‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب الرسائل الموحدية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب الرسائل الموحدية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 11 فبراير 2008

رسالة مقامية هزلية لركن الدين الوهراني المغربي 10

كتب يوم الخميس,آذار 16, 2006

أخبار ركن الدين الوهراني، هذا الكاتب المغربي المغمور قليلة جدا، مع أن أحواله في الكتابة عجيبة، ومدى الخيال في رسائله عريض فسيح، وباعه في النقد والسخرية والتجريح والصراحة طويل؛ فلم يكن يخشى انتقام وزير أو سطوة أمير، يمزج في كتابته بين أسلوب الرسائل في الديباجة و مراعاة الألقاب، على سبيل السخرية والتهكم، وأسلوب الخطابة في الجدل والاحتجاج بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشعر والأمثال، في سياقات مناسبة كثيرا ما يختلط فيها المدنس بالمقدس، وبأسلوب المقامة في ربط الأحداث بعنصر المكان، دون التقيد بباقي عناصر كتابة المقامة المعروفة، وبأسلوب كتابة الرحلة التي كانت دائما توحي للوهراني بمشاعر الغربة والوحشة والتبرم من الناس، وخاصة بعد إخفاقه الذريع في رحلته إلى بلاد المشرق، وكساد بضاعته الأدبية هناك عندما قامت دولة الكتابة الفاضلية التي لم يكن يشق لها غبار.

وعندما تجرع مرارة الخيبة تحول عن الجد إلى الهزل، وجنح في كتابته إلى السخرية من الزمن و أهله وأمكنته، وإلى التصوير الكاريكاتوري الفاضح للعورات النفسية والجسمية والعقلية لكثير من شخوصه الذين سلط عليهم جام غضبه، ولم يتورع عن ذلك حتى عند مخطابته لكبار زعماء عصره، كنور الدين محمود الشهيد الأتابكي، وخلفه صلاح الدين الأيوبي، رغم ما عرف عنهما من سداد وصلاح، ثم بقية وزرائهما وأعوانهما الكبار من قبيل القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني والعماد الكاتب الأصبهاني، فما بالك بمن هم دون ذلك، أو من هم على شاكلته من الكتاب والفقهاء والعلماء والأدباء العاديين الذين كان يحلو له دائما أن يلهو بهم ويعبث بسيرتهم.

فكل واحد من رجالات عصره الذين عرفهم، عن بعد أو عن قرب، قد أصابه ما أصابه من لسان الوهراني الساخر، تارة بالتصريح، وتارة بالرمز والتلميح، حتى صار أسلوبه معروفا لدى القاصي والداني، كما يدل على ذلك كلام ابن خلكان في هذه السطور القليلة التي خصصها له، عندما أفرد له ترجمة في كتابه ( وفيات الأعيان )، وقد أثنى فيها ثناء كبيرا على أدبه الغزير الذي يشمل رسائل ومقامات ومنامات.

والمنامات فن شبيه بالمقامة والرسالة، نهج فيها نهج المعري في رسالة الغفران، في افتعال الأحداث الأخروية عند الحشر، وقد تميز الوهراني بها عمن سواه من الكتاب، وخاصة منامه الكبير، قال عنه:

أبو عبد الله محمد بن محرز بن محمد الوهراني الملقب ركن الدين، وقيل جمال الدين؛ أحد الفضلاء الظرفاء، قدم من بلاده إلى الديار المصرية في أيام السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، وفنُّه الذي يمت به صناعة الإنشاء، فلما دخل البلاد ورأى بها القاضي الفاضل وعماد الدين الأصبهاني الكاتب وتلك الحلبة علم من نفسه أنه ليس من طبقتهم ولا تنفق سلعته مع وجودهم، فعدل عن طريق الجد وسلك طريق الهزل، وعمل المنامات والرسائل المشهورة به والمنسوبة إليه، وهي كثيرة الوجود بأيدي الناس، وفيها دلالة على خفة روحه ورقة حاشيته وكمال ظرفه، ولو لم يكن له فيها إلا المنام الكبير لكفاه، فإنه أتى فيه بكل حلاوته، ولولا طوله لذكرته، ثم إن الوهراني المذكور تنقل في البلاد وأقام بدمشق زمانا، وتولى الخطابة بداريا، وهي قرية على باب دمشق في الغوطة.

وتوفي في سنة خمس وسبعين وخمسمائة (575 هج) بداريا، رحمه الله تعالى، ودفن على باب تربة الشيخ أبي سليمان الداراني. نقلت من خط القاضي الفاضل: وردت الأخبار من دمشق في سابع عشر رجب بوفاة الوهراني.

وهذا الآن، نص رسالة الوهراني العجيبة في مضمونها وأدائها، وقد جاءت على شكل محاورات تأخذ شكل مكاتبات ومجاوبات شبيهة ببعض الفصول المسرحية، وتبدأ ديباجتها بسرد الراوي المجهول لوقائع الأحداث الأولى، على طريقة بناء المقامة الذي يتبع في الأصل أسلوب المحدثين في إسناد الخبر.

ثم يمضي الوهراني بعد ذلك في نسج خيوط قصته أو حكايته تدريجيا، حتى يصل بها إلى نهايتها المحتومة.
وقد أسند بطولتها بطريقة رمزية إلى جامع (جلق) وهو جامع بني أمية الكبير في دمشق، وتحت سلطته تنضوي بقية مساجد دمشق ومشاهدها وأضرحتها.
وقد اجتمعت كلها عند هذا المسجد الجامع الذي كان لها بمثابة الملك، للمشاورة والمحاورة، وليدلي كل طرف بشهادته، في أداء خطابي، وبطريقة تناوبية وتراتبية، على سوء أحواله وضياع حقوقه، ثم بعد ذلك تتوحد كلمة المسجد الجامع مع من تحته من الأضرحة والمشاهد في خطاب واحد شاهد على لسان حالها، ثم يرسل إلى القيم على شؤونها، وهو سعد بن أبي عصرون، لعله ينظر في أمرها ويصلح ما اختل من بنائها.

وعندما فوجئت المساجد برد ابن عصرون المخيب لآمالها اضطرت إلى رفع أمرها إلى الملك العادل نور الدين محمود الأتابكي، وعندها فقط يأتي الفرج على يد هذا الملك العادل الذي سيرفع عنها ما كان قد حل بها من إهمال ونهب لحقوقها وأوقافها، وليعزل ابن عصرون الذي اتهمه الوهراني بتعطيل مصالحها.

لقد بنى الوهراني رسالته على هذا الشكل لتأتي متطابقة مع حقيقته الشخصية، فقد كانت حياته في المشرق شديدة الصلة بالمساجد والمشاهد والأضرحة التي كانت ملاذه الأول في مرحلة الضياع والتشرد وفي مرحلة الانتعاش والاستقرار، عندما انتبه بعض الفضلاء إلى علمه وفقهه، فأسندوا إليه الخطابة في مسجد صغير بقرية (داريا)، وهي ضاحية من ضواحي دمشق المدينة التاريخية الشهيرة.

وقد ساءه حاله كما ساءه حالها، وكانت غربته جزء من غربتها عندما آل أمرها هي الأخرى إلى الإهمال والضياع. إنه مظهر من مظاهر توحد الفقيه العربي عامة والمغربي خاصة بالأماكن المقدسة في جغرافية العالم الإسلامي، ولطالما كانت تلك المساجد وتلك المشاهد والأضرحة الملاذ الأخير لكثير من المنبوذين والمثقفين والمهمشين في تاريخنا القديم، فهل كانت رسالة الوهراني هذه نوعا من الوفاء بحقها تجاهه عندما رعته وآوته، في الوقت الذي تحاماه الناس وجفوه وأقصوه؟؟!!

وهل ينتبه إليه الدارسون المعاصرون، بعد أن صدرت مجاميع كتاباته، منذ سنة 1968م، ثم ليطويها بعد ذلك النسيان،عدا بعض الإشارات العابرة هنا وهناك!!

وعسى أن نكون في هذا الإدراج وفي إدراجين سايقين (2) قد سلطنا بعض الأضواء على حقيقة هذا الكاتب المغربي المغمور حتى يجد العناية التي تليق بمجهوده.

نص الرسالة:
قال بعض العارفين بطريق الانتحال على لسان الحال:
لما تحكمت يد الضَّياع في مساجد الضِّياع، وأُرْتِج باب العدل وغُلق، ونُبذ الكتاب وخُلق، فزعت المساجد إلى جامع (جِلَّق)، وهو يومئذ أميره، وعليه مدار أمرها.

فلما اجتمعوا على بابه، ودخلوا تحت قبته ومحرابه، كتب له جامع ( النَّيرب ) قصة إليه، وسألوا عرضها عليه، وكانت الرقعة مسطورة على هذه الصورة:

المماليك ـ مساجد الكورة ـ يقبلون الأرض بين يدي الملك المعظم، البديع الرفيع المكرم، كهف الدين، جمال الإسلام والمسلمين، مدفن الأنبياء والمرسلين، ملجأ الفقراء والمساكين، مأوى الغرباء والمقلين، بيت الأتقياء والصالحين، معبد الملبين، صاحب الدواوين، بِنية أمير المؤمنين.أيد الله أنصاره، وأعلى مناره، وعمر بالتوحيد أقطاره، وينهون إلى مجلسه السامي ما يقاسونه من جور العمال، وتضييع الأعمال، ونهب الوقوف، وخراب الحيطان والسقوف، قد لفهم الظلم والظلام، وأنكرهم المؤذن والإمام، فلا تسمح لهم حسيسا، ولا ترى فيهم أنيسا، إلا آذان البوم، وتسبيح الغيوم، وقد ركعت حيطانها، وسجدت سقوفها وأركانها، وانصرفت من الصلاة أربابها، وسكانها تنوح عليهم الأجراس والنواقيس، وترثي لهم البيع والنواويس:
يرثي له الشامتُ مما به
ياويح من يرثي له الشامت


وقد فزعنا أيها الملك إلى بابك، وأوينا إلى جنابك، فافعل معنا ما هو أولى بك، ورأيك العالي والسلام.

فلما وقف الملك على هذه الشكاية، وعلم بمقتضى هذه الحكاية، استوى جالسا من مقعده، وضرب بيده، وقال: كيف وأنى أم للإنسان ما تمنى، ثم رفع صوته وغنى:
وما شرب العشاقُ إلا بقيتي
ولا ورَدوا في الحب إلا على ِورْدِي

ثم اشرف الملك من إيوانه بين جنده وأعوانه، فاستقبلنه بالسلام والتحية والإكرام، وأقبل وهو يقلب طرفه في الجموع، ويكفكف أسراب الدموع، لما يرى من اختلالهم، وفساد أحوالهم، ثم رد عليهم السلام، وأذن لهم في الكلام.

فابتدأ جامع ( المُزة) المقال، وتقدم بين يدي الملك وقال:
الحمد لله الذي قضى علينا بالخراب، وصير أموالنا كالسراب، وجعلنا مأوى البوم والغراب، أحمده حمد من كان فقيرا ثم استغنى، وأدرك بمال الوقوف ما تمنى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده المكين، ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأكرمين، أما بعد:

أيها الملك السعيد، ثبت الله قواعد أركانك، وشيد ما وهي من بنيانك، فإن الخراب قد استولى على المساجد، حتى خلت من الركع والساجد، فأصبحت مساجد (الغوطة) غيطان لا سقوف لها ولا حيطان، وجوامع (حوران) مخازن وأفران، ومشاهد(البقاع) صعصعا كالقاع، فكم بِنْيَةٍ لعب الجور بأثوابها، فنسج العنكبوت على بابها، وكم بيوت لله غلقت دون أصحابها، فعشعش الحمام في محرابها ( فمن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها).

وقد دخل أيها الملك على الوقوف، بحجة العمارة والسقوف، فاختلفت فينا الأهواء، واتفقت علينا الأنواء، فلا يزال المسجد ينهار، وتأخذه السيول والتيار والأنهار حتى يمتحى رسمه، ولا يبقى منه إلا اسمه، وأنت أيها الملك عمادنا، وإليك بعد الله معادنا، فاكشف عن حالنا، وانظر في صلاح أحوالنا، يصلح الله أحوالك، ويسدد أقوالك، والسلام.

فقال الملك: قد سمعنا كلام المساجد، فما بال المشاهد؟!!
فبرز مشهد (برزة) متوكئا على مشهد (الأرزة)، وهو يصلصل ويصول، ويلطم وجهه ويقول:
كلما حاولت أشكو قصتـي
لا ألقى غير ذي قلب جريح
يتشكى مثل شكوى مِحنتي
يالَقومي ما عليها مُستريــح

أما بعد، أيها الملك السعيد، أدام الله جمالك، وبلغك في عدوك آمالك، فإن مقام (إبراهيم) أصبح في كل واد يهيم، ومغارة (الدم) لا تستفيق من الذم، ومشهد (الكهف) لا يفتر من اللهف، ومشهد (هابيل) قد رمي بطير أبابيل، ومشهد (شيث) قد استأصله الخبيث، ومشهد (نوح) نبكي عليه وننوح، وقبر(حلة) ما لنا فيه حلة، وقبر (إلياس) قد وقع منه اليأس، فلحقت المشاهد بأربابها، وأمست رميما كأصحابها، قد محتها الغوادي، وحدا بها الحادي:
جرت الرياح على محل ديارهم
فكأنهم كانوا على ميعــــــاد

فتنحنح الملك عجبا، وحرك رأسه طربا، وقال:
رب طارق على غير وعد
وفي كل واد بنو سعــــــــــد


ثم استفتح المقال بأن قال:
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، نصب العدل وسواه، وأمده بعونه وقواه، ( فمن أضل ممن اتبع هواه )، فأهواه بسلبه وأضله على علم، وختم على سمعه وقلبه، أحمده على ما رزقني من الاحتمال، وأشكره على ذهاب العرض والجاه والمال، وأشهد أن محمدا عبده المختار، ورسوله الصادق البار، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، أما بعد:

يامعشر المتكلمين، وطائفة المساجد المتظلمين، إنه والله لا ينتهي إليكم من الجور إلا ما يَفضُل عني، ولا يصل إليكم إلا ما يُستعار مني، فلولا أن أركاني سليمة، وبِنْيَتي قديمة، لأصبح جامع بني أمية يُغنى عليه: (يادار مية)، وقد والله شَِرقت بغُصتكم، وحِرت في قصتكم، إن رفعت أمركم إلى الملك العادل، ردكم إلى الشيخ الفاضل، فلا يراعي لكم حرمة، ولا يكشف لكم غمة، ولا يرقب فيكم إلا ولا ذمة.
شكوى الجريح إلى الغربان والرخم

والرأي عندي أن تكتبوا إلى هذا الشيخ قصة، ولا تتركوا في صدوركم غصة، وأن في الكتاب أنواعا من العتاب، فإن التأم رأيه برأيكم وإلا فالسلطان من ورائكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

فنادوا بالغلام، فأتى بالدواة والأقلام، فقال: استعذ بالله من الشيطان الرجيم، واكتب:
بسم الله الرحمان الرحيم، من ملك الجوامع ب (جيرون) إلى سعد بن أبي عصرون:
لقد أسمعت لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنـــــادي


أما بعد:
ياغدار، لقد هيجت الألم، وأبهمت الظلم، ومن استرعى الذئب فقد ظلم، طالما تغافلنا على خيانتك، وتغاضينا عن جنايتك، حتى اكتنزت الأموال واختزلتها، وجمعت الذخائر واعتزلتها. من أجل هذا كانت سِياحتك، ولأجله طالت نياحتك، وبسببه كنت تسيح وتصيح، حتى غبطك المسيح، لقد عجبت أيها الشيخ من مُحالك في ابتداء حالك، ومن فساد دينك وضعف يقينك، صليت بالمسوح والقيد حتى ظفرت بأنواع الصيد، وتقلدت بالقرون والعظام حتى تقلدت الأمور العظام أن كنت في هذا العمل إلا كما قيل في المثل:
صلى وصام لأمر كان يأمله
حتى حواه فما صلى ولا صاما


وعرِّفني أيها الشيح المفتون، والبائع المغبون: لم بعت الآخرة بالدانية، والباقية بالفانية؟! إن فعلت هذا إلا لِعلة أو لتحقيق مِلة، إما أن تكون قد استطبت (السكباج)، واستلنت الديباج، وإما أن نصدق أهل الأحقاد في أنك نُصيري الاعتقاد، لا تقول بالنُّجعة، ولا تصدق بالرِّجعة، وكلاهما أنت فيه ملوم ومُعاقب ومذموم، وحسبك، وقد بلغني عنك ما أنت عليه من قلة الوفاء لهؤلاء الضعفاء، فاحسم عني أدواءهم، ولا تمكِّن منهم أعداءهم والسلام.

فلما وصل الكتاب إليه، وقرأ ما انطوى عليه فكر وقدر فقُتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس، ثم أدبر واستكبر، ثم لعن المساجد وبانيها، وشتم المشاهد وقانيها، ثم قلب الرقعة وكتب فيها:

بسم الله الرحمان الرحيم، وصلت رقعتك ـ أصلحك الله ـ كأنها ضربة موتور، أو نفثة مَصْدور، وتخلط فيها الهَزل بالجِد، وتبدي غيظ الأسير على القيد، وأيْمُ الله لقد قَرَفت سَِريا، وقذفت بريا، وجئت شيئا فَِريا، فاشدد من عِقالك، وتأيد في مقالك، فما كل شكل يذم شكله، ولا كل طائر يحِل أكله، ، وما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء فحمة، ولو كان لك عقل يُهديك، أو رأي يَهديك لواريت أُوارَك، ولسترت عوارك، أليس قد اشتهر عند الداني والقاصي بأنك قطب ما يتم فيك من المعاصي، حتى لقبوك بسوق الفسوق، وميدان المروق، ورحاب القحاب، حتى قال فيك القائل:
تجنب دمشق فلا تأتها
وإن راقك الجامع الجامع
فسوق الفسوق به قائم
وفجر الفجور به طالــــع

فلا جرم أن الله قطعك بالطريق، وعاقبك بالحريق، وجعل الميض على أبوابك، والزط في قبلة محرابك، وعذبك بالنيران، وقرنك بأشر الجيران، وجعل خطيبك أتوها دائصا، وإمامك أعمى ناقصا، فلو أنك البيت المعمور لهجرت، أو حرم مكة لما حججت، فقف عند مقدارك، وانظر في إيرادك وإصدارك، والسلام.

فلما وقف الجامع على رقعته، ورأى ما فيها من رقاعته قام وقعد، وأبرق وأرعد، وقال: اكتب ياغلام، باسم الملك العلام:
من العاتب الواجد إلى الملك الزاهد، قال الحائط للوتد: لم تشقني؟ قال: سل من يدقني، لم يتركني ورائي الحجر الذي ورائي، أما بعد:
أيها الملك العادل، أدام الله أيامك، ونشر في الخافقين أعلامك، فقد طاولت بعدلك القمرين، وسرت سيرة العمرين، وأنت تعلم أن الله قد طهر بقعتي وكرمها، وشرف بنيتي وحرمها. طالما زوحمتُ بالمناكب لما كنت هيكلا للكواكب، وكم أمسيت مشكاةً للأنوار، وبيتا لأستقص النار، ثم انتقلت إلى اليهود بعد انقراض ملة هود، فتأنست بالزبور، وبالأنبياء في القبور، ثم جاءت دولة الصلبان فقربت بالقربان ومعاشرة الرهبان، ثم جاء الإسلام فتشرفت بدين محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فأنا المُشَرَّف في كل قرآن، والمعظم في كل أوان، فكيف يسعك ـ أيدك الله ـ أيها الملك المتغافل عن حالي، والمتحيِّن لنهب أموالي، ويدك مبسوطة في العباد ومطلقة في جميع البلاد.

ما يكون جوابك يوم النشور إذا بعثر ما في القبور، وقد أُوقفت موقف الذليل بين يدي الملك الجليل؟ وأقول: أيْ رب سل هذا لمَ أهملني، وسلمني لمن أكلني! فلا ترد جوابا، ولا تجد خطابا، ولا أقبل منك جميلا ولا كفيلا، ولا أقبل عنك شفيعا ولا وكيلا، فتقول: ( ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، ياويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاء وكان الشيطان للإنسان خذولا).

فقدم أيها الملك السعيد لنفسك ما تجده غدا في رمْسك، وخذ هذا المذكور في الحساب قبل يوم الحساب، فتَبْرأ من التباعة، وتدخل في أهل الشفاعة، والسلام على من حمى مساجد الإسلام ورحمة الله وبركاته.

فلما وقف الملك العادل على كتابه، وتجرع كأس عتابه التفت إلى المساجد فرثى لهم وسدد أحوالهم، ولما علم فحوى شكايتهم، وعرف كنه قضيتهم أزال عنهم ظلمهم، (وأسرها يوسف في نفسه، ولم يبدها لهم).

ثم نظر إلى ابن أبي عصرون فأنزله واعتزله، وحجبه عن بابه واختزله، وألقاه في سِجن الصدود، وخلده إلى يوم الخلود، وقرأ عليه: (ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود). والسلام.
———-

هامش:
(1) النص مقتبس عن كتاب : مقامات الوهراني ومناماته ورسائله ، ص 61 وما بعدها. تحقيق إبراهيم شعلان ومحمد نغش، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، مصر 1968م. الجمهورية العربية المتحدة.
(2) يراجع إدراجنا السابق تحت عنوان: (نبات الخروع) وكذلك الذي تحت عنوان:( عبث وسخرية)

رسالة ابن عَميرة المخزومي الأندلسي في الوصف التسجيلي 9


كتب يوم الثلاثاء,آذار 14, 2006

- رسائل الوصف التسجيلي ( الوثائقي ):

كانت الرحلة مصدر علم وأدب غزيرين، وفي الكتب الخاصة بالرحلات المعروفة؛ كرحلة ابن جبير والعبدري وابن بطوطة وغيرها نماذج مفيدة وممتعة لهذا الوصف التسجيلي، تفي بحاجة المؤرخ المستخبر والأديب المتذوق.

ويمكن أن نضيف إلى كتب الرحلات الكبيرة المعروفة رسائل الكتاب الخاصة القصيرة المجهولة المتعلقة برحلاتهم وزياراتهم وبمشاهداتهم ومعاناتهم خلال حركاتهم وتنقلاتهم عبر الأمكنة والأزمنة المختلفة.

وكان كتاب الأندلس أكثر من تناول موضوع رحلاتهم وتنقلاتهم الشخصية بالتسجيل والتوثيق، نتيجة لاضطراب موجة الحياة العامة في الأندلس التي كانت تقذف بهم تارة إلى العدوة المغربية القريبة، وتارة إلى البلاد المشرقية البعيدة، وتارة أخرى إلى داخل ممالك الأندلس النصرانية، وخاصة بعد أن قويت حركة الجلاء التي أعقبت سقوط دولة الموحدين بالأندلس، كما مر معنا في الإدراج السابق، عند حديثنا عن الكاتب ابن الأبار.

وقد كتب أبو المطرف بن عَميرة الأندلسي صديق ابن الأبار ورفيقه في درب الكتابة والأدب والكفاح رسائل كثيرة من هذا النوع سجل فيها مذكراته وانطباعاته عن أحوال سفره ومعاناته في الرحلة بين كثير من جهات العدوتين.

وهذا سجل ملخص عن سيرته وحياته التي توزعت بين الأندلس والمغرب وتونس:
هو أحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن أحمد بن عَميرة (1) المخزومي، ولد في جزيرة شُقْر الأندلسية الموصوفة عند المؤرخين والجغرافيين بجمالها وحسن منظرها، سنة 582 هجرية، وبها نشأ وفيها أهله الذين كان يعود إليهم بين الفينة والأخرى كلما انتهى من تجواله، وسكن بلنسية زمنا بحكم دراسته ووظيفته، كما تنقل بين كثير من المدن الأندلسية الأخرى بحثا عن العلم والمجد والحظوة. فقد كتب عن أبي عبد الله بن حفص في بلنسية ، وعن واليها السيد أبي زيد كصديقه ابن الأبار، كما كتب عن ابن هود في مرسية، وتقلد منصب القضاء بشاطبة.

وعندما ساءت الأوضاع بالأندلس، وبدأت حركة الجلاء توجه إلى المغرب سنة 637 هجرية، فكتب عن الخليفة الموحدي الرشيد بمراكش قبيل انقراض دولة الموحدين نهائيا، وتقلد منصب القضاء في بعض المدن المغربية كهيلانة والرباط وسلا ومكناسة، وبقي في بلاد المغرب إلى سنة 646 هجرية.

وبعد هذه السنة انتقل إلى بلاد إفريقية ( تونس) حيث بلاط الحفصيين، وبقي فيها إلى أن وافته المنية سنة 658 هجرية. وفي أثناء ذلك تقلد منصب القضاء كعادته في بعض الجهات الحفصية إلى جانب مناصب سياسة أخرى؛ فقد كانت صلته ببلاط الحفصيين وطيدة ومتمكنة، وربما يرجع ذلك إلى خبرته ودبلوماسيته، وحسن مداخلته للناس خاصتهم وعامتهم بخلاف صديقه ابن الأبار الذي سجل عليه بعض من ترجموا له أنه كان ضيق الخلق، وصريحا وعنيفا في لومه وانتقاده، مما أثار حفيظة الحفصيين عليه، كما اتضح من خلال كلام ابن خلدون عنه، وقد سقناه في الإدراج السابق.

وابن عَميرة هذا أحد كتاب الرسائل الإخوانية المبرزين، فله رسائل كثيرة في موضوع الإخوانيات، مما يدل من جهة، على كثرة إخوانه وأصدقائه، ومن جهة ثانية، على حرصه وعمله الدؤوب من أجل تمكين وتوطيد علاقاته بهم، وذلك بمخاطبة ودهم والتشوق إلى لقائهم ومواساتهم عند الجزع، والحرص على نفعهم، والسعي في مصالحهم عند الشدائد لدى أصحاب الأمر والنهي من الرؤساء والأمراء والوزراء والأعيان، وربما عرضنا لبعض خدماته الإخوانية والإنسانية العظيمة، بشيء من التفصيل في إدراجات لاحقة.

وهذا الآن، مقتطف من رسالة كتبها ابن عَميرة إلى صديقه أبي عبد الله بن الجنان، يصف فيها أهوال رحلته إلى ( ألمرية ) بالأندلس، وكيف ضل الطريق، وفقد المركوب وأحدَ مرافقيه وكان يدعى سحيم، بسبب هبوب رياح قوية من جهة البحر، أثارت زوابع رملية كثيفة غطت الفضاء وحجبت الرؤية وملأت العيون والأسبلة ( اللحى)، ثم كيف احتمى مع رفاقه ببعض الأبنية الواهية العفنة، حتى تهدأ العاصفة.

وقد لا يخفى على القارئ الكريم تعقد صنعة الكتابة عند أبي المطرف بن عَميرة، وخاصة فيما يخص صناعة التجنيس التي تقوم على مبدأ التماثل الخطي والصوتي بين الكلمات كما في قوله: ( ونادينا وقد ند من يسمع المنادي ) حيث حرف الدال والنون هما نقطة الارتكاز في هذا المثال، وفي قوله أيضا: ( ووجدنا من تغير الهواء وجد آل عذرة بالهوى) حيث الارتكاز هنا على حروف الواو والجيم والدال والهاء والواو والألف.

والتجنيس من أهم الصناعات اللفظية التي سادت في عصر ابن عَميرة والتي يسعى الكاتب من خلالها إلى تحقيق قيم التناسب والجمال في كتابته. وواضح تأثر ابن عَميرة بمدرسة العماد الأصفهاني كاتب صلاح الدين الأيوبي المشهور توفي سنة 597هجرية، وهو أحد رموز صناعة التجنيس في تاريخ الكتابة، وقد بالغ فيها أيما مبالغة حتى عيب عليه ذلك، والتزمها في سائر مكاتباته ومصنافته العديدة في مجال التاريخ والتراجم.

أما تضمين الإشارات المختلفة، وهو ما يعرف الآن ب ( التناص ) فكان القصد منه أن يعرض الكاتب بضاعته المعرفية في موضعها الصحيح وسياقها المناسب، مما قد يدل على سعة معرفته واطلاعه، وقد ألم ابن عَميرة بصناعة التضمين في قوله: ( وخشينا أن تكون قارظية)، وقد أشار هنا بكلمة ( قارظية ) إلى المثل العربي الموجود في كتب الأمثال الذي يقول: (حتى يؤوب القارظ)، وهذا المثل يضرب في الذي يذهب ولا يعود. وأصله أن رجلا من قبيلة عنزة خرج يطلب القرظ: وهو ورق السلم يدبغ به، فلم يعد، فضرب به المثل.

والتضمين من الصناعات المعنوية التي تتطلب من القارئ حسن الاطلاع والتوسع حتى يتمكن من أدراك حقيقة وأبعاد المعاني الكامنة وراء تلك الإشارات والتضمينات.

مقتطف من رسالة ابن عميرة في الوصف التسجيلي:
ولا تسأل عن يوم كابدته، ورفيق ناكدني وناكدته، والسفر فيه الحلو والكريه، والرفقاء منهم الحليم والسفيه، ضللنا ولا هادي، ونادينا وقد ند من يسمع المنادي، حتى خفناها قضية، وخشينا أن تكون قارظية، وبعد العشاء الطويل اهتدينا إلى السبيل، وسرنا وقد قوي الطوى، ووهنت القوى، ووجدنا من تغير الهواء وجد آل عذرة بالهوى.

ومن شديد ما لقينا ريح عاتية، عادية عادية، هبت من الجهة البحرية، وعصفت على القرب من ألمرية، فأثارت رمالا، أرتنا أهوالا، وملأت منا عيونا وسبالا، فيالساعة أضاعت المكتوبة، ودلهت الحجرين: العقل والركوبة، وهناك ضاع منا سحيم، وحال دونه عجاج وغيم، وملنا بعد الشقة المتناهية إلى بعض المباني الواهية، فبتنا ندافع بكنه البرد، ونستنشق من خسائس حشه النسرين فالورد، ونباهي بخرابه إيوان كسرى أو يزدجرد.
———–
هامش:
(1) عَميرة بفتح العين، هكذا ضبط اسمه لدى أكثر من ترجموا له، عند القدماء، وعند المحدثين أيضا، كما عند الدكتور محمد بن شريفة مضبوطا، في عنوان كتابه الذي خصصه لهذا الكاتب بفتح العين، تحت عنوان: ( أبو المطرف أحمد بن عَميرة المخزومي، حياته وآثاره)، وعمل الدكتور بن شريفة هذا هو في الأصل أطروحة جامعية لنيل دبلوم الدراسات العليا، من جامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1964م. وكانت أول أطروحة جامعية عليا تناقش بالمغرب.
وعلى هذه الدراسة القيمة اعتمدنا في سياقات هذا الإدراج.

رسالة ابن الأبار القضاعي في الشفاعة لفك أسير 8


كتب يوم الإثنين,آذار 13, 2006

لرسائل الشفاعة والتوصية بالإخوان قيمة إنسانية كبيرة في أدب الرسائل تقربها من كتاب ( الفرج بعد الشدة ) للتنوخي، وخاصة عند اضطراب أحوال الناس، ونشوب الفتن، ووثوب الطامعين المتربصين على الحكم، وما يتبع ذلك من أهوال وإرجاف، كما حصل في العهد الأخير من حكم الموحدين الذي تميز بالضعف والفوضى وتناثر أشلاء إمبراطوريتهم العظيمة، حيث تمكن نصارى الأندلس من استرجاع كثير من المدن الأندلسية وإجلاء المسلمين عنها، في اتجاه بعض الدول الناشئة التي استأثرت بالحكم في شمال إفريقيا، كبني مرين في المغرب الأقصى أو المغرب، وبني عبد الواد في المغرب الأوسط أو الجزائر، وسلالة الحفصيين بالمغرب الأدنى أو تونس.

وفي تلك اللحظات العصيبة جرد الكتاب أقلامهم، وصرفوا بلاغتهم لخدمة إخوانهم ومواطنيهم الذين تقاذفتهم أمواج الحياة السياسية المضطربة لتخليصهم من محنهم وفك أسرهم وطلب الشفاعة لهم عند ذوي الأمر من الأمراء والرؤساء، كما في هذه الرسالة القصيرة التي سندرجها بعد قليل، وهي من إنشاء الحافظ الكاتب أبي عبد الله بن الأبار القضاعي الأندلسي.

وهذه بعض تفاصيل حياته الأخيرة في بلاط الحفصيين بتونس حيث امتحن في نهاية حياته مرة أخرى بعد محنة الجلاء عن الأندلس، وحيث نكب كما نكب أبو جعفر بن عطية من قبله:

فقد ذكر ابن خلدون عنه أنه ( من مشيخة أهل بلنسية، وكان علامة في الحديث ولسان العرب، وبليغاً في الترسيل والشعر. كتب عن السيد أبي عبد الله بن أبي حفص بن عبد المؤمن ببلنسية. ثم عن ابنه السيد أبي زيد. ثم دخل معه دار الحرب حين نزع إلى دين النصرانية، ورجع عنه قبل أن يأخذ به. ثم كتب عن ابن مردنيش. ولما دلف الطاغية إلى بلنسية ونازلها بعث زيان بوفد بلنسية وبيعتهم إلى الأمير أبي زكريا، وكان فيهم ابن الأبار هذا الحافظ، فحضر مجلس السلطان وأنشد قصيدته على روي السين يستصرخه).

وهذه القصيدة التي أوما إليها ابن خلدون من غرر القصائد العربية في النجدة والاستصراخ، ويوجد نصها كاملا في كتاب ( أزهار الرياض) ومطلعها:
أدرك بخيلِك خيلِ الله أندلُسا
إن السبيل إلى منجاتها درســــا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست
فلم يزل منك عز النصر مُلتمسا
وحاشِ مما تُعانيه حشاشتُهـــــــــــــا
فطالما ذاقت البلوى صباح مسا
ياللجزيرة أضحى أهلُها جـــــــــــزرا
للحادثات وأمسى جَدها تعِســــا

ثم ذكر ابن خلدون أن السلطان الحفصي بادر بإغاثتهم وشحن الأساطيل بالمدد إليهم من المال والأقوات والكسي فوجدهم في هوة الحصار، إلى أن تغلب الطاغية على بلنسية. ورجع ابن الأبار بأهله إلى تونس غبطة بإقبال السلطان عليه فنزل منه بخير مكان، ورشحه لكتب علامته في صدور رسائله ومكتوباته، فكتبها مدة.

ثم إن السلطان أراد صرفها لأبي العباس الغساني لما كان يحسن كتابتها بالخط المشرقي، وكان آثر عنده من الخط المغربي فسخط ابن الأبار أنفة من إيثار غيره عليه، وافتأت على السلطان في وضعها في كتاب أمر بإنشائه لقصور الترسيل يومئذ في الحضرة عليه، وأن يبقى مكان العلامة منه لواضعها فجاهر بالرد ووضعها استبداداً وأنفة، وعوتب على ذلك فاستشاط غضباً ورمى بالقلم وأنشد متمثلاً:
واطلُب العز في لظى وذَرِ الذل
ولو كان في جِنان الخلـــــود


فنمى ذلك إلى السلطان فأمر بلزومه بيته، ثم استعتب السلطان بتأليفٍ رفعه إليه عدَّ فيه من عوتب من الكتاب، واعتب. وسماه ( إعتاب الكتاب ). واستشفع فيه بابنه المستنصر فغفر السلطان له وأقال عثرته، وأعاده إلى الكتابة. ولما هلك الأمير أبو زكريا رفعه المستنصر إلى حضور مجلسه مع الطبقة الذين كانوا يحضرونه من أهل الأندلس وأهل تونس، وكان في ابن الأبار أنفة وأبو وضيق خلق، فكان يزري على المستنصر في مباحثه ويستقصره في مداركه، فخشن له صدره مع ما كان يسخط به السلطان من تفضيل الأندلس وولايتها عليه.

وكانت لابن أبي الحسين فيه سعاية لحقد قديم، سببه أن ابن الأبار لما قدم في الأسطول من بلنسية نزل ببنزرت، وخاطب ابن أبي الحسن بغرض رسالته، ووصف أباه في عنوان مكتوبه بالمرحوم. ونبه على ذلك فاستضحك وقال: إن أباً لا تعرف حياته من موته لأب خامل. ونميت إلى ابن أبي الحسين فأسرها في نفسه، ونصب له إلى أن حمل السلطان على إشخاصه من بجاية. ثم رضي عنه واستقدمه ورجعه إلى مكانه من المجلس. وعاد هو إلى مساءة السلطان بنزعاته إلى أن جرى في بعض الأيام ذكر مولد الواثق وساءل عنه السلطان فاستبهم فعدا عليه ابن الأبار بتاريخ الولادة وطالعها، فاتهم بتوقع المكروه للدولة والتربص بها كما كان أعداؤه يشنعون عليه، لما كان ينظر في النجوم فتقبض عليه. وبعث السلطان إلى داره فرفعت إليه كتبه أجمع، وألقى أثناءها فيما زعموا رقعة بأبيات أولها:
طغى بتونس خَلْفٌ
سمَّوْه ظُلما خليفهْ


فاستشاط لها السلطان وأمر بامتحانه ثم بقتله قعصاً بالرماح وسط محرم من سنة ثمان وخمسين( يقصد سنة 658 هجرية)، ثم أحرق شلوه وسيقت مجلدات كتبه وأوراق سماعه ودواوينه فأحرقت معه.

وهذا مقتطف من رسالة ابن الأبار في الشفاعة؛ وكان قد كتبها قبل الجلاء عن الأندلس إلى رئيس (شاطبة) الأندلسية أبي الحسين بن عيس في فك أسير، وتتميز بقصرها وبلاغتها، وتعقد صنعتها، وخاصة صناعة التجنيس.

ولعل القارئ الكريم يلاحظ أن هذه الرسالة قد جردت من الاسم الحقيقي للشخص موضوع الشفاعة، وهذا يبدو أنه تصرف من النساخ في هذه الرسالة وفي غيرها من الرسائل الرسمية والخاصة التي كانت كثيرا ما تجرد من الإشارات التوثيقية التي تهم أسماء الأشخاص والأماكن والتواريخ، لأنهم كانوا معنيين أكثر بالجوانب الأدبية والفنية التي تحفل بها تلك الرسائل مما يحرم الدارس والمحقق من معرفة الحقيقة الكاملة التي أحاطت بتلك الرسائل:

كتبته إلى سيدي ، حرس الله شرفَه العِبَادي، وكلأ كَنَفه السِّيادي، ولا مزيد على ما عندي من الإعظام لِرفيع جانِبه، والقيام بكبير واجِبه؛ والله يحفظ شرفَ بيته العتيق، وحديثَ قديمه الفائت بطيبِه المسكَ الفتيتَ الفتيقَ، ومؤدِّيه فلان أدام الله حِفظه وعِصمته، وأتم عليه إحسانه ونِعمته، والمذكورُ يمُتُّ إليكم بقديم الإخلاص، ويرغبُ أن يُنْظَم لديكم في أهل الاختصاص.

وقد بلغكم ما نابَه من غِير الدهر ونُوبه، وكيف نَشب في حِبالة الأسر الذي أتى على نَشبه؛ وعِلْمُكُم بنباهة بيته أغنى من التنبيه، وفضلكُم كفيل بتسيب الإحسان إليه، وقد وثق بسعيكم الكريم في جبر كسْره، وأمَّلَ سيادتَكم للتهمُّم بأمره، والتَّصريف فيما يَصرف عليه بعض ما بُذل في خلاصه من أسره.
ومثلكُم اصْطَنع أمثاله، وآثر فيما يليقُ بنباهةِ استعماله، والله يُعلي شأنكم، ويحرسُ مكانكم ، والسلام.
————
هامش:
النص مقتبس عن كتاب ( أزهار الرياض ): ج3/ ص 219

رسالة أبي جعفر بن عطية في الاستعطاف 7


كتب يوم السبت,آذار 11, 2006

مرت معنا بعض رسائل أبي جعفر بن عطية الرسمية التي عبر فيها باقتدار عن إرادة الموحدين وسياستهم. وفي هذا الإدراج نريد أن نسلط الأضواء على قصة نكبة هذا الكاتب على يد الخليفة عبد المومن. وهذه القصة تشبه في بعض تفاصيلها قصة نكبة الشاعر ابن عمار على يد صديقه وولي نعمته المعتمد بن عباد. وكان ابن عباد قد أظهر تحولا وقساوة في القلب بعدما أوغر صدره عليه حساده ومناوئوه، ولم تستطع أشعار التوسل الرقيقة التي بعث له بها من سجنه أن تعطف قلبه أو تطفئ نار غيظه على صديق عمره وتوأم روحه فبادر إلى قتله.

وأبو جعفر هو ذو الوزارتين أحمد بن جعفر بن عطية القضاعي من أهل مراكش، وأصله القديم من طرطوشة، ثم دانية بالأندلس. وكان قد كتب أول مرة عن علي يوسف بن تاشفين أمير المرابطين، وعن ابنيه تاشفين وإسحاق، إلى أن استخلصه لنفسه عبد المومن بن علي عندما آل حكم الموحدين إليه، في قصة مشهورة، وأسند إليه وزارته، فنهض بأعبائها على أحسن وجه وحسنت سيرته وشاع فضله بين الناس إلى أن وجد حساده السبيل إلى التدبير عليه والسعي به، فأوغروا صدر الخليفة عليه فاستوزر عبد السلام بن محمد الكومي الذي سعى في التماس عوراته، والتشنيع عليه، وقيل في تفسير تغير أمر عبد المومن عليه أنه أفشى له سرا.

وحدثت كل تلك الوشايات والدسائس أثناء غيابه بالأندلس، فلما تناهى إلى علمه خبر تلك السعايات قلق وعجل الانصراف إلى مراكش، فحُجب عند قدومه ثم سِيق إلى المسجد حاسِر العمامة، وأخذت الشهادات في حقه من الناس على طبقاتهم كل بما اقتضاه هواه، وأمر بسجنه مع أخيه عقيل عطية.

وتوجه في إثر ذلك عبد المومن إلى زيارة تربة المهدي بن تومرت في (تينمل)، على ما جرت به عادة الموحدين، واستصحبهما معه مكبلين ثم قتلهما في الطريق عند عودته إلى مراكش، سنة 553 هجرية، وقيل غير ذلك.

وهذا مقتطف قصير وصلنا من رسالته الاستعطافية مع شعره في التوسل، ومن الملاحظ أنه أكثر في كلامه من التورية:

تالله لو أحاطت بي خطيئةٌ، ولم تنفك نفسي عن الخيرات بطيئةً، حتى سخِرت بمن في الوجود، وأنِفت لآدم من السجود، وقُلت إن الله لم يوح إلى الفلك إلى نوح، وبَرَيْتُ لقرار ثمود نَبْلاً، وَأَبْرَمْتُ لِحَطَب نار الخليل حبْلاً، وحططت عن يونس شجرة اليقطين، وأوقدتُ مع هامان على الطين، وقبضت قبضةً من الطير من أثر الرسول فنبذتها، وافتريت على العذراء البتول فقذفتُها، وكتبت صحيفة القطيعة بدار النُّدوة، وظاهرت الأحزاب بالقُصوى من العدوة، وذممت كل قُرشي، وأكرمت لأجل وحشى كل حَبشي، وقلت إن بيعة السقيفة لا توجب لإمام خليفة، وشحذت شفْرة غلام المغيرة بن شعبة، واعتقلت من حصار الدار وقتل أشمطها بشعبة، وغادرت الوجه من الهامة خضيباً، وناولت من قرع سِن الخمسين قضيباً، ثم أتيت حضرة المَعصوم لائذاً، وبقبر الإمام المهدي عائذاً لقد آن لمقالتي أن تُسمع، وأن تُغفر لي هذه الخطيئات أجمع:
فعفوا أميرَ المؤمنين فمنْ لنـــا
بحمل قلوبٍ هدَّها الخفقــــــــــــــــان


وكتب مع ابن صغير له آخرة:
عطفا علينا أمير المؤمنين فقــد
بان العزاءُ لفرط البثِّ والحـَــــــــــزَن
قد أغْرقَتْنا ذنوبٌ كلها لُجَـــــــجٌ
وعَطفة منكم أنْجى من السفــــــــــــــن
وصادفتنا سِهامٌ كلها غَــــــرَضٌ
لها ورحْمَتُكم أوقى من الجُنَــــــــــــــن
هيهات للخطْب أن تسطو حوادثُه
بمن أجازته رُحْماكم من المِحـــــــــــن
من جاء عندكم يسعى على ثِقة
بنصره لم يخَفْ بطشا من الزمـــــــــن
فالثوب يطْهُر بعد الغَسْل من دَرَنٍ
والطَّرف ينهض بعد الركض من وسَن
أنتم بذلتم حياة الخلقِ كلهــــــــــم
من دون من عليهم ولا ثمـــــــــــــــــــن
ونحن مِن بعض من أحييت مكارمكم
تلك الحياتين من نفس ومن بــــــــــــــدن
وصِبية كفِراخ الوُرْق من صِغــــــــر
لم يألفوا النَّوح في فَرْع ولا فنَـــــــــــــن
قد أوجدَتهم أيادٍ منك سابغــــــــــــة
والكل لولاك لم يُوجد ولم يكُـــــــــــــــن

فوقع عبد المؤمن على هذه القصيدة ” الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين “.

ومما كتب به من السجن:
أنوح على نفسي أم أنتظرُ الصفحا
فقد آن أن تُنسى الذنوب وأن تُمــــحى
فها أنا في الليل من السخط حائِــــــــر
ولا أهتدي حتى أرى للرِّضى صُبحا


وامتحن عبد المؤمن الشعراء بهجو ابن عطية، فلما أسمعوه ما قالوا، أعرض عنهم، وقال: ذهب ابن عطية وذهب الأدب معه.
————

هامش:
راجع قصة أبي جعفر بن عطية في نفح الطيب ج5/ 184، وفي الإحاطة ج1/ 262، وفي إعتاب الكتاب، ص 225، وفي المعجب وغيره.

رسالة ابن أبي الخصال في الشوق إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم 6


كتب يوم الأربعاء,آذار 08, 2006

الجزء الثاني: الرسائل والمكاتبات الخاصة في بلاد المغرب والأندلس على عهد الموحدين:
- رسائل الشوق إلى زيارة الحضرة النبوية الشريفة.

مقدمة:
تُعرف ميزة الكاتب الرسمي بقدرته التعبيرية البلاغية الفائقة على معالجة كافة الموضوعات الديوانية، وإيجاد مبرراتها الضرورية، بما يوافق حاجة المكتوب عنه أو إليه، في ظل آداب ومراسيم وطقوس خاصة بكل دولة على حدة.

ولم تكن مهمة ذلك الكاتب الموظف داخل ديوان الإنشاء تنحصر فقط في التعبير الفعال عن سياسة الدولة ومذهبها ونظمها وحاجاتها المختلفة في السلم والحرب، بل وفي تجميل أسلوب الكتابة وتطويره أيضا، كما مر معنا، من خلال بعض الرسائل الرسمية الموحدية التي أدرجناها سابقا.

وفي هذا الجزء الثاني سنعرض لبعض الرسائل الموحدية التي كتبها أصحابها لأغراض ذاتية خاصة بعيدا عن طقوس الدواوين الرسمية وصرامتها وتعقيداتها وكل إكراهاتها المختلفة التي ربما أدى الكاتب ثمنها غاليا، في بعض الأحيان سجنا أو عقوبة أو مصادرة أو حتى قتلا، إذا أخل بأحد شروط الخدمة الديوانية، كما أوضح ذلك ابن الأبار القضاعي الكاتب الأندلسي المشهور على عهد الدولة الموحدية والحفصية في رسالته المشهورة ( إعتاب الكتاب ) التي ألفها برسم أحد السلاطين الحفصيين الذين استقلوا بحكم المغرب الأوسط مباشرة عقب سقوط دولة الموحدين.

فلقد بقي فن الكتابة خارج دواوين الإنشاء فنا حيا، متحررا من كل القيود، شديد الاتصال بحياة الكتاب الخاصة مع خالقهم سبحانه وتعالى، ومع بعضهم البعض، ومع بقية الناس العاديين الذين تتقلب به أمواج الحياة صعودا ونزولا.

وأول ما نبدأ الحديث عنه في هذا الجزء الذي خصصناه لفن الرسائل أو المكاتبات الخاصة غرض جديد دخل مجال فن المكاتبات لدى المغاربة والأندلسيين، وهو غرض الشوق إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان أهل المغرب والأندلس من الكتاب يؤلفون رسائل بديعة في هذا الغرض، ويرسلونها مع وفود الحج أو المرتحلين إلى المشرق، ويطلبون من حاملي تلك الرسائل قراءتها على الروضة النبوية الشريفة توسلا و حبا وشوقا واعتذارا.

ومما قاله المقري في كتابه ( أزهار الرياض ) (1) عن هذا النوع من الرسائل التي تميز بها أهل المغرب والأندلس عن أهل المشرق، نظرا لبعد بلادهم عن أرض الحجاز، ولأعذار مزمنة بسبب العجز والمرض والفقر ولكثير من عوارض الحياة المختلفة كل حسب ظروفه وانشغالاته، أو لصعوبات رحلة الحج والعمرة على كثير من المغاربة والأندلسيين في ذلك الزمن بسبب ما يمكن أن يتخللها من محن وأهوال وكوارث، قال:

( هذا مقام طالما طمحت إليه هِمم الرجال، وتسابقت جِياد أفكارهم في مضماره بالروية والارتجال. وسارت أرواحهم مع الرفاق ـ وإن أقامت الأشباح ـ، وطارت قلوبهم بالأشواق، ولم لا وهو سوق تعظم فيه الأرباح !.) ج4/ص20 .

وكان من أول الكتاب الذين برزوا في هذا المضمار ذو الوزارتين ابن أبي الخصال (2)، توفي سنة 543 هجرية، وكان له شأن كبير في فن الكتابة والإنشاء ببلاد الأندلس قبيل سطوع نجم الموحدين.

وهذا نص رسالته التي كتب بها إلى المقام النبوي الشريف؛ وقد ضمنها سلامه وشوقه واعتذاره، وثناءه على سيرته الشريفة وسيرة أهل بيت الطاهرين، وصحابته المجاهدين المخلصين، ببيان يخلب الألباب، وعاطفة ملتهبة جياشة، واقتباسات من آي الذكر الحكيم، وإشارات مقتضبة إلى أخباره وأحاديثه صلى الله عليه وسلم:

بسم الله الرحمان الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وآله.
إلى الرؤوفِ الرحيم،الرسولِ الكريم، ذي الخُلُقِ العظيم، والحسَبِ الصَّميم، والصَّفح الجميلِ، والمَن المُرْبِي على التأميل، صريحِ الصريح، ورَقُوءِ دمِ الذبيح ( فداء)، المخصوص بالمقام المحمود، والحوض المورود، خطيبِ الأنبياء وإمامهم في اليوم المشهود، المكين، الأمين، الذي ليس على الغيب بضنين، النازلِ عن خير الظهور إلى خير البطون، والمُترددِ من الأب الأقصى إلى الأب الأدنى بين كل مصونة ومصون، الذي تسلَّمه الآتي عن الماضي أمانةً حَمَلها من كل سلف خِيارُه، ونورا عُرضت في جباه السؤدد سِيماهُ وآثارُه، إلى أن أذِن الله سبحانه، فظهرت أسراره الكامنة، وأدته إليه ـ صلوات الله عليه ـ الطاهرة آمنة( والدة الرسول الكريم عليه السلام)، الذي جُعلت له الأرض مسجدا وطهورا، وأُحلت له الغنائمُ وكانت حِجرا مَحْجُورا، ونصر بالرعب شهورا، وأوتيَ جوامعَ الكلم فانتظمت لفظته سطورا، وبُعث إلى الأحمر والأسود فضلا كان له مذخورا، ونُسخت بملته الملل إما مؤمنا وإما كفورا، وأنزل عليه القرآن هدى ونورا، فأحيا نفوسا وشفى صدورا، الذي وجبت نبوءته وسِتر الغيب عيه منسدل، وآدم ـ صلوات الله عليه ـ في طينته منجدل لَبِنَة التمام، التي انعقد بها التأسيسُ، ويتيمةَ النِّظام، التي ادُّخر لها الوضع النفيس، إمامُ وفد الرحمان، وفرط وراد الأمان الذي نكلت عن بسالته الضراء، وسلَّمت له في الخَفر العذراءُ، واعترفت لواقح الرياح ليمينه، واغْترفت لوائحُ الصباح من نور جبينه، الآخذ بالحَجُزات، الواردُ بالمعجزات، الذي سلَّم عليه الحجرُ، والتَمََّ إليه الشجر، وانشق لبرهانه القمر، وحن إلى حضرته الجذع المنقعر، وأنبأه بسورته السم المستعر، ونبع من بين أنامله الماء، وأجابت بدعوته ثم انجابت السماء.

أبو القاسم خِيرة الخير، وسيِّد البشر، المصطفى من أكرم العِتَر، جاشم المَجَاشم، وذؤابة بني هاشم، هامة العرب، ومنتهى فخر الأبعد والأقرب، الحاشر العاقب، ذو المجد الثاقب، وزهر المآثر والمناقب، الذي فاز المحسنون بطاعته، واستُنقذ المذنبون بشفاعته، صلى الله عليه وسلم حسابَ ما لديه، وكفاء ما يُدني منه ويقرب إليه.

من عتيقه، المعلن بتصديقه، الداعي في قربه، المُستشفي بريح تُربه، المُستشفع به إلى ربه، المُؤمن بما آمن به من رسله وكتبه. فلان .

كتبته ياواضعَ الإصر والأغلال، ورافع رايات الهدى على الضلال، ومبدلنا بالظل من الحَرور، ومخرجَنا من الظلمات إلى النور، وُمْروينا من الرحيق المختوم، والحوض الذي آنِيته بعدد النجوم، ومُحظينا بالنظر إلى الحي القيوم، عن دم يسفح، ونَفَس يلفح، وصدر بأشواقه ملآن يطفح، وعَرف عليك من الصلاة ينفح، وأسف إليك يتلهب، وزفرة بأحناءِ الضلوع تجئ وتذهب، وحَشاشة( بقية الروح) بعوائق البعد عنك تَنهب.

وكيف لا أقضي (أموت) حزنا، ولا أرسل دموع الوجد والتلهف مُزنا، أم كيف ألذ الحياة، وأؤمل نجاة، ولم أعبر إلى زيارتك لجة ولا مَوماة(صحراء)، ولا أخطرت في قصدك نفسا أنت منقذها ومنجيها، ولا مَثُلْت بمعاهدك المُشَهرة، ومشاهدك المُطهرة أحييها، ولا نزلت عن الكُور كرامة للبقعة المقدسة التي ثوبت فيها.

فواأسفا، ألا أخِب إلى ثراك مُقبلا، ولا أكِب على مثواك مُستقبلا، وألا أصافح من تلك العرصات مدارس الآيات، ومهبط الوحي والمناجات، حيث قضى فرض الصوم والصلوات، وحيث انتشر التنزيل، وسفَر بالوحي جبريل، وبرزت خبيئة الدهر، وأوثرت بليلة خير من ألف شهر، أسفا لا يمحو رسمه، ولا يعفو ندبه ووسمه، إلا الوقوف بحرم الله وحرمك، والتوسل هناك إلى كرمه بكرمك.

اللهم كما جعلتني من أمته، واستعملتني بسنته، وشوقتني إلى آثاره، وشغلت قلبي بتذكره وتذكاره، وأريتني تلك المعالم المُنيفة خيالا، وخططت منها في الضمير مِثالا، وأريتنيها ملء السمع والفؤاد جمالا، فاشف بمرآها بصرا ضريرا، وبسناها يرتد بصيرا. واجعل لي فيها مُعرسا ومَقيلا، وضع عني من شوقها إصرا ثقيلا.

اللهم أعدني بالقرب على بعده، واجعلني من المقتفين لهداه من بعده، واغمرني بين قبره ومنبره، ومبدأه ومحضره، ومصلاه ومنحره. وأنخ هذه الشيبة بباب بني شيبة، واغسلها هناك من ذنوبها وخطاياها، وعج إلى خاتم أنبيائك صدور مطاياها، وهب لي عزمة من أطاع، وبسطة من استطاع. وادفع عني الضرر والضرورة، ولا تُمتني حِلس (ملازم) البيت صرورة (الذي لم يحج مع الاستطاعة).

لو أوتيتُ يارسول الله سؤلي، لسبقت إليك كتابي ورسولي، لكنْ قل الوفر، واستقل السفر، وغادروني حرضا(قريبا من الموت نتيجة الحزن)، ولسهام الوجد والأسى غرضا. أتبعتُهم نفَسا لا يؤوب، وقلبا يستخفه القلق والوثوب، فأتشبث بهم تشبث الأسير بالطليق، وألحظُهم لحظ السقيم للمفيق.

فلم أملك يارسول الله إلا رقعةً تشكو بث التبريح، وتحية خفيفة المحمل طيبة الريح، تتأرج يارسول الله بأرجائك، وتتضرج إلى قبولك ورجائك، فأتوسل بك يارسول الله إلى مصطفيك بالرسالة والوسيلة، ومُختصك بالدرجة الرفيعة والفضيلة، ومُؤتمنك على إقامة حقه، ومُبْتَعِثك بالنور والهدى إلى جميع خلقه، ليُسعدني بجوارك، ويُكرمني بحلول دار هجرتك وأنصارك، وأفْرَغَ بعد حقوقه لحق من حقوقك، وألمََّ بصديقك(أبي بكر) وفاروقك(عمر بن الخطاب)، وأعرج على الصهرين، أبي عمرو ذي النورين، وأبي السبطين: الحسن والحسين، وأندب المقتول(الحسين الشهيد)، وأعزي البتول(فاطمة بنت الرسول الكريم)، وأقف بحواريك المودود(الزبير بن العوام)، وبأسد الأسود(حمزة بن عبد المطلب)، وبابن عبد الله ذي الجود(طلحة بن عبيد الله القرشي، طلحة الخير لقبه الرسول الكريم بذلك)، وبالأمين حق الأمين(أبو عبيدة الجراح)، وبقريع دهره في التقى والدين( لعله سعد بن أبي وقاص)، وبسعيد ذي الفضل المبين( سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي)، وأقضي حق الأمهات، والأزواج الطاهرات، وسائر أهل الكرامات، وأتقرى منازل السعداء ، ومشهد سيد الشهداء(حمزة)، وأدعو ربك في جبل أحببته وأحبك(جبل أحد)، وأحط بوارث الرأي والراية، وصاحب السُّقيا والسقاية (العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم)، وحائز العقبى والغاية، وأعتمد عصمة الهلاك وأبا أبي الأملاك( عبد الله بن عباس ترجمان القرآن)، حبر العلم والتأويل، وفاتح أغلاق التنزيل، وبحر الندى الجزيل.

طالعتك يارسول الله بِنيتي، وأنزلت بك أُمْنيتي، وغيرُ عزيز على من شفعك يوم القيامة، وأقطعك دار المُقامة، وأعطاك لواء الحمد والكرامة، أن يجمع لي بك بين الشفاعتين، ويوتيني في الدنيا بلقياك، وفي الآخرة بسُقياك، الحُسْنيين.

اللهم بلغ عني الأمين، والرسول القوي المكين، ما أظهره من محبته وأبطنه، وأسره وأعلنه، اللهم اشهد بصلاتي عليه وسلامي، ومحبتي فيه وإلمامي.

وصل اللهم عليه وعلى أصحابه أعلام الإسلام، ومصابيح الظلام، وعلى أهل قُرباه، ومن نصره وآواه، وعلى أزواجه الصالحات العابدات السائحات صلاةً تُباري تفاوح ثنائهم، وتُغادي وتُراوح فِناءهم، يتضوع شذاها بقبورهم، ويسطع نَشْرها إلى يوم نشورهم، مشفوعا عبقها بالدوام والتمام إلى دار السلام.

ثم سلام الله عدد خلقه، وِرضى نفسه على نبي رحمته، المغفوِر له ما تقدم وما تأخر من ذنبه، ورحمة الله وبركاته، وأنهاره وجناته، وروحه وريحانه، ومغفرته ورضوانه، وسلم تسليما كثيرا.
———–
هامش:
(1) وعنوان الكتاب الكامل: ( أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض )، ألفه شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني ، الجزء الرابع، تحقيق سعيد أحمد أعراب ومحمد بن تاويت، وطبع تحت إشراف اللجنة المشتركة للتراث الإسلامي بين حكومة المملكة المغربية ودولة اإمارات العربية المتحدة.
(2) وهو الكاتب أبو عبد الله محمد بن مسعود بن أبي الخصال. ترجمته موجودة في كثير من كتب التراجم والأعلام.

رسالة الخليفة المأمون الموحدي التي خرجت عن نهج الموحدين وعقائدهم 5


كتب يوم الأحد,آذار 05, 2006

لم يستطع أحفاد المنصور أن يحافظوا على مجد أجدادهم الموحدين الأُوَل، وعلى وحدة صفهم في حمأة الرغبات الذاتية المفرطة، وحب الاستئثار، وضعف التجربة، وضيق النظر.

وعندما آلت نتيجة الشقاق والصراع بين عبد الله إدريس المأمون ويحيى المعتصم لصالح الأول، في مراكش في حوادث سنة 626 هجرية، قرر الانتقام من شيوخ الموحدين الذين نكثوا عهود بيعته، وانحازوا إلى صفوف أعدائه، وخاصة من قبائل (تينمل) و( هنتاتة)، ولكلتيهما ثقل روحي وتأثير معنوي كبير في كامل تاريخ الدولة الموحدية، كما هو معروف.

ولم يكتف المأمون باستدراج أولئك الشيوخ وقتلهم واستئصال شأفتهم وتتبع بقايا أتباعهم في القبائل، بل ذهب أبعد من ذلك فقرر أن يمحو أي أثر لهم؛ ماديا: بالقتل والإبادة، ومعنويا: بتحطيم سلطتهم الروحية والمعنوية الكبيرة التي مارسوها طيلة حكم الموحدين، عندما قرر إلغاء كافة الرسوم المهدوية وجميع الشعارات الموحدية.

وهكذا قام بإلغاء اسم زعيم الموحدين الروحي المهدي بن تومرت من الخطبة، وقد مر معنا في الرسائل السابقة كيف أن الترضية عن المهدي، والإقرار بعصمته قد أصبحت فريضة لازمة على جميع الكتاب، في صدر رسائلهم أيضا.

فكان من الطبيعي أن يتنكر لكل الأفكار الموحدية السابقة بخصوص عصمة ومهدوية ابن تومرت. وهذا ما أعلنه، في صراحة ووضوح، وألزم الناس التابعين له به في رسالة فريدة من إنشائه، في السنة المشار إليها سابقا.

كما لم يفته في هذه الرسالة أن ينبه إلى أن المنصور، الذي عُِرف عهده بالازدهار والإشعاع وببعض النكبات الفكرية كتلك التي حصلت لابن رشد، كان قد عزم على هذا الأمر أيضا، ولكن الأجل لم يمهله، أو الظروف لم تساعده. غير أن المأمون لم يجد أي غضاضة في إعلان ذلك وتطبيقه وإلزام كافة رعاياه به، وإن جاء ذلك بعد فوات الأوان، وفي النزع الأخير من حياة الدولة الموحدية، إذ لم تقم لها بعد ذلك التاريخ قائمة، مع بروز المرينيين على مسرح الأحداث.

وتلك الرسالة الغريبة التى خرجت عن مهيع الرسائل الموحدية الرسمية تذكرنا في التاريخ الحديث ب ( البروترويسكا الروسية التي تنكرت للمبادئ اللينينية الشيوعية ) في بعض الأسباب والنتائج، مع قياس الفارق طبعا.

وهي لقصرها قد تخرج عن نمط الرسائل السابقة الطويلة، لتأخذ شكل بعض المناشير السياسية العامة قصد الترويج وتعميم الخطاب، بعيدا عن أساليب الإطناب والحشو والتفخيم والتنميق وتشقيق ضروب الكلام، كما مر معنا في الرسائل السابقة.

وإليكم نص الرسالة:

من عبد الله إدريس أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ،
إلى الطلبة والأشراف والأعيان والكافة، ومن معهم من المؤمنين والمسلمين أوزعهم شُكر أنعمه، ولا أعدمهم طلاقة أوجهِ الأيام الِوسام.

وإنا كتبناه إليكم ـ كتب الله لكم عملا مُنقادا، وسعدا وقَّادا، وخاطرا سليما، لا يزال على الطاعة مُقيما، من حضرة مراكش ـ كلأها الله تعالى ـ وللحق لسان ساطع، وحسام قاطع، وقضاء لا يرد، وباب لا يسد، وظِلالٌ على الآفاق تمحو النفاق وبعد: فالذي نوصيكم به تقوى الله العظيم، والاستعانة به، والتوكل عليه.

ولتعلموا أنا نبذنا الباطل وأظهرنا الحق، وأن لا مهدي إلا عيسى بن مريم، روح الله، وما سمي: مهديا إلا لأنه تكلم في المهد. فتلك بدعة قد أزلناها، والله يعيننا على هذه القلادة التي تقلَّدناها.

وقد أزلنا لفظ العصمة عمن لا تثبت له عصمة، فلذلك أزلنا عنه رسمه، فيمحى ويسقط ولا يثبت.
وقد كان سيدنا المنصور ـ رضي الله عنه ـ هم أن يصدع بما به الآن صدعنا، وأن يرقع للأمة الخرق الذي رقعنا، فلم يُساعده لذلك أملُه، ولا أجَّله إليه أجلُه، فقدم على رأيه بصدق نية وخالص طِوَّية.
وإذا كانت العصمة لا تثبت عند العلماء للصحابة، فما الظنُّ بمن لم يدِر بأي يدٍ يأخذ كتابَه.
أُفٍّ لهم قد ضََُّلوا وأَضَلُّوا، ولذلك َولُّوا وذُلُّوا، ما تكون لهم الحجة على تلك المَحَجَّة؟!.

اللهم اشهد أنا قد تبرأنا منهم تبرؤ أهل الجنة من أهل النار، ونعوذ بك ياجبارُ من فِعْلِهم الّرَّثِيثِ، ولأَمِرهم الخبيث.
إنهم في المعتقد من الكفار، وإنا نقول فيهم كما قال نبيك عليه السلام ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا). والسلام على من اتبع الهدى واستقام.
———-
هامش:
الرسالة توجد في كتاب ( الحلل الموشية )، وفي كتاب ( البيان المُغرب ) مع بعض الاختلاف راعيناه عند إدراجها هنا.

رسالة الفصول 4


كتب يوم الأحد,آذار 05, 2006

وهي رسالة طويلة جامعة لأنواع من المبادئ والأوامر والنظم الموحدية:

كتبها أبو جعفر بن عطية عن أمير المؤمنين عبد المومن بن علي إلى أهل (بجاية) يوصيهم بإقامة الحدود، وحفظ الشرائع، وإظهار الحق، مؤرخة في الثالث من شهر ربيع الأول سنة 556 هجرية. وتوجد في( مجموع رسائل موحدية )، الرسالة رقم: 23.

ومعروف عن الدولة الموحدية أنها دولة عقيدة بامتياز؛ فقد قامت على مجموعة مبادئ غاية في التنظيم والتعقيد، ولعل هذا ما يبرر كثرة الرسائل التي عملت منذ بداية ظهور أمر الموحدين على شرح مبادئهم وأهدافهم. وتلك الرسائل صدرت، في بعضها، عن زعيمهم الروحي المهدي بن تومرت، كما يدل على ذلك كتاب ( أخبار المهدي ) للبيدق، وكتاب ( أعز ما يطلب ) المنسوب إلى المهدي نفسه، وفي بعضها الآخر عن بعض الخلفاء الموحدين، أوعن كتابهم المقربين الذين استوعبوا حقيقة الدعوة الموحدية عن علم واطلاع، فعملوا على نشرها وإقناع الناس بها، ببلاغتهم الخلابة.

ومن الرسائل الموحدية الغريبة أو الطريفة المتصلة بهذا الموضوع رسالة الخليفة المأمون الموحدي، كتبت في فترة أفول نجم الموحدين سنة 626 هجرية. وفي هذه الرسالة تنكر لروح دعوة المهدي، وخروج تام عن مذهب الموحدين الفكري والعقدي، بل إن هذا الخليفة ذهب أبعد من ذلك عندما ألغى رسوم المهدي الصارمة، وكافة شعائر الموحدين، وربما عرضنا لهذه الرسالة الغريبة لاحقا بشيء من التفصيل، إن شاء الله تعالى.

وإليكم الآن نص رسالة أبي جعفر بن عطية المذكورة آنفا، وفيها يشرح جملة من مبادئ الموحدين التنظيمية، ويدعوـ على لسان الخليفة عبد المومن بن علي ـ إلى تطبيقها تطبيقا صارما لا هوادة فيه ولا مراجعة، وفيها أيضا حث على قراءة العقائد الموحدية وحفظها، وأخذ الناس بعلم التوحيد، ولو باللسان البربري، وفيها أيضا نهي عن كل أنواع المفاسد والملاهي وآلاتها ووسائلها، في صفوف النساء والرجال؛ كشرب المسكرات ومنها مشروب ( الروب) الذي كان فاشيا، وإليه ينسب باب ( الروب) المشهور في مراكش، وبعض الانحرافات الفاشية في سلوك الناس كالتلصص والجراية:

من أمير المؤمنين ـ أيده الله بنصره، وأمده بمعونته ـ إلى الطلبة الذين ببجاية ـ أدام الله كرامتهم، ووصل صونهم وحمايتهم ـ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد، فإنَّا نحمد الله إليكم الذي لا الله إلا هو، ونشكره على آلائه ونعمه، ونصلي على محمد نبيه ورسوله.
والحمد لله على ما أمّدَّ به هذه الدعوة العظيمة، والكلمة العلِيَّة الكريمة، من الأضواءِ والأنوار، وقرن بعزائِم أوليائِها من الأخذِ بحَجُز العباد من التهافت في النار، وأحكم بإيمانِهم من معاهد الهُدى التي من استمسك بها فقد فاز بعُقبى الدار، وأبان بهم معالمَ السنة المُستبينة الضوءِ الهاديةِ المنار، التي من سلك جَدَدَه فقد أمِن من العِثار، ووقَّف هممَهم لديه من مراعاة أمور الدين في النائي والدَّاني من الأقطار.

نحمده حمد من اهتدى إلى أنه الموجودُ المُطلق الذي لا يَتقيَّد بالأمكنة والأعصار، الواحدُ الفرد الصمد المنزه عن الشركاء والأنظار، المتعالي عن صفات التخير والانتقال والعَجْز والافتقار، المحيطُ بجميع الموجودات إحاطة لا تحدها حِدَّةُ الأذهان، ولا تلحقُها دقائق الأفكار. لا إله إلا هو لا تدركه الأبصارُ وهو يدرك الأبصار.

ونصلي على محمد نبيه والمُبتعَث من أكرم نِجار، والمؤيد بالمعجزات التي دحضت حُججَ الكفار، وخرقت مُسْتَمِرَّ العادة للعلم أنها فعلُ الواحد القهار، وأتت على وفق الدعوى ليُتبين بها صدقه على الأضرار، وحكمت في كل من لا يؤمنُ بها كل طريد الشََّبى ماضي الغرار، وعلى آله وصحبه السالكين في ذلك السنَن والمُجرين في ذلك المِضمار.

ونواصل الرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، القائم بأمر الله تعالى لما ارتفع العلمُ بقبضِِ العلماءِ الأخيار، وأُعجِب كلَُ ذي رأي برأيه من الصم البكم الَّرغام الأغْمَار، وقامت خطباؤهم بأفانين التضليل وضروب الاغترار، وقلَبوا الحقائق فظهر من التبديل والتغيير ما أخْفَى دينَ الله تعالى الذي تكفلَ له بالإظهار، وانبسط في البسيطة من المناكر ما لا يحتاجُ إلى إطالةٍ في تعديده من الوضوح والاشتهار، فجلَّى بضياء حكمه ما استولى على آفاقها من الظُّلَم المشتدة الاعتِكار، وأبان بمُعجز علمه من العلم بالله تعالى ورسُله وبما جاءت به رسله ما كان في طيِّ الخفاء والاستِتار، وعلَّم طرُق العلمِ بها التعليمَ الذي انتفع به أهلُ التيقن والاستبصار، وضرَح عن موارد الدين ما شمِلها من الشوائب والأكْدار، وأمده بالطائفة المنصورة المفتوح لها بصريح الوحي وصحيح الأخبار، كلُّ دان وشاسع من الأمصار، الوارثين علمَه والعاملين به والمتصرفين له ليبقى أمرُه العظيم على الدوام والاستمرار، إلى قيام الساعة وانقضاء هذه الدار.

فإنا كتبناه إليكم ـ كتب الله لكم كل خير جزيل، وأعانكم على امتثال أوامر التنزيل، وجعلكم جارين على حكم الكتاب والسنة في الدقيق من الأمور والجليل ـ من رباط الفتح ـ عمره الله ـ ، والطائفةُ المنصورة محفوفةٌ من حفظ الله وكلاءته، ومكنوفةٌ من صَوْنه وحِمايته، وممنوحةٌ من إظهاره وإعلائه، ومخصوصةٌ من إرقائه وإسماعه، وممدةٌ من إضاءة زَنْدها وإيرائِه، في تسْنية مرامِها وإسْنائه، بما أنهضنا الله به إلى إحياء معالم السنة وإحكام أمْراسها، وتثبيت أركان الدعوة على وثيق أساسها، وتطهير الأمة من أدرانها وأدناسها، وتعليمها كيف تستضئ بمِشكاة الهداية وتعشو إلى نِبراسها، ليمشوا على السَّنن اللاحب، ويتقيدوا بالشرع المرتَّب الراتب، ويعملوا في أمر دينهم ودنياهم باللازم الواجب، فلا يلبسوا الهدى بالضلال، ولا يشوبون التحقيق بالإبطال، ولا يخلطون العمل بالرفض، ولا ُيبَعضون الإيمان فيقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ليتخذوا بين الرشد والغي سبيلا، وليروموا في الصحيح الثابت تغييرا وتبديلا، إلى أن تخلُص قلوبهم من الرَّين، ويكون عندهم العلم والعمل متلازمين، والباطن والظاهر متطابقين، والقول والفعل متعارضين، ولا متنافيين، والله المعين على إكمال هذا المقصد وإتمامه، والملئ بائتلاف جمع الجهات والأكناف على ما يؤثره من اتصاله وانتظامه.

ولما كان هذا الأمر العظيم إنما جاء في حين الفترة، وشمول الحيرة، وارتفاع العلم، وحلول الجهل، وانبساط الجَوْر، وانقباض العدل، وتملك الهمَج الرَّعاع، واتباع الهوى المُضل والشَّح المطاع، وقام به الإمام المعصوم، المهدي المعلوم ـ رضي الله عنه ـ عندما أزبد بحرُ الضلال وطمَى، واعتلى سلطانُ الكفر واستمَى، وتطاير شُر الأشرار وارتمى، وتفرقت في أنواع الأباطيل الآراءُ، وغيرت معالمَ السنة البدعُ والأهواءُ، والدين أجنبيٌّ غريبٌ، لا مناسِب له ولا قريب، ولا داعِي له ولا مجيب، وقد قنعَ أهلُ الدنيا في معارفِهم بمسوَّد الصحائف، مسطور الزخارف، لإماتةِ المعارف، وتطمينِ العوارف، وجر المطَارف، في صَون التالِد وجلبِ الطارف، فبَصر وعلِم، وثقِف وقوَّم، وأتقنَ وأحكم، ونوَّر ما أظلم، وأظهر ما اسْتَتر وأبْهم، وأنْجد في تعليم العلم واتْهم، ثم أورث علمَه طائفَتَه فبثُّوه في البلاد، وأفاضوا نورَه على العباد، طورا باللين وطورا بالاشتداد، وحالا بالسياسة وحالا بالجهاد، وآونة بالمواعظ الحسنة وآونة بالسيوف الحِداد، إلى أن ألقى الناسُ يد الاستسلام، وأظهروا الإجابة إلى دعامة الإسلام؛ فمن آمن منهم بهذا الأمر العظيم عن علم ويقين، وإخلاص مستبين، فهو يتقيدُ بقيوده، ويقف عند حدوده، ويجري على معروفه ومَعْهوده، ويبدو على ظواهره ما أكنَّه في سرائره، ويلوح على أساريره ما أسرَّه في ضميره، ومن حجَبه عن الإيمان به والإخلاص له حجابٌ، وحصَل في نفسه من الذي جاء به لبْس وارتياب، فهو باق في أحواله على المذهب الذميم، وعاكفٌ في أعماله على الرسم القويم، وطائفٌ بين أطلاله لا يبْرح ولا يريم، ويفتتِن بما كان ألِفه ويهيم، ويزيح في تلك المسارح ما أمكنه ويسيم، فتراه يتخطى الحدودَ ويتعداها، ويهمل الأوامر ولا يرعاها، ويغشى تلك المألوفات ولا يخشاها، ويساعد نفسَه الأمارة بالسوءة ولا ينهاها، ويُغفل مآلها ولا يخاف عقباها. ومن كانت هذه حاله فهو ممن لم يؤمن بالله ولا رسوله ولا بما جاءت به الرسل، ولا بالإمام المهدي الذي قامت عليه البراهينُ واتضحت في أمره السبلُ، بل هو متمادٍ على كفره وتجْسِيمه، غير منتفع بتقويمه، ولا مُستبصر بتعليمه.

وبحكم ما ناطه الله تعالى بنا من أمور عباده، ووسَّده إلينا من نصر دينه وإنجاده، وقلَّدنا إياهُ من الوقوف على حماية باطنه وظاهره في أغوار العالم وأنْجاده، لم نزل نتعاهدُ أحوال الأنام، ونصل تَصَفُّحها على الليالي والأيام، ونقصدُ هذا المقصد بقوة واعتزام، ونأخذ في الكشف عنه بمواظبة والتزام، متبعين في العمل بالعلم أمرَ الإمام المعصوم الذي احتذى فيه حذو جده ـ عليه السلام ـ ، راغبين إليه تعالى في إعظام الأجر وإجزال المثوبةِ على القيام بهذا المقام.

لكن الناس مع مُواظبتهم بالتذكير، وملازمتهم بالتنبيه والتبصير لم يتركوا تلك الأفعالَ التي رسخت في الصدور، والملكاتِ التي استقرت في القلوب، والحالات التي انطوت على إلْفها الضلوع، وأبوا إلا ارتطاما في الغَي وارتباكا، وانكشافا في طواعية الشهوات وانهماكا، وخَلعا لعُذر النهي وانتهاكا، وإجراءً في مَهامه البطالة واستنانا، وتحليقا في جو الغواية وطيرانا، وإغفالا لما أحدق بهم من أمر الله تعالى ونسيانا.

فنهضنا إلى معاهدة التفَقُّد بعزم قُرعت له الظَّنابيبُ، وجُريٍ فيه إلى مد القصِر عن شأوه الجُردِ السراجِيب، وجعلناه تعاهدا عاما في البعد والقرب، ونظرا شاملا ينتظم حاشِيتي الشرق والغرب، لتأخذَ الجهاتُ حقها من الضبط ، وتتزنَ الجنباتُ بميزان العدل والقسط، وتستقيمَ البريةُ على قانون الانتظام والربط، فتكون العهود محفوظةً ، وسطوات الله تعالى بمُخالفي أمره لمُراقَبةٍ ملحوظةً.

وأبتدئ بأول مباني الإسلام فاخذوا الناس بعلم التوحيد الذي هو أساسُ الدين ومبناه، وروحه ومعناه، والقاعدة التي لا يثبتُ عمل دون تأصيلها، والرابطة التي لا يُقبل دين دون تحصيلها؛ فلا سبب لمن لم يُمسك بسببه، وقد بني وجوب العلم بالفرائض على وجوب العلم به، وهو إثبات الواحد وبقي ما سواه، بتقييداتٍ في الشريعة لا يكفي معها إطلاقُ اللفظ دون تحقيق معناه؛ وذلك أن يُعلم على وجه حدِّه، ليكون عن علم لا عن ضده، وعن يقين لا عن شك، وعن إخلاص لا عن شرك، وأن يقوله مع العمل ولا يَتَّكل.

ويؤمر الذين يفهمون اللسان الغَربي ( يقصد اللسان البربري ) ويتكلمون به أن يقرؤوا التوحيد بذلك اللسان من أوله إلى آخر القول في المعجزات ويحفظوه ويّقُصُّوه، ويُلازموا قراءته ويتعهدوه،

ويؤمرُ طلبة الحضَر ومن في معناهم بقراءة العقائد وحفظها، وتعاهدها على سبيل التفهم والتبين والتنبه والتبصر.
ويلزم العامة ومن في الديار بقراءة العقيدة التي أولها: ( أرشدنا الله وإياك) وحفظها وتفهمها، واشملوا في هذا الإلزام الرجالَ والنساء والأحرار والعبيد وكل من توجه عليه التكليفُ، إذ لا يصح لهم عملٌ ولا يُقبل منهم قول دون معرفة التوحيد؛ فمن لم يعرف المُرسَل لم يصدق بالمُرسِل ولا بالرسالة، ومن حصَل على هذه الحالة فقد تعثَّر في أذيال الضلالة. فإن لم يبادر إلى التخلص منها، والانفصال بالعلم عنها فقد وجب عليه حكمُ الكتاب، ولا عنَت في إراقة دمِه لا محالة.

واخذوا بإقامة الصلاة التي هي الكَتْب الموقوفُ على المؤمنين، والحُكمُ المثبوت على من آمن بهذا الدين، والناهيةُ عن الفحشاء والمنكر على ما ورد في الكتاب المبين، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاةَ فهو مَمحوٌّ من ديوان المؤمنين، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع من الوظائف والقوانين، وتاركُها ميت في عداد الأحياء، لحُشاشة تقضي عند القضاء أمدَ الإمهال والإملاء.

فخذوا من قبلكم بإقامة الصلاة على ما شرعت، وأدائها بحسب ما فُرضت، وخذوا العوام ومن في الديار بحفظ القرآن لتتم صلاتُهم ويَكْمل عملُهم، ومن أضاع الصلاة وأهملها ولم يبادر إلى أداء ما فُرض عليه منها فأجله للحين مُتاح، وقتله بحكم الكتاب والسنة واجب.

وخذوا بإيتاء الزكاة وبالكشف عن مانعيها وتشخيص مُمسِكيها أو النزر اليسير منها؛ فالزكاة حقُّ المال والجهاد واجب على من منعَ منها قدْرَ العقال، فمن ثبت منعُه للزكاة فهو لا حق بمن ثبت تركه للصلاة، فمن منع فريضة واحدة كمن منع الفرائض كلها، ومن منع عِقالا فما فوقه كمن منع الشرع كَّله.

وامروا بالنظر في الرُّبوب ( نوع من الخمر) وتمييِزها والهجوم على بائعيها ومدمني شربها ومستعمليها، فيراق مُسكرها، ويقطع منكرها، وليعمد إلى من عَمِل المُسكرَ الحرام عامدا، وشَرِبه مُدمنا عليه ومعاهدا ، ولم ترُعه الحدود، ولم تقيده القيودث، ولم يعظه الاعتبارُ، ولم ينفعه الادكارُ، فيُمحى أثره، ويحذفُ خبرُه، فالخمرُ أم الكبائر وجُماع الإثم وكاسفةُ شمس العقل، والبلاغة على كل قبيح من الفعل، والفاتحة كل مُرتِج من أبواب العصيان، وهي رجس من أعمال الشيطان.

وامروا بالكشف عن التلصُّص والجِراية، والتولُّج في مكان الريب والغواية، والاجتماع على سير الجاهلية من الملاهي على فنونها وأنواعها وضروبها واختلاف آلاتها وما يتبعها من المناكر الناشئة عن أصل الجهالة والأفعال المنافية للشريعة الصادرة على أهل ( الزراعة ) والضلالة من الرجال المفسدين والغواة المُضلين، ومن النساء المفسدات المتفننات في طرُق الغوايات؛ فاكشفوا عن هذه الأصنافِ وأثِيروهم عم مكانهم، ونقِّبوا عليهم في مَظانهم، فمن شُهد عليه منهم بشهادة صحيحة سالمة من الهوى والظِّنة باستصحابِ حاله، وتماديه على الإحضار في محلِّ باطله ومُحاله، فيُحَكَّمُ كتاب الله ـ جل اسمه ـ فيه.

وليكشف عن الذين يَغرمون الناس ما ليس قِبلَهُم ، ويأكلون بالباطل أموالهم، وعن أهل العناد والتقاعُس والإخلاد والتثبُّط الذين إذا دُعوا إلى الجهاد، ونودوا إلى الصلاح والرشاد صُمُّوا عن النداء، وتلوَّموا في إجابة الدعاء، وألقوا المعاذير المعربةَ عن العناد، والناطقةَ عن الضمائر الممتلئة بسوء الاعتقاد، وعن القبائل الباقية على سير الجاهلية من الهرّج فيما بينهم والقتل والفساد والخبَل والانقياد إلى سلطان الجهل، والخروج عن قانون الحق وضبط الأمر، وعن أهل النفاق والتدليس الناطقين بما لا يعلمون، والقائلين بما لا يفعلون. فإذا تعينوا على التحقيق فليمضِ عليهم حكم الله تعالى الذي أمر به فيهم.

وقد أنفذنا إليكم ـ وفقكم الله مقاصدكم، وعم بالتقوى معاهدكم ـ نسخةَ كتاب كريم، صدر عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم ـ رضي الله عنه ـ مشتملٍ على جوامع الكلم، ومُنطق على رواتِع الحكم، لم يغادر في المعنى الذي تضمنه مُترَدِّما، ولم يوجد متأخرا عن الوقوف دون مقتضاه ولا مُتقدما، ولم يوسع متربصا في البِدار ولا متلوما، فيه الملاذ والمعاد، وعليه الاعتماد والاستنادُ، وإليه المرجع والمفزع.

وأنتم تقفون منه على حكم الله تعالى في القوم الذين ذكرهم ممن لا دين له ولا أمانة ولا عهد ولا ميثاق، المدعين للحق بالأقوال ، مع التمادي على التضييع بالأفعال، وإظهار الاستماع والقبول في الظاهر، واتباع الجهل والهوى في الباطن.

وتعملون ما جعل العمل عليه في أعداء الدين والعلم وما حكم به فيهم، ولا معدِل لنا عن حكم سر البيت المتلو في آيات الله والحكمة، المستخرج الحكم من مِشكاة النبوة ومرآة العظمة الذي انتظم به الأمر على سنَن الهدى، واستقام على نهج التقوى، فمن عانده أو خالفه أو ضادَّه أو كابره أو عصاه أو ناوأه أو جهله وأهمل أمره، فقد حاق به الردى، فالانقياد لما يقضى به واجب والاستمساك بأمره حتْم، والرجوع إليه في أمر الدين والدنيا فَْرْض لآن قضاءه وأمره هو قضاء ربه وأمره وإرادته وحكمه ، وقد حكم ـ رضي الله عنه ـ هذا الحكم فيمن هاجر إليه أول مرة وأتاه عند طَمْوِ البحر واتصل به سلطان الهرج، ونزع إليه عند الابتلاء والمحنة، واضطرام نار الفتنة، لما أنَس منهم النفاقَ وعلم فيهم فساد الباطن، وشهِد منهم مكابدة الدين، والدخول فيها من غير يقين، وفتحَ باب جهادهم ومَحْوِ آثارهم، وجعله أهم وأولى من جهاد الكفرةِ المجسمين.

فكيف بمن أتى بأَخَرة عند استواء شمس الهُدى على الآفاق، وإخفائها خيالات أهل العتو والاستكبار والمُرود على النفاق، ممن جاء مخافة البِيض الرِّقاق، وأتى عند بلوغ النفس إلى التَّراق، وخاف من يوم عصيبٍ يُكشف فيه عن ساق، فحينئذ أصْحب القياد وأذْعن في المَساق، وفيهم ممن ليس عقْده على الصحة والوثاق، ولا أفعاله مرضيةُ المقصد ولا جاريةٌ على الوفاق، فإمضاء هذا الحكم فيهم، بعد تحقق تلك الأوصاف عليهم أدخلُ في باب الوجوب والاستحقاق.

وإن هذا الأمر العظيم، وإن كان أوسعَ الأيامَ عطفا، وأنالَهم ِرفقا ولُطفا، لا يصل من أوجب الدين قطيعتُه، ولا يحفظ من رتب الحق إذالته، ولا يرخي في الطَّول لمن استن في رعْي حِمى السُّنن، ولا يستمر على المهل لمن زاغ عن النهج والسَّنَن.

فتأملوا من اشتمل عليه كتابُ الإمام المعصوم ـ رضي الله عنه ـ الذي هو هدى وتبيانٌ، ونور وبرهان، واهتدوا بهديٍ من الهداية مخصوصة، واعتصموا بحبل من العصمة عليه منقولة منصوصة، فلا مطمع من الهداية إلا منه، ولا وجهَ لأخذ العلم ومعرفة الحقيقة إلا عنه ومن لدُنه.

وها نحن نقصد قصده و(نتحداه)، ونجاهد على إمضاء ما انطوى عليه معناه، وعلى هذا الحكم مضى العمل في المواضع التي نحن بصددٍ منها بعد أن مُيزوا بمثواهم، وعُرف المجرمون بسيماهم، وتبينَ كل منهم بما احتقب، وشُهد عليه بما اقترفَ وبما ارتكب، وقد فضح الله تعالى منهم جماعةً تعينوا بصحيح الأعلام، فأُخذوا بالنواصي والأقدام، وجُرعوا (مصقر) كأس الحمام بشَبَى الذوابِل وجِد الحُسام، وصُيروا عبرة لأولي الاجتراء على ارتكاب المحارم والإقدام.

فامضوا ـ وفقكم الله ـ في أقطاركم على هذا النظام، واحكموا في هذه الأصناف بمثل هذه الأحكام، واحذوا حذو هذه الأفعال في طَحْر القذى عن طِرْف الإسلام؛ فمن تحقق عندكم بترك الصلاة، ومنع الزكاة، وإتيان المُحرمات، والانهمالِ في المحظورات، من المفسدين والمفسدات، واستصحابِ تلك الأحوال المقررات، أو واحدة من الأفعال المشروحة المبينات، من غير أخذٍ لهم بقولٍ ذي هوى وغَرَض، ولا بشهادةٍ يَتعرض فيها من الظِّنة أدنى عرض، فإذا صح التبيين، وصدق التعيينُ فليُؤخذوا بما احْتَقبوا، وليُسألوا بما كسبوا، وليُقابلوا عن فِعالهم مقابلةَ من لا تَصْرِفُه عن الحق الصوارفُ، ولا تعطِفُه عن امتثال أمر الله العواطفُ، بل يَمضي في إمضاء الحق بأشد العزائم ، وليعمل فيه عملَ من لا يتقي في الله لومة لائم، إلى أن يستمرَّ أمرُ الله تعالى على إذلاله، ويبدو مُحيَّا الحق سافرا عن جَمَاله، ويستقيمَ البشَرُ على الجَدَد المَهْيَع، ولا يَعْدِلون عن سُبل الاستقامة على الصراط السوي في المرعى والمشْرع، والمقْصد والمنْزع، بعون الله تعالى.

ولتقدموا طلبةً أمناءَ من قِبلكم يُعلمون الناس قراءة توحيدهم وحفظَه وحفظ أُمِّ القرآن وما تيسر معها من السور، ويأخذوهم بمُداومة ذلك ومُعاهدته وحِفظه، وليكونوا من الذين يُراقبون ويُحافظون، ولا يراعون في حقوق الله تعالى ولا يُداهنون. واحذروا المداهنَة وحَذِّرُوها فإنها صاِرفةٌ عن الحق، مُزيغةٌ عن نهج الصدق.

وليكن جميع ما تأتونه وتدرونه، وتقدمونه في هذا المقصد وتؤخرونه جاريا على حُكم الإمام المعصوم المهدي المعلوم ـ رضي الله عنه ـ مستندا إليه، ففعلُه هو الذي نقتدي به، ونستمسِك بسببه، ونُمضيه على وجهه، ونُجريه على رسمه، فلا نجاة إلا اتباعُه ولا أمَنة إلا في الاستمساك بأقواله وأفعاله ـ أعانكم الله على ما تقصدونه من ذلك وتَتَحرونه، ووفقكم فيما تأتُونه من ذلك وتتولَّونه، فذلك بيده ـ

وليكن في هذه الأصناف القومُ الذين يكْسرون الدعوةَ ولا ينقادون إلى ما يجب عليهم من الحُكم، والقبائلُ التي تُعادي عن نصحٍ لهذا الأمر العظيم، ووقفٍ في استخراج حقوق الله، وأبانَ خبايا أهل التلبيس حتى أنَّهم يَنصِبُون لهم المكايد، وليمض عليهم هذا الحكمُ فهم أعداء الله ورسولِه.

وليكن هذا القصدُ عاما شاملا منتظِما للحاضر والبادي، والنائي والداني، من الذكور والإناث، والأحرار والعبيد، وسائر أصناف الناس لا يختص قوما دون قوم، ولا جهة دون أخرى.
والله تعالى يوفقكم، ويتولى بمنه عونَكم.
وكتب في الثالث من ربيع الأول سنة ست وخمسين وخمسمائة.
———-
هامش :
الكلمات التي وضعت بين قوسين فيها شك من عندي.

رسالة الخليفة أبي يعقوب إلى الطلبة والموحدين الذين بجزيرة الأندلس 3


كتب يوم الجمعة,آذار 03, 2006

وهي من إنشاء أبي الحسن بن عياش، مؤرخة في ربيع الآخر سنة 564 هجرية، وكتبها من حضرة الموحدين مراكش، كتاب ( المن بالإمامة ) ص 376 وما بعدها..

وفي هذه الرسالة يُطلع كافة الموحدين والطلبة الذين بالأندلس على أمر اهتمامه بأحوال الجزيرة الأندلسية، والانشغال بها، والعمل على نصرتها، والحرص على قيام شأن الموحدين بها على كل قدم وساق، بالوقوف في وجه كل الأعداء؛ من بقايا المرابطين ( المجسمين)، وكل الناهضين في وجه الدعوة الموحدية من النصارى الطامعين وكل الثائرين والمشاغبين بأرض العدوتين الذين قد يحولون دون التفرغ التام لأمر الأندلس .

وقد يلاحظ القارئ تشابه الخط الفكري والتوجه المذهبي بين هذه الرسالة والرسالتين السابقتين وبقية الرسائل الموحدية، وكأنها صادرة عن شخص واحد، وهذا رغم اختلاف انتماء كتابها لبعض جهات العدوتين المتباينتين في كثير من الظروف والأحوال، بل إن جلهم كان قد تمرس بعمل الكتابة والإنشاء من لدن الدولة المرابطية كأبي جعفر بن عطية المذكور سابقا، وهذا يدل على أن الكتابة عملة نادرة يحرص الساسة في كل وقت على ضمها كقوة معنوية إلى قوة العقيدة والسلاح بكافة وسائل الإغراء أو المساومة والشراء.

وهذا التنوع في انتماءات كتاب الدولة الموحدية الجغرافية أعطاهم قوة تنافسية هائلة، ومكن لكتاباتهم هذا الغنى وهذا التنوع في طرق العرض والأداء الفني، وهذا مما قد لا يخفى على القارئ الحصيف.

أما وقد تبنت الدولة الموحدية مشروع الكتابة والكتاب، وأولته العناية الفائقة التي لا مزيد عليها حتى أمرت بقراءة الرسائل الموحدية في محافلها، والتبرك بها وإظهار البهجة ببشاراتها، بل وحتى بحفظها تعظيما لشأنها، وتقديرا لرسالة أصحابها في حفظ أساليب التعبير الإنشائي الخلاق وفي الإحتفاظ بصورة دولتهم المهيبة على صفحة التاريخ، كما يدل على ذلك المقطع الأخير من هذه الرسالة أيضا، فلا يسعنا إلا أن ندهش لهذا التوازي العجيب بين مشروع الموحدين الحضاري، وكتابة كتابهم التي نهضت بمهمة التعبير عنه في ساعات الفرج والضيق، وبعد أن آل مصير الدولة الموحدية وكل كتابها إلى الفناء المحتوم، كما لا يسعنا في نفس الوقت إلا أن نأسف على كل أشكال التردي والضحالة التي تشوب طرق تعبيرنا وأدائنا اليوم.
وإليكم الآن نص الرسالة:

بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم، والحمد لله وحده.
من أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين أيده الله بنصره، وأمده بمعونته.
إلى الطلبة الموحدين مِن الذين بجزيرة الأندلس ـ أدام الله توفيقهم وكرامتهم ـ سلام عيكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد:

فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، ونشكره على آلائه ونِعمه، ونصلي على محمد نبيه المصطفى ورسوله، ونسأله الرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، القاضي بأمر الله تعالى والداعي إلى سبيله، ونُوالي الدعاء لصاحبه وخليفته الإمام أمير المؤمنين مُمشي أمره العزيز إلى غاية تتميمه وتكميله، .

وإنَّا كتبناه إليكم ـ وصل الله توفيقكم وكرامتكم بتقواه ـ من حضرة مراكش ـ حرسها الله ـ والذي نوصيكم به تقوى الله تعالى والعمل بطاعته، والاستعانة به والتوكل عليه.

وهذا الأمر العزيز بما وعده الله من النصر، وضمِن له من التأييد، وتكفل له من التمكين، وأراد من تَبَسُّطِه وامتداد غلْوائه، واتصال مِضماره، وخلوصه إلى كافة الأرجاء، وتغلغله في كل الأنحاء، لإكمال دينه، وإتمام نوره، وبث دعوته، وتصديق دعوته لا تزال(مواده) الحافظة لصوره، المبقية لأثره، المثبتة لأركانه، الممكنة لقواعده، تُشيع من الأسباب المقوية واللطائف المُنهضة، والمعاني المُعينة على سريانه، المزعجة لتسربه وجريانه، بما يؤذن له بإنجاز موعوداته، وتتبع مضموناته، حتى يستولي على مداه الذي لا غاية بعده، ويقف على منتهاه الذي لا مطلع وراءه، يقينا اطمأنت بمقدمات العلم به القلوبُ، وقرت على ظهور براهينه النفوس، وعضدته الآيات البينة، ونطقت به الآثار المفصحة، و(ناقلت) شواهد أحواله لمن ألقى السمع وهو شهيد.

وما زلنا ـ وفقكم الله ـ على إتمام العناية بتلكم الجزيرة ـ مهدها الله ـ، والحرص على عونها، والانتِواء لنُصرتها، والعمل على قصد ذلك بالمباشرة والمشاهدة، إشفاقا على ما استضام منها جيرتُها الأعداءُ، وأبناؤها الأعقاءُ، مُجسِّمين وروما، وما كادوها به من التكلف والتحيف، والتنقص وفغْر الأفواه، وكشر النيوب والإرصاد لغَيْض ما فاض فيها من نور التوحيد، وخفْض ما نُصب من أعلام هذا الأمر، والمُناصبة للمُنحاشين إليه، المتعلقين بأسبابه، المُستذمين بذمته، ممن صح ولاؤه، وصدقت طاعته وخلص على السبك، ونصع مع السَّبْر، ونجعل لها من الفكر حظا يستحق الصدر على ما سواه من الأفكار، ويأخذ السبق على غيره من مُعنيات الأمور، ونراه من الأهم الأعنى، والأول الأولى، قياما بحق الله في جهاد أعدائها ومكابري (مناويها)، ومن لم تنفعه العبرُ على مرورها على بصره، وتواردها على مشاهدته وإهابتِها به، ولم يرْعَ سمعا دعوة الحق التي ملأت الخافقين، وقرع صوتها مسامع الثقلين، وتمكن أسبابَ التفرغ لذلك، والتوسعَ فيه والنظرَ في أحكامه، فتعترض من أهل هذه المغارب شواغبُ يثيرها الجهال، ويبعثها النَّعقةُ الضُلال، فلا يسعُ إهمالُها، ولا يسوغ الإضراب عنها، قياما بحق الدين، وتوقيا من استشراء الشر، وتوفر أسباب الفتنة، فينصرف إليها من الالتفات والقصد لحسم عللها وإبراء أدوائها ما يُقْشِعُ غياباتها، ويطهر أقذاءَها، ويُفضي إلى المقصود الأول من التفرغ للجزيرة ـ مهدها الله ـ والتوطئة لأمرها.

وما فتئ الاشتغال بهذا الغرب يَلِظُّ بأرجائه، ويشتمل على جوانبه، ويتخلل زواياه، وينظمُ أوعاره وسهوله، حتى صفَّى الله مشاربَه، وخلَّص من الشوب مشاِرعَه، ووقف بأهل الانتزاء من أصناف مُشاغبيه على تايبٍ أناب بقلبه، وندم على ما فرط من ذنبه، وعلى شقيٍّ تمادى في غلوائه، ولجَّ في تمرده، فولى كل ما استحق، وسِيم خطة ما رضي، ووجد التايبُ برد الأمان، وتبوأ كنف الإحسان، وحقت على العاصي كلمة العذاب، وأخذه التباب، والصيرورة إلى سوء المآل وشر المئاب،( وما ربك بظلام للعبيد).

ولما تولى الله هذه الجهات مِنة التمهيد، وبسط لها نعمة التسكين والتوطيد، انعطف النظرُ إلى محل مَثاره، وسال سيلُ الاعتناء إلى قراره،، وتوجه حفل الاشتغال إلى الجزيرة ـ مهدها الله ـ وتوفرت دواعي الاستعداد لنصرتها وجهاد عدوها، ورأينا في أثناء ما نحاوله من مَروم هذه الغزوة الميمنةِ المباشِر أن نقدم بين أيدينا عسكرا مباركا من الموحدين ـ أعانهم الله ـ صُحبة الشيخ الأجل أبي حفص ـ أعزه الله ـ يكون تَقدمة لجواز جمهور من الموحدين ومُؤذنا بما عزمنا عليه ـ والله المستعان ـ من التحرك بجملة أهل التوحيد والقصد لهذا الغزو الميمون الذي جعلناه نصب العين، وتُجاه الخاطر.

فتتعاونون مع إخوانكم الواصلين ـ على بركة الله إليكم ـ على جهاد أعدائكم إلى أن يوافيكم ـ إن شاء الله ـ هذا العزمُ، ويلم بكم هذا القصدُ، وتعتمدَكم هذه الحركةُ المحكمةُ أسبابُها، المُبرمَة أمراسُها التي انعقدت بها النية، واحتدمت لها في ذات الله الحمية، واستعانت بتوفيق الله في تأصيل أصولها الفكرةُ الموجهةُ والروية.

وإنا لنرجو من المبلغ لآمال القلوب، المتفضل بإدراك كل مطلوب، أن يهب فيها من العون ما يتممُ مبدأَها، ويكملُ منشأها، وتشفى به صدور أوليائه بالنقمة في أعدائه، وأن فضله تعالى ليسمح ببلوغ هذه الأمنية، الإطلال منها على كل شرف وتنية، فما ذلك على الله بعزيز.

وإذا طالعتم ـ وفقكم الله ـ هذه الأنباء واستعلمتم ما ضمنها من البشائر وعنوانات الفتوح، وآثار هذه القُصُود، وحملتم ذلك على الثقة بما وعد الله هذا الأمر والتلفُّت إلى ما عوده، رأيتموها نُعمى تخوَّلتكم، ورُحمى انتحتكم وأتتكم، وشرحتم لها صدوركم، وعمرتم بها إنحاءكم، وشغلتم بها مَشاهِدكم، وسررتم بها غايِبكم وشاهِدكم، وأذعتموها إذاعة تثلَجُ بها صدورُ الأولياء، ويكون للمؤمن منها مطلع أمل، وللكافر مطلع هول ووجَل، وعرَّفكُم الله شكر النعمة بها، وأعانكم على أداء واجبها، وبلغكم الفايِدة الجميلة منها، بمنِّه ويُمنه.

وإذا وصلكم هذا الكتاب فأشيعوه قراءة على من حضركم من أصناف الناس، وإرسالا بنسخه إلى من نأى عنكم، حتى يجد أثرَ الاستبشار به، ويترقب بمودَعه الغائبُ والشاهدُ، والحاضرُ والبادي إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتب في الحادي والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمس مائة.
———–
هامش:
الكلمات التي وضعت بين قوسين فيها شك ولبس، كما نبه على ذلك محقق كتاب ( المن بالإمامة ) الدكتور عبد الهادي التازي، طبعة دار الأندلس، بيروت، 1964م.

رسالة عبد المومن بن علي إلى الطلبة والموحدين الذين بغرناطة 2


كتب يوم الخميس,آذار 02, 2006

كتبت هذه الرسالة في ذي القعدة سنة 554 هجرية، وهي من إنشاء أبي جعفر بن عطية، ” مجموع رسائل موحدية “، الرسالة رقم: 19.

وفيها إشارة إلى عناية الموحدين بأمر الأندلس، واختطاط مدينة بجبل الفتح، جبل طارق، لتيسير العبور إلى الجزيرة الأندلسية قصد الجهاد، مع شرح كيفية ذلك، وتعيين المهندسين والمشرفين على مشروع إعمار مدينة جبل طارق.

وفي نهاية الرسالة مطالعة بأحوال الموحدين وفتوحاتهم التي تجددت في الجهة الشرقية بالمهدية وقفصة وقابس، وأمر بتعريف كافة الموحدين والطلبة الموجودين بالأندلس بتلك البشائر، بشائر النصر القادمة من جهات الشرق المذكورة التي وقعت تحت نظر الموحدين:

من أمير المؤمنين ـ أيده الله بنصره، وأمده بمعونته ـ إلى الطلبة والموحدين الذين بإغرناطة ـ أعزهم الله وأدام كرامتهم بتقواه ـ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد حَمدِ الله الذي على عونه مستندُ الاعتصام، وعلى معارج تيسيره منعطفُ كل مَرام، وبحوله وقوته مُورَّك كل بدء من الأمور وتمام، وهو أهل الشكر والحمد على الإحسان المتتابع والإنعام؛ والصلاة على محمد عبده ورسوله موضح سبُل السلام، والمُبتعَث إلى الأحمر والأسود من كافة الأنام، وعلى آله وصحبه البررة الكرام؛ والرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، المخصوص بالعلامات الصادقة والأعْلام، المبشر من ظهور أمره العلي، وتعيينه المراد المعني، بما فاضت تباشيره، وسالت أساريره على صفحات الليالي والأيام.

فإنا كتبناه إليكم ـ كتب الله لكم تعُّرف الآلاء المستجدة، وبركة المواهب التي هي من بحر عطائه مُستمدة ـ من منزل الموحدين ـ أظهرهم الله ـ بظاهر (المهدية) ـ فتحها الله ـ ووعد الله لأوليائه قد فَض الإنجازُ خاتَمه، وبرَّز لياليه المخبوءة وأيامه، وأجرى بأعلى حزبه المفلح قضاياه الماضية وأحكامَه، وأخبر طائفة هذا الأمر الكريم وعامري صراطه المستقيم، من ثمرات هذه الحركات المشهود لها بميامين الأقدار، المُستنَّة في مِضمار الاختيار، ما بلغ فيه ـ والحمد لله ـ من إظهار دينه وتمْشية أمره إلى أفضل مأمول، ووقف منه على عناية الله الباهرة للعقول، المطابقة لمواقع المطلوب، من فضله والمسؤول، ولله تعالى في بركات هذا الأمر العزيز رحمةً على العباد ممدودة، وإشارةً في معنى العموم مقصودة، وإرادةً في حِياطة المُعِْرق والمُشْيِم والمُنْجِد والمُتْهِم موجودة مشهودة، ليُأخذ الأمرُ العزيزُ بمجامع الاستواء، ويُطبق بمطاِرح الأدواء، ظلم الأهواء، ويُعمها تصديقا للخبر، وتحقيقا لوارد الأثر، بالقسط والعدل على حد سواء.

ومازلنا ـ أعزكم الله ـ وهذه المطالع الشرقية مأَمُّ الركاب، وإليها مرتقى الأسباب، والجهاد المظفرُ ينتابها من كل مدخل مبارك وباب، نلتفت من تلكم الجهة إلى العدوة الأندلسية ـ حفظها الله ـ بما يجب لها من الالتفات، ويجعلها الجهة المُيمَّنة وإن تقسمت العزائم من جهات، تمكينا لاستحداث العزم، واستئناف الأمر الجزم، إلى أن أرسل الله من فضل إنعامه، وصيِّب إخطاره وإلهامه، ما استُخير فيه تعالى فصدقت به الاستخارة، واستقلت به الأفكار المدارة، وأذِنت فيه بما انشرح له من الصدر بإيذانها مُقدمة البشارة، وهو النظر في اختطاط مدينة عتيقة مباركة بجبل طارق ـ عمره الله ـ مجمع البحرين، والقطب الآخذ بأطراف البرين، يختص بعون الله بهذا الأمر العزيز إنشاؤها، ويكون إلى إيجاده اعتزاؤها وانتماؤها، ويرتكز بفِنائِها علمُ هذه الطائفة ولواؤها، وإنَّا لنرجو أن أشعة النصر لتلكم الجزيرة تثبتُ من مطلع هذا الشاِرق والشاهِق، وتلمع في كل مطْرح بكل بارق، وتضمَّ إلى حزب الله وفئته كل مُنافر ومفاِرق، ويكون النظر المحتل بذُراه، المنعقِد بعُراه، مطلا إن شاء الله على المغارب والمشارق.

وقد قويت العزائم بحول الله على الاشتغال ببنائه، وعِمارة فِنائه، والأخذ في شأنه، وإعداده على مقتضى المدن المُحصنة المُحسنة لأوانه.

واستخرنا الله تعالى ووجهنا الشيخ أبا إسحاق بَّراز بن محمد والحاج يعيش ـ أكرمهما الله ـ للاشتغال بذلك على ما وادعناهما عليه وذاكرناهما به في كيفية الاشتغال، وصورة الاعتمال.

ولتجمعوا ـ أعزكم الله ـ ومن إليكم من الأشياخ الأندلسيين ـ أكرمهم الله ـ بهذا الجبل المبارك مع إخوانكم الطلبة الذين بإشبيلية ومن عندهم من أصحابهم والواصِلَيْن من قبلنا الذَيْن ذكرنا لكم توجيهَهُما؛ وتنظروا في ذلك المكان بالنظر الحسن الجامع لمصالح المدن ومرافقها، وإجادة الاختيار وتوسعة الفَناء.

وقد خاطبنا الشيخ الأجل أبا حفص ـ أعزه الله ـ ليصل إلى ذلك المكان إن تمكن له؛ وخاطبنا الشيخ القائد أبا محمد عبد الله بن خيار ـ أكرمه الله ـ ليصله وتتلاقى هنالك الآراءُ المذاكرةُ المباركة. وعند الشيخ أبي إسحاق والحاج يعيش ما ذاكرناهما فيه مما يُعتمد عليه إن شاء الله. واللهُ يُعرِّف اليمن في ذلك والخِيرة، ويجعله عنوان الإقبال وفاتحة النصر بمنه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعزكم الله ! خلال النظر في إنفاذِ هذا الكتاب إليكم، سنى الله تعالى ما يصلكم صُحبتَه من فتح (قفصة) وما اتصل بفتحها من مخاطبة عرب ( قابس) الذين فروا منها وقْت فتحها، وطلبهم للأمان على ما اقتضته المخاطبة إليكم.
ونحن قد استخرنا الله تعالى على التوجه إلى الغرب والحركة لاستقبال تلكم الجهات؛ وأخذنا في أهبة ذلك.
فاستعدوا له، وشُدُّوا أنفسكم، واضبطوا مواضعكم، فكان بنصر الله الذي وعد به وإتمام أمره لأهله، ولا بد من دوامه ما دامت السماوات والأرض.
فلتُعرفوا بذلك جميع الموحدين وتُبشروهم به وبمطالعة الفتح لهم إن شاء الله. والسلام.
كتب في الموفي عشرين من ذي القعدة سنة أربع وخمسين وخمسمائة ( 554هج ).

رسالة ابن عياش في البشرى بالنصر، عقب انتصار الوحدين في الأرك 1


كتب يوم الأربعاء,آذار 01, 2006

أدب الرسائل والكتابة الفنية على عهد الدولة الموحدية:
تقديم:
كانت الكتابة الفنية من أهم خطط الدولة الموحدية بالمغرب الأقصى، وأجلى مظاهرها الحضارية، والأكثر قدرة على استيعاب مشروعها الحضاري المتميز.

وقد حرص الموحدون على استنفار أمهر كتاب العدوتين: المغربية والأندلسية للاضطلاع بمهمة التعبير عن ذلك المشروع المهم في تاريخ المغرب، كما حرصوا على الاحتفاظ لفن الكتابة والإنشاء بمستواه العالي الرفيع، مضمونا وأداء، كما تدل على ذلك هذه النصوص التي سنعمل على عرضها تباعا، في هذه الزاوية المخصصة لأدب الرسائل والكتابة الفنية على عهد الدولة الموحدية، سواء في جانبها الرسمي المتعلق بحياة الدولة، أو في جانبها الخاص المتعلق بحياة الكتاب الرسميين التابعين لأجهزة الدولة، أو بحياة غيرهم من الكتاب البسطاء العاديين:

أ ــ الرسائل والكتابات الرسمية:
1) رسائل الفتح والبشرى بالنصر:

وهي أهم أنواع الرسائل الرسمية، وتأتي دوما في طليعتها، كما ذكر القلقشندي في موسوعته الضخمة( صبح الأعشى في صناعة الإنشا ) لعظم شأنها، في التعبير عن هيبة الدولة.

وتتميز رسائل الفتوح بإسهابها في وصف المعارك، وبتفننها وإحكام صنعتها، ووفائها في التعبير عن حاجات الدولة المختلفة في الحرب والسلم وعند المحن والفتن، وكل ما يتبع ذلك من مستلزمات آداب الخدمة الديوانية الرسمية المختلفة، في تقديم المشورة، وفي التدبير والتسيير، وفي حفظ ألقاب ونعوت ومراسيم الدولة، والتنويه بشعاراتها السياسية والدينية والمذهبية والفكرية، كما في هذا النموذج الأول:

ــ رسالة أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن عيَّاش عن يعقوب المنصور، ضمن ”مجموع رسائل موحدية” لبروفنصال، الرسالة رقم: 35

من أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين ــ أيدهم الله بنصره، وأمدهم بمعونته ــ إلى الطلبة والموحدين والأشياخ والكافة بفاس وعملها ــ أدام الله كرامتهم بتقواه، ويسرهم من العمل والشكر لما يتقبله ويرضاه ــ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله الفتاح العليم، المنزه بسلطان العقل عن التثليث والتجسيم، حمدا يكون إلى العوارف سعيرا، الواحد الذي استحال عليه جواز العدد، واتخاذ الصاحبة والولد، فتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، القاذف بالحق على المُبطِّلين، وبالصدق على المُكذبين، ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا، مثيب من توجه إليه وتوكل عليه فتحا قريبا ومغانم كثيرة وكان ربك قديرا، ومنجده من السبع الطباق، بمن يغني عن السُّمر العوالي والبِيض الرقاق. وكفى بملائكة السماء ظهيرا؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبيه المرسل شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، مطلع الآيات الكُبر، على مراقب السمع والبصر، فطوبى لمن كان سميعا بصيرا، والمجاهد بجيش القرآن ، من دعاهم إلى السجود للرحمان، فقالوا: ( أنسجد لما تأمرنا ) وزادهم نفورا، كاسر الصلب والأصنام، ومعجز فرسان المنطق ورؤساء الكلام، حيث لم تَعدم البلاغةُ لسانا ولا الرمح مُديرا؛ وعلى آله وصحبه الذين اتبعوه قولا وفعلا ، فكان حكُمهم فاصلا، وسيفُهم قاصلا، ولواؤهم منشورا؛ والرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، معيد الحق وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، والمنشر بنور هدايته، وظهور رايته، قلوبا سكنت من الجهل قبل القبور قبورا، والمحيي بخاصَّي صفحِه وبيانه نفوسا قابلةًَ والمهلك بحادَّي سيفه وسنانه قوما بورا؛ وعن صاحبه وخليفته سيدنا الإمام أمير المؤمنين الذي اختاره الله سجيرا، وللمؤمنين أميرا، متلقي راية الإمامة في مغرب الشمس والله قد أعد له في مشرقها منبرا وسريرا، والكاشف ما دجا من الفتن المُدْلَهِمَّة، والخطوب المُصِمَّة، وقد أمسى جنح ليله ذابلا وأصبح شرها مستطيرا؛ وعن سيدنا الإمام أمير المؤمنين بن سيدنا الإمام أمير المؤمنين متقبل آثاره، وباسط أنواره، يقْرُوها أثرا أثرا ويبسطها نورا نورا، والمُعطى من الكمال، وشرَف الخِلال، ما يرد الذهن كليلا ويصرف الطَِّرب حسيرا، والمُعان بالنصر الذي لم يزل النهار مواكبا والليل سميرا.

وإنا كتبناه إليكم ــ وألسن الأقلام، تعجز عن حقيقة الإعلام، لعلمها بأن إلينا في صنع الله العظيم سبحانه سبحا طويلا، وأن لسان هذه الحال الشريفة أقوم قيلا وأكبر تفصيلا ــ من حضرة إشبيلية ــ حرسها الله ــ والذي نوصيكم به تقوى الله تعالى، والعمل بطاعته، والاستعانة به، والتوكل عليه، وأن تعلموا أن الجيوش وإن كثرت جنودها، وانتشرت ذات اليمين وذات الشمال بنُودها، فلا ثقة إلا بالواحد الذي يغْلب، والكتائب الباغية كثيرة الأعداد، والاستظهار إلا بسيفه الذي يضرب، والسيوف في مضاجع الأغماد، وإلا فما يؤثر الخميس العرمرم إذا لم يكن السَّعد من نَفَره، وما تغني شجر القنى إذا لم يكن العون من شرفه والفتح من ثمره، وما تفيد عيونه الزرق إذا كان صنع الله محجوبا عن بصره؛ وكلا ولا حول ولا قوة إلا بمن بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون، ولا نيل ولا نُجعة إلا من وعده، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون؛ والحمد لله عودا بعد بدءٍ على المواهب التي يتلاحق مُوَحَّدُها ومُثَنَّاها، والعطايا التي أنبأت بها الغيوب فلو تنكرت لعرفت بسيماها.
وإلى ذلكم ــ أوزعكم الله شكر النعمة ــ فإن الله سبحانه لما كسر طاغية الروم الكسرة التي أعزت الحنيفية، وأذلت النصرانية، وفتح من معاقله الأَشِبَة ما فتح، ومنح عباده من أنفاله وأسلابه ما منح، أجفل ــ لعنه الله ــ إلى قشتالة ــ فتحها الله ــ إجفال الظَّلِيم، وقد أبقى منه سيف الله ما يُبقي الصباح من الصَّريم، والرياحُ من الهشيم.
وفَصَل الموحدون وشُكْرُ الله ملءُ حقائبهم، وصُنْعه الكريمُ حسْبُ رغائبهم، وشرعةُ العود متمَأََرُ قناهم وقواضِبهم، لا بتمَنِِّ للقاء العدو، ولا بتصويب إلى مَهْواة الكبر والعلو، بل بمجرد الافتقار إلى الواحد الذي ينصر من ينصره، ويزيد الإحسانَ من يشكره، ومحض الثقة بقوله تعالى وهو أصدق القائلين: ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ).
ولم يزل الكافر يرغب في السلم رغبة مَنْخُوب الفؤاد، وموتور الأمل، مقطوع السبب، وتكررت مخاطباته فَرُدت بالخواتم على أدراجها، مُشْعِرةً بأن استخارة الواحد القهار على غزوه بِسبيلٍِ ألجامُها على الله وأسْراجها، وما يُصنع بالرغبات المذْحُولة والحِبال الرَّمَائم، وصنع الله الذي عود عباده مقرون بنواصي العزائم، وجانب الظفر الذي منَّ به سبحانه أشد وأوثق، ونَسبُ القتال في شرف الإسلام وأهله أكرمُ وأعرق.
وعند ذلك تحرك الموحدون على ما جاءت به السنة الحنيفية من الإعداد والإرهاب، عالمين بأن لا عِدة ولا عُدة ولا قول ولا صول إلا بما يفيض عليهم من خزائن رحمة ربهم العزيز الوهاب، عائذين بالله من الإعجاب أن يركبوا له طِرَفا جامحا، ويمدُّوا إليه طَرْفا طامحا، ويوطئوا عقبه نافلاً ورامحا، بل هم القوم يستنجزون ما جاء به الوعد، وينتظرون ما عوَّد الإقبالُ المُتعارف والسعد، ويُسَلِّمون في كل مكان وزمان لمن كان له الأمر من قبل ومن بعد؛
فأول ما مررنا به حصن (منت انتش) وهو حصن يتَلّفَّع بالعَنان، ويقتضُّ الطائرَ بالسِّنان، ويقذف الشجاعة في روع الجبان الهِدان، على طود قد سافر في الجو مُقتربا، ولم يرض بالجبال أكفاء ولا بالبسيطة مُنْتَسَبا؛ فقبل الخلوص إليه من العروج ، والنزول عليه من السروج، فتحه الله فتحا تفاءل له التوحيد فيما يُؤمله، وقال أهله: اللهم اجعله مفتاح كل باب نستقبله.
ثم عمدنا إلى (ترجالّه) قاعدة الثغر الشمالي تُرضعُه بدَرِّها، وتدربه على شرها، مدينة لم يخافوا عليها للحوادث ظفرا ولا نابا، ولا توهموا أن سيغلقون لها في وجه مُنازل بابا؛ فعندما سمعوا بالمرور عليهم نادى فيهم منادي الجلاء في ساعة القتل والسِّبا، فاتَّبعهم من سرعان الجيوش من قتل مُقاتلَهم وسبى حريمَهم ولم ينج منهم إلا من تخطاه جناح السيف أو دخل في خِفارة الليل.
واقتدى بهم في الفرار أهل (شنتقروس) وهي القلعة الحسيبةُ في الامتناع، المَجْلُوَّةُ على مِنَصَّة اليَفاع، أول حصن بالجهة أهينت فيه شعائر الله واتخذ فيه المسيح وأمه إلهين من دون الله، منه تفتحت أبوابها، وتوزعت أسلابها، واستبيح بالغدر حِماها، ورماها الكفر إلى أجل مُسمى بالداهية التي رماها. فشحنت ثلاثتُها خيلا ورجلا، وأتِرَع لها الحرمُ غَرَبا من النظر الكريم وسجْلا، ونقل إليها من أهلها كل من كان يُستسقي لعهدها هطَّالا من الدِّيم ويرى وجدان كل شيء بعدها كالعَدَم. وكان يجاورها من معاقل الكفرة ما لم يُلحق في المنعة بغايتها، ولا نَصب في الحرب راية مثل رايتها؛ فاقتُدح فيها زند الاستخارة، على الهدم والعمارة؛ فأخذها الرجَفَانُ أخذا وبيلا، وصُيرت للفور بإذن الله كثيبا مهيلا.
ثم أجزنا وادي (تاجو) وهو سورُ الأرض التي كان بالآذان عهدُها، وزلزل بالناقوس غورُها ونجدُها، بعد أن قيل للموحدين على شاطئيه الإسلامي: ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين، وعليكم بتجديد النيات، واستنزال نصر الله تعالى على هذه الرايات. فبايعوا بيعة سَرت بها في دين الله المشرفيةُ والقنى، واستنت بها خيل الكلمة الإسلامية في شرف المُنى.
ثم سِرنا متغلغلين في أرض الروم إلى مدينة (إبلتانسية) وكانت مدينة تهالك في إنشائها بُرهة من السنين، ونقلَ إليها من أهل الشمال كلُّ من تلقى راية الحرب باليمين، وحدَّث بها نفسَه بآمال سبق إليه الفسادُ قبل الكِيان، وانعدامُ الخبر قبل العيان؛ وإذا بأهلها قد غزاهم من الرعب جيش طارق، وسيف بارق؛ فودعوها وداع من يحسبُ كل صيحة عليه، ويظن البلاقِع والبراقِع جيشا ناهدا إليه، واغتر بقصَبتها من كان يدبر حربها، ويشد بزعمه دْربها، وهم جملة كبيرة من الروم فيهم زعماء مشهورون ما منهم إلا من كان ذا راية منشورة، وكتيبة مستورة، وفتكة في المسلمين مذكورة؛ فاستولى الموحدون على المدينة يدمرونها تدميرا، ويُتَبرون ما علا منها تتبيرا، ويزيحون أهلها تتبيبا وتحسيرا؛ وغلبت القصبة على الكفرة فلاذوا ببرج أصيل المَنَعة، محكم الصنعة، عريض الحافات، باسق الشرفات؛ فأرسل الله عليهم سحابا دلوحا من النبال، وقذفا بصم كالجبال، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال؛ فلم يلبثوا إلا ليلة وقد نزلوا على حكم الأسر، باضطرار منهم وباختيار من القهر والقسر، وبدلهم الله بالجبن والخوَر من تصميمهم وإقدامهم، وصُيرت السيوف التي كانت في أيديهم أغلالا في أعناقهم وقيودا في أقدامهم؛ ولَفقْدهم على الكافر أشدُّ من ذهاب البلاد، فإنهم كانوا عنده أهل الآراء المسموعة والسيوف الحداد.
ثم عطفت الأعنة على أعمال (طلبيرة) فأوسع الله أرضها اعتسافا، وأقواتها انتسافا، وعمائرها خرابا، يقول عنده الكافر: ياليتني كنت ترابا، ثم جئنا ظاهرها وكانت جنتهم التي يتفيئون ظلالها، ويعتمدون استقلالها، يفرحون بما أوتوا منها، ولا يعرفون لبأس الله حقيقة ولا كنها؛ فاستؤصلت أشجارها الملتفة أصلا وفرعا، وأفنيت حدائقها الأنيقة قضبا وقطعا، وتلاقت عليها عوامل الحديد، ببأسه الشديد، إرغاما لأنف الكفرة، وجدعا. فلما صفرت من الخير، وصارت أوحش من جوف العير، وذبُل روضها الخَضِل، وخرق حجابها المنسدل، وقالت للكفار بلسان الحال: ودعوا في جناتي آمالكم، واندبوا في عرصاتي أحوالكم، فوض عنها الموحدون في رحال ثقيلة، ورجال طويلة، يمرون على البلاد مر السيل بالليل لا يبقي ولا يذر، إلا ما لم يمر بالخاطر ولا وقع عليه البصر، ينزلون على الزرع وقد شابت بها نواصي الوهاد والنجاد، فلم يرحلوا عنها إلا وقد عاد بياضها إلى السواد، ويعمدون إلى القرى الظاهرة، والمدائن الباهرة، فيجدونها بالأقوات راجحة الميزان، كثيرة الحسان، خاوية على عروشها، من قطانها وجيوشها، قد أسلموها لكلمة الإسلام، وفارقوها قبل صهيل الخيل وخفق الأعلام، وطرّحوا يريدون أقاصي الروم على غير طريق، فتخطفهم الطير أو تهوي بهم الريح في مكان سحيق، فمنهم طريد خوف، وحصيد سيف، ومنهم من أصابته الرماح كسبا، وأخذته الصفاح ولكن يُسر غصبا، فإذا نزل بساحتها نزلت بعقرتها أم الخطوب السود، وامحى أثر نجمها وشجرها من ديوان الوجود، هدما خبيرا، وحريقا مستطيرا، وقطعا استأصل معمورا ومغمورا؛ والله يقدم إلى ما يعمل الكافر من عمل فيجعله هبا منثورا.
ولم يُعهد لعمارة هذه المدائن المذكورة، لما عرض لعمارة ما فتح الله في صدر الحركة المنصورة؛ فإن تلك وبلاد الإسلام كانت مترائية النارين، مدانية الدارين، يتعارف بينهما أهل الملتين، بالاسم والعين، فقصد بعمارتها طي بساط الكافرين ونشر خطة المؤمنين ومشي الناس في مناكب الأرض وأطرافها آمنين وادعين؛ ولم يُلحح في بلاد الروم إلا طلبا للكافر عينه، فيستوفي منه سيف الله بقية دينه؛ ولو كره المفر، وجره رسنُ الاغترار كما جر، لورد من أمر الله بحول الله ما أحاط به علما، وانطبع في نفسه الخبيثة المردودة نقشا ورقما، ولكن تدكر فتوارى في (قشتالة) بالجبال، ولف فيها رأسه حياء من الكفر والضلال، وخلى البلاد والسيف يحكم فيها كيف يشاء، ويبدع الإعدام والتدمير لا الإيجاب ولا الإنشاء، وجهده العض على يديه وكذلك يفعل الظالم، ويروم الاعتصام وكيف يُعصم ولي الشيطان والله هو العاصم؛ فكل ما عرض لحزب الله في طريقه، ألحق بحزب الشيطان الذي أهلكه الله بالأمس وفريقه.
فلما صارت البلاد كأن لم تغن، والمعاقلُ كأن لم تُبن، وعلم أن من حِيل بينهم وبين المواطن والأموال والأقوات، أحياءٌ ولكن في عداد الأموات، صوبنا على (طليطلة) قاعدة الصُّفر، وأمِّ بلاد الكفر، وجئناها من جهات أبواب (قشتالة) وهي الجهات التي كانوا يأمنون من أفقها، ولا يسدون بابا يفضي إلى طريقها؛ فأخذهم العذاب وهم لا يشعرون، وعرفوا التخاذل من حيث كانوا يبصرون، واستقبلتهم العبر أفواجا أفواجا، وجاءتهم النذر تأويبا وإدلاجا، إلى أن نزلنا بظاهرها الشمالي ولُمَّّ بجيوش الإسلام لم تُوقَعْ بصرا على حدودها، ولا جُرَّت صَيْدَةٌ في صعيدها؛ فرُدَّ ما كان يليها منه نفنفا، وقاعا صفصفا، بين هدم يَستأصلُ الشأْفة، وحريق يلتهم الجّهْلة، وقطع ينْحِت الأثَلَة، ويحصد الشوكة.
ثم تظاهر الموحدون ثاني يوم فيما أعطاهم الله تعالى من قوة العدد والعديد، وفاضوا على أعطافها في بحور الخيل وأمواج الحديد، كل قبيلة في شعارها الموسوم، وعلى مدرجها المرسوم، كأنهم من البحر لج موجه متراكب، وأسحاب خريف زعزعته الخبائب، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، وللكفر وأهله الخسران المبين، والعذاب المهين؛ فبرزوا عليها تبريزا ثوب إن شاء الله لبقعتها بالرضوان، وقرب الأوان، والانتصاف من الكفر الذي نجسها بين أخواتها، وعطلها من الإيمان الذي هو حلى أتْرابها ولِداتها، ونادى في المشركين بتقويض الرحال، ورمي الأقصى فالأقصى من أسياف البحار وجزائر الشمال، وأفصح لهم ذلك اليوم بأن لله طالب مدركها وهو الحق الذي قامت به السماوات والأرضون، والمنهاج المبين والدين القيم الذي هم عنه معرضون.
ثم أجزنا وادي (تاجو) إلى جنابها الإسلامي، وهو منشأ دوحها المائس الأعطاف، وحدائقها الغلب ذات الألفاف، وجناتها المعرشات وغير المعرشات، وفوائدها التي هي عندهم من كمال الدين وقوام الحياة؛ وفيه المنية التي كانت جنة الكافر ومأواه، وحظه من أولاه وأخراه، فكر على الجميع المؤمنون كرة، فكان انْجِعَافه بإذن الله مرة؛ فلم يكن بين رويتها في حلى الحسن والابتهاج، وتضاؤلها في شعر مسودة كالليل الداج، إلا بقدر ما غير الله نعمها بالبوس، وبدلها من الأمن والحفظ بالخوف والجوع وهو شر لبوس. وهذا القطر كان عندهم مركز اللواء، وكرسي الاستواء، والحرم الذي يُنفر طيرُه، ولا يبيدُ خيرُه، فالحمد لله الذي أباده، ويسر جهاده؛ فلا بُلغة حال، ولا مُسحة جمال، ولا أمل يتعلق الكفرُ بذيله، ونيام ولو غرارا في ليله؛ وأعرض عن قتالها، وقتال ما تعلق به الكفرة من بعض أعمالها، وإن كان ذلك بالإضافة إلى ما استغرقه الدمار، وأتى عليه البوار، قليل الحساب، ضعيف الجزء في الانتساب، ترفيها للموحدين وإجماما، مع العلم بأن الله سبحانه قد أعطاهم جرأة على كل عظيمة في ذاته وإقداما؛ ولو أشير عليهم في قتالها بلحظة، أو أُكِّدت لهم بلفظة، لما تعذرت عليهم بحول الله أقفالُها، ولا غربت عن أيديهم أنفالُها. ولكن أراد الله أن يجمع لهم في هذه الغزاة الكريمة بين الفتوح الجليلة، والغنائم الجزيلة، والجهاد المبرور، والانقلاب بالعدد الموفور، وترك سيف السطوة في العدو يضرب يمينا وشمالا، ويتراءى يقظة وخيالا، ويبث سرايا الجوع، والرعب المانع من الهجوع، ويخرج عنها الأضعف فالأضعف، حتى يرجع المليء عديما، والمخدوم خديما، وهناك توجد إن شاء الله بفتحه الأبواب، ميسرة الأسباب، في غير سيف يسل، ولا دم لمؤمن بفضل الله يطل.
وخلال هذه المحاولات الكريمة كان صاحب (ليون)، وهو ابن عم هذا الكافر المغرور، قد استجار من أمر الله بذِمَّة، وتوسل إلى المسالمة بخدمة، وألقى الله بينهما حربا، استدعت منها طعنا وضربا؛ فشغل بالرغبات، أفواه المخاطبات، عسى أن يُبعث إلى أرضه بجيش من المسلمين يغزون عدوهم وعدوه من جانبه، ويدخلون إلى سرارة أرضه من بابه، وهو باب ما أقدم عهد المسلمين ببابَتَيْهِ، وبإرسال الأعنة في جنْبَتَيْهِ؛ فسبحان المُغرب، لكل شأو مَغرب، والمنعم على أهل هذا الزمان، بما كان إلى الاستحالة قبلُ أقرب منه إلى الإمكان؛ فبُعث إلى أرضه جيشٌ من المسلمين هالته شجاعتُهم، وبهتته إِنابتُهم لله وطاعتُهم، وألهته عن كل شيء قدرتُهم بالله على العدو واستطاعتُهم؛ فحكموا على بلاد الكافر بحكم الكلمة العليا، ونالوا فيها ما شاءوا من دين ودنيا، وتنوعت في عدو الله الرزايا، وأخذت عليه المكارهُ الأنقابَ والثنايا، وصار لا يستطيع دفعا، ولا يملك لمن اتبعه ضُرا ولا نَفعا؛ ولو يعلم الكافرون أن الكَرَّة عليهم تجوسُ الخِلالَ، وتهلك الحي الحِلال، وتمحَقُ الكفرة محْق الوَبَأ، وتذرو ما جمع وغرس بين مهب الدَّبور ومهب الصبا، لاعتاضوا من الإقليم الخامس والسادس بمنقطع التُّرب، ولم يقنعوا من السابع إلا بمُسامتة القطب.
ولما كتب العمل الصالح، وحصل المتجر الرابح، واشتمل الغزو على فتوح كثيرة، وأيام على الكافرين عسيرة، وتُركت البلادُ عُرضة لأول طليعةٍ إن شاء الله تُطِل، وراية بحول الله تُظل، فريسةً بين يدي سيف الخوف والجوع، والأمل المقطوع، وهو سيف الله الذي يدرك ما طلب، ويُجهز كلما ضرب، أخذ الموحدون في القُفول على ميعاد، من أعمال مستغيثة بكلمة الإسلام وبلاد. وياله من قفول ما أعز أناءَه، وأصدق أنباءَه، وأكرم حلَّه ورحيله، ومُعرَّسه ومَقِيله.
وعرض في صدر الإياب معقل دار( الغارة)، على مرحلة من (طليطلة)، وكان بابُها الذي لا يُنام إلا على سده، وظلُّها الذي لا يُسكن إلا في مطارح مدِّه، والقلعة المسماة (ببطربونة)، وكانت ركاب الكفار إلى الضَّرر، وموقدَ نارهم المتطايرةِ الشرر، وفيها جملة كبيرة من مُحاربة الكافرين، وشُجعانهم (الإفريريين)، بقية سيف الله المسلول ، ونسالة جيش الصليب المفلول، وكلهم قد عقدوا على الموت حُباهم، ووثقوا حيث لا ثقة بقلوبهم وأسنتهم وظُباهم. فلما سلقتهم ألسنةُ القتال، وكشفَ لهم الغطاءُ عن خيال الضلال، رضوا من الانتصار بالإسار، ومن فائت الربح بحاصل الخَسار؛ فنزلوا مسرعين، ولبوا داعي الِرِّق مُهطعين، وحشروا في زمرة أهل دينهم السابقين إلى القيد، المستضعفين ما جاءوا به قبلهم من الكيد. وعُمَّّّ المعقلان برجال من المؤمنين يقيمون فرض الجهاد، ويهجرون فيه النوم للسهاد، ويرون الوقوف كل حين على (طليطلة) وظيفة دينية، وعزة دُنياوية. وطال ما كانت حجرا على النوائب، سلا على الجيوش الكثيفة والكتائب؛ وهاهي اليوم ــ وخيل الله تسرح في شعابها آمنة، ورماح المجاهدين تندق في أبوابها طاعنة ــ أسيرة الركب، وقعيدة الخطب، ضعيفة الحَيْل، ونفيٌّ من أرجل الخيل، ليس على جادتها إلى بحر المجاز صليبٌ ينصب، ولا ناقوس يُضرب، لا إهلال لغير الله، ولا نداء إلا بذكر الله حتى ينجز الله وعده في سنامها، ويفيض نور الملة المحمدية على ظلامها، بحوله وقوته.
فاشكروا الله على نصره الذي يفرح به المؤمنون، ورَوْحِه الذي يأيسُ منه القوم الكافرون، واعلموا أن الله لم يرض لقوم بالكفر إلا ليجعلهم أحاديث ويمزقهم كل ممزق ويفتح عليهم بابا ذا عذاب شديد، ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا، ويستقر في نفوسكم أن الأقلام لا تفي بالإيضاح، ولا تستقل بالإفصاح، ولو ركِبت من الإحسان كل سنَن، وجاءت من البلاغة بطريقة أهل كل زمن، فصنع الله أكبر، وآتيه أشهر، وفَعْلُه سبحانه أيسر خبرا، وأبقى على ميسم الأيام أثرا.
وقد حضر هذه الغزاة الكريمة رجال من أعيانكم ممن حركه السعد، ولم يقعد به البعد؛ فلتؤخذ منهم الأخبار على نسقها، والأحاديث من طُرقها، زيادة في البيان، واستنامة إلى مشافهة أهل العيان.
اللهم أوزع شكرك هذه الأمة على الزمان، الذي استدار بالفتوح المتناسقة تناسُق الجُمان، والرعبِ الذي ينوب في أعدائهم مناب الخميس الأرجوان، ضاربا بغير سيف طاعنا بغير سنان؛ إنك على كل شيء قدير، وإنك نعم المولى ونعم النصير. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
كتب في التاسع من شهر رمضان المعظم سنة ثنتين وتسعين وخمسمائة.
————
هامش:
النص مقتبس عن ( مجموع رسائل موحدية )، ليفي بروفنصال، معهد العلوم العربية، الرباط، 1941