‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات ووثائق تاريخية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات ووثائق تاريخية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 11 فبراير 2008

تجارب الجاحظ ونوادره عن عجائب المخلوقات

كتب يوم الأحد,أيار 14, 2006

إذا جَمَعَ بعضُ أهل العَبث وبعضُ أهل التَّجرِبة بين العقرب وبين الفأرة في إناءِ زجاج، فليس عندَ الفأرة حيلةٌ أبلغُ من قرض إبرة العقرب فإمّا أنْ تموتَ من ساعتها، وإمَّا أنْ تتعجل السَّلامةَ منها، ثم تقتلَها كيف شاءت، وتأكلَها كيف أحبَّت.

مَن علَّم الذّرَّة ( النملة الصغيرة ) أن تفلق الحبَّةَ فتأكل موضع القِطمير لئلاّ تنبتَ فتفسُد، فإذا كانت الحبَّة من حبّ الكزْبُرة ففلقتها أنصافاً لم ترض حتى تفلِقها أرباعاً؛ لأن الكُزبُرة من بين جَميع الحب تنبُت وإنْ كانت أنصافاً، وهذا عِلْمٌ غامضٌ.
إذَا عرَفه الشّيخُ الفلاّح المجرِّب، والفاشكار الرئيس والأكَّار الحاذِق، فقد بلغوا النهاية في الرِّياسة.

من علّم الدبّ الأنثى إذا وضعت ولدَها أنْ ترفعَه في الهواء أياماً تهرُب به من الذَّرِّ والنمل، لأنها تضعه كفِدْرة ( كتلة ) من لحمٍ، غيرَ متميِّز الجوارح، فهي تخاف عليه الذَّرَّ، وذلك له حتفٌ، فلا تزالُ رافعةً له وراصدة، ومُتفَقِّدَةً وَمُحَوِّلةً له من موضع إلى موضع، حتى يشتد وتنْفرج أعضاؤُه.

وممَّا فضلت به السِّباعُ على بني آدمَ أنّ اللّه جعَلَ في طِباع إناث السباع والبهائم، من الوحشيّة والأهلية، رَفْعَ اللَّبن وإرسالَه عند حضور الولد، والمرأة لا تقدر أن تدرّ على ولدها وترفَعَ لبنها في صدرها إذا كان ذلك المُقَرَّبُ منها غيرُ ولدِها.
والذي أعطى اللّه البهائم من ذلك مثل ما تعرف به المعنى وتتوهَّمه.

اعلم أَنّ اللّه تعالى قد أقدر الإنسانَ على أن يحبس بولَه وغائطه إلى مقدارٍ، وأن يخرجهما، ما لم تكن هناك عِلَّةٌ من حُصْرٍ وأُسْر، وإنما يخرج منه بولُه ورَجِيعه بالإرادة والتوجيه والتهيؤ لذلك، وقد جعل اللّه حبْسَه وإخراجَه وتأخيرَه وتقديمَه على ما فسَّرْنا، فعلى هذا الطريق طوْقُ (قدرة) إناثِ السِّباع والبهائم، في رفْع اللّبَن.

السبت، 9 فبراير 2008

مذكرات عربية قديمة عن بلاد الروس

كتب يوم الجمعة,شباط 10, 2006

استطاع العباسيون أن يمدوا نفوذهم على بقاع شاسعة من عالم ذلك الزمن، وكان خراجهم واسعا عريضا لا تغيب عنه الشمس، كما قيل.

ولم يقنعوا بما وقع تحت أيديهم من البلدان المعروفة آنذاك في آسيا وإفريقية وأوربا، بل تطلعت عيونهم إلى ما وراء نهر جيحون، من البلاد الروسية المجهولة آنذاك، حيث صحاري الصقيع الممتدة و حيث مياه الأنهار والبحار الجامدة.

وهذا، حسب علمنا المتواضع، أمر لم يجرؤ أحد من قبلهم على الإقدام عليه، بسبب ما كان يكتنف ذلك العالم المجهول، خلف النهر المذكور، من غموض، وما يحدق به من أخطار.

وكل هذا قبل أن تتضح صورة الأرض عند العرب والمسلمين تدريجيا من خلال الكتب والرسائل والمذكرات التي عنيت بالمسالك والممالك من قبل كثير من الرحالة والجغرافيين القدماء كابن خرذابة وابن حوقل والإصطخري وغيرهم كثير.

ومعلوم أن الذي شجع الجغرافيين والرحالة على رسم حدود الأصقاع والأقاليم النائية هو رغبة الدولة في تحصيل مزيد من المال والخراج. و لكن، ذهب المال والخراج إلى حال سبيله وبقي العلم والوصف والكلام مسجلا عبورهم ومرورهم بشتى أصقاع الدنيا.

فكيف كانت صورة بلاد روسيا آنذاك؟! لا شك أنها كانت تختلف تماما عما نعرفه ونراه الآن. وكيف انطبعت معالمها الأولى في أذهان أول القادمين عليها من العرب والمسلمين، سواء أكانوا من الرحالة أو الدعاة المبلغين لرسالة الإسلام، أو أصحاب السفارات الرسمية الممثلين للدولة العباسية في بعض أمورها السياسية والاستراتيجية، أو حتى من التجار الذين يجوبون بسلعهم بحثا عن أسواق جديدة أوالمغامرين والجوالين الذين يستجيبون لرغباتهم وهواياتهم الخاصة في البحث والاستكشاف.؟!

وحقيقة تلك الصورة التي يجهلها كثير منا هي ما تكشفه وثيقة نادرة نشرت، في طبعتها الأولى، عن مجمع اللغة العربية بدمشق سنة 1959، بتحقيق المرحوم الدكتور سامي الدهان، بعد أن لفتت أنظار الباحثين والمستشرقين من الروس والألمان.
ثم طبعت أيضا طبعة أخرى سهلة و ميسرة، ضمن سلسلة ( المختار من التراث العربي)، السلسلة رقم:3.

وقد صنف تلك الرسالة ابن فضلان. وهو أحمد بن العباس بن راشد بن حماد برسم الخليفة العباسي المقتدر بالله بويع بالخلافة سنة 295 هجرية وعمره لا يتجاوز ثلاث عشرة سنة، وقتل سنة 320 هجرية. ولكن رغم اضطراب أمر هذا الخليفة فقد استطاع وزراؤه القيام بأعمال كثيرة جليلة، وعلى رأسهم ابن الفرات.

وابن فضلان هو الذي عهد إليه الخليفة المقتدر رئاسة الوفد الرسمي إلى بلاد الروس والخزر والبلغار والصقالبة، بعد أن وصلت إليه إشارات من تلك البلاد البعيدة في شأن طلب العون والمساعدة. فقد كانت سمعة ومهابة العباسيين تملأ أرجاء الدنيا آنذاك.

وانطلقت رحلة الوفد من بغداد يوم الخميس 11 صفر 309 هج ، في اتجاه أرض الصقالبة التي حطت بها الرحال يوم الأحد 12 محرم 310 هج بعد أحد عشر شهرا من مكابدة البرد والصقيع و أهوال ومخاطر الطريق التي لم تكن تخلو من اللصوص وقطاع الطرق، وقد وصف ابن فضلان كل ذلك وصفا دقيقا مشوقا.

أما الآن فنعرض لبعض مشاهد ذلك الوصف اقتبسناها عن سلسلة ( المختار من التراث العربي)، تاركين للقارئ المجال للتأمل والتعليق، وليقرن ذلك بما عرضناه سابقا من فصول ومذكرات أسامة بن منقذ عن الصليبيين، في إدراج سابق.
وهذه بعض فصولها العجيبة، مع الاعتذار المسبق عن بعض المشاهد المقززة.

قال في المقطع رقم: 13 ، واصفا قوما من الترك يقال لهم ( الباشغرد):

ووقفنا في بلاد قوم من الأتراك يقال لهم الباشغرد فحذرناهم أشد الحذر. وذلك أنهم شر الأتراك وأقذرهم، وأشدهم إقداما على القتل، يلقى الرجلُ الرجلَ فَيَفْزِرُ هامته ويأخذها ويتركه، وهم يحلقون لحاهم، ويـأكلون القمل، يتتبع الواحد منهم درز قرطقه(1) فيقرض القمل بأسنانه، ولقد كان معنا منهم واحد قد أسلم، وكان يخدمنا فرأيته وجد قملة في ثوبه فقصعها بظفره ثم لحسها وقال لما رآني: جيد..!!!

وقال في المقطع رقم: 16، في وصف عجائب أرض الصقالبة، ومنها قصر الليل إلى أقصى حد ممكن، خلال بعض أيام السنة:

ودخلت أنا وخياط كان للملك من أهل بغداد - قد وقع إلى تلك الناحية - قبتي لنتحدث، فتحدثنا بمقدار ما يقرأ إنسان أقل من نصف سبع، ونحن ننتظر أذان العتمة، فإذا بالأذان، فخرجنا من القبة وقد طلع الفجر. فقلت للمؤذن: أي شئ أذنت؟ قال: أذان الفجر. فقلت : فالعشاء الآخرة؟ قال: نصليها مع المغرب. قلت: فالليل؟ قال : كما ترى، وقد كان أقصر من هذا إلا أنه قد أخذ في الطول..!!

وقال في المقطع رقم: 17 في وصف غريب الأشجار ببلادهم:

ورأيت لهم شجرا لا أدري ما هو، مفرط الطول وساقه أجرد من الورق، ورؤوسه كرؤوس النخل، له خوص دقاق، إلا أنه مجتمع، يجيئون إلى موضع يعرفونه من ساقه فيثقبونه، ويجعلون تحته إناء فتجري إليه من ذلك الثقب ماء أطيب من العسل، إن أكثر الإنسان منه أسكره كما يسكر الخمر.

وقال في المقطع رقم: 18 في وصف سباحتهم المختلطة رجالا ونساء:

وينزل الرجال والنساء إلى النهر فيغتسلون جميعا عراة لا يستتر بعضهم من بعض، ولا يزنون بوجه ولا سبب…
وما زلت أجتهد أن يستتر النساء من الرجال في السباحة فما استوى لي ذلك، ويقتلون السارق كما يقتلون الزاني.

وقال في المقطع رقم 22 في وصف نظافة الروسية:

ولابد لهم في كل يوم من غسل وجوههم ورؤوسهم بأقذر ما يكون وأطفسه(2)، وذلك أن الجارية توافي كل يوم بالغداة، ومعها قصعة كبيرة فيها ماء، فتدفعها إلى مولاها فيغسل فيها يديه ووجهه وشعر رأسه فيغسله ويسرحه بالمشط في القصعة ثم يتمخط ويبصق فيها، ولا يدع شيئا من القذر إلا فعله في ذلك الماء، فإذا فرغ مما يحتاج إليه حملت الجارية القصعة إلى الذي إلى جانبه ففعل مثل فعل صاحبه، ولا تزال ترفعها من واحد إلى واحد حتى تديرها على جميع من في البيت، وكل واحد منهم يتمخط ويبصق فيها ويغسل وجهه و شعره فيها ).

هذا غيض من فيض مما ذكره ابن فضلان من عادات الروس وطقوسهم الغريبة في الحياة والزواج والدفن وأمور أخرى جنسية فظيعة قفزنا عنها خجلا وحياء من القارئ، فليطالعها من شاء في الكتاب المطبوع المشار إليه سابقا.
———–
هامش:
(1) يقصد الموضع الذي يجتمع فيه طرفا الثوب ويكون خشنا ومرتفعا عما سواه.
(2) يقصد بالطفس الإناء أو القدر النجس.

استعداء الغرب على المسلمين بالرسم قديم

كتب يوم الأحد,شباط 05, 2006

لازالت أصداء الرسوم الساخرة من شخص الرسول الكريم تتفاعل، وتلقي كل يوم بمزيد من الظلال والغيوم الكثيفة على طبيعة العلاقات المتوترة أصلا بين الشرق والغرب، ولتزرع مزيدا من الألغام في أي طريق يمكن أن يؤدي إلى التهدئة أو الحوار أو التسوية.

ومما يزيد الطين بلة إصرار الغرب وعناده وتغليبه لمبدأ حرية الرأي لصالح حفنة من رسامي الكاريكاتور الساخر المستفز على حساب مشاعر أمة كاملة. وهو إلى حد الساعة لم يتراجع عن مواقفه قيد أنملة، ويبخل حتى بتقديم عذر مقبول يمكن أن يطفئ نار الغضب المتأججة في صدور الملايين من شعوب الإسلام.

غير أن الحقيقة التي ربما غابت عن بعضنا اليوم هي أن استعداء الغرب الصليبي في حربه على أمة الإسلام بفن الرسم والتصوير أمر قديم، وخاصة خلال تلك الفترات التاريخية التي كان يحسم فيها صراع الشرق والغرب لصالح المسلمين، عندما تنهض همتهم من سباتها العميق، وعندما يرزقون بالقادة والزعماء المخلصين الذين يؤثرون كرامة أمتهم وعزتها عن أن ينزلقوا بخذلانهم واستبدادهم إلى درك الخزي والمذلة، كما حصل سنة 583 هجرية عندما تمكن المسلمون من استرجاع وانتزاع بيت المقدس من يد الصليبيين المحتلين الغاصبين عقب معارك حطين المظفرة عندما اتحدت إرادتهم مع إرادة حاكميهم بصدق.

وبعد تلك المعركة الحاسمة في تاريخ المسلمين، حاول الصليبيون استنهاض قوتهم من جديد لتدارك الهزيمة دون جدوى، فنكبوا عن طريق الحق إلى طريق الحيلة والمكر، وعولوا على رسومهم ومنمنماتهم التي هي جزء من ديانتهم، فزخرفوا الحق بأصباغ الهوى والضلال، وزيفوه بألوان النفاق والافتراء، تبريرا لفشلهم وتغريرا بعامة الأوربيين لجرهم من وراء البحار إلى مزيد من حروب الدمار والاستنزاف.

لكن الصليبين في الغرب لم يجنوا من وراء كل ذلك غير خيبتهم الأخلاقية والسياسية في تاريخ علاقتهم مع العرب والمسلمين في الشرق الذي لا يزالوا ينهبونه ويهينونه.

وهذا طرف من ذلك الاستعداء الغربي القديم عن طريق فن الرسم والتصوير، كما سجله القاضي ابن شداد في كتابه ( النوادر السلطانية ). وهو كتاب وضعه في سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي، إعجابا وتقديرا لجهوده العظيمة المخلصة وليس تزلفا أو نفاقا، و لأنه أراد أن يجعل من سيرة هذا الزعيم حجة على كافة ملوك وزعماء العرب والمسلمين أنى كانوا وحيثما وجدوا.

قال ابن شداد في فصل تحدث فيه عن ملك الألمان، وحيلة الرسم التي عملها ( المركيس ) صاحب صور:

( ولما استقر قدم ملك الألمان في أنطاكية أخذها من صاحبها وحكم فيها، وكان بين يديه فيها ينفذ أوامره، فأخذها منه غيلة وخديعة وأودعها خزائنه وسار عنها في الخامس والعشرين من رجب متوجها نحو عكا في جيوشه وجموعه على طريق اللاذقية حتى إلى طرابلس، وكان قد سار إليه من معسكر الإفرنج يلتقيه المركيس صاحب صور،

وكان من أعظمهم حيلة وأشدهم بأساً، وهو الأصل في تهييج الجموع من وراء البحر. وذلك أنه صوّر القدس في ورقة، وصوّر فيه صورة القمامة التي يحجون إليها ويعظمون شأنها وفيه قبة قبر المسيح الذي دفن فيه بعد صلبه بزعمهم، وذلك القبر هو أصل حجهم، وهو الذي يعتقدون نزول النور عليه في كل سنة في كل عيد من أعيادهم، وصوّر على القبر فرساً عليه فارس مسلم راكب عليه وقد وطئ قبر المسيح وبال الفرس على القبر وأبدى هذه الصورة وراء البحر في الأسواق والمجامع والقسوس يحملونها ورؤوسهم مكشوفة وعليهم المسوح وينادون بالويل والثبور، وللصور عمل في قلوبهم، فإنها أصل دينهم،

فهاج بذلك خلق لا يحصي عددهم إلا الله، وكان من جملتهم ملك الألمان وجنوده فلقيهم المركيس لكونه أصلا في استدعائهم إلى هذه الواقعة، فلما اتصل به قوى قلبه ونصره بالطرق وسلك به الساحل خوفاً من أنه إذا أتى على بلاد حلب وحماة ثار لهم المسلمون من كل جانب وقامت عليهم كلمة الحق من كل صوب. ومع ذلك لم يسلموا من شن الغارات عليهم فإن الملك المظفر قصدهم بعساكره وجمع لهم جموعاً وهجم عليهم هجوماً عظيماً أخذ فيه من أطراف عساكره، وكان قد لحقهم بأوائل عسكره، ولو لحقهم الملك الظاهر بعساكره لقضى عليهم، ولكن لكل أجل كتاب، واختلف حزر الناس لهم. ولقد وقفت على كتب بعض المخبرين بالحرب فقد حزر فارسهم وراجلهم بخمسة آلاف بعد أن كانوا قد خرجوا على ما ذكر، فانظر إلى صنع الله مع أعدائه. ولقد وقفت على بعض الكتب فذكر فيه أنهم لما ساروا من اللاذقية يريدون جبلة وجدوا في أعقابهم نيفاً وستين فرساً قد عطبت وانتزع لحمها ولم يبق فيها إلا العظام من شدة الجوع، ولم يزالوا سائرين وأيدي المسلمين تخطفهم من حولهم نهباً وقتلاً وأسرا، حتى أتوا طرابلس، ووصل خبر وصوله بكرة الثلاثاء ثامن شعبان سنة ست وثمانين وخمسمائة، هذا والسلطان ثابت الجأش راسخ القدم لا يرده ذلك عن حراسة عكا والحماية لها ومراصدة العسكر النازل بها وشن الغارات عليها والهجوم عليهم في كل وقت، مفوضا أمره إلى الله معتمداً عليه منبسط الوجه لقضاء حوائج الناس مواصلاً يسره من يفد إليه من الفقراء والفقهاء والمشايخ والأدباء. ولقد كنت إذا بلغني هذا الخبر تأثرت حتى دخلت عليه وأجد منه من قوة الله وشدة البأس ما يشرح صدري وأتيقن معه نصرة الإسلام وأهله
.
——–
هامش:
النص مقتطف من كتاب ( النوادر السلطانية في المحاسن اليوسفية ) لبهاء الدين بن شداد. ص 137 وما بعدها، تحقيق جمال الدين الشيال، الدار المصرية للتأليف والنشر، 1964

مذكرات من زمن الحروب الصليبية

كتب يوم الإثنين,كانون الثاني 23, 2006

فصول من مذكرات أسامة بن منقذ:

أسامة بن منقذ أحد الشعراء وأبطال الحروب الصليبية، حضر كثيرا من وقائعها وأهوالها ومصادفاتها العجيبة، مذ كان ابن خمس عشرة سنة إلى أن تجاوز الستين؛
فقد شهد آخر أحداث سقوط الدولة الفاطمية بمصر سنة 567 هج، ونجا منها بأعجوبة، ورافق صلاح الدين في معظم معاركه وفتوحاته.
وكان صلاح الدين شديد الإعجاب بشعره، فكان يصحب معه ديوانه في حروبه.
ومن الأحداث الكبيرة التي أثرت فيه موت جل أفراد عائلته ونجاته هو في الزلزال الكبير الذي ضرب بلاد الشام وقلعة شيزر التي كانت تقيم فيها أسرة آل منقذ. وقد سجل نكبته في أهله في مراثيه الشعرية ورسائله النثرية.
وأسرة آل منقذ التي ينتمي إليها أسامة من الأسر العربية العريقة بالشام. وكان لها شأن كبير وتأثير ملحوظ في الحياة السياسية والثقافية بشكل عام.
وتوفي أسامة عن سن عالية سنة 584 هج.

ويعتبر بعض الدارسين كتابه ( الاعتبار ) من أهم السيرالأدبية الذاتية في تاريخ الآداب العربية.
ولقد لقيت سيرته هاته رواجا كبيرا لما فيها من الاعترافات والوقائع والمواقف الحاسمة والمشاهدات الشخصية العجيبة.
ويبدو أيضا أن هذه السيرة قد وقعت بأيدي العامة فعملت على تغيير أسلوبها، كما هو معلوم من تاريخ السير الشعبية، حيث تتدخل الذاكرة الشعبية الجماعية فيها لتجعل أسلوبها أقرب إلى فهم العامة.
ولذلك فإن قارئ كتاب ( الاعتبار ) يجد نفسه أمام كم هائل من الألفاظ العامية والتعابير الركيكة، فأصبح بذلك أسلوب أسامة في كتابه ( الاعتبار ) نازلا بكثير عن أسلوبه الرفيع الذي عهدناه في ديوانه الشعري المطبوع، وفي كتبه الأدبية الرصينة المطبوعة أيضا، ك ( اللباب ) و ( البديع في نقد الشعر ) وغيرهما.

وهذه بعض الوقائع والعجائب التي حضرها أسامة بن منقذ، كما حكاها بنفسه.

فطنة دليل:
ومن طريف ما جرى لي في الطريق أنني نزلت ليلة أصلي المغرب والعشاء قصرا وجمعا، وسارت الجمال فوقفت على رفعة من الأرض وقلت للغلمان: تفرقوا في طلب الجمال، وعودوا إلي، فأنا ما أزول من مكاني، فتفرقوا وركضوا كذا وكذا فما رأوهم، فعادوا كلهم إلي وقالوا: ما لقيناهم، ولا ندري كيف مضوا، فقلت:
نستعين بالله تعالى ونسير على النوء، فسرنا ونحن قد أشرفنا من انفرادنا عن الجمال في البرية على أمر صعب، وفي الأدلاء رجل يقال له جزية، فيه يقظة وفطنة، فلما استبطأنا علم أنا قد تهنا عنهم، فأخرج قداحة وجعل يقدح وهو على الجمل، والشرر من الزند يتفرق كذا وكذا، فرأيناه على البعد فقصدنا النار حتى لحقناهم، ولولا لطف الله وما ألهمه ذلك الرجل كنا هلكنا.

فارس يسلم بعد أن قطع شريانه:
وشاهدت فارسا من رجالنا يقال له ندى بن تليل القشيري. وكان من شجعاننا. وقد التقينا نحن والإفرنج، وهو معرى ما عليه غير ثوبين. فطعنه فارس من الإفرنج في صدره فقطع العصفورة التي في الصدر وخرج الرمح من جانبه، فرجع وما نظنه يصل منزله حيا، فقدر الله سبحانه أن سلم وبرأ جرحه. لكنه لبث سنة إذا نام على ظهره لا يقدر أن يجلس إن لم يجلسه إنسان بأكتافه، ثم زال عنه ما كان يشكوه وعاد إلى تصرفه وركوبه كما كان. قلت: فسبحان من نفذت مشيئته في خلقه يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شئ قدير.

وآخر يموت من إبرة:
كان عندنا رجل يقال له عتاب، أجسم ما يكون من الرجال وأطولهم، دخل بيته فاعتمد على يده عند جلوسه على ثوب بين يديه كانت فيه إبرة دخلت في راحته فمات منها. وبالله لقد كان يئن في المدينة فيسمع أنينه من الحصن لعظم خلقه وجهارة صوته. يموت من إبرة وهذا القشيري يدخل في صدره قنطارية تخرج من جنبه لا يصيبه شئ..!!!

من عجائب الطعن:
ومن عجائب الطعن أن رجلا من الأكراد يقال له حمدات ، كان قديم الصحبة قد سافر مع والدي رحمه الله إلى أصبهان إلى دركاه السلطان ملكشاه فكبر وضعف بصره ونشأ له أولاد. فقال له عمي عز الدين رحمه الله: ياحمدات كبرت وضعفت، ولك علينا حق وخدمة، فلو لزمت مسجدك، وكان له مسجد على باب داره، وأثبتنا أولادك في الديوان، ويكون لك أنت كل شهر ديناران وحمل دقيق، وأنت في مسجدك: قال: افعل ياأمير. فأجرى له ذلك مديدة، ثم جاء إلى عمي وقال: ياأمير، والله لا تطاوعني نفسي على القعود في البيت وقتلي على فرسي أشهى من الموت على فرشي. قال: الأمر لك، وأمر برد ديوانه عليه كما كان. فما مضى إلا الأيام القلائل حتى غار علينا السرداني صاحب طرابلس. ففزع الناس إليهم وحمدات في جملة الروع، فوقف على رفعة من الأرض مستقبل القبلة فحمل عليه فارس من الإفرنج من غربيه، فصاح إليه بعض أصحابنا: ياحمدات..!! فالتفت ، فرأى الفارس قاصده فرد رأس فرسه شمالا ومسك رمحه بيده وسدده إلى صدر الإفرنجي فطعنه فنفذ الرمح منه، فرجع الإفرنجي متعلقا برقبة حصانه في آخر رمقه. فلما انقضى القتال قال حمدات لعمي: ياأمير، لو أن حمدات كان في المسجد من طعن هذه الطعنة..؟؟!!…

ليس للإفرنج غيرة جنسية:
وليس عندهم (1) شئ من النخوة والغيرة، يكون الرجل منهم يمشي هو وامرأته يلقاه رجل آخر يأخذ المرأة ويعتزل بها ويتحدث معها، والزوج واقف ينتظر فراغها من الحديث، فإذا طولت عليه خلاها مع المتحدث ومضى.

ومما شاهدت من ذلك أني كنت إذا أتيت إلى نابلس أنزل في دار رجل يقال له معز. داره عمارة المسلمين، لها طاقات تفتح إلى الطريق، يقابلها من جانب الطريق الآخر دار رجل إفرنجي يبيع الخمر للتجار، قد فتح بيته من هذا الخمر، من أراد شيئا فهي من موضع كذا ، وأجرته عن ندائه النبيذ الذي في تلك القنينة . فجاء يوما ووجد رجلا مع امرأته في الفراش فقال له: أي شئ أدخلك عند امرأتي؟ قال: وجدت فراشا مفروشا نمت فيه. قال: والمرأة نائمة معك؟!! قال: الفراش لها، كنت أقدر أن أمنعها من فراشها؟!! قال: وحق ديني إن عدت فعلتها تخاصمت أنا وأنت.
فكان هذا نكيره ومبلغ غيرته!!!…
————
هامش: (1) يقصد بالإفرنج الصليبيين. وتسمية تلك الحروب ب ( الصليبية ) تسمية أوربية. أطلقها مؤرخو أوربا لجعلها حروبا دينية مقدسة، وللتغطية على حقيقتها الاستعمارية. أما المؤرخون العرب والمسلمون، في ذلك الوقت، فأطلقوا عليها اسم ( الفرنجية) أو ( الإفرنجية)، نسبة إلى فرنسا؛ لأن أولى طلائع الحملات الأوربية على المشرق الإسلامي كانت بقيادة زعماء وقادة فرنسيين.