الأربعاء، 19 مايو 2010

الإنترنت عند مواعيد الامتحانات

صار للبيئة التعليمية في بلادنا المغرب، كما في بقية بلدان العالم، وجهان: أحدهما واقعي يكون بوجود المقررات والمناهج المعتمدة من لدن الوزارات الوصية وبحضور المتعلمين والأساتذة كأشخاص ذاتيين حاضرين بلحمهم وشحمهم داخل الفصول والحجرات والأقسام النظامية.

أما الوجه الثاني فهو كل ما انعكس في البيئة الافتراضية مما له علاقة بأمور التعليم والتحصيل، سواء في شكل مواقع تربوية وتعليمية تابعة لمؤسسات التربية والتعليم العمومي أو الخاص، أو في شكل مواقع ومنتديات ومدونات خاصة بالتلاميذ والطلبة والأساتذة وكافة الأطر التربوية والإدارية.

وقد عرفت البيئة التعليمية الافتراضية في بلادنا، وخلال سنوات قليلة ماضية لا تتجاوز عند العد أصابع اليدين، امتلاء كبيرا يكاد يصيب المتصفح لها اليوم بالتخمة والغثيان. وكل ذلك راجع إلى ما يطبعها من حشو ونقل حرفي بمختلف عمليات القص واللصق الرقمية الممكنة.
وعلى العموم، فالمعروض الافتراضي من المواد التربوية والتعليمية كثير، ولكن المفيد منه قليل، وأغلبه معاد مكرور ويفتقد في الغالب، إلى حس الإبداع والتجديد؛ سواء تعلق الأمر بالدروس وتطبيقاتها، أو بالأسئلة وأجوبتها، أو بالتمارين وحلولها…

وليس في كلامنا هذا أي تقليل مقصود من قيمة الجهود المبذولة من لدن كل الأشخاص الذين يعملون ليل نهار على صب مواد التربية والتعليم على اختلاف أنواعها ومسمياتها وتخصصاتها في بحر الإنترنت. وكثير من هؤلاء لا يدخر أي جهد فني خاص بتصميم الصفحات والبوابات التربوية من حيث اعتماد آخر صيحات البرمجة الرقمية.
ولكن، ما جدوى كل بناء حقيقي أو افتراضي إذا أُسسا على مضمون ضحل يشبه الفراغ أو فوضى أو عشوائية، أو غياب رؤية واضحة استشرافية.

وخلال الأيام القليلة التي تسبق مواعيد الامتحانات السنوية أو الدورية يزداد إقبال المتعلمين في بلادنا على استهلاك المواد الافتراضية التي لها علاقة بالمنهاج أو المقرر المعتمد لكل فصل أو شعبة أو مسلك في أحد الفروع العلمية أو الأدبية أو التقنية.
وتسطيع بكل بساطة أن ترصد حركة الطلاب والتلاميذ المتزايدة زرافات ووحدانا في اتجاه مواقع التربية والتعليم على الإنترنت خلال تلك الأيام القليلة التي تسبق كل اختبار أو امتحان من خلال ملاحظة مؤشر عداد الزوار للمواقع والمدونات والمنتديات وكل الصفحات الإلكترونية التي تتنافس في تقديم مواد التربية والتعليم بسخاء حاتمي يفوق التصور والخيال؛ فمؤشر عداد زوارها قد يصل في الأيام القليلة التي تسبق كل امتحان مهم أقصى درجات ارتفاعه، بينما يكون في أوقات العطل الصيفية مثلا في أدنى دراجات انخفاضه.

ولعل أهم المواعيد التي تنتظر التلاميذ كل عام موعد امتحان الباكالوريا، أما أهم مواعيد التكوين المستمر لأطر التربية والتعليم فموعد اختبار الترقية وموعد الامتحان المهني، وحيث تعرف المواقع المختصة بمناهج التدريس ومواد الديداكتيك وعلم النفس والبيداغوجيا أقصى درجات الإقبال من لدن رجال التعليم الذين يطمحون إلى تغيير الإطار، أو يطمعون في ربح بعض الوقت عبر الترقي السريع قبل نفاد العمر بدل الانتظار الطويل في طابور الأقدمية.

ولا شك أن كثيرا من وقت ناشئتنا الفتية يمكن أن يضيع هدرا في كل فترة حاسمة من فترات الامتحانات الصعبة في غياب خطة استراتيجية ذاتية محكمة للمتعلم نفسه، أو انعدام توجيه مباشر من مشرفه التربوي، داخل البيئة التربوية أو من قبل ولي أمره داخل البيئة العائلية.

ومع الأسف الشديد، فإن معظم المتعلمين والمتمدرسين يجدون أنفسهم في فترات الامتحانات العصيبة وجها لوجه أمام غابة الأنترنت المتوحشة غير المحمية، من دون بوصلة، ومن غير أدنى توجيه؛ فتتقاذفهم التيارات والرياح في مسلك غير المسلك وفي اتجاه غير الاتجاه، ويسلمون زمام أمرهم إلى محركات البحث الرقمية العشوائية التي قد تصيب الهدف المنشود مرة، وتخطئه عشرات المرات.
ولنا أن نحسب الوقت الضائع من بين أيديهم ومن خلفهم بين نتيجة بحث واحدة صحيحة على الإنترنت مقابل عشرات النتائج الخاطئة، ثم ما بالك بما فوق ذلك كله مما يقتضيه كل مقرر أو منهاج من حيث خطط الفهم والاستدلال والاستنباط والاستنتاج.

صحيح أن الانترنت مفيد لكل متعلم ولكل راغب في التكوين المستمر لأنه يقدم مواد كثيرة للفهم والتحليل والمناقشة، ولكنه لا يستطيع أن يعلمنا في كل الأحوال، كيف نفهم وكيف نحلل وكيف نناقش أو نستنتج…
وقديما، كان قدماؤنا ينتقصون من قدر الرجال الذين يأخذون العلم من بطون الكتب ولا يأخذون العلم من أفواه الرجال فيقولون عنهم: إنهم صحفيون أي يكتفون بالأخذ من الصحف والأوراق؛ لأنهم كانوا يعتقدون بأن العلم الحقيقي هو ما وقر في الصدور.

فهل يعيد الزمن دورته مرة أخرى لنتهم نحن أيضا من يكتفي بالأخذ من محتوى الأنترنت لنقول عنه بأنه (أنترنيتي) ثم ياليته كان صحفيا، فربما هان الأمر وخفت حدة الضرر المنبعثة من وراء شاشة الحاسوب المتصل بخيوط عنكبوتية لا يعرف المتعلم الناشئ من نسجها ولأي هدف، ولا يملك اتجاهها أية إمكانية للمساءلة والنقد والمقاومة، فهو يستسلم لمحتوى الإنترنت استسلام الأعزل المغلوب على أمره.

وحتى لو كان في الأنترنت شر قليل أو كثير فقد أصبح أمرا واقعا لا مفر منه، وربما صار في السنوات القليلة المقبلة بديلا نهائيا عن كل ورقة أو صحيفة. فهل أعددنا العدة الكافية لتمحيص محتوى الأنترنت العربي وتدقيقه وتنظيمه، حتى لا يكون فوضى عارمة وشرا مستطيرا على أجيالنا القادمة، لا قدر الله؟ !!

الأحد، 2 مايو 2010

الثوابت والمتغيرات في الزمن الرقمي.

يختلف الحديث عن موضوع الثوابت والمتغيرات الرقمية باختلاف المُرسِلين والمُستقبِلين وتقنيات الإرسال والاستقبال المستخدمة في كل وقت وحين.

وربما قد لا يستطيع الواحد منا تذكر عدد المرات التي غير فيها جلد حاسوبه الشخصي أو هاتفه النقال خلال السنوات القليلة الماضية جزئيا أو كليا لمواكبة سرعة التطور المتسارع في البرامج وفي أنظمة العرض والتشفير والاختزال والتخزين.

ويفرض كل تجديد في أنظمة التواصل الحديثة قطيعة مع الماضي الرقمي؛ فكل منتج تقني جديد يجُب ما قبله ويلغيه، بحيث لا يصبح القديم منها صالحا للاستعمال إلا بمواصفات بدائية لا يمكن أن تفي بالغرض المطلوب المتجدد على مدار الوقت والساعة شكلا ومضمونا.
فكل حياة رقمية جديدة ما هي في الحقيقة إلا إعلان عن موت افتراضي حتمي وشيك لأجهزة موجودة سلفا عند الناس قبل أن تصاب بالشلل أو بالسكتة الرقمية التي لا وجود بعدها ولا حياة.

لقد أصبح عمر الأجهزة التقنية التي تقع تحت تصرفنا أكثر قصرا من كل وقت رقمي افتراضي مضى؛ وتلك الأجهزة التي نقتنيها أول مرة بشغف المعجب المفتون سرعان ما تذبل في أيادينا قبل أن يمر عليها عام أو شهر أو ربما أقل من ذلك، خاصة وأن كل طفرة تقنية تستدعي منظومة جديدة متكاملة من الأجهزة والوسائل والبنيات التي لا يمكن الإعلان عنها أو عرضها للبيع والاستخدام الخاص أو العام إلا بعد اختبار درجة تفوقها على المنظومات القديمة التي يعمل الخبراء والباحثون والمهندسون على تجاوزها باستمرار بمسافات إضافية جديدة بغية إلغائها ومحو أثرها من السوق الرقمي نهائيا.

ومن هنا، فإن الأزمة التقنية لا تكمن في المنتج التقني الجديد القادم توا من المعامل بكل بريقه وبكل سحره، وإنما في القديم الذي أكل عليه الزمن الافتراضي وشرب। فيكون التخلص منه عبئا جديدا يقض مضاجع المواطنين العاديين فكريا ونفسيا وماديا كلما عاينوا منتجا رقميا جديدا على رفوف المتاجر الفاخرة، أو عبر الوصلات الإشهارية، فيسيل لها لعابهم وتصيبهم الحسرة لقلة ذات اليد. ويعلقون أملهم على الوقت الافتراضي الضائع، في انتظار الإعلان عن تخفيض الأثمان لحظة بوار أو كساد.

ومع الأسف فإن المستخدم العادي هو الذي يدفع في العادة ثمن الفرق بين كل منتج تقني جديد وآخر قديم، وهذا بغض النظر عن مقدار الثمن وكلفته المادية والنفسية.
ويستطيع الواحد منا أن يقرأ أثر التحولات الرقمية المتجددة على تصرفات الناس وسلوكياتهم العاطفية والنفسية والفكرية من خلال طرق تعاملهم مع الهواتف النقالة على سبيل المثال؛ لأنها الأكثر انتشارا بين الناس رغم اختلاف مقاصدهم منها، ولأنها الأكثر تنوعا واختلافا من حيث التقنيات ومن حيث الخيارات اللانهائية المتاحة..

وكثير من الناس عندما يشهرون هواتفهم النقالة أو يلوحون بها في الأماكن العامة ربما قد يختلط لديهم الشعور بالحاجة إلى التواصل عن بعد وبالرغبة في المباهاة وإظهار الوجاهة عن قرب لمن يرونهم في الشارع العام، وخاصة عندما يتعلق الأمر بحيازة أحدهم لأخر طراز ولأخر سلسلة من سلاسل الهواتف المطروحة في السوق.
وتلك السلاسل لن تكتمل حلقاتها الحلزونية المعقدة قبل أن تطوى صفحة وجودنا على هذا الكوكب الرقمي العجيب.

يذكرني وضعنا مع الأجهزة التقنية بقصة بعض العناكب البرية التي يأكل بعضها بعضا لحظة التزاوج لمنح حياة أخرى جديدة محتلفة في الحال والمآل؛ فما أشبه بيئتنا الرقمية ببيئة العناكب حينما تنسج شباكها في الفراغ، وحينما تراود، وحينما تصطاد، وحينما تفترس…
لاحظ معي كيف يقوم التسويق الإلكتروني اليوم على أسلوب الغواية العنكبوتي هذا؛ غواية الألوان الطرية وغواية النعومة وغواية السلاسة وغواية الانسيابية وغواية الرشاقة عندما تطوى تلك الأجهزة على بعضها البعض أو عندما تنحني، أو عندما تستدير.. أو عندما تلفها لك أنثى انتدبتها شركة ما للبيع في ورق مصقول لامع وناعم كالحرير .

الثلاثاء، 23 مارس 2010

الحائط الإلكتروني؛ طريقة جديدة للتواصل المختصر (الورقة الثانية).

الورقة الثانية: في المفهوم التواصلي

لتقنيات التواصل الحديثة قدرة سحرية عجيبة على إلغاء مفهوم المكان من الأذهان؛ فلا الشرق عندها شرق ولا الغرب غرب، وكل خطوط الطول والعرض صارت مجتمعة لديها في حيز واحد، هو حيز شبكات وخيوط وحبال الاتصال العالمي البرية والبحرية ودوائر السليكون وترددات الأمواج الكهرومغناطيسية التي يزدحم بها أثير السماء.

يبدو لي أحيانا كأن زماننا هذا قد ضاق برفيق دربه المكان، فلم يعودا قادرين على تحمل بعضهما البعض، وكل واحد منهما يرجو الفكاك والافتراق ليمضي في حال سبيله متحررا من وطأة صاحبه.
ومن هنا فإن أزمة التواصل الحديثة لا تكمن فقط في عباءتي الزمن والمكان التي تضيق بنا أو نضيق بها حينما نلبسها أو تلبسنا، وإنما أيضا في الدور المزدوج للعملية التواصلية الحديثة التي تتطلب منا أن نكون مرسلين ومستقبلين في نفس الوقت، فلا معنى ولا قيمة لهاتف ثابت أو نقال، أرضي أو فضائي، إذا لم يوجد في الطرف الآخر من خط هاتفنا من يقوم بنفس دورنا، وإلا فإنه يتحول إلى مجرد تحفة تقنية مكملة لديكور البيت، ولك أن تقيس هذا المثال على سائر الوسائط التقنية الأخرى…

وحتى أنظمة التواصل الكلاسيكية الحكومية الممعنة في البرتوكول والرسميات كالراديو والتلفزيون، بدأت تغير جلدها تدريجيا لأنها وجدت نفسها مضطرة إلى التخلي عن دورها القديم أحادي الاتجاه الذي كان يقتصر على البث فقط। وأصبحت لأول مرة تنزل هي الأخرى بمبعوثيها وبالكاميرا والميكروفون إلى الشارع لتستقبل رأي الشارع وصورة الناس البسطاء ومتجددات الحياة العادية والاستثنائية والطارئة.

إن ازدحام شبكة الاتصال العالمي بالمرسلات السمعية والبصرية، يحتم على مستعمليها استحداث طرق وأنظمة عديدة لاختصار تلك المرسلات وطيها مثنى وثلاث ورباع كما يطوى ويثنى الورق على بعضه البعض حتى يصير متناهيا في الصغر..
وقد يطول بنا الحديث إذا وسعنا دائرة البحث في أنظمة التواصل المختصر من قبيل الرسائل النصية الهاتفية القصيرة (SMS)، وأنظمة الدردشة الفورية عبر المواقع الإلكترونية بأبجديتها المعقدة وأيقوناتها المختزلة للمشاعر والأفكار والمواقف، دون أن نغفل أيضا الأشرطة المنسدلة بالطول والعرض وفي كل الاتجاهات على شاشات البث التلفزيوني الأرضي والفضائي، المركزية والجهوية، الحكومية والخاصة… وكل نظام من هذه الأنظمة يتطلب دراسة خاصة.

غير أننا خصصنا هذا الإدراج للحديث عن الحائط الإلكتروني باعتباره طريقة جديدة للتواصل الافتراضي المختصر:
فإذا افترضنا أن المواقع الإلكترونية بيوت خاصة، وأن مفاتيح الولوج إليها تكون بأيدي أصحابها كما أوضحنا ذلك في إدراج سابق، فإن الحائط الإلكتروني لكل موقع أو مدونة أو منتدى هو الجزء الهامشي الخارجي المتاح للزوار حيث يمكنهم أن يسجلوا مرورهم بإضافة تعليق أو تنبيه أو إشارة أو أي حشو بلا معنى أو أي أثر آخر مفاده: (لقد مررت من هنا)، ولو تم ذلك في أحيان كثيرة ببعض الكلمات والعبارات الممتزجة بالسخرية والتحرش والبذاءة، والمغلفة بكثير من الأحقاد الدفينة والأمراض الاجتماعية المتمكنة والعلل النفسية المزمنة، كما هو الحال بالنسبة للكتابة الحائطية الواقعية التي نراها في الخارج عندما نعبر الشارع العام.

فلا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن عوالمنا الافتراضية مليئة بالمرضى والسكارى والمعربدين واللصوص والمطاريد والمتسكعين والمتطرفين والمدمنين والمنبوذين والحمقى والأغبياء بنفس الدرجة التي يكون عليها الأصحاء والمعتدلون والعقلاء والنبهاء والأتقياء والشرفاء إن لم تكن أكثر…

ولو خصصنا يوما واحدا من أيامنا العادية لقراءة تعاليق الزوار العابرين على الجدران والحيطان الإلكترونية لتعرفنا على كثير من الأسرار والنماذج البشرية المختلفة في سلوكها وتصرفاتها وأفعالها وانفعالاتها، وربما عدنا إلى تحليل ودراسة بعض نماذج الكتابات الحائطية الإلكترونية في إدراجات لاحقة.

لكن، هناك جانب آخر إيجابي في هذه الكتابات الإلكترونية الحائطية، فضلا عن أسلوبها المختصر، عند الإشارة إلى خبر أو إدراج عنوان مقال أو رابط، أو التنبيه إلى موعد أو لقاء أو ندوة أو مظاهرة أو استطلاع رأي وغير ذلك من الرسائل القصيرة والإخباريات التي تشبه إلى حد كبير البرقيات في النظام البريدي القديم.

وقد بدأت كثير من المواقع الإخبارية والفنية والثقافية ومن المجلات والصحف الإلكترونية ومواقع التعارف الاجتماعي الكبيرة تفرد مساحة كبيرة للزوار كي يكتبوا ويتعارفوا ويتواصلوا على حيطانها الإلكترونية الخارجية المكشوفة للعموم بالحرف والصوت والصورة.
والحيطان الإلكترونية نوعان: النوع الأول حيطان جماعية حيث يمكن أن يكتب كل زائر أو عابر ما شاء. وميزتها أنك تستطيع أن تتعرف على أساليب الناس في التفكير وفي فهم الأشياء دفعة واحدة، بحيث تستطيع أن تكون من هذه المختصرات صورة متكاملة عن النوايا والدوافع الكامنة وراء كل كلمة أو جملة أو شعار أو حزمة صور أو رسوم …

النوع الثاني حيطان فردية خاصة بأصحابها فقط، كأن يعمد أحد المدونين مثلا إلى حائط خارجي بعيد عن مدونته ليسجل عليه عناوين ومقترحات وروابط ومختصرات لأنشطته الخاصة في الحياة وفي العمل وفي الكتابة والتدوين। وهذا الحائط الإلكتروني الخاص أشبه ما يكون بدفتر يومي لكنه مفتوح أمام أصدقائه وزواره على مدار الساعة ليتابعوا مختلف أنشطته التواصلية مهما كانت بسيطة وعادية؛ كأن يخبر مثلا عن موعد سفر شخصي أو يذكر اسم كتاب فرغ من قراءته أو يقدم اعتذارا أو يستدعي مجموعة من الأصدقاء…وغير ذلك من متجددات الحياة اليومية.
وأكثر المدونين العرب إنما انتسبوا إلى موقع (تويتر) و(فيس بوك) وغيرها من مواقع التدوين المختصر المتخصص ليُعرفوا أكثر في محيطهم الافتراضي.

ومن هنا تأخذ الحيطان الإلكترونية هذا البعد الإشهاري الذي نجده أيضا على واجهات المحال التجارية الفخمة وفي كل ما يحيط بنا من جدران عندما تضيء بالليل لتشع بالحروف والصور والألوان في حركات ضوئية متناسقة، وحتى في سياج المستطيل الأخضر لملاعب كرة القدم عندما تقفز منه الصور والكلمات في حركات بهلوانية رشيقة بديعة قد تذهلك أحيانا عن حركة الكرة التي تتقاذفها وتتلاعب بها أقدام كبار اللاعبين المحترفين.

الجمعة، 19 مارس 2010

الحائط الإلكتروني؛ طريقة جديدة للتواصل المُختصر (الورقة الأولى).

الورقة الأولى: في المفهوم اللغوي للحائط وما جاوره.

إذا رجعنا إلى قواميس اللغة العربية نجد أن كلمة الحائط وردت بمعان ودلالات تقترب مما تفيده كلمات الجدار والسور والسياج، لأنها جميعها لا يمكن أن تسمى بهذه المسميات إلا إذا كانت محيطة بشيء ما أو مشتملة عليه. وإنما تختلف كل واحدة منها عن الأخرى فيما يمكن أن تحتمله من درجات القوة والعلو والمنع والامتداد والعمق أو التجدر في الأرض.

وإذا كان السياج هو الأضعف والأوهى في سلسلة هذه المسميات فإن السور هو الأعظم والأفخم؛ فهناك فرق شاسع بين سور المدينة العالي السميك المتماسك بالحجارة والطوب والجير وسياج الحظيرة الذي يتخذ في العادة من الشوك أو الهشيم.

ولا تسمى الحديقة حديقة إلا إذا أحدق بها أو أحاط بها حائط يمنع الآخرين من تسلقه أو تََسَوٍُره لنهب ما فيها من خضر أو فواكه। ولذلك قد تسمى الحديقة أو البستان مجازا بالحائط من باب التوسع في اللغة العربية، فيقال مثلا: حائط فلان يقصدون بستانه، أما إذا كان البستان من غير سور فهو ضاحية، ومنه ضاحية المدينة، أي: ناحيتها مما يكون خارج السور.

قال عز وجل:( فضُرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب) سورة الحديد، آية 13، إذ شبه الله عز وجل الحاجز بين أهل الجنة وأهل النار بأعظم وأفخم حائط يمكن أن نراه في الدنيا.

ولكل سور أو حائط أو جدار ظاهر وباطن، أو وجه وظهر مثل أي مسطح ورقي صالح للكتابة। أما السور والحائط فظاهرهما هو ما يراه الناس بأعينهم من الخارج فيكون ما بدا منهما شأنا عاما، أما الداخل والباطن منهما مما توارى عن العيون فهو شأن خاص ولا يمكن معرفته إلا بالاقتحام والاختراق، ومن ذلك جدران الغرف داخل البيت الواحد مثلا. ولولا وجود الحيطان لما طمح أهل الفضول والمتطفلون إلى التجسس…

وقد تستخدم هذه الكلمات بصيغ اشتقاقية مختلفة وفي سياقات مجازية। وقد ورد كثير منها في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى (والله محيط بالكافرين) البقرة أية 19؛ أي جامعهم يوم القيامة. وقوله تعالى: (أحطت بما لم تحط به) سورة النمل آية 23: أي علِمته من جميع جهاته، (وأحاطت به خطيئته) البقرة 81 : أي مات على شركه…

أو كقول بعضهم في لغة التحليل الاقتصادي مثلا: (الضرائب الحائط القصير لدى الحكومات الفاشلة)، وفلان حائط قصير: أي سهل التجاوز، ومنه قولنا في التعبير عن الخوف من الرقباء: (للحيطان آذان).

ويمكن في نفس السياق أن نورد أمثلة مرتبطة بدلالات الجدار المجازية كالجدار الرابع في لغة أهل المسرح. وهو الحاجز الوهمي الذي يكون بين الممثلين على الخشبة وجمهور الممثلين في الصالة। وقد قاد المسرحي الألماني الشهير برتولت بريشت ثورة عنيفة ضد المسرح الكلاسيكي لتحطيم هذا الجدار، عندما وجه كامل عنايته إلى الجمهور وأشركه في التمثيل والحوار فأصبح منفعلا وفاعلا في الحدث المسرحي بدل أن يكتفي بالتفرج من بعيد. ويقوم مسرح بريشت، كما هو معروف لدى المهتمين بالمسرح الطلائعي في النصف الأول من القرن الماضي على فكرة التغريب؛ أي تغريب الأحداث اليومية العادية وذلك بجعلها غريبة ومثيرة للدهشة ومحفزة على التأمل والتفكير.

كما يمكن أن نتحدث في نفس السياق عن جدار العار أو جدار الفصل العنصري بين بني البشر: كما كان الحال في جنوب إفريقيا، وكما هو الحال اليوم في فلسطين المحتلة وفي كل أرض عندما يكون النزاع قائما على التفرقة بين اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو أية ذريعة أخرى لطمس هوية الآخر.

كما أننا لا يمكن أن نغفل الحديث هنا عن الجدران والحيطان التي صنعتها الطبيعة بفعل عوامل التعرية من مطر ورياح وسيول وترسبات وانجرافات وزلازل وبراكين।وقد جرى الحديث في معاجم اللغة العربية عن الصوح، (بفتح الصاد وضمها): ويقصدون بهذه الكلمة وجه الجبل القائم أمامنا كأَنه حائط، وصُوحا الوادي: حائطاه المنتصبان كذلك.

ومن المسميات الجديدة المستحدثة في عصرنا مما يرتبط بالتحولات السياسية والاستراتيجية الجدار الفولاذي الذي أقامته الحكومة المصرية الحالية بينها وبين قطاع غزة، والجدار الإلكتروني الذي تعمل إسرائيل على إنشائه الآن بعد أن خاب مسعاها في الجدار الكهربائي الصاعق والجدار الإسمنتي العازل.

غير أن الحيطان لم ترفع قواعدها من الأرض ومنذ فجر التاريخ لتأمين السلامة والحماية فقط لأصحابها، بل لقد تحولت مع مرور الوقت إلى معارض وتحف فنية لما تراكم على واجهتها من حفر ونقش وكتابة وتشكيل.

ومجموع ما يعرض ويكتب على الحيطان من نقوش وكلمات وشعارات يمثل اليوم علما قائما بذاته، وهو علم أوفن الكاليغرافي (Calligraphy)، وهو علم تخصصي له علماؤه وأساتذته.

ولقد كانت الكتابة على الحيطان و على شواهد القبور وعلى الحجارة المنتصبة في طريق المسافرين وحتى على جذوع الأشجار شكلا من أشكال التواصل المكاني، لأنه مرتبط ومحصور في حيز جغرافي ضيق لا يمكن نقله أو تحويله.


وتحتاج المصالح البلدية في كل مدينة من مدن المغرب إلى ميزانية سنوية خاصة لتجديد طلاء الأسوار المحيطة بالمدن والأسواق والمؤسسات العمومية، ومحو ما تراكم عليها من كتابات ومنمنمات ورسوم، وخاصة عند حلول المواعيد الانتخابية.

أما الكلام عن فحوى ومغزى ما يكتب على أسوار المدارس وداخل حجراتها وحيطانها وكراسيها وطاولاتها ومراحيضها فتلك قصة أخرى لن تكتمل في تفاصيلها وأبعادها إلا بدراسة نفسية وسلوكية متخصصة। فكثير من التلاميذ يرون في كل ما يحيط بهم من مسطحات امتدادا لسبورة القسم. لكن ليس لاستظهار بيت من الشعر أو حل معادلة رياضية، وإنما لنشر بعض الشائعات حول أصدقائهم ومدرسيهم، وكتابة أسماء النجوم التي يتعلقون بها وخاصة نجوم كرة القدم وأنديتها المشهورة، وربما حتى كتابة بعض البذاءات اللفظية وبعض السخافات والشتائم والسباب، وكثير من الرسوم المخلة بالحياء العام.


ولو كان ما يكتب أو يرسم على هذا الحائط أو ذاك بالطباشير لهان الأمر، ولكن استعمال علب الصباغة البخاخة يجعل هذا المكتوب أوضح للنظر وأبقى في وجه تقلبات المناخ والدهر.
أما ما يكتب على الحيطان الإلكترونية عبر مواقع التدوين والتعارف الاجتماعي فسيكون موضوع الورقة الثانية.

الجمعة، 12 مارس 2010

على هامش اليوم العالمي لحرية الإنترنت.

لعل أهم ما يميز محتوى الإنترنت أن الناس جميعا يوجدون منه على مسافة واحدة. وهي المسافة الفاصلة بين ضغط زر البحث وإظهار المتصفح الإلكتروني أو المحركات الرقمية للمعلومات أو المواضيع المبحوث عنها. وهذا رغم تباعد الناس في المكان حيث يكونون عند أطراف حواسيبهم المتصلة، ورغم تباين ألسنتهم وألوانهم وأعمارهم ومراتبهم، واختلاف أنماط عيشهم وتفكيرهم. وفي ذلك مظهر من مظاهر الكونية المعرفية والديمقراطية الثقافية التي لم تتح للبشرية جمعاء من قبل.

وقد أصبح اجتماع الناس اليوم عند المواقع والملتقيات الافتراضية في السر أو العلانية أسهل من اجتماعهم في الأماكن الحقيقية المعلومة لدى الدوائر الحكومية؛ إما للدردشة والتسلية أو للمحاورات والمناظرات العلمية والثقافية الجادة، وإما للتنديد والنضال ضد أشكال القمع والفساد والاضطهاد والطغيان والاحتلال، وإما لجمع التوقيعات والتبرعات والمؤازرة، وإما للإثارة والفتنة، وإما لحبك خيوط جرائم التجسس والسطو والمؤامرات والاغتيالات وحتى للعهر والفجور أو الزهد والعبادة. فلا معنى للحياة الافتراضية إلا بوجود الشيء ونقيضه في نفس الوقت، كما هو حال حقيقتنا على أرض الواقع بحلوها ومرها، وبخيرها وشرها، وبصلاحها وفسادها.

فكم عدد المواقع والمدونات والمنتديات التي تتناسل في كل يوم من غير حاجة إلى تصريح رسمي أو فرمان حكومي؟، وكيف يمكن للمتابع العادي وحتى للحكومات بأجهزة رصدها المختلفة أن تجد الوقت والجهد الكافيين لإحصاء كل ما تراكم في العقدين الأخيرين في جوف الانترنت من كل غث وسمين، وتتبع كل شاردة وواردة فيه من حرف أو رمز أو صورة، فضلا عن إمكانية تنظيف محتوى الإنترنت من الأوساخ والعوالق والطحالب قبل نشر كل هذا الغسيل الافتراضي المتبقي وتجفيفه وتقديمه إلى صفوة الصفوة ونخبة النخبة، كأنقى وأنظف وأسلم ما يكون، حسب مزاج الوصي أو الرقيب، وعبر عمليات الفرز الإلكترونية بالغربال والمصفاة…؟!!.

وتتحرك الكائنات الافتراضية في الغالب في شكل جماعي مثل الطيور التي تقع على أشكالها؛ فإذا قلت لهم: أيًَ المواقع تطرق أبوابها سيقولون لك: من تكون. صاروا يعرفونك من آثار أناملك وهي تدوس الأزرار بدل الأقدام، ومن عناوين الوضوعات التي تقرأ أو تـُقرأ لك، ومن الصور التي تًـراها أو تـُريها. ليس هناك شيء يمكن أن يخفى في بيئتنا الافتراضية، فمغناطيسها القوي يجذب حروف أبجديتها الصغيرة، ولو كانت محشورة داخل جبل عظيم من القش والغثاء.

غير أن المحتوى الافتراضي بكل ما فيه من مألوف وشاذ ومستأنس ومستوحش أشبه ما يكون بالمرعى المهمل وبالغابة الاستوائية المطيرة الكثيفة التي يستحيل معها تعيين ناطور عند كل شُجيرة أو أكمة، أو رقيب على رأس كل مدون أو صاحب موقع أو مقهى أنترنت…
وحتى المدونات التي تبدأ كحالات فردية سرعان ما تذوب في المجموع، عندما تتلقفها محاضن التدوين ومجمعاته ومراصيده، وتتصل مع غيرها من المواقع الصغيرة والكبيرة بعمليات التشبيك الإلكتروني، أوحينما ينخرط أصحابها في هيئات تحرير كبرى كالمجلات والجرائد والصحف والكتب الإلكترونية، أو ينضمون إلى أحزاب ونقابات، أو يلتحقون بصفوف الاحتجاجات والتظاهرات الافتراضية والحقيقية، النظرية والعملية…

وإذا كان بوسع الحكومات أن تضبط إيقاع الحياة في الشارع العام وفي كل بيت، وأن تحصي الرؤوس وما حوت والبطون وما هضمت والألسنة وما نطقت…، وأن تكون أجهزة الأمن لديها بمثابة صمام الأمان الذي يحول دون حدوث أي انقلاب أو أدنى تمرد أو انفلات، فإنها من المستحيل أن تضبط حركة الناس الافتراضيين الهلامية، عندما يجتمعون على هذه الصفحة الإلكترونية أو تلك، أو عندما يرسلون موضوعا أو يفشون معلومة أو يكشفون عن سر أو وثيقة أو يبثون تسجيلات بالصوت والصورة بواسطة هواتفهم النقالة على مدار الوقت والساعة، أو حتى عندما يتسللون لواذا عبر النوافذ والأبواب والشقوق الإلكترونية الضيقة ويفرون من حيز افتراضي إلى آخر متوهمين أنهم لم يتركوا أي بصمة أو أثر.

وحتى إذا ما استطاعت الحكومات أن تحجب موضوعات أو معلومات أو صورا في موقع ما داخل بلد ما فإنها ما تلبث أن تظهر في مواقع أخرى وفي بلدان أخرى بأعداد مضاعفة، فيما يشبه (الغـُميضة) أو لعبة المطاردة بين القط والفأر التي يتسلى بها الأطفال، وتلك اللعبة المشوقة المليئة بالغرائب والمفاجآت لا يمكن أن ينفد مخزونها। فكل ممنوع في دنيا الانترنت مطلوب مرغوب، وقد أصبحت المواقع والبرمجيات الخاصة بإظهار المواقع المحجوبة أكثر فعالية وأكثر انتشارا بين المتصفحين ذوي الفضول العالي والخبرة الكافية لفك عقد وطلاسم الحجب والتشفير، مما يستحيل معه محو أي أثر افتراضي نهائيا وعلى وجه التمام، إلا بإلغاء شبكة الإنترنت من الأصل، وتدمير كل الأجهزة الإلكترونية لدى الناس، ورميها في طواحين الرقابة أو في مزبلتها التاريخية إلى الأبد، وذلك من سابع المستحيلات…

وليس هناك ما يحرك البرك الراكدة في دنيا الإنترنت أكثر من حجب موقع أو مصادرة مدون، وليس هناك ما يبعث على السخرية أكثر من غباء بعض الساسة، وليس هناك ما يثير حب الاستطلاع والفضول أكثر من صور وفضائح المشاهير والنجوم في فن التمثيل والغناء والرياضة وحتى في المجون والخلاعة، وحيث يمكن بضربة حظ طائشة أن يصير المجهول معلوما، والمغمور مشهورا…

فأتفه الأمور وأسخفها وأبلدها يمكن أن تتحول بضغطة زر إلى نكتة إلكترونية وإلى صيد افتراضي ثمين يتهافت عليه البصاصون والفضوليون عبر كل الطرق الافتراضية السيارة وغير السيارة، وإلا كيف يمكن أن نفسر هذا التباين العجيب بين العدد الكثير الذي يتقاطر على المواقع السطحية التي تكشف الفضائح وتعرض الصور العارية وتخاطب الحس والغريزة البهيمية، وبين العدد القليل الذي يحج لماما إلى قلة قليلة من المواقع الجادة العاقلة العالمة..

لقد أعـُلن الثاني عشر من شهر مارس كيوم عالمي لحرية الإنترنت ومكافحة الرقابة الإلكترونية. وفي هذا اليوم بالذات، ولكي يكون لهذا الاحتفال معنى بدأت تتعالى أصوات كثير من المدونين الغيورين وأصحاب المواقع العربية الرصينة ليس فقط للمطالبة بهامش مريح من حرية التعبير الافتراضي، وإنما بدعوة جادة للمساهمة في إثراء المحتوى الافتراضي العربي، من باب المسؤولية الأخلاقية تجاه أنفسنا وضميرنا الغائب أو المغيب أولا وتجاه محيطنا المتقلب الذي نعيش فيه ثانيا، وتجاه الأجيال التي ستخلفنا ثالثا. إذ لا يعقل أن نخلف لأبنائنا وأحفادنا مجرد صور عابرة ملتقطة، ونكت فجة ومفارقات وتسالي في الإنترنت وتفاهات في برامج تلفزيون الواقع…

الثلاثاء، 9 مارس 2010

استراتيجيات الكتابة؛ الورقة الثانية.

الورقة الثانية: انتزاع الموضوع.
مع أن ذواتنا أقرب إلى وعينا وإدراكنا وعلمنا من حبل الوريد، فإن انتزاع الموضوعات منها أشق.
وفي العادة فإننا نحكي كثيرا وفي كل حين عن تقلبات أحوال المناخ من حولنا، وعن الغلاء في أسواقنا، وعن حوادث السير على طرقاتنا، وحتى عن ما يجري بعيدا عنا أو في الجوار من كوارث وزلازل ومجاعات وفيضانات وعن كل شيء وحتى عن الفراغ، ولكننا قلما نتحدث عن أحوالنا ولا عن تلك الرجات الخفيفة أو القوية التي تعتمل في داخلنا كبركان خامل، مع أنه متقلب في داخله ومشتعل…

إننا دائما نفضل أن يكون وقع الأحداث والخطوب والأتراح على غيرنا لا علينا، حتى أن كل دول العالم المهددة في خبزها وأمنها ومناخها قد تعلمت أخيرا الدرس وبدأت تنشئ عند كل فاجعة لجنا للطوارئ ووزارات لتدبير الأزمات والنكبات، وكذلك الكلامُ نفضله دوما أن يكون لنا لا علينا، كما في الدعاء المأثور عند هطول المطر الغزير:( اللهم حوالَينا ولا علينا ) وذلك في حديث أخرجه البخاري في باب الاستسقاء.

لقد تعودنا أن نقف في طابور الحياة ونأخذ ما نحتاجه من شُبًَاكها أو نقتات بما تساقط من عيون شِباكها ثم نمضي في حال سبيلنا لنعيش بسلام ولننام وننام حتى نموت وينقطع حِسنا من غير أن نترك أثرا يترتب عليه ألم أو ندم…

لكي تنصت إلى صوتك عليك أن تسكت في داخلك صوت الناس وصوت نشرات الأخبار والطقس وثرثرة المسلسلات الطويلة والأشرطة الصاخبة وأزيز السيارات …। وحتى صوت ذبابة حمقاء تبحث عن حتفها عندما تخترق جدار سمعك الصوتي في حالة استرخاء أو صمت نادر، فتنهض لها بمبيد حشرات رشاش نهضة مفجوع أو موجوع، انتقاما وتعويضا عن الإزعاج الخاطف وبعض الراحة المفقودة…

وحين تنطفئ أضواء الناس في داخلك تلوح أضواؤك متسربلة بألوان قزح الصافية في سماء جمجمتك الصغيرة، حيث تتشابك موضوعاتك وموضوعات الناس والكون، وحيث يمكن إعادة ترتيب كل الأشياء كأنها لم تكن من قبل أو كأنها ولدت من جديد.

ليست هناك عدسة تصوير أدق من مخيلة، ولا آلة أبرع من يد، وكل حدود الكون الفسيح في القرب والبعد والطول والعرض تقع بين طرفيهما.

واللحظة الأولى عند الإمساك بالقلم لانتزاع الموضوعات وصناعة الأفكار هي الأصعب، والخطوة الأولى لاكتشاف العالم عند تعلم أبجديات الحبو والوقوف والمشي هي الأبطأ। ولا يخلو الأمر من رهبة وحيرة، ومن خطأ أو خطر سواء عند انفجار بركان من جوف الأرض أو انطلاق صاروخ منصوب على منصة أو انبعاث فكرة من جمجمة آدمية بحجم بطيخة، لكن لا قعر لها ولا قرار…

والكتابة عن موضوعاتنا أو موضوعات غيرنا أو موضوعات الكون من حولنا، شهادة إثبات على أنها كانت موجودة ومركونة في حيز أو زاوية، والعالم منذ أن كان هو هو وإنما أسماؤه ونعوته وصفاته هي التي تتغير وتتجدد بالنسبة إلى ما هو معلوم منها سابقا، وحتى أسماء الأشياء الجديدة سرعان ما تذبل أمام أنظارنا بسرعة عندما نمل أو نضجر.

وسيبقى حالنا على هذه الأرض كما هو، وحال الأشياء فيها سيبقى مترددا بين قديم وجديد، وقديم جديد، وجديد قديم، تماما كعروض الأزياء النسائية والرجالية، ومعارض السيارات وأجهزة الاتصال وأروقة الكتب الورقية والإلكترونية …।إلى أن يستقدم الآدميون من الكواكب البعيدة معادن أخرى غير المعادن، وماء غير الماء وهواء غير الهواء وترابا غير التراب ونساء غير النساء ورجالا غير الرجال وألوانا غير الألوان، وكلاما غير الكلام، وحروفا غير الحروف…

وفي هذا العقد الجديد من ألفيتنا الثالثة كم واحد منا غير هاتفه النقال وباقي الأجهزة الإلكترونية !. وحتى التلفزيون القديم الذي تربع على عرش غرف الجلوس والاستقبال ردحا من الزمن في بيوتنا قد استحال إلى برواز لوحة جدارية مشعة بالألوان النقية ثلاثية الأبعاد وبالأصوات المجسمة…। لكن فكرة التلفزيون كفكرة ووظيفة وطريقة للتواصل بقيت على حالها… إلى أن يخترع الأدميون عيونا غير العيون وآذانا غير الآذان وألسنة غير الألسنة। وإلى أن يحين ذلك الوقت سيبقى كل ما على أرضنا مما هو مصنوع أو مطبوع امتداد لذات الإنسان وكيانه المحدود بضائقة الزمان وذات اليد وبضيق المكان…

و من كان ينقش بالأمس البعيد حروفه بالإزميل على حجر، هو من كان ينقش حروفه بالأمس القريب على سجل أو دفتر، وهو من يرقن اليوم حروفه المنسدلة على مسطح زجاجي مشع لكن فقط بلمس مجسات إلكترونية استشعارية.

ومع أن الكتابة أثر باق وشهادة إثبات على كل الموضوعات التي ننتزعها من ذاتنا ومن غيرنا ومن عموم الحياة، فإن المحو فيها أكثر، وهذا ما يجعل الكتاب مختلفين عندما يطلب منهم أن يكتبوا في موضوع واحد؛ فالاختلاف يقع فقط في ما يثبته هذا ويمحوه الآخر، فيما يستحضره هذا ويغيب عن ذاك.

وفعل المحو والإثبات هو ديدن سائر الفنانين والمبدعين: فلوحة الرسام مثلا إنما هي بقية ألوان لم تستعمل، ومنحوتة النحات الحجرية هي بقية ما تساقط من قطعة الحجر بعمليات الحفر والنقر والصقل حتى تستوي على هيأة وجه أو شكل أو حركة.
ولذلك تجد الصائغ يفرش تحت مصوغاته عند القطع والخراطة والتلحيم منديلا أو لوحا زجاجيا نقيا حتى يجمع ما تساقط وما تناثر من جزيئات الذهب والفضة والماس ليعيدها إلى دورة إنتاج أخرى عندما تبرق أمامه فكرة جديدة، وفي هذه الأيام بدأت تعمل كثير من مصانع العالم وأوراشه على تدبير النفايات الطبيعية والصناعية…

ونحن أيضا عندما ندون أو نكتب قد يتساقط من حروفنا وكلماتنا قدر كبير لا يصل إلى القارئ بعمليات التنقيح والتحكيك والمراجعة। وأنا أجزم في نهاية هذا الإدراج بأن ما تساقط من حروفه أكثر مما بقي منها، حتى استوى على هذا النحو.

لا يهدأ بال الكاتب المفتون بسحر الكلام حتى يسكن كل حرف من حروفه إلى جاره، ويستقر في مكانه استقرار الجالس المستريح. وعندما ينهي موضوعاته ويرسلها على الشبكة أو ينشرها تصبح ورقة في شجرة المعرفة الإنسانية، فإما أن تثبت بقوة في أغصانها، وإما أن تسقطها الرياح.

الأربعاء، 3 مارس 2010

استراتيجيات الكتابة؛ الورقة الأولى.

الورقة الأولى: اختيار الموضوع، (خواطر بين يدي الموضوع)

سبق لنا أن قدمنا مفهوما عاما للكتابة في إدراج سابق.

أما اليوم فنريد أن نعرض لقضية اختيار موضوع الكتابة، من لحظة كونه جنينا في رحم الفكر أو الخيال إلى لحظة بلوغه الدرجة المقبولة من النضج والاكتمال، ولا نقول الكمال؛ لأن كل شيء مرتبط بعلم الإنسان وإدراكه وخياله فإنما هو نسبي، أي بالنسبة إلى شيء آخر قد ينقص عنه أو يزيد عليه قليلا أو كثيرا.

وفي البداية، لا بد أن نُسلم بأن كل ما يدرك بالحس أو العقل أو التجربة صالح لأن يكون موضوعا للكتابة، بغض النظر عن المحاذير والأسلاك الشائكة المحيطة بنا والخطوط الحمراء الموضوعة أمامنا والسقوف المتينة المرفوعة فوق رؤوسنا، لأن كل شيء موجود فإنما هو يوجد أصلا فينا أو حولنا أو يمر فينا عبر مجساتنا ووسائل إدراكنا المركبة فينا خلقة وجبلة، بغض النظر عن طبيعة الموجودات من حيث كونها حسية أو معنوية، حقيقية أو افتراضية، ومن حيث كونها صغيرة أو كبيرة جليلة أو حقيرة نافعة أو ضارة.

فكيف السبيل إلى التجاهل أو الإنكار أو المجادلة والاستكبار، وكل ما أدركناه بالحس أو الفكر أو الممارسة أو الخيال فقد حزناه وامتلكناه، ولكن بمقدار درجة وعينا الشخصي به، وفي حدود طاقة لغتنا التي ستبقى أداتنا الأولى في التفكير والتعبير رغم طوفان الصور الذي يغمرنا من كل جانب، ورغم سحر تقنيات الصورة وخدع الإخراج التي تجعلها أحيانا أجمل وأبدع من واقع الحياة ومن بيان اللغة؟.

ولو كانت قيمة موضوعات الكتابة تقاس بالحجم أو القوة أو الجدوى أو السرعة لكانت الكتابة عن الفيل مثلا أهم من الكتابة عن النملة، ولكانت الكتابة عن الخبز أجدى، ولكانت الكتابة عن العسل أحلى وأشفى، ولكانت الكتابة عن الحرية أوسع وعن السجن أضيق، ولكانت الكتابة عن الصاروخ أسرع وعن السلحفاة أبطأ، ولكانت الكتابة عن الشجاعة قوة وعن الجبن ضعفا، ولكانت الكتابة عن الوضوء طهارة وعن مبطلاته نجاسة…

إن مشكلة الكتابة حول موضوع ما لا تكمن في الموضوع نفسه كيفما كان أصله أو فصله، وإنما في اختيار الموضوع وفي الملابسات المحيطة به। وتلك الملابسات قد تكون خاصة بالكاتب وحده، وقد تكون عامة يشترك فيها مع كل الناس كما يشترك معهم في الحقوق والواجبات وفي أمهات المصالح والمشكلات، وفي الهواء الذي يتنفسونه وفي الماء الذي يشربونه.

ولو كان الكاتب يكتب عن نفسه ويقرأ لنفسه فقط لهان الأمر، ولما رفعت في وجهه المحاذير وصكوك الاتهام والغفران في كل عصر وفي كل مصر.

إن ما نفكر فيه قبل ارتكاب فعل الكتابة أو جرمها أو إثمها يبقى شأنا خاصا لا يملك أحد الحق في الاقتراب منه أو القدرة على مصادرته، لأنه في حكم العدم أو لنقل في وضعية استعداد للتشغيل (standby) فهو موجود ولكنه غير معلن. إنه موجود بالقوة وليس بالفعل. وربما لهذا السبب فإن معظم ما يفكر فيه الناس باستمرار يضيع في خضم انشغالات الحياة العادية بين أكل وشرب وصحو ونوم وجد وهزل وفراغ وعمل حتى يأتي كاتب ما فيضغط زر التشغيل ذاك، ويحول ما يفكر فيه الناس بحكم العادة إلى موضوع قد يحسبه الناس والمنتقدون والمؤيدون والمعترضون أنه خارج عن المألوف والعادة.

ولكن، قد يحدث أن يتحول مجرد البدء في التفكير إلى تهمة أو مساءلة عندما يكون إلى جانبك شخص آخر يرمقك بنظراته ويقرأ على ظاهر وجهك ما يعتمل في دواخلك وأغوارك। ففي لحظة الشرود قد تفاجأ بهذا السؤال: في أي شيء تفكر، هيا أجب؟ لقد فضحك بريق عينيك وتغيُر لون وجهك , وها قد بدأت أخيرا أولى حروف البوح ترتسم على شفتيك…

غير أن ما تثبته خطوط الكتابة أخيرا وبعد طلق فكري مؤرق ومخاض تحريري موجع عندما تطول بك ساعات الجلوس على مقعد غير مريح، سرعان ما يصبح معروفا بالاسم والصفة لدى أبعد الناس فضلا عن أقربهم، كأي مولود جديد يستحق هوية واسما يكتب في الكنانيش العائلية وفي السجلات والمحاضر الحكومية। غير أن هذا المولود قد يفرحك تارة وقد يغضبك تارة أخرى، وقد يكون سبب نعمة فتنتفع به أو نقمة فتشقى به، وقد يريحك طورا ويتعبك أطوارا॥إنه تعب الكتابة وسهدها لمن يقدرها حق قدرها، ويستقطر رحيق الروح من كلمات ليست كالكلمات…

وهناك فرق كبير بين أن تعيش لوحدك وبين أن تعيش مع الناس، وبين أن تأكل لوحدك وبين أن تأكل معهم من قدورهم وأطباقهم، فأنت في الوضع الأول مختار بينما أنت في الوضع الثاني مساير أو مجامل أو مجبر أو محتار…

فالأعراف والتقاليد والقوانين والأحكام الجاهزة سلفا هي التي تفرض علينا دوما أن نقول في موضوع ولا نقول في موضوع آخر، وأن نتكلم في وضع ونصمت في وضع آخر، وأن نعتبر بما يُعتبر عند الناس، وأن نقتنع بما يُقنعهم بحكم العرف والدين والقانون والعادة.

ولذلك من الطبيعي جدا أن يمر الكاتب قبل اختياره لموضوع ما باختبارات نفسية عسيرة وترشيحات وترجيحات، وقد يتقمص أدوار قراء مختلفين، وحتى دور الرقيب والجلاد، ويطرح أسئلة ويقترح أجوبة حول كل موضوع قيد الاختبار قبل الاختيار..

وربما تطلب الأمر تبييت الموضوع الواحد أو مجموعة مواضيع أياما عديدة حتى ينضج الواحد منها وتفوح روائحه، مما يدفعه إلى التخلص منه سريعا عبر فعل الكتابة، كما يتخلص الجسم من السوائل الزائدة وبقايا الطعام.

والكتابة أخيرا خلاصة كل الخلاصات وعصارة كل العصارات، فمن يقدر أن يقول عن العسل: إنه بُراز النحل أو قيئه॥!! ومن يقدر أن يقول عن الكتابة: إنها بُراز العقل أو قيئ المخ.. لاحظ معي كيف قادتني غواية الكتابة إلى هذه المقارنة الغريبة، وإلى هذا الأسلوب السخيف..!!

ويحس الكاتب بنشوة العائد من سفر طويل، وبراحة من تخلص من نفايات جسمه بعد طول انحباس، عندما يضع نقطة النهاية لموضوع اختاره أو جرب الكتابة فيه، فيخرج من عزلة الكتابة إلى مصافحة وجه الشمس ولقاء الناس.

والكاتب أول من يسعد بكتابته قبل أن يسعد بها غيره لأنه بالضرورة أول قارئ لما كتبت يداه، وأول منتقد لما تتصفحه عيناه. وهذا ما قد ينساه أو يتناساه الناس في العادة.
ولكنه لا يكتفي حتى يكرر فعل الكتابة أو جرمها أو إثمها مرات ومرات كمن تمكنت منه عادة الإدمان…

وحتى إذا ما قرر يوما أن يكتم صوته ويحبس مداد قلمه لحيرة أو نكد أو مرض أو وهن، فإن هاجس البوح يلح عليه في كل مرة، وتصبح الكتابة مع مرور الوقت أشبه ما تكون برياضة الصيد ولعبة المطاردة। فعليك في كل مرة أن ترمي شباك حروفك لتقتنص جديد الأفكار، وطريف الموضوعات…

وهناك ثلاثة أزمنة محيطة بكل موضوع :
زمن أول لاختيار العنوان المناسب؛ فالوقوع على العنوان هو العملة الصعبة لكل كتابة جيدة أو مثيرة، ويمكن صرفها حسب الحاجة وعلى فترات। وقد يتم العثور على العنوان بالصدفة الخارجية من خلال ملاحظة سلوك الناس وتتبع مجريات الأحداث القريبة أو البعيدة، أو بالإلهام الداخلي الذي يشحذ مع مرور الوقت بالخبرة والقراءة المستنيرة والتدريب على تمثل الرؤى والمواقف والحالات.

وتمكن العناوين الكاتب من الهجوم على موضوعاته بسرعة إذا كانت أدوات الكتابة لديه، فالعنوان هو البوصلة التي ترسم معالم الطريق أمام الكاتب وتجنبه التيه والضلال. وربما تطلب الأمر تعديل العنوان جزئيا أو كليا بعد الفراغ من كتابة موضوع ما حتى يكون أكثر دلالة وأكثر إثارة.

وزمن ثان للبسط والعرض، وحيث يمكن للكاتب أن يصول ويجول في مضمار الورق أو على شاشة الحاسوب حتى يستوفي عناصر موضوعه فقرة فقرة، وجزء جزء.

وزمن ثالث غير ثابت للمراجعة، فالعرض أو ل الأمر يكون غير مرتب وغير تام، ولكن المراجعة هي التي تصلح ما اعوج منه بوضع كل فقرة وكل جملة وكل كلمة في مكانها المناسب الذي يتطلبه السياق.

والكتابة مثل البناء لا بد لها من هياكل لغوية قوية تدعمها وتصمد بها في وجه المتغيرات، ولا بد لها من بعض الجماليات الفنية التي تجعلها ذات مزية تتجدد كلما أجلنا فيها الفكر أو جددنا فيها النظر. وللكتابة عن هذا الموضوع بقية.

الاثنين، 15 فبراير 2010

خلاصة تجربتي في الكتابة عن التدوين

بدأت الكتابة عن التدوين العربي منذ ما يزيد عن أربع سنوات، في وقت كانت لازالت مساحة التدوين العربي شبه خالية؛ إذ كان أكثر المدونين بالعربية حينها معدودين معروفين بأسمائهم أو بعناوين مدوناتهم التي تدل على أشخاصهم. وكانت معظم المواقع العربية التي تقدم خدمة الاستضافة المجانية في طور التجريب أو عند إصداراتها الأولى.

أما المواقع الغربية فلم تكن تدعم اللغة العربية إلا بشكل جزئي بسيط لا يكاد يُعتد به. وحتى موقع كوكل الغني عن كل تعريف لم يبدأ في دعم التدوين بالعربية إلا مؤخرا، كما أو ضحت ذلك في إدراج سابق.

ونظرا لتطاول العهد بيننا وبين اللحظات الأولى لظهور التدوين العربي، ربما غابت عن بعض المدونين الجدد الصورة البدائية الأولى التي كان عليها واقع التصفح الإلكتروني منذ عقد واحد أو أكثر من ذلك بقليل، بخلاف ما هو عليه الحال الآن من حيث جودة التقنية ومن حيث السرعة ومن حيث جمالية التنسيق وجاذبية العرض، ومن حيث غنى المحتوى الافتراضي وتنوعه.

وكنت قد كتبت أول إدراج عن التدوين العربي يوم سادس عشر فبراير شباط سنة 2006. أي منذ أربع سنوات كاملة. وهذه المدة وإن عدت، في حساب الزمن الطبيعي، قصيرة فهي في عمر الزمن الافتراضي أطول مما قد يُظن للوهلة الأولى. فأنا شخصيا أعد كل سنة افتراضية بعشر سنوات عادية. نظرا لسرعة التطور التقني التي تشهدها عوالم الاتصال المرتبط من جهة، ونظرا لحجم الامتلاء الهائل الذي يشهده جوف الإنترنت في كل يوم جديد من جهة ثانية. فأي واحد منا اليوم يستطيع أن يحصي عدد من انضم إليه في الفترة الأخيرة من المدونين بالعربية، من كل قطر ومن كل ناحية ؟.

وكان أول موضوع كتبته عن التدوين العربي تحت عنوان:( حديث المدونات العربية.. قراءة أولية في مشهد التدوين العربي. )، بتاريخ 16 فبراير عام 2006. ومنذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا كتبت ما يزيد عن مائة إدراج. وكل إدراج بعنوان مختلف.

ويستطيع القارئ الكريم أن يستعرض تلك الإدراجات بعناوينها المختلفة عن طريق رابطيها المباشرين على العمود الجانبي لهذه المدونة تحت فئة (تصنيف)؛ والأول منهما تحت عنوان:(عن التدوين والمدونات)، أما الثاني المتمم للأول فتحت عنوان: (من وحي الإنترنت).
ولا شك أن الارتباط بين الحديث عن التدوين وبين الحديث عن الإنترنت قوي ومتين، ولايمكن أن تفك أواصره؛ فهو ارتباط الخاص بالعام وارتباط الجزء بالكل؛ فالتدوين جزء صغير معلق في سماء العوالم الافتراضية، وهو نتاجها وابن جلدتها إن صح لنا هذا التعبير.

ولما كانت موضوعات التدوين مختلطة بغيرها من الموضوعات العامة التي شغلتني طوال هذه المدة من عمر هذه المدونة (كلمات عابرة) فقد أفردت لقضايا التدوين مدونة خالصة تحت عنوان: (تدوين التدوين). ويمكن استعراضها أيضا من خلال الرابط التالي.

وقد كانت خطتي في التدوين، باختصار شديد، تقوم على خمسة أهداف أساسية:

الهدف الأول: اختيار العناوين الدالة القادرة على اختزال التفاصيل الكبرى لواقع التدوين العربي ولتجاذباته المختلفة التي تبتدئ من المدون نفسه ومن انفعالاته الذاتية وتنتهي عند تفاعلات الآخرين والمجتمع. وعسى أن تتوضح الرؤى أكثر حول هذه العناوين والمضامين من خلال جهود زملائي في التدوين، خاصة بعد ظهور مواقع ومدونات ومنتديات عربية خاصة بقضايا التدوين العربي في الآونة الأخيرة.

الهدف الثاني: تبسيط المفاهيم عند تحليل الظواهر وعرض المشكلات بهدوء ورزانة بعيدا عن التطاحنات والحسابات ومن غير صخب أو جلبة.

الهدف الثالث: تقريب المسافة بين المدون والقارئ وحثهما على التفاعل الإيجابي بحيث يمكن لهما أن يتبادلا الأدوار ويؤثر أحدهما في الآخر، وبحيث تكون علاقتهما منتجة ومجدية وغير عقيمة أو غوغائية.

الهدف الرابع: الرفع من مستوى التدوين العربي شكلا ومضمونا، حتى لا نفسح المجال أكثر للعابثين والمجانين والمستهترين الذي يعيثون في الفضاء الافتراضي العربي فسادا وانحلالا وانحطاطا.

الهدف الخامس: تيسير العربية بجعلها أداة حية طيعة سلسلة وأنيقة في يد المدون، كما كانت سابقا لدى فطاحل الكتاب والمؤلفين العرب.
أوليس التدوين اليوم، إحدى طرق التأليف والكتابة ولكن بصيغة جديدة استطاعت أن تفرض نفسها وتشق طريقها نحو عوالم النشر الورقي أيضا. فليس هناك كبير فرق بين ما حاوله أسفلافنا وبين ما نحاوله، وبين ما راودهم وبين ما يراودنا الآن من شؤون وشجون، وإنما العبرة في كل وقت، بالإنسان نفسه من حيث هو إنسان، وليست العبرة فقط بالمكان والزمان وبمن تقدم أو تأخر…

وأنا عندما جئت إلى عوالم التدوين كنت أحمل معي همومي وهموم غيري، وفي جعبتي منتهى أملي وما وصل إليه علمي وفهمي وخيالي…
وعسى أن أكون بهذه المدونة المتواضعة قد أفدت، وإلى واقع التدوين العربي قد أضفت. وأن يكون ما أدرجناه فيها مما يحسب لنا لا علينا.
وشكري سيظل موصولا أبد الدهر، كما أسلفت في المقدمات إلى كل من زار أو علق أو تواصل وراسل.

الخميس، 4 فبراير 2010

التكوين المعرفي في خضم التصفح الإلكتروني السريع

التكوين المعرفي في كل زمان ومكان مطلب روحي لرفع بعض حالات الغموض عن العوالم الخفية للذات الإنسانية الفردية ولمحيطها الجمعي العام.

ومنذ القدم شُدت الرحال نحو الآفاق البعيدة للتزود بالمعارف الإنسانية وقطف ثمار العقول البشرية حيثما وجدت.وقد استرخص المرتحلون والمغامرون الأولون في سبيلها أرواحهم وأموالهم، لتبقى خطوط الاتصال المعرفي الإنساني متصلة في الزمان والمكان عبر رسائلهم ومذكراتهم ومصنفاتهم. وإن بقي تداولها في الزمن الأول البعيد عنا محصورا في فئة عالمة مخصوصة قليلة.

أما اليوم، ومع وصول خطوط الاتصال المعرفي إلى كل بيت عبر صبيب الإنترنت المتدفق طول الوقت، فقد أصبح بإمكان كل واحد منا أن يؤسس مملكته المعرفية الذاتية وينشئ مكتبته الافتراضية الخاصة، على حاسوب متصل أو مجرد ذاكرة فلاشية تندس في الجيب مع قطع النقود وسلسلة المفاتيح.

ولم تعد المشكلة اليوم في تحصيل الموارد المعرفية كما كان الأمر مع أسلافنا، لأنها أصبحت متاحة على الشبكة العنكبوتية بكميات هائلة يفنى العمر بأكمله في تحصيلها والسعي وراءها قبل أن ينفد أو ينقطع القليل منها، وإنما المشكلة الكبرى في تدبير تلك المعارف وجعلها ملائمة لمتطلبات الوقت ولحاجات النفس الضرورية قبل الكمالية.

وهكذا، قد يمضي الواحد منا شطرا كبيرا من حياته اليومية في ملاحقة جديد الكتب والصور والتسجيلات الصوتية والحوادث والمفارقات العصرية وحتى النكت اليومية الطرية، عبر المواقع وعبر محركات البحث الإلكترونية، ولكنه لا يمضي إلا وقتا قليلا في القراءة أو في المشاهدة أو في الاستماع، فيضيع على نفسه فرصة التغذية الروحية المفيدة أو الممتعة، وذلك بتثبيتها حيث يمكن أن تتنزل في العقل أو الوجدان…

وفي العوالم الافتراضية، ورغم تجددها المستمر عبر التحديث اليدوي أو الآلي للمواقع والصفحات الإلكترونية، يبدو كأن المعارف المودعة فيها تذبل أمام أعيننا بسرعة، كما منتجات الحليب ومشتقاته المحفوظة بتقنية عالية في رفوف الأسواق التجارية الممتازة، ربما لأن كل شيء فيها محكوم بالسرعة المتزايدة في كل يوم؛ سرعة الاستهلاك قبل بوار منتوج الحليب الطري، إن فات أجله الموعود ولم يعد طريا، وسرعة الصبيب وسرعة استجابة الحواسيب عند فتح النوافذ أو إغلاقها وسرعة اليد التي تتحكم في الفأرة أو في المجسات الإلكترونية على شاشات العرض الزجاجية الملساء من غير أزرار أو نتوءات، وسرعة حدقة العين لدى التصفح والتقليب، وسرعة القفز المستمر عبر المواقع والصفحات الإلكترونية كما يفعل النسناس في الغابة عندما يتنقل بين أغصان الأشجار بحركاته البهلوانية العشوائية…

وربما لهذه الأسباب ولغيرها من العوامل الأخرى الخاصة بكل متصفح على حدة، قد يصعب علينا اكتساب أو فرض عادة مضبوطة مدروسة سلفا لتصفح عقلاني منظم مثمر، لأن العوالم الافتراضية هي في حد ذاتها عوالم غير منطقية، وهي مبنية في جزء كبير منها على العشوائية، عشوائية ترتيب المواقع وعشوائية البحث الإلكتروني الآلي الذي ما زال يعتبر أبناء عبد الواحد، عند البحث عنهم على الشبكة العنكبوتية، كأنهم شخص واحد.

وأخطر ما في الأمر أن الجزء الأكبر من وقتنا يضيع في التصفح والتحليق الافتراضي الذي قد يستمر بنا لساعات طويلة دون أن ننتبه حتى يأخذ منا التعب مأخذه الشديد، فنغادر منصة حاسوبنا المتصل، دون أن نجني فائدة كبرى باستثناء متعة التحليق الهوائي التي تبهرنا وترينا كل شيء من فوق وكأنه قريب منا فإذا هو بعيد، وحتى إذا ما حاولنا استرجاع ما اطلعنا عليه سابقا لم نظفر إلا ببقايا صور مجتزأة وكلمات مقطعة لا يستقيم معها سياق جملة واحدة مفيدة.

وربما هذا حال ناشئتنا اليوم إذا لم نبالغ في التشاؤم؛ فهم يدعون المعرفة بكل شئ يخص تقنية الأزرار ومناورات ألعاب الفيديو، ولكنهم قد لا يعرفون شيئا كبيرا وراء ذلك كله فيما يخص تجارب الحياة اليومية وحقائق؛ وقد يكفي أن تمتحنهم بقطعة إنشاء أو شكل نص أو إعراب جملة عربية بسيطة أو تسألهم أسئلة تاريخية أو جغرافية أو دينية…

وقد بدأت كثير من سلبيات التصفح الإلكتروني السريع تنتقل إلى مجال التصفح الورقي لتعدي حتى المدمنين سلفا على قراءة الكتب الرصينة والمجلات المحكمة ؛ فأصبح أكثرنا ـ نحن المخضرمين ـ لا يطيق قراءة المقالات الصحفية الطويلة وإنما يكتفي بعناوينها ورؤوس أقلامها.

وإذا كنا نحن اليوم لا نصبر الصبر القليل على قراءة عمود واحد مع أننا حديثو العهد بالتكنلوجيا، فمن أين سنأتي بالصبر الجميل حتى نتحمل عبء قراءة كتاب أو باب كامل دفعة واحدة فيما سيستقبل من الأيام عندما ستعم التكنلوجيا وتتحكم في كل حركاتنا وسكناتنا؟.

أظن أن ظاهرة التصفح السريع تنذر بظهور نوع جديد من الأمية الخفية؛ فالمعارف الجديدة لخفتها وسرعة ذوبانها واختفائها قبل الانتفاع بها تنجذب نحو السطح دون أن تتشربها الأرواح والعقول والقلوب، وحيث يمكن أن تتنزل وتحدث الأثر الباقي الساري المفعول.

كنت ولا زلت أومن بأن التصفح الإلكتروني السريع كالرؤية من نافذة القطار الضيقة، تريك أشياء كثيرة ولكنها في الحقيقة لا تريك شيئا، إلا من أحب النزول والسعي بالأقدام والمكوث الطويل عند كل مشهد أو عند كل محطة.

الأربعاء، 27 يناير 2010

الإعلام العربي الجديد وأفق التغيير

لم يعد الإعلام العربي في صورته الجديدة حكرا على الأنظمة العربية الحاكمة وعلى الأحزاب السياسية المؤيدة لها أو المعارضة، وإنما أصبح، بفضل نعم التكنولوجيا ومنجزاتها الهائلة في عالم التواصل، متاحا للجميع مثل الماء والهواء.

لقد سقطت القدسية عن الخبر العربي، وتبخرت كل شعاراته الزائفة في أجواء التحرر الإعلامي الجديد، ونزل الخبر المعظم أخيرا عن عرشه من علياء مؤسسات التحرير الرسمية متخففا من قيود الآداب السلطانية وحرج تقبيل أعتاب وأقدام السادة المبجلين، مترجلا يمشي حافيا عاريا في الشوارع ويتوغل في الحارات حتى اعتاده جميع الناس وصار عندهم في حكم المتاع المشاع مثل الخبز اليومي لكل واحد منا نصيبه المنقوص أو الكامل.

وهاهو الخبر العربي اليوم قد صار مطروحا في الطرقات العنكبوتية العامة مكشوفا مفضوحا، يبثه ويلتقطه من شاء بالصوت والصورة والعبارة.
وقلم المداد المنمق الفاخر الذي كتب به مشاهير الصحفيين الألمعيين أعمدتهم الثابتة في الجرائد الوطنية العربية والحزبية، على مدى نصف قرن أو يزيد ما عاد له نفس الأجر ونفس البريق والجاه.

ويبدو أن بعض الحكومات القائمة على شأن الإعلام في وطننا العربي قد استوعبت دروس التحولات الإعلامية الجديدة، فما عادت على الأقل تطيل نشراتها الإخبارية الرسمية كما كان الأمر في السابق، ربما إشفاقا على معدة المواطن العربي المهترئة أصلا من القرحة الموجعة ومن الذبحة القاتلة بسبب الأحماض والتوابل الزائدة عند إعداد الوجبات الإخبارية العربية الرسمية الحافلة بالتدشينات وبالاستقبالات والتوديعات …

ما أسهل اليوم أن تصبح كاتبا في إحدى الجرائد الإلكترونية أو مقدم برامج في إحدى القنوات الفضائية أو مذيعا في إحدى محطات الإذاعات ... فما عاد الأمر يحتاج إلى تكوين خاص أو ثقافة عالية، وربما كان للصدفة العابرة وللعلاقات الشخصية وللتوافق المزاجي بين هذا الطرف أو ذاك أكبر الأثر في إنشاء جريدة إلكترونية، أو قناة فضائية أو محطة إذاعية جهوية أو غير ذلك من الوسائط الإعلامية التي لا يمكن أن تنتعش اليوم إلا بالوصلات الإشهارية المدفوعة الأجر أو تقتات على مكالمات المستمعين أو المشاهدين الفائضة من رصيدهم لدى شركات الاتصال.

وكثير من المحسوبين على الإعلام العربي المرئي أو المكتوب أو المسموع هم اليوم من أشباه المثقفين وقد لا يتميزون كثيرا عن طبقة العوام الأميين…وقد يكفي أن تتابع برامج المنوعات العربية المبثوتة على التلفاز في بيتك أو على المذياع وأنت تقود سيارتك…

وأخطر ما في الإعلام الجديد هو هذه السلطة الخفية التي صار يمتلكها في قلوب الناشئة الجديدة، سلطة تذعن لها النفوس قبل العقول، وتسخر لها كل معطيات التكنولوجيا والبرمجة الرقمية الحديثة التي كثيرا ما تسحرنا وتبهرنا، فتجعلنا من خلال تقنية الفوتوشوب مثلا نرى صورا غير الصور وحقائق غير الحقائق وعالما فسيحا يمتزج فيه الواقع بالخيال، والصدق بالكذب فنذعن ونتغير من غير شعور من داخلنا قبل خارجنا، وفي سلوكنا وحتى في طريقة كلامنا.

لا شك أن دور الإعلام الجديد في تشكيل الوعي لدى عموم الناس يفوق دور كل مؤسسة تربوية عمومية أو خصوصية ويتجاوز بكثير دور الآباء والمربين والدعاة والحكام وكل الوزارات وكل هيئات المجتمع التقدمية أو الأصولية…

قد ينتابك حرج وأنت تتابع بعض برامج التلفزيون مع أبنائك، وقد يفرون من مكانهم حيث يجلسون أمام التلفزيون حرجا في المرة الأولى، وقد تفر أنت أو تضطر إلى تغيير المحطة، لكن من يضمن لك أن لا تنفض أو لا ينفض أبناؤك من حولك في المرة الثانية، إن لم تجد البديل المناسب عند تغيير المحطة أصلا أو أصروا واستكبروا استكبارا…

قد يغير الإعلام الجديد فينا بعض الشيء حبا في مجاراة الركب، ولكن الإعلام الجديد سيغير في أبنائنا كل شيء لأنهم بحكم الزمن سيكونون في مقدمة الركب.