‏إظهار الرسائل ذات التسميات كشكول شهر رمضان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كشكول شهر رمضان. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 13 فبراير 2008

كشكول شهر رمضان 6

كتب يوم الأحد,تشرين الأول 15, 2006

من نوادر الأعراب في شهر الصوم

هذه باقة صغيرة من نوادر الأعراب في شهر الصوم، لا نريد منها التقليل من قدرهم، أو التشكيك في إيمانهم، أو السخرية منهم. وقد التقطناها، كما هي، من بعض كتب الأدب والطرائف التي تداولتها عبر الحقب. وقد وردت في سياقات مختلفة ولمقاصد متعددة، ليس هنا مجال درسها وفحصها، حتى لا نـُضيع على القارئ الكريم فرصة الاستفادة والمتعة.

وربما بدا للقارئ الكريم من تلك النوادر أن انفعالهم قد يسبق تفكيرهم، وأن صراحتهم قد تـَصدِم غير المعتادين على طباعهم، غير أن شفافيتهم التي تصل حد السذاجة كانت تشفع لهم ما يصدر عنهم من قول أو فعل غير متوقعين منهم. ومن هنا تتولد عناصر الدهشة والرغبة لدى الناس في تتبع أخبارهم ومفارقاتهم العجيبة، لأنهم يصدرون في كلامهم عن طبع وأصل محافظ لم يتغير. وتلك هي الحلقة المفتقدة على الدوام بين جيل سابق وآخر لاحق.

وكأن الناس يبحثون من خلال أجوبة الأعراب تلك عن أصولهم الفطرية التي أضاعوها في دروب ومتاهات المدنية الزائفة. وفي هذا عنصر تفوق ينبغي أن يحسب للأعراب لا أن يحسب عليهم.

ولذلك كان الأعراب أكثر الناس تعرضا للسؤال والاختبار من لدن خاصة الناس وعامتهم؛ فحيثما وجد الأعرابي، خارج بيئته المعهودة، انهالت عليه الأسئلة من كل حدب وصوب. فتعددت الأسئلة الموجهة إليهم، وتعدد السائلون والمستخبرون عن أحوالهم، وتنوعت أهدافهم ومقاصدهم منها، حتى تشكلت لدينا معرفة عظيمة وعميقة مصدرها الأساسي أجوبة ومواقف أولئك الأعراب. وقد لا تمثل طرائفهم ومفارقاتهم إلا جزء يسيرا منها.

ومع الأسف، فقد تعلق الناس بطرائف الأعراب فقط وأعرضوا عن علمهم ومعرفتهم الفطرية الغزيرة. وقد رجعت إلى كثير من المواقع والأندية فوجدت أن حديثهم عن الأعراب كله من باب السخرية والتسلية…!!

وهذا الجانب المهمل من علم الأعراب ومعرفتهم وخبرتهم بالحياة والناس موجود في معظم كتب التراث العربي. ويمكن للقارئ القارئ الكريم أن يستخلص منها بنفسه ما يتوافق مع حقيقة الأعراب في البادية ومايظن أنه لا يتوافق مع حقيقة الناس العاديين في المدينة، والعكس بالعكس صحيح أيضا؛ وكأن الصدام والاختلاف في جوهره يكون بين مكان ومكان، أو زمان وزمان، وليس بين إنسان وإنسان؛ لأن الإنسان في جوهره وحقيقته واحد، ولا يمكن أن يتجزأ إلا لعوامل عنصرية أو حقد اجتماعي أو صراع طبقي بغيض، أو لأسباب اعتبارية مجحفة.

فمن أسرار الإنسان العجيبة أنه يمكن أن يتلبس ظروف الزمان والمكان المختلفة، فيأخذ من طباع السهول والجبال والتلال، ومن سلوك الحيوان الذي يألفه، ومن الماء والهواء والحرارة والرطوبة والجوع والشبع.. وغير ذلك من الظروف والملابسات بمقدار الحاجة فتنطبع على مزاجه وتفكيره.

وإذا عكسنا الوضع قليلا يمكن أن تصبح حياة المدنيين نفسها مصدرا لنوادر الأعراب، وحياة أي بلد أو أية دولة مصدرا لنوادر بلد أو دولة أخرى، وهكذا دواليك. وعلى هذا فالإنسانية كلها في تقديري، نادرة من النوادر.

وإليكم الآن، بعد هذه الفذلكة الطويلة، بعض نوادر الأعراب المرتبطة بشهر الصوم:
ـ لزم أعرابي سفيان بن عيينة حتى سمع منه ثلاثة آلاف حديث، ثم جاءه يودعه، فقال له سفيان: يا أعرابي، ما أعجبك من حديثنا؟ قال: ثلاثة أحاديث: حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أنه كان يحب الحلواء ويحب العسل، وحديثه عليه الصلاة والسلام: إذا حضر العشاءُ وحضرت الصلاةُ فابدأوا بالعشاء، وحديث عائشة عنه صلى الله عليه وسلم: ليس من البر الصيام في السفر.
ـ وقيل لبعض الأعراب: إن شهر رمضان قدم، فقال: والله لأبددن شمله بالأسفار.
ـ وقدم أعرابيّ على ابن عمٍّ له بالحضر، فأدركه شهر رمضان؛ فقيل له: يا أبا عمرو: لقد أتاك شهر رمضان. قال: وما شهر رمضان؟ قالوا: الإمساك عن الطعام. قال: أبالليل أم النهار؟ قالوا: لا بل بالنهار. قال: أفيرضون بدلاً من الشهر؟ قالوا لا. قال: فإن لم أصم فعلوا ماذا؟ قالوا: تـُضرب وتـُحبس. فصام أياماً فلم يصبر، فارتحل عنهم وجعل يقول:
يقول بنو عمّي وقد زرت مِصرهم
تهّيأ أبا عمرو لـشـهـر صـيـام
فقلت لهم: هاتوا جرابي ومـــزودي
سلامٌ عليكم فاذهـبـوا بـســــلام
فبادرت أرضاً ليس فيها مسيطـــرٌ
عليّ ولا منّـاعٌ أكـلَ طـعــــام


ـ وأدرك أعرابيّاً شهرُ رمضان فلم يصم؛ فعذلته امرأته في الصوم، فزجرها وأنشأ يقول:
أتأمرني بالصّوم لا درّ درّهــــــا
وفي القبر صومٌ يا أميم طـــويل

ـ نظر أعرابيّ إلى البدر في رمضان فقال : سَمِنتَ فأهزلتني، أراني الله فيك السـلّ! .
ـ وعاب أعرابي قوماً فقال: هم أقل الناس ذنوباً إلى أعدائهم، وأكثرهم تجرماً على أصدقائهم، يصومون عن المعروف، ويفطرون على الفحشاء.

كشكول شهر رمضان 5

كتب يوم الثلاثاء,تشرين الأول 10, 2006

حديث الأعراب :
الورقة الأولى: مقدمة عامة

عندما تذكر كلمة (الأعراب) ينصرف الذهن بسرعة إلى قوم بدو عرفوا بخشونة في العيش، وغرابة في اللغة، وصراحة في الخطاب، وصلابة في المواقف. إذ يمكن أن نميز في أخلاق الأعراب وطباعهم وأفعالهم وأقوالهم كثيرا من ملامح التناقض والاختلاف البين بين حياتهم وحياة الأفراد العاديين( المتمدنين)، ومن هنا تتولد كل مفارقاتهم وعجائبهم وغرائبهم.

ويمكن أن نفسر سبب اختلاف طبيعة نظرة الناس إلى الأعراب أيضا بحسب أصولهم ودرجة انتمائهم إلى البادية، وإن كان مفهوم البادية الآن قد أخذ طريقه إلى الزوال التدريجي بسبب زحف العمران والإسمنت والإسفلت، وبسبب رياح العولمة القوية التي تجتاح السهل والوعر، والتل والمنحدر.

ومن الناس من يعتبر الأعراب والبدو عموما مصدرا لكل نادرة مضحكة وفكاهة ملهية، كما هو الحال ببلادنا المغرب فيما يروى من مفارقات ونوادر ونكت (العروبية)، أو طرائف (الصعايدة) المصريين المشهورة، مثلا.

ومنهم من اعتبرهم مصدر كل ذخيرة معرفية أصيلة صالحة للمقايسة والمعايرة؛ فنحن نعلم أن كلام العرب في نحوه وصرفه ووزنه وعروضه قد تمت معايرته بكلام الأعراب في البوادي البكر التي لم تكن قد تطرقت إليها بعد شوائب الحضارة الطارئة.

وقد تكبد أهل اللغة كثيرا من المشاق والعنت من أجل جمع شتات اللغة من أفواه كثير من الأعراب والأعرابيات قبل مرحلة التدوين والتأليف، وقبل ظهور مدارس النحو العربية السماعية والقياسية.
ومهما اختلفت وجهة نظر الناس حول قضية الأعراب، فإن الخائض في موضوعهم لابد أن يخرج بفائدة ما…

وقد استوعب الأسلاف أنفسهم القيمة الدلالية الكبرى لحقيقة الأعراب في الوجود العربي المادي والمعنوي، لما تمثله من مرجعية ومصداقية وأصالة؛

ـ فقد روي عن أبي أمامة أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: (إن الله عز وجل ينفعنا بالأعراب ومسائلهم).

ـ وقال الجاحظ المعروف بتتبعه لطرائف البشر على اختلاف طبقاتهم وألوانهم ومشاربهم عن الأعراب: ( إنّه ليس في الأرض كلامٌ هو أمتَعُ ولا آنَق، ولا ألذُّ في الأسماع، ولا أشدُّ اتصالاً بالعقول السليمة، ولا أفَتَقُ للِّسان، ولا أجودُ تقويماً للبيان، مِن طول استماعِ حديثِ الأعراب العقلاء الفصحاء، والعلماءِ البلغاء).

ـ واشترط الجاحظ أن يروى كلام الأعراب كما هو، فلا يغير أو يحور عن أصله مهما كان فيه من وعورة وغرابة، يقول: ( ومتى سمعتَ - حفِظك اللَّه - بنادرةٍ من كلام الأعراب، فإيّاك أن تحكيها إلا مع إعرابها ومخارِجِ ألفاظها؛ فإنَّك إنْ غيَّرتَها بأن تلحَنَ في إعرابها وأخرجْتَها مخارجَ كلام المولّدين والبلديِّين، خرجْتَ من تلك الحكايةِ وعليك فضلٌ كبير).

وقد كانت سليقة الأعراب اللغوية هي منهجهم الطبيعي المتأصل في تمييز صحيح الكلام من فاسده؛ وجيده من رديئه، وقد حكى الأصمعي قصة تؤيد ما نذهب إليه فقال:
كنت أقرأ السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله غفور رحيم، وبجنبي أعرابي، فقال: كلام من هذا؟ فقلت كلام الله قال: أعد. فأعدت، فقال: ليس هذا كلام الله!! فانتبهت فقرأت: “والله عزيز حكيم”. المائدة 38 . فقال أصبت، هذا كلام الله !! فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا. فقلت: فمن أين علمت؟ فقال: يا هذا؛ عز فحكم فقطع، فلو غفر ورحم لما قطع !!.

ومن طرائف الأعراب التي تدل على صراحتهم الفطرية أن أحدهم سمع قارئاً يقرأ القرآن حتى أتى على قوله تعالى: “الأعراب أشد كفراً ونفاقاً”. “التوبة: 97″، فقال: لقد هجاناً. ثم بعد ذلك سمعه يقرأ: “ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر”. “التوبة: 99″. فقال: لا بأس، هجا ومدح.

يتبع …

كشكول شهر رمضان 4

كتب يوم الأحد,تشرين الأول 01, 2006

حكاية شهرزاد وحكاية المسلسلات العربية الرمضانية

كانت شهرزاد، كما هو معروف، تحيى بقوة الكلام. ولو تعطلت آلة الكلام لديها في ليلة واحدة من لياليها الألفية لبرز إليها شهريار بالسيف، وطعنها في مواضع الحتف، ولتوقف مسلسل حكاياتها دون أن يوقف له على نهاية.
وهل هناك طعم لحكاية خيالية مروية، مصورة أو مشخصة للمسرح أو التلفزيون أو السينما دون نهاية… !!

في حكايات ألف ليلة وليلة صراع قوي بين جاذبية الكلام وجاذبية الاستماع، حيث يتحول شغف الاستماع عند شهريار إلى ما يشبه الشهوة الجامحة، وقوة الكلام عند شهرزاد إلى وسيلة حياة ودفاع؛

فكان شهريار يحرص على إبقاء شهرزاد رهينة حبس مؤجل في قصره الفخم مترقبا في كل ليلة عودة الحكاية، ومتشوقا إلى نهاية سرعان ما تتحول إلى بداية.

وكانت شهرزاد تحرص أيضا على إبقاء شهريار أسير حكاياتها المتسلسلة المتشابكة. ليتلهى بها عن لعبة الانتقام والقتل. فكلاهما كان يتطلب الآخر، بوسائل الكلام والاستماع، وكلاهما سجان ومسجون، وآسر ومأسور.

يذكرني وضع شهريار في مسلسل حكاياته مع شهرزاد الطويل الممتع بوضع المشاهد العربي في شهر رمضان مع المسلسلات العربية، وهو نفس الوضع الذي يعيشه، على مدار الساعة، مع نشرات الأخبار العربية، كما أوضحت في إدراج سابق.

وقد يعترض البعض على هذه المقارنة الغريبة. فأية علاقة بين وضع شهريار الملك المبجل المهيب صاحب الصولة والصولجان، وبين وضع هذا المواطن المغلوب على أمره الذي عركته الحياة وطحنته وعجنته، وقلبته رأسا على عقب، حتى صار يرى الناس والعالم من حوله بالمقلوب؟؟!!.

في شهر رمضان، من هذه السنة، وقد صادف مستهل الخريف بكل شحوبه وكآبته، لم أجد في نفسي حاجة كبيرة لمتابعة أي مسلسل عربي، على أية قناة فضائية أو أرضية.

وليس لدي مبرر واحد كاف لأقنع به نفسي أو غيري، أو لأشرح به عزوفي عن المسلسلات العربية وابتعادي عن الشاشة الفضية في معظم الوقت؛

ربما يرجع السبب لحالات الملل والسأم التي تعتريني عند السفر والتنقل عبر المحطات الفضائية التي تتناسل في كل يوم كالفطر أو كفئران التجارب.

وقد أصبح مجرد استعراض قنواتها يتطلب وقتا أكبر من الوقت الذي يمكن أن تخصصة لبرنامج جدير بالمشاهدة والمتابعة، فيضيع معظم الوقت بين التبديل والتقليب صعودا ونزولا في القوائم الرئيسية والمفضلة.

ومع أن السفر من محطة فضائية إلى أخرى لا يتجاوز الثانية الواحدة في حساب الوقت، غير أنه متعب للجسم، ولو كنت مستلقيا على فراش وثير، وأعراض ذلك التعب يظهر أثرها بسرعة من خلال الشعور بحالات الاسترخاء والتثاؤب والاختناق، والشعور بالرغبة في مغادرة مكان التلفزيون، بعيدا حيث يمكن أن ينعشك الهواء.

وربما يعود السبب لخلل فني في حاسة الذوق لدي، رغم ما يجلبه صانعو المسلسلات من جمال ونضارة ورخاء، لوجوه الممثلين والممثلات، ولمشاهد الديكور والمفروشات والملبوسات والإكسسوارات.

وأنا هنا لا أريد أن ألقي اللوم على أحد، ولا يهمني أن أشرك معي غيري في همي وغمي، ولا أريد أن أفسد فرجة المسلسلات العربية على كثير من المفتونين والمفتونات، والمهوسين والمهوسات..

وربما لأن وضعنا العربي المريض المزمن، وحالات القهر العام من الداخل والخارج، ومشاهد مسلسل العدوان والقتل والتدمير والإذلال على أرضنا من المحيط إلى الخليج قد شوشت الرؤية لدي وأصابتني بعمى الألوان.

فأنا، لا زلت أرى مشاهد هذا المسلسل الحقيقية ترتسم أمام مخيلتي كخلفية ثابتة تفقدني القدرة على التركيز على ما سواها من المشاهد العابرة في حياتي العادية.

متى أستطيع أن أجبر نفسي على النسيان، ومتى يعود زمن الحكايات العربية، فتنمحي تلك الخلفية القاتمة المشوشة، وتزول تلك الغشاوة، وتعود إلي رغبة المتابعة والمشاهدة..!!

كشكول شهر رمضان 3

كتب يوم الإثنين,أيلول 25, 2006

سحر الإشارات وأمثولة السرد العربي المختزل

تحفل كتب التراث العربي بكثير من القصص والحوارات القصيرة التي تجري مجرى الأمثولة، والسرد الرمزي المختزل.

وعيب هذه الحكايات والحوارات أنها جاءت متناثرة في الكتب والموسوعات العامة، وضمن سياقات غير متجانسة، مما جعل كثيرا من الدارسين يغفلون عنها. ولو جمعت في كتاب واحد، وضم بعضها إلى بعض لكان وقعها كبيرا على من له شغف بقراءة ودراسة هذا النوع المتميز ضمن أدب السرد العربي القديم وفن الأمثولة الأدبية.

وتظهر أهمية هذه القصص أو السرود القصيرة جدا فيما يمكن أن تختزله من إشارات وتلميحات يغني مجملها عن التتفاصيل المملة والوعظ المباشر.

ولأن هذه الحكايات الخرافية مختزلة جدا فهي تترك الباب مفتوحا على مصراعيه أمام القارئ أو المستمع ليستنتج منها ما يروق له وما يتلاءم مع طبيعة موقفه ونمط تفكيره، فيسهل عليه أن يكتشف ما بينها وبين حاله وواقعه من روابط، أو أن يخلق لها امتدادات وهوامش إضافية يراها في تفاصيل العيش والتصرف والمعاملة هنا أو هناك، أوفي سلوكه أو سلوك الناس من حوله.
وهذه بعض الإشارات والسرود الخرافية التراثية المختزلة التي تبقى إشاراتها ودلالتها مفتوحة على كل عصر وأوان:

الإشارة الأولى:
رأت أم الضبع ظبية على حمار، فقالت: أردفيني على حمارك، فأردفتها، فقالت: ما أفره حمارك؟!! ثم سارت يسيرا فقالـت: ما أفره حمارنا، فقالت الظبية: انزلي قبل أن تقولي: ما أفره حماري، وما رأيت أطمَعَ منكِ!!

الإشارة الثانية:
شتم جديٌ على سطح ذئباً مر به. فقال الذئب: لم تََشتُمني أنت، وإنما شَتمني مكانُك.

الإشارة الثالثة:
لقي كلب كلباً في فمه رغيف مُحرَّق فقال: بئس هذا الرغيف ما أردأه! فقال له الكلب الذي في فمه الرغيف: نعم، لعن الله هذا الرغيف ولعن من يتركه قبل أن يجد ما هو خير منه.

الإشارة الرابعة:
كان لبعضهم درة (حمامة) فصيحة الكلام فلما أراد السفر إلى بلاد السودان قالت له: يا مولاي اقرأ أصحابي السلام وقل لهم: عندي طير منكم في قفص حديد لا يستطيع الطيران إليكم فانظروا في أمره. فلما أدى الرسالة إلى جنسها من الطيور ضربوا بأجنحتهم وأظهروا له أنهم ماتوا، فندم على تبليغ الرسالة شفقة عليهم. فلما رجع أخبرها بذلك فضربت بأجنحتها وألقت بنفسها إلى الأرض كأنها ميتة، فأخرجها من القفص وألقاها فطارت وقالت: يا مولاي إن أصحابي ماتوا( بمعنى: تماوتوا) ولكن علموني طريق الخلاص!!.

الإشارة الخامسة:
روي أن النبي سليمان عليه السلام رأى عصفوراً يقول لعصفورة: لم تمنعين نفسك مني؟ ولو شئت أخذت قبة سليمان بمنقاري فألقيتها في البحر!. فتبسم سليمان عليه السلام من كلامه، ثم دعا بهما، وقال للعصفور: أتطيق أن تفعل ذلك؟ فقال يا رسول الله: لا، ولكن المرء قد يزين نفسه ويعظمها عند زوجته، والمحب لا يلام على ما يقول. فقال سليمان للعصفورة: لم تمنعيه من نفسك وهو يحبك؟ فقالت: يا نبي الله إنه ليس محباً، ولكنه مدع؛ لأنه يحب معي غيري. فأثر كلام العصفورة في قلب سليمان عليه السلام، وبكى بكاء شديداً، واحتجب عن الناس أربعين يوماً يدعو الله أن يفرغ قلبه لمحبته، وأن لا يخالطها بمحبة غيره.

الإشارة السادسة:
ومن كلام العرب وهو يجري مجرى حكاية العصفورين السابقين، قولهم: أعطني قلبك والقني متى شئت. يعني: أن الاعتبار يكون بصفاء المودة لا بكثرة اللقاء.

الإشارة السابعة:
كتب أحدهم كتابا إلى إبليس لعنهُ الله في حاجة له، واستعجل حضوره. فجاءه ملبيا وقال له: ما حاجتك؟ قال: لي جار مُكرِم شديد الميل إلي، كثير الشفقة علي وعلى أولادي؛ إن كانت لي حاجة قضاها أو احتجت إلى قرضٍ أقرضني وأسعفني، وإن غبت خَلَفني في أهلي وولدي يبرُّهم ويرعى أمرهم، وإبليس كلّما سمع منه يقول: هذا حسن وهذا جميل..!! فلما فرغ من وصفه قال: فما تحب أن أفعل به، قال: أريد أن تزيل نعمته وتفقره؛ فقد أغاظني أمره وكثرة ماله وبقاؤه وطول سلامته. فصرخ إبليس صرخة لم يسمع مثلها منه قط فاجتمع إليه عفاريتُه وجندُه وقالوا: ما الخبر ؟؟!! فقال لهم: هل تعلمون أن الله عز وجل خلقَ خلقاً هم شرٌّ مني..!!

كشكول شهر رمضان 2

كتب يوم الجمعة,أيلول 22, 2006

هوامش وقضايا لغوية حول حقيقة تسمية شهر رمضان:

الشهر عند العرب ما بين الهلالين، ورمضان من أسماء الشهور العربية، مثله مثل بقية الأسماء الأخرى المعروفة، وهو شهر الصيام عند المسلمين كافة.

قال تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)؛ معناه أن الصوم كان مفروضا قبل الإسلام، ولكن الجديد أن الله سبحانه وتعالى بين أيَّ شهرٍ هو شهرُ الصوم، لأن هذا الشهر لم يكن محددا قبل الإسلام. وبنزول الآية الكريمة: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) أصبح وقت الصوم المفروض على كل مسلم بالغ قادر معلوما ومحددا، رغم فارق الزمن الموجود بين الدول الإسلامية في رؤية هلالي الصوم والفطر، وقد يتجاوز مدى هذا الفرق اليوم أو اليومين في بعض الأحيان.

أما عن سبب تسمية شهر الصوم برمضان فقال عنه ابن دريد: لما نقلت العرب أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي هي فيها، فوافق رمضان أيام رَمَضِ الحر وشدته فسمي به.

وشهر رمضان، في المدلول اللغوي الحسي، مأخوذ من رَمِضَ الصائم إذا حرَّ جوفه من شدة العطش، وارتمض الرجلُ إذا فسد بطنه ومعدته كما نقل عن ابن الأعرابي، وذكر أهل المعاجم دلالات لغوية حسية كثيرة أخرى تجاوزناها للاختصار..

ومعلوم أن الشهور العربية متحولة في الأزمان، فتأتي في الشتاء والصيف، وفي الخريف والربيع. لتتحقق بتعاقبها العبادات والطاعات على مدار الساعة والوقت؛

فإذا أمد الله في عمر الفرد أمكنه أن يصوم شهر رمضان في كل الفصول وفي نفس اليوم المعاد؛ مرة واحدة في سني شبابه إلى ما بعد الثلاثين بثلاث سنوات، ومرة واحدة في سني كهولته إلى ما بعد الستين بست سنوات، ومرة واحدة في سني شيخوخته وهرمه إلى ما بعد التسعين بتسع سنوات. وفي ذلك تمام القرن. ويكون بهذا كأنه قد صام عاما كاملا متصلا من غير انقطاع، وفي سائر تقلبات الفصول الجوية. وفي ذلك تمام الحساب، ومنتهى العدل، وتمام الحكمة الإلهية التي لا يمكن أن يتخللها سهو أو نقص..

وتُذكر كلمة رمضان في التعبير اللغوي العربي القديم مقرونة بكلمة شهر، فيقال جاء شهر رمضان وأقبل شهر رمضان، ولا يقال: جاء رمضان، وأقبل رمضان، على غير عادتنا الآن، سواء في الاستعمال العربي الفصيح أو الدارج.

وهذا وضع لغوي ينبغي تصحيحه احتراما لهذا الشهر الذي يقترن في أذهان كثيرين من الصائمين أو (المتصايمين) بالتسلية والترفيه، وممارسة الرياضة قبيل مغرب الشمس بقليل، وبمتابعة الملسلسلات المضحكة وبرامج الكاميرا الخفية، والخروج إلى المقاهي وأماكن التسوق مباشرة بعد الإفطار، حيث يتحول ليل المسلمين في رمضان إلى نهار في الإقبال على الشهوات والملذات، ونهارهم إلى ليل في الخلود إلى النوم والسبات …..

وقد قال تعالى: ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن)، ولم يقل: رمضان.

وهذا بخلاف الشهور العربية الأخرى حيث يجوز عدم اقترانها بكلمة شهر في الاستعمال، فتقول جاء شعبان من غير اقتران بكلمة شهر.

وأما ما جاء في الأحاديث من نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم، ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا..)، وقوله: ( ومن أدرك رمضان فلم يغفر له..) فهذا من باب الحذف لعدم الخوف من الالتباس على نحو ما جرت به أساليب العربية القديمة التي كثيرا ما كانت تجنح إلى الحذف لقوة السليقة في ذلك الزمن الأول قبل أن تتسرب إليها العُجمة، ويضعف إحساس العرب بلغتهم، كما هو حاصل الآن، في عصرنا هذا…

وكذلك الشأن بالنسبة لمناسك المسلمين، فيقال مثلا يوم التروية ويوم عرفة، ولا يقال التروية وعرفة، كما نقل الجاحظ في كتابه (الحيوان)، وهو من هو في معرفة خصائص العرب وأسرارهم في استعمالاتهم اللغوية.

أما عن السبب الذي دفع بعض السلف إلى كره القول الشائع الآن: جاء رمضان، من غير اقتران بكلمة شهر، فلأن بعضهم بلغ إلى علمه أن رمضان اسم من أسماء الله تعالى.

ولهذا السبب أيضا كره بعض السلف أن يُجمع رمضان، كأن تقول: رمضانات ورماضين وأرمضاء وأرْمِضة، كما جاء عن بعض أهل اللغة.

إن فضل شهر رمضان عظيم، ونفعه عميم، فهو شهر القرآن، وهو شهر الصبر لأنه حبس للجسم والنفس عن المفطرات والمحرمات، وهو الشهر المفضل عن بقية الشهور؛ فقد روي عن كعب: إن الأفضل من البلدان مكة، ومن الشهور رمضان، ومن الأيام الجمعة.

ولكن، هل واقع حالنا اليوم يليق بشهر رمضان وبمكانته..؟؟!!

بعض عناصر الجواب عن هذا السؤال ربما تكفلت به قنواتنا التليفزيونية التي ستعرض علينا ما ادخرته خلال سنة من إنتاج البرامج المخصصة لهذا الشهر دون سواه. ولو تم توزيعها على مدار السنة لكان لها وقع آخر، لتشتت ذهن المتفرج وتوزعه عبر القنوات المختلفة. فيكون كمن شاهد شيئا وغابت عنه أشياء، أو كالمسافر في القطار السريع يرى أشياء كثيرة تمر ولكنه في الواقع لايرى شيئا، لتنقله عبر المحطات المختلفة عبر ( الريموت كنترول).

وبعض عناصر الجواب الأخرى أيضا ما نراه عادة في سلوك الناس خلال هذا الشهر الذي تكثر فيه الخصومات والمشاحنات بين الصائمين على الطرقات وفي الأسواق والأماكن العامة المزدحمة.

وبعض العناصر ما تتكلفه كثير من الأسر العربية والمسلمة وتبالغ فيه إلى درجة السرف والتبذير من أطباق شهية ومشروبات متنوعة تذهب بقسط لا يستهان به من مدخراتها السنوية….

كشكول شهر رمضان 1

كتب يوم الجمعة,أيلول 15, 2006

الحريرة في رمضان وأشياء أخرى في الميزان

ليس في كلمة ( الحريرة) في العنوان أعلاه أي تصحيف أو تحريف. هو كما تراه، شكلا وحرفا ونَقْطا. فلا يذهب ظنُكَ بعيدا فتعتقد أنه تصحيف لكلمة الجزيرة الأرضية أو الفضائية، أو حتى لكلمة الجَريرَة؛ وهي الذنْب والجناية التي يجنيها المرء ويجرها على نفسه أو على غيره، كما ورد في معاجم اللغة العربية.
وليس بين الحريرة والجزيرة والجريرة أدنى علاقة معنوية فضلا عن ما بينها من مشترك صوتي وخطي…

والحريرة خلطة الحساء الرمضانية المشهورة على موائد المغاربة عند الإفطار، وهي المعروفة عند إخواننا المشارقة ب ( الشُّربة أو الشَّوْرَبة).

غير أن الحريرة المغربية تختلف عن مثيلتها المشرقية من جهة تركيبها، ومن جهة مقاديرها. بل إنها تختلف حتى داخل مناطق المغرب الواحدة؛ بين ريفية وحضرية، وداخلية وساحلية، وجبلية وتَليَّة، وسهلية وصحراوية حسب الذوق والعادة، وحسب ما تجود به أرض المنطقة وذات اليد. بل وتختلف من بيت إلى بيت، ومن طبقة إلى طبقة، ومن مقام إلى مقام؛ فحريرة الأغنياء غير حريرة الفقراء، وحريرة النبلاء والنبهاء غير حريرة الغوغاء والدهماء، تلك بمائة درهم أو يزيد وهذه بدرهم واحد أو بما يقل عنه، أو بما يكون في حكم العطية أو الصدقة…. !!

المهم، أن لكل فرد مغربي حصة من الحريرة الرمضانية، سواء أكان في البر أو البحر أو في الجو، في البيت أو في المطعم، في قصر من مرمر أو في كوخ من عُشب يابس أوصفيح، عند عتبات المساجد أو تحت قباب الأضرحة، في المستشفيات أو في الثكنات، في المطاعم المدرسية أو في الأحياء الجامعية، في دور البر والإحسان أو في السجون، خارج المغرب أو داخله… فحيثما كنت في شهر رمضان فنهر الحريرة يجري إليك، ولو لم تسع إليه، تماما كنهر السليكون الذي يحمل إليك خلطة أو حريرة الأنترنت العجيبة…!!

والعجيب أن نهر الحريرة هذا ينضب مباشرة بعد حلول الفطر ليعاود الجريان في شهر رمضان المقبل….!!
قال لي أحد الأصدقاء ذات يوم على سبيل الدعابة: لو صُبَّت كل طناجير الحريرة المغربية، في رمضان وحده، من حدود مدينتي طنجة وتطوان في الشمال، دفعة واحدة، لشكلت سيولا متدفقة لا ينضب معينها حتى تصل إلى مدينتي العيون والداخلة في الجنوب، قبل أن تتلاشى وتضيع في جوف رمال الصحراء المغربية…!!

وتطلق كلمة الحريرة في قاموس لهجة المغاربة أيضا على كل أمر مختلط يصعب تخليصه، على سبيل المجاز؛
وهكذا يجري الحديث في مجال البناء مثلا، عن الحريرة الإسمنتية لما يشوب هذه الخلطة، في العادة، عند كثير من المقاولين ومتعهدي البناء، من غش وتطفيف في مقادير الخرسانة.

وقد تكفي رجة أرضية بسيطة، أو ارتفاع بسيط في منسوب الأمطار، أو في سرعة الرياح عن المعدل المألوف ليسقط قناع جشعهم وخداعهم، ولتتصدع وتتداعى كثير من المنازل والدور هنا أو هناك على رؤوس أصحابها أو ساكنيها الأبرياء.

اللهم أدم علينا لطفك وهدوء الطبيعة من حولنا، رأفة بالمخدوعين ضحايا الخلطات الإسمنتية المغشوشة، ولا بارك الله فيما ناله الغشاشون سحتا وبهتانا من عرق الكادحين الذين تضيع حياتهم سدى بين أقساط شهرية وديون مترتبة تذهب بماء وجوههم، وتجعلهم يفرون من لقاء المُدينين كأنهم جربي أو لصوص مطاردون. وكل ذلك في سبيل (دويرة/ تصغير دار) تقي أولادهم من تقلبات هذا الزمن، وتحميهم من غائلة الكوارث والفتن..

لاشيء في بلادنا يمكن أن يتفوق على غضب الطبيعة في فضح عيوب البناء وشق الطرق ومد قنوات مياه المجاري، ويكفي أن تنظر إلى شوارع مدننا الكبيرة التي تتحول إلى برك وأنهار جارفة كلما درت السماء وأرسلت غيثها لدقائق معدودة، وهذا رغم وجود عدد كبير من المختبرات ومكاتب الدراسات والمراقبة التي تحتاج هي الأخرى إلى متابعة ومراقبة، لتواطئ أصحابها وتزويرهم للتقارير والمحاضر، ولانعدام الضمير المهني لديهم، إلا من أخذ الله بيده، وتلك قلة قليلة لا يعتد بها..

ولا شك أن عمل كثير من تلك المختبرات والمكاتب، كما أي حرفة أو مهنة أو وظيفة مزيج مركب من دهاء وغش أو تهاون وكسل، ونتيجة صفقات وطبخات تمت في السر قبل العلن.
وتلك أصباغهم وألوانهم على الحيطان والجدران تبهر وتلمع شهرا أو عاما ثم يخبو بريقها في سائر الشهور والأعوام..

وحيثما اختلط عليك الأمر في مجال من مجالات العمل أو الوظيفة، أو التبس عليك الأمر في سلوك أو معاملة، أولم تجد الكلمة المناسبة للتعبير عن واقع حال ملتبس تحوم حوله الشبهات فما عليك إلا أن تستدعي إلى ذهنك كلمة (الحريرة) وتدخلها في سياق تعبيرك لتعبر بسهولة عن أي مظهر ما من مظهر التناقض والاختلال. فكلمة الحريرة تختزل المشهد كله….!! ويكفي أن ترفع صوتك وتصيح : ( آش هاد الحريرة..!!) لينتبه الجميع إليك ..

وختاما نقول كما قال حكماؤنا الأسلاف: تخليص العمل من الشوائب حتى يخلص أشق على صاحبه من العمل نفسه.
( والله يخلصْ حريرتنا على خير …!!)، كما نقول ـ نحن المغاربة ـ في كلامنا الدارج.
كل رمضان وأنتم بخير..