى الجلسات اللغوية تضم كبار اللغويين العرب يمتحنهم بطريقة ساخرة في وزن كلمة “إوزة”…
وهكذا يمضي المعري مع ابن القارح في “العالم الآخر” يشغل الملائكة والخزنة بمجموعة هامة من المسائل الأدبية واللغوية والنحوية والصرفية المعقدة.

وقد أعطى بهذا الأسلوب لونا ”مدرسيا” لرسالته قصد فيه، من خلال حوار ابن القارح مع شخوص العالم الآخر إلى استعراض معرفته العميقة بقضايا الشعر العربي واللغة والفكر والشعر والنقد منذ عهد امرئ القيس إلى عصر المتنبي. وكان يستطرد، من أجل ذلك، استطرادات تكسر خط السرد في حكايته، و تخل بانتظام الصورة الكاملة للوحاته، وهذا بخلاف سرد الوهراني الذي يمضي متصلا غير منقطع، إذ تتكامل عنــــده هذه الصورة، من حيث انتظام وتدرج مسار الأحداث حتى تصل إلى نهايتها المحتومة.

ويبدو أن المعري يسير شخصياته في حكايته وفقا لحاجات وأغراض شخصية معينة لا يفصح عنها وإنما يمكن استنباطها من خلال الملابسات العامة التي يفتعلها لحكاياته. إذ كان يهيئ لألفاظه ولقضاياه اللغوية والأدبية والفكرية التي تشغله، في المقام الأول السياق والمشهد المناسبين، وفي المقام الثاني ليدلي من خلال ذلك بآرائه، ويفصح عن عقيدته ومواقفه التي يمكن أن نجملها في ثلاثة أغراض رئيسية :

1 - الرغبة في إظهار التفوق على معاصريه، بل وسابقيه أيضا، باستعراض معرفته الواسعة الدقيقة بقضايا اللغة والأدب والدين.
2 - انتقاد سلوك الناس في عصره، وتسفيه آرائهم في المسائل اللغوية والأدبية والدينية.
3 - أما الغرض الثالث الذي من أجله سميت هذه الرسالة ب “الغفران “ فهو البحث عن مُخبر يُعلمه كيف يكون مآله، بعد الموت : هل في الجنة، إن غفر له، أم في النار؟!.

وهذا ما توضحه كثير من المشاهد. وخاصة ذلك المشهد الخاص بزهير بن أبي سلمى وعبيد بن الأبرص؛
فعندما مر ابن القارح بقصريهما في الفردوس التمس لقاءهما ليسألهما لم غفر لهما؟.

وعندما استمع إلى جوابهما واطمأن إلى مصيرهما زاد أمله في الغفران، وطمع في السلامة والنجاة لنفسه، ولطائفة كبيرة من الشعراء. وخاصة أولئك الذين امتحنوا في حياتهم، واتهموا في عقيدتهم.

ب- بالنسبة للوهراني(1) :
أما ركن الدين الوهراني فقد كان في ” منامه” أمعن في النقد الساخر والتهكم الماجن. كما كان منطق السرد عنده أشد إحكاما وانتظاما :

و” المنام ” عبارة عن مكاتبة شأنها في ذلك شأن رسالة الغفران؛ يفتتحها بمقدمة ساخرة في المعاتبة، على طريقة كُتاب الرسائل الإخوانية، ثم يتبعها ب “المنام”؛ وهو سرد لمجموعة من المشاهد المتتالية المتصلة، والمواقف الغريبة يراها في منامه. وتجري أحداثها يوم الحشر على غرار مشاهد رسالة الغفران لكن، بأسلوب بسيط واضح يتضاءل فيه ذلك الاقتدار اللغوي الهائل الذي نجده في رسالة الغفران خصوصا، وفي سائر ما أنتجه المعري عموما. وينتهي المنام بحركة صاخبة تفزعه وتوقظه من النوم. وبهذه الحركة يوقف الوهراني حركة السرد ثم يختم” المنام” باعتذار لطيف للمكتوب إليه، على طريقة كتاب الرسائل المتمرسين أيضا.

أما شخصيات الوهراني في” منامه” فهي على صنفين:
1- صنف العلماء والفقهاء والمحدثين والمتصوفة.
2- صنف الشخصيات الإسلامية والتاريخية والسياسية.

ومما يميز شخوص الوهراني أن أغلبها معاصرة له. لذلك كانت مواقفه وأغراضه الذاتية الكامنة وراء هذا الاختيار ذات طبيعة ذاتية وانفعالية بأحداث عصره في الدرجة الأولى، و فقهية وسياسية في الدرجة الثانيــــــة. في حين، كانت مواقف المعري لغوية في المقام الأول وفكرية وفلسفية في المقام الثاني، أما مواقف ابن شهيـد الأندلسي السابق عليهما فكانت مواقفه نقدية وبيانية.

وهذه بعض المشاهد التوضيحية للوهراني نختم بها هذه المساهمة المتواضعة، نعرضها من دون تعليق :

1- من المشاهد التي تطالعنا في ” المنام” مشهد ساخر يصور الصوفية؛ فعندما تقدمت الصـــــوفية إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، من كل مكان ( وعلى أيديهم الأمشاط وأخلة الأسنان، وقدموها بين يديه. فقــــال صــلى الله عليــه وســـلم : من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء قوم من أمتك غلب العجز والكسل على طباعهم فتركوا المعايش وانقطعوا إلى المساجد يأكلون وينامون. فقال: فبماذا كانوا ينفعون الناس؟ ويعـــــينون بنـــي آدم؟
فقيل له: والله لا شئ البتة ولا كانوا إلا كمثل شجر الخروع في البستان يشرب الماء ويضيق المكان. فسـاق ولم يلتفت إليهم).

2- وفي المشهد الموالي الذي يتعلق بصلاح الدين الأيوبي الذي عاصره، تتضح وتكتمل الرؤية الذاتية والمواقف السياسية والدينية للوهراني؛ فعندما أُوصل صلاح الدين الأيوبي الى النبي صلى الله عليه وسلــــــم ( أمر بتقبيل رجليه ففعل ذلك، ومسح على رأسه ودعا له بالنصر والتأييد وأوصاه بالضعفاء والمظلومين، ثم نزل على المشرعة العظمى مع أهله ساعة زمانية، ثم انصرف معهم إلى المقام المحمود).

3- وفي الختام، وبعد رحلة شاقة في العالم الآخر كلها هول وفزع ينتهي المطاف بالوهراني وصاحبــه ” العليمي” إلى مشهد ” الحوض” فيشربان ويستريحان، ويأبى الوهراني إلا أن يملأ هذا المشهد الذي تحف به القداسة من كل جانب بالسخرية. وقد صاغه على شكل حوار نعرضه على النحو التالي :
- العليمي : (كنت أشتهي الساعة قطعة صابون “رقي”(2)، وشيئا من التراب “المراغي”(3) أغسل بها لحيتي فإنها قد اتسخت من الغبار).
- الوهراني : ( ما تحتاج إلى شئ من هذه. الساعة تستريح منها ).
- العليمي : ( كيف ذلك ؟ ).
- الوهراني : ( لأنك إن كنت من أهل السعادة فما تدخل الجنة إلا أجرد أمرد. وإن كنت من أهل النار فالزبانية يعملون منها الفتايل توقد ليلة الميلاد على باب الجحيم).

4 - أما نهاية “المنام” فقد أعقبت هذا المشهد مباشرة. وقد جاءت محكمة منطقية. وقد صاغها على الشكل التالي:
- ( فبينا نحن في أطيب عيش وأهناه، وإذا بضجة عظيمة قد أقبلت وزعقات متتابعة وأصحابنا يهربون. فقلنا : مالكم ؟ فقيل: علي عليه السلام، قد أخذ الطرقات على الشاميين، وجاءنا سَرَعَانُ الخيل فيها محمد بن الحنفية يزأر في أوائلها مثل الليث الهصور. فلما انتهى إلينا صاح بنا صيحة عظيمة هائلة أخرجتني من جميع ما كنت فيه، فوقعت من على سريري فانتبهت من نومي خائفا مذعورا، ولذة ذلك الماء في فمي، وطنين الصيحة في أذني، ورعب الوقعة في قلبي إلى يوم ينفخ في الصور).
—————-
هوامش:
(1) راجع بعض إدراجاتنا السابقة التي خصصناها للوهراني
(2) نسبة إلى مدينة الرقة
(3) نسبة إلى مدينة مراغة

إضافات :
ـ هذا الإدراج، في الأصل، كان مساهمة في اليوم الدراسي لشعبة اللغة العربية وآدابها بمراكش حول موضوع :( العالم الآخر في رسالة الغفران). وكان قد انعقد بتاريخ 16 يناير 1998 م.
ـ ركن الدين الوهراني: هو ركن الدين محمد بن محمد بن مروان الوهراني توفي سنة 575 هج . وهو كاتب وأديب مغربي مغمور رحل إلى المشرق.
ـ منامات الوهراني ومقاماته ورسائله (308 ص) . تحقيق إبراهيم شعلان ومحمد نغش ومراجعة عبد العزيز الأهواني. وزارة الثقافة، الجمهورية العربية المتحدة. دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، فرع مصر 1968.

ولمنامات الوهراني قيمة اجتماعية وسياسية كبيرة بالإضافة إلى بنيتها الفنية المعقدة التى تحتاج إلى دراسةخاصة.ولكنها أهملت، مع الأسف، ولم ينتبه إلى قيمتها الفنية والموضوعية.
مراجع:
ـ رسالة الغفران لأبي العلاء للمعري، تحقيق علي شلق. دار القلم، بيروت 1975
ــ رسالة الغفران لأبي العلاء المعري. تحقيق وشرح الدكتورة عائشة عبد الرحمان، ط/7 دار المعارف مصر 1977.
ــ الفصول والغايات للمعري. تحقيق محمود حسن زناتي، مصر 1938
ــ النقد واللغة في رسالة الغفران. الدكتور امجد الطرابلسي ط/1 سوريا 1951.
ـ رسالة” التوابع والزوابع ” لابن شهيد الأندلسي. دار صادر بيروت 1967.

ما هو دور الأدب وما مدى تأثيره ؟

كتب يوم الجمعة,نيسان 07, 2006

بعض مساهماتي في مجالس الوراق (1):
متى نتحرر من سلطان التقليد … ؟؟!!

من أنجع سبل التعليم في مرحلة التكوين الأولي الاحتذاء على مثال قريب إلى الأصل والعادة والطبيعة. وهذا ما يفعله الحرفيون والصناع، في بداية تعلمهم، حيث يعمدون إلى محاكاة نماذج مصنوعة سلفا، وهذا طبعا قبل أن تستحكم قوة الصنعة لديهم.

ثم تأتي بعد ذلك مرحلة يحاول فيها كل صانع أن يستقل بنفسه، ويتكل على قريحته وجهده، ومنهم من يفتح الله عليه بالتجديد والابتكار الذي ليس له حدود.

.. فنهاية كل عمل وصنعة بداية لفكرة أخرى تشرق من جديد، هي دوما وليدة القرائح والعزائم التي تنبع من داخل الإنسان المبتكر والمتجدد على الدوام.

وكل واحد منا يحمل في داخله وقدة يمكن أن تنقدح في كل لحظة إبداعا وابتكارا إذا وجدت من يقدحها، وإذا تهيأت لها الأجواء المناسبة.

والأمر موكول إلى الفرد نفسه، فإذا استيقظ في نفسه مارد الإبداع بسط له القرطاس والقلم، واعتصر فكره بجهد وإصرار وتأمل. ومن أدام النظر بدت له وجهة نظر.
ولكن، من منا يستطيع أن يسكت وعيه، ولو للحظات يسيرة، عن محيطه الخارجي الملئ بالصخب والضوضاء ؟!!.

في لحظة الصمت الداخلي، وفي غفلة من قهر الزمن تنبثق الأفكار الجديدة…

الإبداع وقدة كامنة

كتب يوم الجمعة,نيسان 07, 2006

بعض مساهماتي في مجالس الوراق (1):
متى نتحرر من سلطان التقليد … ؟؟!!

من أنجع سبل التعليم في مرحلة التكوين الأولي الاحتذاء على مثال قريب إلى الأصل والعادة والطبيعة. وهذا ما يفعله الحرفيون والصناع، في بداية تعلمهم، حيث يعمدون إلى محاكاة نماذج مصنوعة سلفا، وهذا طبعا قبل أن تستحكم قوة الصنعة لديهم.

ثم تأتي بعد ذلك مرحلة يحاول فيها كل صانع أن يستقل بنفسه، ويتكل على قريحته وجهده، ومنهم من يفتح الله عليه بالتجديد والابتكار الذي ليس له حدود.

.. فنهاية كل عمل وصنعة بداية لفكرة أخرى تشرق من جديد، هي دوما وليدة القرائح والعزائم التي تنبع من داخل الإنسان المبتكر والمتجدد على الدوام.

وكل واحد منا يحمل في داخله وقدة يمكن أن تنقدح في كل لحظة إبداعا وابتكارا إذا وجدت من يقدحها، وإذا تهيأت لها الأجواء المناسبة.

والأمر موكول إلى الفرد نفسه، فإذا استيقظ في نفسه مارد الإبداع بسط له القرطاس والقلم، واعتصر فكره بجهد وإصرار وتأمل. ومن أدام النظر بدت له وجهة نظر.
ولكن، من منا يستطيع أن يسكت وعيه، ولو للحظات يسيرة، عن محيطه الخارجي الملئ بالصخب والضوضاء ؟!!.

في لحظة الصمت الداخلي، وفي غفلة من قهر الزمن تنبثق الأفكار الجديدة…