‏إظهار الرسائل ذات التسميات شؤون تربوية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شؤون تربوية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 19 مايو 2010

الإنترنت عند مواعيد الامتحانات

صار للبيئة التعليمية في بلادنا المغرب، كما في بقية بلدان العالم، وجهان: أحدهما واقعي يكون بوجود المقررات والمناهج المعتمدة من لدن الوزارات الوصية وبحضور المتعلمين والأساتذة كأشخاص ذاتيين حاضرين بلحمهم وشحمهم داخل الفصول والحجرات والأقسام النظامية.

أما الوجه الثاني فهو كل ما انعكس في البيئة الافتراضية مما له علاقة بأمور التعليم والتحصيل، سواء في شكل مواقع تربوية وتعليمية تابعة لمؤسسات التربية والتعليم العمومي أو الخاص، أو في شكل مواقع ومنتديات ومدونات خاصة بالتلاميذ والطلبة والأساتذة وكافة الأطر التربوية والإدارية.

وقد عرفت البيئة التعليمية الافتراضية في بلادنا، وخلال سنوات قليلة ماضية لا تتجاوز عند العد أصابع اليدين، امتلاء كبيرا يكاد يصيب المتصفح لها اليوم بالتخمة والغثيان. وكل ذلك راجع إلى ما يطبعها من حشو ونقل حرفي بمختلف عمليات القص واللصق الرقمية الممكنة.
وعلى العموم، فالمعروض الافتراضي من المواد التربوية والتعليمية كثير، ولكن المفيد منه قليل، وأغلبه معاد مكرور ويفتقد في الغالب، إلى حس الإبداع والتجديد؛ سواء تعلق الأمر بالدروس وتطبيقاتها، أو بالأسئلة وأجوبتها، أو بالتمارين وحلولها…

وليس في كلامنا هذا أي تقليل مقصود من قيمة الجهود المبذولة من لدن كل الأشخاص الذين يعملون ليل نهار على صب مواد التربية والتعليم على اختلاف أنواعها ومسمياتها وتخصصاتها في بحر الإنترنت. وكثير من هؤلاء لا يدخر أي جهد فني خاص بتصميم الصفحات والبوابات التربوية من حيث اعتماد آخر صيحات البرمجة الرقمية.
ولكن، ما جدوى كل بناء حقيقي أو افتراضي إذا أُسسا على مضمون ضحل يشبه الفراغ أو فوضى أو عشوائية، أو غياب رؤية واضحة استشرافية.

وخلال الأيام القليلة التي تسبق مواعيد الامتحانات السنوية أو الدورية يزداد إقبال المتعلمين في بلادنا على استهلاك المواد الافتراضية التي لها علاقة بالمنهاج أو المقرر المعتمد لكل فصل أو شعبة أو مسلك في أحد الفروع العلمية أو الأدبية أو التقنية.
وتسطيع بكل بساطة أن ترصد حركة الطلاب والتلاميذ المتزايدة زرافات ووحدانا في اتجاه مواقع التربية والتعليم على الإنترنت خلال تلك الأيام القليلة التي تسبق كل اختبار أو امتحان من خلال ملاحظة مؤشر عداد الزوار للمواقع والمدونات والمنتديات وكل الصفحات الإلكترونية التي تتنافس في تقديم مواد التربية والتعليم بسخاء حاتمي يفوق التصور والخيال؛ فمؤشر عداد زوارها قد يصل في الأيام القليلة التي تسبق كل امتحان مهم أقصى درجات ارتفاعه، بينما يكون في أوقات العطل الصيفية مثلا في أدنى دراجات انخفاضه.

ولعل أهم المواعيد التي تنتظر التلاميذ كل عام موعد امتحان الباكالوريا، أما أهم مواعيد التكوين المستمر لأطر التربية والتعليم فموعد اختبار الترقية وموعد الامتحان المهني، وحيث تعرف المواقع المختصة بمناهج التدريس ومواد الديداكتيك وعلم النفس والبيداغوجيا أقصى درجات الإقبال من لدن رجال التعليم الذين يطمحون إلى تغيير الإطار، أو يطمعون في ربح بعض الوقت عبر الترقي السريع قبل نفاد العمر بدل الانتظار الطويل في طابور الأقدمية.

ولا شك أن كثيرا من وقت ناشئتنا الفتية يمكن أن يضيع هدرا في كل فترة حاسمة من فترات الامتحانات الصعبة في غياب خطة استراتيجية ذاتية محكمة للمتعلم نفسه، أو انعدام توجيه مباشر من مشرفه التربوي، داخل البيئة التربوية أو من قبل ولي أمره داخل البيئة العائلية.

ومع الأسف الشديد، فإن معظم المتعلمين والمتمدرسين يجدون أنفسهم في فترات الامتحانات العصيبة وجها لوجه أمام غابة الأنترنت المتوحشة غير المحمية، من دون بوصلة، ومن غير أدنى توجيه؛ فتتقاذفهم التيارات والرياح في مسلك غير المسلك وفي اتجاه غير الاتجاه، ويسلمون زمام أمرهم إلى محركات البحث الرقمية العشوائية التي قد تصيب الهدف المنشود مرة، وتخطئه عشرات المرات.
ولنا أن نحسب الوقت الضائع من بين أيديهم ومن خلفهم بين نتيجة بحث واحدة صحيحة على الإنترنت مقابل عشرات النتائج الخاطئة، ثم ما بالك بما فوق ذلك كله مما يقتضيه كل مقرر أو منهاج من حيث خطط الفهم والاستدلال والاستنباط والاستنتاج.

صحيح أن الانترنت مفيد لكل متعلم ولكل راغب في التكوين المستمر لأنه يقدم مواد كثيرة للفهم والتحليل والمناقشة، ولكنه لا يستطيع أن يعلمنا في كل الأحوال، كيف نفهم وكيف نحلل وكيف نناقش أو نستنتج…
وقديما، كان قدماؤنا ينتقصون من قدر الرجال الذين يأخذون العلم من بطون الكتب ولا يأخذون العلم من أفواه الرجال فيقولون عنهم: إنهم صحفيون أي يكتفون بالأخذ من الصحف والأوراق؛ لأنهم كانوا يعتقدون بأن العلم الحقيقي هو ما وقر في الصدور.

فهل يعيد الزمن دورته مرة أخرى لنتهم نحن أيضا من يكتفي بالأخذ من محتوى الأنترنت لنقول عنه بأنه (أنترنيتي) ثم ياليته كان صحفيا، فربما هان الأمر وخفت حدة الضرر المنبعثة من وراء شاشة الحاسوب المتصل بخيوط عنكبوتية لا يعرف المتعلم الناشئ من نسجها ولأي هدف، ولا يملك اتجاهها أية إمكانية للمساءلة والنقد والمقاومة، فهو يستسلم لمحتوى الإنترنت استسلام الأعزل المغلوب على أمره.

وحتى لو كان في الأنترنت شر قليل أو كثير فقد أصبح أمرا واقعا لا مفر منه، وربما صار في السنوات القليلة المقبلة بديلا نهائيا عن كل ورقة أو صحيفة. فهل أعددنا العدة الكافية لتمحيص محتوى الأنترنت العربي وتدقيقه وتنظيمه، حتى لا يكون فوضى عارمة وشرا مستطيرا على أجيالنا القادمة، لا قدر الله؟ !!

الجمعة، 15 مايو 2009

وأخيرا: الأدب الرقمي في مناهج التعليم الجامعي بالمغرب ...!

لا زال تلقين مواد الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعات المغربية مرتكزا في أكثر جوانبه على جهود الأستاذ الإملائية الرتيبة, ولا زالت السبورة الخشبية العريضة تحتل صدارة معظم مدرجات وقاعات التدريس في معظم الجامعات المغربية.

نقول هذا الكلام رغم أن البيئة الافتراضية الأدبية العربية قد عرفت درجة كبيرة من الامتلاء في السنوات القليلة الماضية، بحيث أصبح في الإمكان الآن أن نتحدث عن أدب عربي رقمي له أصوله ومراجعه الافتراضية الخاصة المفتوحة أو المرموزة، وعن متن أدبي رقمي هائل في مضامينه وفي تجلياته الفنية والأسلوبية.وأعتقد أنه قد آن الأوان لمواكبة كل إنتاج أدبي رقمي متراكم أو جديد مواكبة نقدية واعية كفيلة بتمييز جيده من رديئه لتطوير المعرفة الأدبية، ولإنصاف جهود الأدباء الرقميين المخلصين حتى يُعرفوا أكثر، وتجد أعمالهم الأدبية الرقمية طريقها الصحيح إلى الطلبة والباحثين وعموم المهتمين.
وقد عمل مجموعة من الأساتذة في العقدين الأخيرين على اكتساب بعض المعارف الرقمية الأولية التي يتطلبها هذا العصر الرقمي الزاخر العجيب، وأقلها مثلا فتح حساب بريدي إلكتروني لإرسال البريد أو استقباله، ومنهم من تقدم أكثر في مجال التكوين الافتراضي الذاتي، وأثبت عن جدارة واستحقاق حضورا متميزا على الشبكة العنكبوتية من خلال موقع أو مدونة شخصية.

ولكن، ومع كل هذه الرياح الرقمية المتقلبة التي تهب علينا من كل اتجاه وصوب قد تجد في صفوف الأساتذة من لا يمتلك حسابا بريديا، بل ويعاني فوق ذلك من جفوة رقمية مزمنة تجعله لا يطيق التطلع إلى شاشة الحاسوب فضلا عن ملامسة لوحة المفاتيح ومداعبة الفأرة. ولذلك فهو قد يتحاشى الخوض في هذا الموضوع، وربما قدم بين يديه مبررات عدة، وأخفها مثلا أن شعاع الشاشة يضر بعينيه.
ولا شك أن أبناء اليوم من تلاميذ متمدرسين وطلبة جامعيين غير أبناء الأمس، وهم أكثر إقبالا على الانخراط التلقائي في البيئة الافتراضية من آبائهم وأجدادهم.

والسلاح الرقمي الذي يحمله التلاميذ والطلبة إلى حجرات المدرسة ومدرجات الجامعة في جيوبهم ومحفظاتهم منوع ومشكل بين هاتف محمول وذاكرة فلاشية رقمية، وأجهزة أخرى إلكترونية للعرض السمعي البصري بغية التثقيف، في أحيان قليلة، واللعب والتسلية في أغلب الأحيان.

ولا زال أكثرنا ـ كتربويين وموجهين ومعلمين وإداريين…ـ يعتبر أن حمل الأجهزة الرقمية إلى حجرات الدرس مجرد إزعاج ومضيعة للوقت، وما فكر أحدنا في يوم من الأيام في كيفية استثمار تلك الأجهزة الرقمية المحمولة استثمارا عقلانيا مرنا في تلقين المعرفة وتثبيتها في عقول المتعلمين اليافعين، بالنظر إلى تعلقهم الشديد بتلك الأجهزة . وهو تعلق قوي ومتغلغل في وجدانهم بحيث قد يزيد حتى عن تعلقهم بأصدقائهم وأقرب الناس إليهم.
والسؤال المهم هنا هو: كيف نجعل مختلف هذه الأجهزة المتوفرة في بيئتنا الرقمية الإلكترونية امتدادا طبيعيا للأقلام والدفاتر والكراريس، ثم كيف سيكون واقع تعليمنا التقليدي المتهالك في السنوات القليلة المقبلة عندما تتجاوز البشرية مستوى التعليم الملقن إلى التعليم التفاعلي، وتنقطع صلة الناس على هذا الكوكب بالدفاتر والأقلام انقطاعا باتا لا رجعة فيه .. ؟ !

وعندما تناهى إلى علمي عزم وزارتنا القائمة على الشأن التربوي والتعليمي ببلدنا المغرب على إدراج مادة الأدب الرقمي في ترسيمة المنهاج التربوي الجامعي الجديد ابتهجت خيرا، واعتبرت هذه الخطوة فتحا جديدا من شأنه أن يضع كليات الآداب ببلادنا على سكة التطور الكوني الجديد، وهي التي بقيت حتى اليوم منغلقة على عوالم التقنية وكأنها تعيش في صحراء قاحلة بين قطيع الجمال وكثبان الرمال.
لكن، واقع التجهيزات المرصودة لهذا المطمح الحيوي قليلة إن لم نقل منعدمة حتى الآن، ليبقى تدريس الأدب الرقمي التفاعلي مجرد حبر على ورق في غياب التجهيزات التقنية الضرورية. وشيء طبيعي أنه لا يمكن تدريس الأدب الرقمي إلا في حجرات رقمية معدة لهذا الغرض، أما أن يدرس الأدب الرقمي عبر السبورة والطبشور فذلك ضرب من المحال.

ومع كل هذاوذاك أعتقد أن فكرة هذا المشروع قد جاءت متأخرة عن مثيلاتها في كثير من بلدان العالم الرقمي المتطور. وربما حكم على مادة الأدب الرقمي بسنوات أخرى من التأخير الإضافي لا يعلمها غير الله تعالى، في انتطار خروج مسلسل الإصلاح الجامعي ببلادنا من التخبط والارتجال، وانعدام التوافق بين الطموحات الكبيرة والإمكانيات شبه منعدمة، وكل ذلك على حساب الوقت الميت الضائع بين تجربة فاشلة وتجربة أخرى اكثر فشلا…

وفي نهاية هذا الإدراج يجدر بنا أن نشير إلى أن الأدب هو الأدب سواء أكان ورقيا أو رقميا، ما دام مستوعبا للتجارب البشرية التي يفرضها تطور الكائنات البشرية من الداخل والخارج وفي المحيطين: الخاص والعام.

الأحد، 5 أكتوبر 2008

على هامش اليوم العالمي للمدرس 2

يصادف الخامس من كل أكتوبر تشرين الأول اليوم العالمي للمدرس. وليس غريبا أن يتزامن موسم الدخول المدرسي في بلادنا المغرب وفي كثير من بلاد العالم مع انطلاق الموسم الفلاحي، فكل من المعلم والفلاح حارث وزارع؛ فهذا يخرج عند كل موسم محفظته وكراسه من دولابه وذاك يخرج محراثه وجراره من مرآبه.

لقد تغيرت الصورة النمطية القديمة التي كان يحملها المغاربة في أذهانهم عن المعلم القديم بوجاهته ووقاره ومكانته الاجتماعية وبهندامه ونوع سيارته.

وأذكر أن سيارة (السيمكا) كانت علامة مميزة لفئة المعلمين على الخصوص في فترة السبعينات بالإضافة إلى (الرونو 12) و(الرونو16).

ففي ذلك الزمن كانت وجاهة المعلم الاجتماعية وظروفه الاقتصادية تسمح له باقتناء مسكن لائق وسيارة جديدة من الطراز المذكور أعلاه، وقفة لا تخلو في يوم واحد من هبر اللحم والفواكه وبذلا مفصلة على المقاس عند الخياط وأقمصة منعمة بالمكواة وأحذية ملمعة بالورنيش عند كل صباح وربطات عنق مناسبة ومحفظة أنيقة من الجلد الطبيعي الرفيع.

وعندما نتطلع اليوم إلى أرشيف صور المعلمين الجماعية القديمة نحسب أنهم كانوا من الفئة الدبلوماسية التي مثلت حالة البلاد الثقافية في ذلك الوقت خير تمثيل.

لقد ذهبت أيام (السيمكا) أدراج الرياح، وتبخرت معها ذكريات ذلك النعيم المقترن برجل التعليم كطيف حلم مر سريعا وما تبقى من سيارات المعلمين العتيقة للموتى منهم أو المتقاعدين أو الذين بلغوا من العمر أرذله قد تحول إلى عربات معدلة لتوزيع الخبز ومختلف المواد والسلع بالتقسيط في أوساط صغار التجار والحرفيين.

ولم تعد مواسم الدخول المدرسي مواسم للاحتفاء بالمعلم بل مواسم حكومية تجارية لبيع جديد مقررارتها ومطبوعاتها الموسمية لإرهاق كاهل التلميذ عند كل موسم بالحمولة الزائدة من الكتب والدفاتر، ولإغراق معيل ذلك التلميذ أو كفيله بتكاليف التمدرس التي لم تعد تطيقها غير الأسر الميسورة.

صورة معلم اليوم ليست إلا نسخة شاحبة باهتة لصورة المعلم القديم الأنيق الوسيم كشاة منبوذة في الفيافي بعد أن أصابها الجرب وهزال الموت في أيام الجفاف والقيظ؛ فقد تدحرجت مكانة المعلم إلى الدرجة الأخيرة من سلم العيش، وقد صار شحوب مهنة التعليم علامة مميزة على محيا معظم المعلمين، وبذلك يعروفون عند الخضارين وعند أصغر نادل في المقهى، وحتى عند أصحاب أكشاك الجرائد وأصحاب محلات الرهان واليانصيب الذين يبيعون وهم الربح الوفير بالخسارة الصغيرة، لكن مثلى وثلاث ورباع وهلم مراهنة حتى يفرغ جيب المعلم الحالم المتطلع بشوق إلى انقلاب حاله...

وقد صار أقصى حلم المعلمين الشباب المتخرجين للتو والمعينين في مجموعات مدارس قريبة أو بعيدة أن يهجروا بلدهم الذي سامهم خطة خسف هجرة سرية لا يعلم بها رقيب الحكومة وجمركها في قوارب الموت كأي (حراق) مغامر شبه عامل أو عاطل.

وفي مقاهي الأنترنت وعبر وسائل التراسل الفوري والتشات تجد عددا كبيرا من المعلمين يرمون صنانير الغزل والغرام في بحار الإنترنت في معظم أوقات فراغهم علها تجذب انتباه فتاة أو حتى عجوز أوربية أو أمريكية تنقذهم من دوائر الضيق والضياع والفراغ، وتطير بهم إلى ذلك الفردوس الذي افتقدوه في بلدانهم وفي ظل حكومتهم مثلهم مثل أي عاطل يائس لا يفارقه حلم الهجرة البعيد لملامسة شمس الغرب التي يمكن أن تغير جلده وتملأ جيبه.
---------
إدراجات ذات صلة:
على هامش اليوم العالمي للمدرس (1)

الخميس، 7 أغسطس 2008

الباكالوريا كمفترق للطرق والاختيارات الصعبة

البكالوريا نقلة نوعية في حياة المتعلمين. وقد لا نبالغ إذا قلنا: إنها مرحلة بلوغهم الذهني والنفسي الحقيقي بسبب ما يتكون لديهم في هذه المرحلة من رؤى وأهداف وقناعات خاصة شبه مستقلة، وإن جاء هذا البلوغ متزامنا أو متأخرا قليلا أو كثيرا عن وقت بلوغهم الفزيلوجي. ففي هذا المرحلة من عمر المتعلمين تكون ملامح الأنوثة والرجولة قد ارتسمت على أجسادهم كاملة إناثا وذكورا.

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار منطق التدرج التعليمي المعتمد ببلادنا؛ من الطور التمهيدي في الكتاتيب التقليدية أو دور الحضانة العصرية، إلى الطور الابتدائي فالإعدادي التأهيلي ثم انتهاء بالمرحلة الثانوية، فإن متوسط عمر حاملي شهادة البكالوريا في المغرب، من الجنسين معا، يكون بين سن الثامنة عشر أو السابعة عشر في الأحوال الاستثنائية، وبين التاسعة عشر في الأحوال العادية، وقد يتأخر إلى ما بعد السن العشرين عند تراكم سنوات الهدر المدرسي...

والدليل على أهمية الباكالوريا أن حاملهيا تتغير صفتهم من ( تلميذ) إلى ( طالب ) عند انتسابهم إلى الكليات أو المعاهد والمدارس العليا المتخصصة، فيتحقق لهم مزيد من النضج والاستقلال التدريجي بفكرهم ورأيهم لرسم ملامح مستقبلهم، وتحديد مسار حياتهم، بعيدا بعض الشيء عن سلطة الأوصياء من الآباء والأقارب، وعن الأحياء والقرى الأولى التي ترعرعوا وشبوا فيها إذا ما كتب لهم الانتقال إلى المدن الجامعية القريبة أو البعيدة عن محل سكناهم.

ولطالما أعرب طلبة الجامعة المنتسبين إليها حديثا عن المعاناة المادية والنفسية التي يعانونها أول الأمر بعيدا عن دفء الأسرة، حيث يجدون أنفسهم وجها لوجه مع مشاكل الإيواء في الحي الجامعي، أو الكراء خارجه، ومشاكل النقل وعادات الأكل الجديدة التي تختلف اختلافا بينا عما ألفوه تحت كنف الوالدين، بالإضافة إلى مشاكل التواصل مع أساتذة الجامعة ومع الإدارة ومع بقية زملائهم الطلبة في غرفة الحي الجامعي أو في السكن المشترك داخل الأحياء المجاورة للكليات، أو حتى داخل صفوف المحاضرات والدروس التوجيهية والتطبيقية داخل المختبرات....

ومع الأسف فلا أحد يلتفت إلى شكوى الطلبة الجامعيين الجدد ولا أحد من المتخصصين الاجتماعيين والنفسيين اهتم بهذا الموضوع الذي كثيرا ما يؤثر سلبا على مسيرة الطلاب الدراسية إذا ما تعذر عليهم التلاؤم مع ظروف التعليم العالي المستجدة عليهم في غياب أدنى رعاية أو مواكبة وتوجيه، هذا بالإضافة إلى ما قد يكتنف الحياة الجامعية من إضرابات واضطرابات وتوقفات قد تنذر في بعض الأحيان بسنة جامعية بيضاء يمكن أن يضيع معها جهد عام كامل من عمر الطالب ومن ميزانية الوزارة الوصية، كما حدث في كليتي الآداب والحقوق بمراكش خلال الدورة الربيعية الماضية من عام 2008 لولا تكتل جهد الأساتذة لإنقاذ سنة جامعية كاملة وتداركها في أنفاسها الأخيرة بكل وسائل الإسعاف الممكنة والمستحيلة .

هذا فضلا عما يتطلبه الإصلاح الجامعي الجديد من سرعة في الاستجابة، ومن كثرة في المواد وقصر في زمن الفصول الدراسية لا يسعف في العادة بإنجاز كل ما هو مطلوب؛ فإذا كانت استجابة الطالب بطيئة أو متراخية فوت على نفسه الفرص وأصيب بالفشل السريع والإخفاق الذريع. وهذا ما يجعل أكثر من ثلث الطلبة المسجلين حديثا في الجامعة ينسحبون من ميدانها بسرعة بعد جس سرعة نبضهم التي لا تتوافق في الأعم الأغلب مع سرعة نبضها.

ومع الأسف فإننا نتحدث كثيرا عن الهدر المدرسي في المرحلة الابتدائية ونغض الطرف عن الهدر الجامعي الذي قد تكون نتائجه أخطر بسبب ما يكون من ردود فعل عكسية من قبل الطلبة التي قد تميل بهم فورة الإخفاق وما يصاحبها من سخط وغضب إلى التمرد أو الانحراف أو التطرف....

وبقدر ما يزداد إحساس المتعلمين بذواتهم خلال هذه الفترة بقدر ما تزداد معاناتهم مع ذويهم عندما تتعارض مطامحهم مع رغبات الآباء والأمهات الذين يعلق معظمهم الآمال على كليات الطب والهندسة مسترخصين في سبيل ذلك كل غال ونفيس، وسالكين كل السبل الممكنة من أجل انتساب فلذات أكبادهم إلى أحد هذين التخصصين المفضلين لدى جل الأسر المغربية. أما الانتساب إلى الجامعة فيبقى في معظم الأحوال حلا اضطراريا يُجبر عليه الطالب كآخر الحلول الممكنة اقتناعا بالمثل العربي المعروف آخر الدواء الكي، فعما قريب سيكتوي هو الآخر بنار البطالة لينضم إلى صفوف المتخرجين المعتصمين بالرباط أمام قبة البرلمان.

ومعلوم أن طبيعة الباكالوريا في بلادنا ذات وجهين متكاملين لا يمكن أن يستغني أحدهما عن الآخر كعملة الدرهم الوطنية؛ فهذه الباكلوريا لا تخرج في الأعم الأغلب عن كونها إما علمية أو أدبية رغم وجود بعض التخصصات الوسطى التي تقبل أن تكون بين بين.

ومع أن هذه حقيقة بديهية لدى الجميع غير أن ما يلاحظ هو الحرص المبالغ فيه لدى مجمل الأسر المغربية على أن يكون توجيه فلذات أكبادهم نحو التخصصات العلمية الدقيقة منذ وقت مبكر من حياتهم الدراسية، ثم ينمون فيهم هذا الحس بالدروس الخصوصية ووسائل الدعم المختلفة في المواد العلمية الأساسية كالرياضيات والفيزياء وعلوم الحياة بالإضافة إلى اللغتين الأجنبيتين: الإنجليزية والفرنسية. أما الميول الأدبية والفنية من رسم وتشكيل وتمثيل مسرحي فلا أحد يهتم بها أو يعنى بتنميتها لدى المتعلم، بل إنها قد تعتبر مضيعة لوقته الضائع من حساب المواد العلمية الأساسية ومؤشرا على تخاذله أو حتى على بلادته..!!، وكأن معيار النباهة لا يكون إلا بالتفوق في المواد العلمية الحقة أما عوالم الشعر والأدب فمجرد أضغاث أحلام، أوكأنها كلام ليل يمحوه ضوء النهار...

ومن الأدلة الواضحة على هذا الاختلال في هذه الرؤية الاجتماعية المغربية إلى ما هو أدبي وعلمي أن كثيرا من الطلبة الذين فشلوا في مشوارهم الدراسي في كليات العلوم عادوا إلى كليات الآداب وسجلوا بها أنفسهم ووجدوا فيها ضالتهم وبغيتهم بكل يسر وسهولة لتوافق أمزجتهم مع عوالم الشعر والأدب والنقد والدراسات الأسلامية ... ففيم يفيد هذا العبث ولم هذه المكابرة وهذا العناد الذي يكون في غير موضعه، ولم لا نحترم خصوصية المتعلم ورغباته الذاتية البادية عند أول رشح... ؟؟ !!

الأربعاء، 13 فبراير 2008

على هامش اليوم العالمي للمدرس

كتب يوم الخميس,تشرين الأول 05, 2006

يصادف الخامس من أكتوبر تشرين الأول اليوم العالمي للمدرس…!!
لست أدري إن كان هذا اليوم المخصص للاحتفاء بهيأة التعليم والتدريس كافيا، أو مناسبا، أو سليما، أو مستحقا في هذه الزمن المعولم الذي تحولت فيه قيم الإنسان وأخلاق المهن إلى سلعة تجارية تخضع إلى جميع أشكال المساومات والمزايدات، وكل ألوان التطفيف والنفاق التجاري الرخيص…

وكثيرا ما أعلنت عن تذمري من ظاهرة الاحتفاء بالأيام؛ كيوم للحب أو يوم للشجرة أو كيوم للعدس أو البصل أو كيوم لصاحبنا المدرس هذا…!!

وربما يحاول الناس في هذا اليوم المحتفى به اختزال كل المشاعر وحصر كل الاهتمامات واختصار جميع المشكلات أو تحويلها أو تحويرها.

وما دام هذا اليوم المرصود للاحتفاء ينقضي بسرعة، فلم لا يفتح المجال للتنفيس وللقيل والقال..؟؟!! فسرعان ما تذبل الذكرى بين صبح ومساء، وتضيع الحقوق أو تؤجل في صخب الاحتفال والتكريم، ثم تهدأ الحركة وينقشع الغبار عن الحقيقة الراسخة التي تبقى سائدة وهي حقيقة الإهمال والنسيان..

ولاشك أن معظم المدرسين والمدرسات في مغربنا قد سرقهم الزمن، ونال منهم مِبرد الدهر؛ فتضاءلت أجسامهم من التعب والانحناء على الدفاتر، وقل سمعهم من ضجيج الصفوف ومشاكسات المشاغبين، وضعف بصرهم من غبار الطباشير وتلوث المكان من حولهم…

إني أرى أن قطاع التعليم العمومي يسير في طريق شيخوخة مزمنة لتضاؤل الفرص يوما عن يوم أمام جيل الشباب للالتحاق بهذا القطاع بذريعة عدم توفر المناصب، أو بحجة التقشف وترشيد تكاليف قطاع التعليم التي صارت عبئا ثقيلا ترجو الدولة الخلاص منه بكل السبل كأنه غدة درقية متضخمة أو زائدة دودية تلتهم ميزانية الدولة من غير فائدة مسترجعة.

إن فائدة التعليم لا تقاس بميزانية سنة واحدة، بل برؤية مستشرفة وتعهد مستمر على مدى سنوات عدة، وأي استعجال أو نفاذ للصبر، يوقع في الفوضى والارتباك، ويهد صرح التعليم من أساسه.

كل هذا الطابور الطويل المتقادم من جيش التدريس والتعليم ببلادنا قد لا يعني له هذا اليوم شيئا جديدا ذا مغزى حقيقي عميق في واقع الحياة، اللهم إلا ما يكون من رفع لشعارات التبجيل المألوفة، من قبيل لازمة شوقي المحفوطة عن ظهر قلب من غير جدوى:
قم للمعلم وَفِّه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا


أو ما يكون من بعض الوعود المعسولة والشعارات الهلامية المرفوعة من قبل القيمين على شأن التعليم والتدريس، وهم يتجولون في أقسام هذه المدرسة أو تلك بكاميرات التجميل والتعتيم المعروفة، للتسويق وللمصادرة على الأوضاع الحقيقية المزرية لقطاع التعليم ببلادنا…

أعتقد أنه لا يمكن أن يقدر رسالة التعليم الشريفة غير من زاول هذه المهنة السامية في الحدود المعقولة المقبولة من النزاهة والإخلاص، ووخز الضمير، أو من اكتوى بنارها عن قرب كالزوجة والأبناء الذين قدر لهم أن يرتبط مصيرهم بمصير الأب المعلم، وخاصة عندما يجبر على الانتقال من مكان إلى مكان، فتتضاعف معاناته، وتتبعثر أوراقه، عودا على بدء، كأسطورة سيزيف العبثية، وهو يدحرج صخرته صعودا ونزولا…

ولو قدر لأحمد شوقي أمير الشعراء، وشاعر الملوك والنبلاء أن يكون معلما أو مدرسا لما حفظ عنه ذلك البيت المشهور، فليس من رجله في الماء كمن رجله في النار أو التنور…!!

وقد كان الشاعر إبراهيم طوقان الذي قضى شطرا من حياته في التدريس أكثر انسجاما مع حقيقة نفسه وحقيقة جميع المعلمين والمدرسين، بعيدا عن كل الشعارات والمزايدات …

وقد قال شاعرنا المعلم إبراهيم طوقان في معرض رده على شوقي ومعارضته لبيته المشهور في صراحة وواقعية:
ويَكاد يَفـْـلِقـُـني الأميرُ بقولــه
كاد المعلمُ أن يكون رسولا!!
لو جرب التعليمَ شوقي ساعةً
لقضى الحياة كآبة وعويلا
يامن تريدُ الانتحارَ وجدتهُ !!
إن المعلم لا يعيش طويلا !!

كل يوم وكل عام وأحوال المعلمين والمدرسين بخير وسلامة في أجسامهم وعقولهم…!!!

الاثنين، 11 فبراير 2008

مصداقية الشواهد التعليمية في الميزان عند تسريب أسئلة الامتحان

كتب يوم الأحد,حزيران 18, 2006

عدت إلى شاشة الحاسوب بعد غياب قسري بسبب انشغالي بالامتحانات الجامعية، مصححا ومشرفا على بعض فصول الطلبة المنتسبين إلى شعبة الدراسات العربية.

وقد يكون من المفيد أن أكتب، هنا وتباعا، بعض الإدراجات من وحي أجواء الامتحانات والحركة التعليمية السائدة الآن في بلدنا المغرب خاصة والعالم العربي عامة، مستعرضا بعض تجاربي المتواضعة في دراسة الآدب والعلوم الإنسانية، ومستخلصا بعض العبر والنتائج، لعل البعض ينتفع بها أو يجد فيها مجالا للمطارحة والمساءلة وتبادل وجهات النظر.

في بداية هذه الفئة الجديدة من مدونتي المتواضعة التي تحمل عنوان: ( قضايا تربوية وجامعية)، وللضرورة القصوى ولأن المناسبة شرط كما يقال، أجد نفسي مضطرا لأن أثير مرة أخرى قضية تسريب أسئلة امتحانات البكالوريا بجهة مدينة مكناس، منذ أسبوع مضى. ومع ذلك لا زالت تفاعلاتها مستمرة على أعمدة الصحف المغربية، وفي كثير من المواقع الإلكترونية، وقد تلقي بظلالها الكثيفة على مصداقية نتائجها التي ستعلن في غضون أيام قليلة.

والذي دفعني إلى إثارة هذا الموضوع الاعتبارات التالية:

1. لأن البكالوريا نقلة نوعية في حياة المتعلم، ولو جاز لي التشبيه لقلت إنها مرحلة البلوغ الحقيقي للتلميذ، وإن جاءت متزامنة أو متأخرة قليلا أو كثيرا عن زمن بلوغه الفزيلوجي حسب طبيعة جنسه ونوعية تكوينه، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن متوسط عمر حاملي شهادة البكالوريا في المغرب من الجنسين معا: الذكور والإناث، وبحسب ما يقتضيه منطق التدرج التعليمي المعتمد ببلادنا، من التمهيدي إلى الابتدائي إلى الإعدادي التأهيلي إلى الثانوي، يكون بين السن الثامنة عشر أو السابعة عشر في الأحوال الاستثنائية، وبين التاسعة عشر في الأحوال العادية، وقد يتأخر إلى ما بعد السن العشرين في الأحوال غير المعتادة، عند تراكم سنوات الهدر المدرسي…

2. ولأن حامل شهادة البكالوريا تتغير صفته من ( تلميذ) إلى ( طالب ) عند انتسابه إلى الكليات الجامعية أو المعاهد والمدارس العليا المتخصصة، داخل الوطن أو خارجه، فيتحقق له مزيد من النضج والاستقلال التدريجي بفكره ورأيه لرسم ملامح مستقبله، وتحديد مسار حياته، بعيدا بعض الشيء عن سلطة الأوصياء من الآباء والأقارب الذين يعلق معظمهم الآمال على كليات الطب أو الهندسة، مسترخصين كل غال ونفيس، وسالكين كل السبل الممكنة من أجل انتساب فلذات أكبادهم إلى أحد التخصصين المفضلين لدى جل الأسر المغربية الغنية والمتوسطة وحتى الفقيرة التي طالما أجبت نبغاء ونبهاء، وهما: الطب أو الهندسة.

وكثيرا ما تتعارض رغبات الأبناء مع رغبات الآباء في مسألة تحديد نوع التوجه، هل يكون علميا أم أدبيا، ثم بعد ذلك في تحديد مراكز الولوج بعد نيل شهادة البكالوريا. وهذا موضوع هام ومتشعب، وربما عدنا إليه بتفصيل لاحقا..

3. وبما أن شهادة البكالوريا بهذه القيمة في حياة المتعلم، وفي تحديد مصيره، فإن أهميتها تتضاعف أكثر عندما تكتسب مصداقية تدل على حقيقة حاملها وتمت إلى صاحبها بأسباب قوية غير ملفقة، ولا يتطرق إليها غش أو زيف، كما الشأن بالنسبة لكثير من السلع المغشوشة أو المضروبة أو الفاسدة التي تملأ معظم أسواقنا، والأدهى أنها تستعير وتنتحل لنفسها أسماء وشعارات لماركات معروفة عالميا بجودتها ومصداقيتها.ونحن لا نريد أن يصيب شواهدنا التعليمية ما يصيب الماركات التجارية من احتيال أو غش أو تزوير يمكن أن يضر بسمعة العملية التربوية برمتها، ويذهب بجهود المخلصين في حقل التربية والتعليم أدراج الرياح، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نسترخص العملية التربوية أو ننزل بها إلى سوق المضاربات والمزايدات، لأننا في هذه الحالة نزايد على مصير أمة كاملة.

لقد كان حدث تسريب أسئلة الامتحان لبكالوريا هذه السنة مؤشرا خطيرا على وجود داء خبيث ينخر هيكل العملية التربوية والتعليمية بالمغرب، ويفضح ما يجري في الكواليس الخفية عن الجمهور، وحيث يمكن أن تلعب الأهواء المريضة التي لا يحلو لها الاصطياد عادة إلا في الماء العكر وفي الظلام الدامس كما الخفافيش، مؤثرة لمصالحها الشخصية ومصالح بعض الغشاشين على حساب مجهود الشرفاء المثابرين المجدين الذين قد يضيع مجهودهم سدى في لحظة طيش وعبث أو موت للحس والضمير.

ولتنضاف تلك الحادثة المشؤومة التي طارت بفضيحتها الركبان، وصارت حديث جميع الأسر المغربية المكلومة أصلا بجراح الإحباط والفقر، وكل أشكال الهزائم العربية القريبة والبعيدة.
وقد وجد حادث التسريب في وسائل الاتصال والنسخ السريع من هاتف جوال وفاكس وأنترنت أعوانا وجنودا من جنود الخفاء حولوا تلك الشرارة التي انطلقت من بؤرة واحدة فاسدة إلى نار ملتهبة انتشرت بسرعة فائقة وكادت أن تتحول إلى شر مستطير يصعب إيقافه أو التحكم فيه، وليحترق الأخضر باليابس، وليعتل الصحيح بالمريض وليختلط الحابل بالنابل، ولتضرب شهادة البكالوريا هذه السنة في صميم مقتلها.

ورغم تصريحات بعض المسؤولين عن شأن التعليم جهويا ووطنيا التي حاولت أن تطمئن الرأي العام، وتهون من حادثة التسريب قدر الإمكان، فإن مجرد ظهورهم على الشاشة التلفزيونية ومواجهتهم لعموم الشعب المغربي بتبريرات يبدو أنها لم تقنع حتى أصحابها لأكبر دليل على فداحة الأمر، لأن ظهور المسؤولين العرب أمام شعوبهم المغلوبة على أمرها لا يتم في الغالب إلا عند الضرورة القصوى، أو عند احتدام الأمر.

بقي في النهاية أن أشير إلى أن ظاهرة تسريب الامتحانات يمكن أن نجد لها امتدادات أخرى؛ فداخل بلد كالمغرب بخصوصياته الجغرافية والطبيعية والبشرية المتميزة ووقوعه على مسافة قريبة من أوربا، وعند أقصى طرف من جناح العالم العربي حيث يلتقي البحران: الأطلسي والمتوسط يمكن أن نتحدث عن أشكال كثيرة أخرى من التسريبات؛

فيمكن أن نتحدث مثلا عن تسريب البشر عبر عمليات ( الحريق ) أو الهجرة السرية عبر قوارب الموت بين ضفتي البوغاز أو مضيق جبل طارق، كما يمكن أن نتحدث عن التسريب السري للسلع من سبتة ومليلية السليبتين إلى باقي مدن المغرب، كما يمكن أيضا أن نتحدث عن تسريب ( الكيف ) و ( الحشيش ) عبر منطقة ( كتامة ) الشمالية إلى أوربا وإلى داخل المغرب، وحتى عن تسريب البشر عبر ظاهرة النقل السري الذي لا يخضع للإجراءات القانونية أو ما يعرف بحركة ( الخطافة ) وغير ذلك من الظواهر التسريبية التي صارت جزء من سلوكات كثير من المغاربة يمارسونها بالواضح أحيانا، عند غياب الرقيب، وبالمرموز أحيانا أخرى عندما تتحرك حملات المتابعة والتفتيش التي تحتاج هي الأخرى إلى من يتابعها ويفتشها.
ولا رقابة أكبر من ضمير حي يراعي حرمة الله والعباد في السر قبل العلن.