الخميس، 31 يوليو 2008

السبت، 12 يوليو 2008

من وحي البريد المزعج


التراسل بين الناس قديم قدم الحواس الخمسة المركبة فيهم خِلقة وجبلة. فكل واحدة من تلك الحواس نظام كامل معقد لبث إشارة ما واستقبال أخرى.

وكما لكل حاسة القدرة على فرز الإشارة وتفكيكها وتحليل معطياتها فلها القدرة ذاتها على ترميزها وإخفائها بحيث لا يستطيع فك مجاهلها إلا من أُعطي مفاتح الفهم السرية الأولى لها...

ولم تكن اللغة الشعرية عبر كل العصور الماضية إلا اختزالا منظما لفوضى عوالم المسموعات والمرئيات والمشمومات والملموسات وكل أصناف المذاق الحلو والمر وما بينهما من وسائط لا تعد ولا تحصى.

وستظل هذه اللغة الشعرية على الدوام أهم مرفأ تفرغ فيه البشرية حصاد مدركات حواسها الإنسانية الأولى المتدفقة كجدول رقراق مهما بلغ شأنها من تقدم علمي وتطور آلي تقني...

ومعول الناس الأول عندما يكونون في القرب على حواسهم عندما ينصت بعضهم إلى بعض أو يهمس بعضهم إلى بعض أو يرنو بعضهم إلى بعض أو يتنسم بعضهم عطر بعض ... ولكنهم إذا ما تباعدوا وحل بينهم البين وأطبقت عليهم غيوم الصمت لم يجدوا عن أنظمة البريد والتراسل المستحدثة بديلا.

ومع أن للرسائل المكتوبة بخط اليد قيمة حسية وإنسانية أكبر لأنها تحمل أجزاء من أثر صاحبها: مداد قلمه، وشكل خطه بكل تعرجاته ومنحنياته، وبصمة يده، وربما شذى عطره، وربما بعض خصلات شعره المتساقط داخل المظروف، وطابع البريد لدولة المصدر، وغير ذلك مما يجمل الاحتفاظ به لتأكيد العهد وتوثيق الذكرى...

غير أن انتقال الناس في هذا العصر إلى نظام البريد الإلكتروني الآني يكاد يعصف بمخلفات أنظمة التراسل القديمة، وتكاد صلة الناس بالأقلام وبالطوابع والطرود والأختام البريدية تنقطع ...وتحولت كثير من مصالح البريد الحكومية التي كانت تسهر على تأمين وصول مراسلات المواطنين إلى وجهتها المعلومة إلى ما يشبه الدكاكين لبيع أجهزة الهاتف الثابت والنقال واستخلاص فواتير الاتصال...

ومع الأسف فإن ما يضير مستخدم البريد الإلكتروني رغم حسناته الكثيرة أن يجد نفسه مضطرا في كل يوم إلى كنس بريده وتنظيفه من الرسائل المزعجة التي تكون كثافتها في بعض الأحيان في حجم كثافة الصراصير المتكدسة عند نهاية البالوعات القذرة. فعدد الرسائل المزعجة يفوق في العادة الرسائل المرغوبة بمقدار ثلاثة أضعاف أو أكثر، وإذا تهاون أحدنا في تنظيف بريده لبضعة أيام معدودة فقط فسيجد أن رسائله المحفوظة قد التهمتها تلك الصراصير الإلكترونية وصارت في خبر كان....

لقد أصبح إرسال البريد المزعج تقليدا إلكترونيا لا يقوم به الأشخاص المحترفون لمهنة اللصوصية والتسول الإلكترونيين فقط، بل تقوم به كثير من الشركات الافتراضية الوهمية التي تدس ملايين الرسائل المزعجة معترضة بريد الناس لتستغفلهم وتبيعهم الوهم تارة باسم شركة القمار واليانصيب التي تعد صاحب البريد بالربح الوفير وكأنه الوحيد المعني بالاهتمام، وتارة باسم شركات مزورة لبيع الدواء ومواد التجميل وغير ذلك مما له صلة بعالم الرذيلة ومستلزماتها....

وإذا كان هذا هو حالنا اليوم مع البريد المزعج بعد مرور ثلاثين سنة على إرسال أول رسالة مزعجة غير مرغوبة في الثالث من شهر أيار/ مايو عام ثمانية وسبعين من القرن الماضي . فكيف سيكون واقع بريدنا الإلكتروني بعد مرور ثلاثة عقود أخرى من الآن؟...
________________

إدراجات ذات صلة:
قصص التراسل والمراسلة بين الأمس واليوم

الثلاثاء، 8 يوليو 2008

اللغة العربية وعداوة مُـثقفيها لها

مما ابتليت به اللغة العربية عداوة مثقفيها لها. وقد ظهر هذا العداء منذ وقت مبكر من ظهور الحركات الشعوبية زمن الأمويين والعباسيين، كما هو واضح في شعر بشار وأبي نواس وفيما يحمله فكرهما من تحامل وضغينة لكل ما هو عربي إلى درجة قد تصل في بعض الأحيان إلى الازدراء والسباب والشتيمة.

ثم تولد هذا الابتلاء بصورة جديدة ملفتة للنظر مع قدوم المستعمر الغربي وحلوله بقضه وقضيضه على أرض العرب خلال القرن الماضي.

فعندما ربطت الطبقة الجديدة من المثقفين العرب (الأنكلوفونيين) و(الفرانكفونيين) وجودها بوجود المستعمر ورهنت مصالحها بمصالحه كان من الطبيعي أن تفك ارتباطها بالأصل وأن تعلن القطيعة مع ماضيها العربي وتجاهر بالانسلاخ من جلدها الأول لتحل فيها روح الكيان المستعمر بالكامل لأنها ألفت الرضاعة والنهل من أثدائه.

ومن الأسماء الثقافية المنسلخة التي ينبجس لبن العنصرية الغربية البغيضة من بين شفاهها وعلى أسلة أقلامها نذكر سلامة موسى وعبد العزيز فهمي وسعيد عقل وغير ذلك من الأسماء التي خفقت أعلامها وشعاراتها، وعششت وفرخت في الجامعات والمعاهد، وخلقت لنفسها أتباعا وتلاميذ ونظريات قائمة الذات مسنودة بالدعم المادي والمعنوي وبمباركة المرجعيات الغربية الدينية والفكرية والإيديولوجية والفلسفية، وحتى الفنية والأدبية والإنسانية والحقوقية…

فهاهو سلامة موسى المصري يعلن دونما خجل أو مواربة عن رغبته العارمة في التنصل من الانتساب العربي المشرقي للالتحاق بالنسب الغربي الشريف، وقد بلغت به الجرأة حد المطالبة باستبعاد ثقافة العرب وما يمت إليها بصلة عن مجالات البحث والدرس، يقول: كلما ازدادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له ...، هذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي سرا وجهرا، فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب ...إن الاعتقاد بأننا شرقيون قد بات كالمرض ... وليس علينا للعرب أي ولاء، وإدمان الدرس لثقافتهم مضيعة للشباب وبعثرة لقواهم ...

وها هو ذا سعيد عقل اللبناني يطالب بكتابة اللغة العربية بحروف لاتينية، على غرار صنيع كمال أتاتورك عندما أدار ظهره للعرب وللخط العربي، كما مر معنا في إدراج سابق تحت عنوان:
محنة اللغة العربية مع أساليب الدردشة و (التشات) ...!!

وعلى العموم، فقد كثرت الدعوات وتناسلت الاتهامات التي تمس كيان الشرق الثقافي واللغوي، وطبيعة الرجل الشرقي ونمط تفكيره وسلوكه حتى صار موضع نكتة وطرفة وسخرية في الأدب الغربي وفي إنتاجه الإعلامي التلفزيوني والسينمائي، وحتى في لوحات الرسم والكاريكاتور....

أما اليوم، وبعد أن دخلت أمريكا على هذا الخط العدائي منذ أحداث أيلول سبتمبر المشئومة، فقد جعلت لعدائها لونا جديدا مموها لا يكاد يُرى لمعظم الناس لأنه مخبوء تحت شعارات حالمة منسمة بعطور الحرية والديمقراطية المزعومة التي تدفقت على العالم العربي من بلاد العم سام البعيدة جدا عبر البوارج وحاملات الطائرات. وهنا مكمن الخطورة عندما يكون العداء المبطن معززا ومؤيدا بقوة السلاح.

فقد أرادت أمريكا أن يكون احتلالها للعراق الشقيق مصحوبا باختراق آخر مواز كاسح للعقل العربي وللنفوس العربية من الداخل. وهي، بعد أن أرست ترسانتها العسكرية وأقامت قواعدها الجوية والبحرية والبرية في منطقة الخليج، أرسلت على الشعب العربي كله مددا هائلا من القنوات السمعية والبصرية من فوق عبر بوابات السماء لتعيث فسادا وخرابا في وجدان الأجيال العربية الصاعدة، ولتعيد تشكيلها وقولبتها كما تشاء...

إن ما يبث على مدار الوقت والساعة على محطات (سوا) الإذاعية المبثوثة في كل ربوع الوطن العربي، وقنوات (الحرة) وبعض القنوات الأخرى المحسوبة على أمريكا نهجا وأسلوبا كمجموعة كقنوات ( إم بي سي) وأبو ظبي ودبي وغيرها من برامج التلفزيون الحوارية وبرامج تلفزيون الواقع الأمريكي ومسلسلات وأفلام هوليود وحتى والوصلات الإشهارية للعطور ومساحيق التجميل الأمريكية فضلا عن أجبانها وألبانها ووجبات أكلها السريعة... كل هذا بدأ يؤتي ثماره الخبيثة في وسط كل أسرة عربية من حيث تدري أو لاتدري على مستوى العادات والطباع الجديدة وعلى مستوى اللباس والأكل... والأخطر من ذلك أن يكون التغيير على مستوى الفكر والوجدان.... فهل منا من يتعظ أو يقاوم وينتفض...؟ !!

الجمعة، 4 يوليو 2008

الصيفَ ضيعتِ العربُ الغاز َوالبترولَ


أصل عنوان هذا الإدراج من المثل العربي المشهور: (الصيف ضيعتِ اللبن ).
وقيل في قصة هذا المثل: إن امرأة عربية جميلة تدعى دختنوس بنت لقيط بن زرارة تزوجت رجلا مسنا ذا مال كثير، ثم اختلفت معه فطلقها في وقت كثرة المرعى ووفرة اللبن. وكان أن تزوجت تلك المرأة بعد طلاقها شابا جميلا فقيرا. فلما جاء الصيف اشتهت اللبن غير أنه لم يكن متوفرا إلا عند زوجها السابق، فأرسلت إليه متوددة في طلبه لكنه أبى وقال قولته هذه التي صارت مثلا يجريه العرب على ألسنتهم كلما ضيع أحدهم الفرصة من بين يديه، فإذا طلب حصول تلك الفرصة المنفلتة مرة أخرى لم يسعفه القدر ولم يواته الحظ ولم يجن إلا مرارة الخيبة وحسرة الندامة.

ولهذا المثل دلالة رمزية عميقة لا تفقد صلاحيتها في كل عصر. فيكفي أن نعوض مادة (اللبن) الواردة في المثل بما يماثلها في كل عصر وأوان من اللوازم الضرورية لحياة الناس، كالصحة والتعليم والحقوق والتنمية قبل الماء والخبز، وقبل الغاز والبترول، وقبل السيف والمدفع الرشاش وحتى قبل معامل تخصيب الذرة والقنبلة النووية...

فالأمر نفسه ينطبق على البترول ومشتقات الطاقة الطبيعية الأخرى الآخذة في النضوب. وهاهو مخزون النفط العربي قد أشرف على النفاد دون أن يتحقق للشعوب العربية المغلوبة على أمرها الحد الأدنى لمطامحها الطبيعية في العيش البسيط الكريم الذي أقصا طرفيه: رغيف خبز وقدح ماء، بله أن تتطلع إلى ما فوق ذلك مما تحقق لدى كثير من دول هذا العالم من الرفاهية والديمقراطية وتطور التعليم وازدهار التقنية رغم أن كثيرا من دول الصفوة في هذا العالم لا تملك بئرا واحدة للغاز أو البترول ولا منجما واحدا للذهب أو الفضة ولا حتى للنحاس أو الحديد..

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة ثمن برميل البترول بشكل جنوني في هذه الأيام لتمتلئ خزائن حكوماتنا العربية الريعية بالمال الذي يحفزها على مزيد من الإسراف في البذخ والعيش المخملي الرطب الناعم تزداد يبوسة المواطن العربي وجفافه إلى حد الانكماش، ويتضاعف شقاؤه بلعنة البترول وتوابعه؛ فلم يصب المواطن العربي من كل هذا البترول المتدفق حتى اليوم إلا ذلك الدخان المتراكم في جو السماء الذي يستنشقه عبر عوادم السيارات والعربات ومداخن المصانع والمعامل ليملأ خياشيمه بالسخام ويعرضه لأمراض تنفسية مزمنة. فيكون حاله كحال من يجالس صاحب الكير؛ فإما أن تتسخ ثيابه بالدخان أو تحترق بشرر النار المتطاير.

الخميس، 3 يوليو 2008

صورة المقال المنشور في جريدة (دليل الأنترنت) المغربية


اضغط الرابط أسفله لقراءة المقال بصيغة pdf
1215114715.pdf
أو الضغط الرابط التالي لقراءة المقال الأصلي على المدونة
قطوف تدوينية: (الجزء الأول)

الثلاثاء، 1 يوليو 2008

التدوين كأفق جديد للتنفيس وإثبات الوجود


ليس الواقع الافتراضي إلا نسخة ثانية حديثة لواقع إنساني حقيقي راسخ على الأرض رغم إنكار المنكرين وجحود الجاحدين الذين لازال بعضهم يتوجس خيفة من محتوى ومضمون العوالم الافتراضية إلى درجة قد تجعله أحيانا لا يطيق الاقتراب من الحواسيب الإلكترونية التي تعتبر لوحة المفاتيح منها بمثابة منصة التحكم والقيادة في حركة السيارة عند الانعطاف أو المناورة، كما أوضحنا ذلك في إدراج قديم تحت عنوان الجَفْوَةُ الرقمية .

وعليه فإن العوالم الافتراضية، وإن كان موقعها في الأثير المعلق بين السماء والأرض، فهي ليست معزولة عن الأرض كما قد يتوهم البعض؛ فكل ما في العوالم الافتراضية من مواقع ومدونات ومنتديات يعمل في الحققية تبعا لحركة أصحابها في حياتهم الخاصة المتقلبة بين صبح ومساء، وبين صحو ونوم، ووفق أمزجتهم ونواياهم، وحسب تكوينهم الحسي والجسمي والعقلي والنفسي.

وقد بلغت العوالم الافتراضية في هذه الأيام حدا هائلا من الكثافة والتكدس والامتلاء رغم أن بداية رحلة الناس إلى هذه العوالم الأثيرية كأفراد طبيعيين أو معنويين ممثلين في شركات ومؤسسات وهيئات خاصة أو عامة، حديثة العهد. إذ لم تمهد سبلها الإلكترونية المعقدة ولم يتح استخدامها للخاصة والعامة على نطاق واسع عبر شبكات الاتصال الأرضي والفضائي إلا مع بداية هذه الألفية الثالثة.

ومن يلج العوالم الافتراضية اليوم يشعر كأنها قد بلغت من العمر عتيا، أو كأنها قد تكونت مع بداية تكوين الأرض في زمنها الجيولوجي الأول. فكل ما يخطر على بالك من هواجس وصور وأفكار تجده مطويا بين ثنايا ها وأكثر.

غير أن ما يميز العوالم الافتراضية عدم وجود حد فاصل بين الأمكنة والأزمنة فيها، لأن وسائلها عند السفر أو الإبحار في أعماقها أشبه ما تكون بسفينة الزمن التي تمكن من اختراق حاجز الحقب التاريخية صعودا ونزولا، كما في أفلام الكارتون الحالمة وسينما الفانتاستيك الخيالية الجامحة.

وبما أن وجود الناس على الأرض محدود بضيق المكان وبضيق الأفق وذات اليد وقهر الزمن والسلطة، فقد أصبحت العوالم الافتراضية ملاذا مثاليا للبوح والتعبير في عالمنا العربي كما في العالم أجمع، سواء بالرمز أو بالصوت أو بالصورة المتحركة أو الثابتة، وسواء باللغة العادية المباشرة أو باللغة المجازية الشاعرة.

وعليه، فإن ما يميز العوالم الافتراضية أكثر أنها صارت الأفق الأرحب المتاح اليوم للتنفيس أكثر من قصيدة أو لوحة أو فصول مسرحية أو مثل أو حكمة أو خرافة رمزية.

وقد لا يهم اليوم أن تبحث عن خل وَفِـيٍّْْ عز وجوده في هذا العصر لتفرغ على مسامعه همك وحزنك، أو عمود جريدة لتلقي لديها ببعض عجرك وبجرك بعد التمحيص والتنقيح لكل ما من شأنه أن ...
يكفي أن تفتح موقعا صغيرا أو مدونة أو تنشئ هوامش افتراضية مفتوحة أو مرموزة تثبت أو تمحي فيها في كل يوم ما تشاء.
ومن تابع معي مخاض كتابة هذا الإدراج من أوله إلى نهايته عرف كم عدد الخربشات التي حذفتها والتعديلات التي أضفتها حتى استوى على هذا الشكل النهائي الذي أرسلته على الشبكة العنكبوتية.

وأنا بعدما مارست التدوين واختبرت خباياه ومشاقه لا أنكر على نفسي ما أستشعره في كل يوم من متعة خاصة عندما أتمكن من إضافة إدراج جديد، ولو كآخر إشارة مني على آخر وجود لي موثق أسفل آخر إدراج باليوم والساعة والدقيقة والثانية.

أشعر كأن عقارب الوقت هي التي تكتبنا وتدوننا لا نحن، أوكأن أناملنا الصغيرة هي وسائلها في ذلك. ولو توقفت أناملنا عن النقر وعيوننا عن مصافحة شاشة الحاسوب لانتفى جزء مهم من حقيقة وجودنا في هذا العصر الذي كلما اتسع وتعولم إلا وضاق وازدحم.

الجمعة، 27 يونيو 2008

الكظيمة أم الترموس


الكظيمة من الكلِمات العربية القديمة الفصيحة؛ ومن معانيها التي وردت في قواميس العرب: البئر إلى جانبها بئر، وبينهما مجرى في بطن الوادي. ومن معانيها : بطن الأرض أينما كانت، فهي كظيمة لأنها تحبس ما فيها .
وهذا رجل كظيم قد انطوى على غم أو حزن كبير، قال تعالى ( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ) يوسف / 84. فالحزن على يوسف في الآية الكريمة مكظوم، ويعقوب عليه السلام كظيم لأنه احتوى حزنه الكبير في داخله.

أما الفعل( كظـَم ) فيفيد معنى الاجتراع والرد والحبس أيضا، قال تعالى: ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) آل عمران /134. فقد فسر المفسرون معنى ( الكاظمين) بالحابسين الغيظ لا يجازون عليه، فكأنهم يجترعونه أو يردونه في جوفهم فعل الماشية التي تجترع العشب وترده إلى جوفها.

ومن الدلالات اللغوية الجديدة لكلمة (الكظيمة) التي لا تروج كثيرا في الاستعمال اليومي إطلاقها على آنية حفظ الحرارة المعروفة في لغة العامة ب (الترموس).

ولكن، لشهرة هذه الكلمة الأخيرة ( الترموس ) في أدبيات الأكل والشرب عندنا غاب عن أذهان معظم الناس أن تكون هناك كلمة عربية فصيحة أخرى غير هذه المنحوتة من اللغة الأجنبية يمكن أن تدل على هذا المُنتج الصناعي الذي يحفظ الحرارة للقهوة والشاي وغيرهما من السوائل لبعض الوقت. وحتى إذا عرفوها فكيف لهم أن يتقبلوا استعمالها بديلا عن كلمة (الترموس) المتداولة بكثرة في خطاب الإشهار التلفزي العربي.؟

وإذا تأملنا في الأبعاد العميقة لمدلولات كلمة ( الكظيمة) المشار إليها آنفا فإننا نستنتج أنها أغنى وأعمق في الدلالة بكثير من كلمة (الترموس) الجامدة.

وقد راقني مؤخرا أن أرى بعض المجلات الورقية المهتمة بشؤون المرأة والطبخ ولوازمه قد انتبهت إلى كلمة (الكظيمة) واستعملتها في الدلالة على آنية حفظ الحرارة لكن بنوع من الحذر والاستحياء، إذ لم تستعملها منفردة وإنما جنبا إلى جنب مع نظيرتها الأجنبية (الترموس) الشائعة لدينا في الاستعمال ومكتوبة بحروف لاتينية...

وقد يكفيك بعض الوقت الذي تمضيه داخل مصالح الإدارات العمومية المغربية لتختبر بنفسك كل ما يعتمل بداخلك الذي يشبه جوف الكظيمة أو (الترموس) الذي أحكم غلقه. أقصد اختبار حرارة الاستقبال بالمماطلة والانتظار، وبرودة التوديع بالتأجيل والتسويف .

كم حاجة قـُضيت في أوطاننا العربية بتركها إلى عامل الوقت الضائع من حساب تقدمنا وكرامتنا وعيشنا...
ولولا غلاف الكظيمة السميك الذي يتمتع به المواطن العربي في داخله خلقة واكتسابا لانفجرت آلاف الجسوم العربية المكلومة والمهمومة على الطرقات وعند مصالح وزاراتنا العمومية بسبب حرارة القهر وبرودة الاحتكار وصقيع البيروقراطية.. !!

الجمعة، 20 يونيو 2008

تراجيديا الإسمنت والإسفلت


لم تتميز حياة الإنسان المدنية التي أساسها مدَرٌ وآجرٌ وحجرٌ عن حياة الخيام التي أساسها شَعَرٌ وخيط ووبَرٌ إلا عندما اهتدى منذ وقت مبكر إلى رفع القواعد والجدران والأساسات بالجبس والإسمنت والإسفلت...

ولا زالت كثير من الأبنية القديمة الناتئة القائمة على سطح الأرض من أسوار وصروح ومدرجات وأهرامات صامدة حتى اليوم في وجه متغيرات الدهر وصروفه تحكي أجزاء مخبأة من تفاصيل دراما العيش البشري القديم في السلم والحرب، والسياسة والرياسة، والانتصار والهزيمة، والنعيم والشقاء، والتقوى والنفاق.

إن تراجيديا رفع الجدران والأسوار والأساسات تنبع في كل عصر من التجاذبات والتناقضات القائمة في نفس الإنسان بين الخوف والاطمئنان، والدفاع والهجوم، والهدم والبناء، والموت والخلود، والتدين والإلحاد...

والله وحده يعلم كم عدد المستضعفين الذين قضوا عند الجدران والأساسات أو تواروا خلفها أو اختلط لحمهم ودمهم بموادها، أو انسحقت عظامهم تحت ضغط حجارتها التي لا تشفق ولا تلين، منذ فجر التاريخ حتى اليوم وإلى أن يشاء الله..
وما وقائع نسف أبراج نيويورك الموثقة بالصوت والصورة عنا بغريبة أو بعيدة، ولها في كل يوم أشباه ونظائر صغيرة أو كبيرة بسبب النسف العشوائي العدواني الغاشم وبسبب الزلزال والطوفان وغضب الطبيعة، وحتى بسبب الغش في مواد البناء والخرسانة...

وليست الجدران في يومنا هذا فقط ما ترفعُ قواعدَها الأيادي العاملة أو مقاولات البناء العملاقة التي تسخر أقوى الآلات الرافعة والداعمة والخافضة والناطحة، فتصبح أمرا واقعا ماثلا على سطح الأرض ببريق واجهاتها الزجاجية ومتاجرها الزاهية المتلألئة، وبشموخها الذي يحجب في الأعالي ضوء الشمس بالنهار وهالة القمر بالليل، وإنما أيضا تلك الجدران الوهمية الماثلة في عقول صنف من سكان هذا العالم ووجدانهم لعزل سكان الشمال عن الجنوب ومعسكر الأغنياء المتخمين بالنعيم ووفرة الغذاء عن معسكر الفقراء المطحونين بالجوع والخصاصة...

إنها ترسانة القوانين المحجفة التي يسطرها ويدبجها في كل يوم جديد دهاقنة الرياسة والسياسة وما يدور في فلكهم من أباطرة الاقتصاد والتجارة والمال والمتنفذين والمتزلفين باسم الشرعية الدولية أو بالأحرى باسم شريعة الغاب الدولية التي لا مكانة ولا قيمة فيها للضعفاء والمتخلفين والمهزومين. وتلك القوانين أعتى وأقوى من كل أسلحة الدمار الشامل المخزونة المخبوءة لديها، وهي كفيلة لوحدها لتقوم أيضا مقام كل الجدران العاتية العالية بينهم وبين فقراء وأوباش هذا العالم، ولتقطع الطريق على كل من سولت له نفسه أن ينافس أو حتى أن يحتج أو يتظلم......

ما أشبه سوق السياسة في عالمنا المعولم هذا بأسواق النخاسة القديمة حيث كان يباع العرض والجسد والمتاع، غير أن هذه كانت بالتقسيط وتلك صارت بالجملة.!!
ألم يبع العراق الشقيق بكل شعبه وتاريخه ومجده في سوق النخاسة السياسية الدولية، وتلطخت أيدي المتورطين في هذه الصفقة التاريخية الحديثة المشبوهة بأوضار المصالح والأطماع والفساد، وحتى بدماء الضحايا الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ...؟؟

وفي الوقت الذي يتضاءل فيه حجم الطبيعة الخضراء بسبب اكتساح الاسمنت والإسفلت عموديا وأفقيا وطولا وعرضا، وفي الوقت الذي تمتد فيه ذروع ومجسات أخطبوط العولمة المادية لتلتف على فقراء ومستضعفي هذا العالم وتمسك بخناقهم، وليجتمع عليهم ضيق النفـْس وضيق النفـَـس وضيق ذات اليد... وهلم ضيقا وضغطا وانسحاقا...

ولو لم يكن للإنسان بقية متمنعة من عوالمه الداخلية الخاصة التي أساسها حد أدنى من حلم وخيال لكان شقاؤه مضاعفا كلما ارتطم مرمى نظره في الخارج بحائط أو سياج.

ترى ماذا سيحل بإسان اليوم أو الغد عندما تصبح أجهزة الرقابة والرصد المتطورة لدى حكوماتنا التي أصبحت أشبه ما تكون بالمقاولات السياسية القابضة بيد من حديد، قادرة على اختراق مملكة خيالاتنا الخاصة ليحاسبنا الجلادون ليس فقط على ما نخطه أو نرسمه أو نصوره بالعدسات الإلكترونية، بل حتى على ما يرتسم داخل جدران جماجمنا الصغيرة من وصور وأوهام وخواطر وأحلام....؟ !.

الاثنين، 9 يونيو 2008

قراءة في التدوين العربي المُـنتسب


غابة التدوين العربي.

كثرت المواقع العربية التي تقدم خدمات التدوين المجاني، وكثرت مدونات المنتسبين إليها من العرب وغير العرب الناطقين بلغة الضاد كثرة هائلة جعلت واقع التدوين العربي الراهن يعرف حالة غريبة من التضخم والحشو والامتلاء العشوائي، فصار أشبه ما يكون بالغابة البرية: فيها من الشجر المزهر والمثمر بمقدار ما فيها من السدر والشوك والحنظل، وفيها من التغريد والتطريب بمقدار ما فيها من الزئير والفحيح والصياح، وفيها من الأنس والسكينة بمقدار ما فيها من الوحشة والرهبة.....

ومعلوم أن إتاحة خدمة التدوين المجاني في بعض المواقع العربية السباقة، وإن جاءت متأخرة عن الركب الدولي، كعادتنا في كل شيء، فقد كانت شبه ضرورة حتمية بعد استشراء واستفحال حمى التدوين العالمية.

كما أن خدمة التدوين المجاني المتاحة في بعض المواقع العربية لم تكن كرما حاتميا منها لصالح شريحة كبيرة من المواطنين المغلوبين على أمرهم الراغبين في الكتابة والتعبير عن أنفسهم وانشغالاتهم ممن لا قبل لهم بإنشاء مدونة أو موقع على نطاق خاص مدفوع الأجر، بقدر ما كان ذلك اقتداء واضحا بكبريات المواقع العالمية المشهورة الرائدة في مجال تطوير وتحسين خدمات التدوين المجاني، وبواجهات لغوية متعددة ومنها اللغة العربية أيضا، كما أوضحنا ذلك في إدراج سابق.

هذا فضلا عما يضيفه التحاق عدد هائل من المدونين المنتسبين إلى تلك المواقع العربية من سيولة كبيرة في حركة الزوار والمعلقين؛ فكثيرا ما تكون الغاية الأولى لمعظم تلك المواقع عند إضافة خدمة جديدة هو جلب أكبر عدد ممكن من الزوار، ولو أدى بها الأمر أحيانا إلى تغليب جوانب البهرج الزائف والإثارة الحمقاء والتشهير الهدام على جوانب المضمون الخصب والمحتوى البناء. فليس هناك ما يحبط المشرفين على إدارة المواقع العربية أكثر من نزول مؤشر الزوار إلى الحضيض. ولذلك ينبغي ألا نستغرب عندما نجد خدمة التدوين جنبا إلى جنب مع خدمات الدردشة والتشات وركن الزواج والتعارف وألبوم الأغاني والصور الثابتة والمتحركة وغير ذلك من الشكليات التي تنجذب إليها معظم الكائنات الافتراضية العربية، بسبب وعورة مسلك التعبير بالكلام العربي الفصيح في هذه الأيام.

وهذا من شأنه أن يرسخ في الأذهان صورة مشوشة ومشوهة عن التدوين العربي فتجعله أبعد ما يكون عن عمل الراشدين الواعين المكتوين بجمر الواقع العربي ولظاه، وأقرب ما يكون إلى سلوك المراهقين العابثين الغافلين عن ذواتهم ومحيطهم، وخاصة بعدما تحولت كثير من المدونات العربية إلى نسخ طبق الأصل لواقع المنتديات وغرف الدردشة الحمراء والصفراء من حيث طريقة كتابة الإدراجات ووضع التعليقات...

ومما لاشك فيه أيضا أن كثيرا من المواقع العالمية التي اعتمدت اللغة العربية كواجهة إضافية لمنصة التدوين لديها قد سحبت البساط من تحت أقدام كثير من المواقع العربية التي تقدم خدمة التدوين المجاني أيضا، وإن في الحدود الدنيا لشروط الجودة التقنية التي لا ترقى إلى طموح المدونين العرب ولا تلبي كل رغباتهم، فضلا عن هامش الحرية والمناورة المتاحين للكائنات العربية الافتراضية بشكل محدود، كما في واقع الكتابة الورقية سواء بسواء.

وقد يجري على هذه المواقع الافتراضية ما يجري على بعض شركاتنا التجارية والصناعية والخدماتية التي تعرضت لغزو العولمة والمنافسة الشرسة المحتكمة إلى رأس المال والخبرة التقنية والشفافية العالية، فحكمت عليها وكثير من مؤسساتنا الوطنية العربية العمومية بالإفلاس.

ترى هل الأوان لبعض المواقع العربية التي تقدم خدمة التدوين العربي لتعلن عن إفلاسها الافتراضي أيضا كما يحدث في كل يوم بالنسبة لكثير من شركاتنا العربية التجارية والصناعية والمالية والخدماتية على أرض واقعنا العربي المتهرئ؟ أو لتلغي هذه الخدمة من بوابتها إلى الأبد بعد هذا الرحيل الجماعي الذي يعرفه المدونون العرب إلى عوالم البلوغر وورد بريس مثلا؟...

وليعلم أصحاب هذه المواقع العربية أنهم مسئولون أدبيا وأخلاقيا عن هجرة الطيور المغردة إلى الضفة الأخرى حيث الصفاء والسكينة، بعدما أهملوا حديقة التدوين العربي، وتركوها غفلا لتنمو عشوائيا من غير تهذيب وتنقية وتشذيب...

الأربعاء، 28 مايو 2008

الأرَضَة الإلكترونية


الأرَضَة من أقدم الحشرات التي حافطت على وجودها على سطح هذه الأرض منذ فجر التاريخ حتى الآن. وتسمى بالنمل الأبيض وإن كانت مختلفة عن النمل الحقيقي كل الاختلاف.

وبما أن غذاءها الأساسي يقوم على المواد السليلوزية فمن هنا يمكن أن نتصور حجم الأضرار التي سببتها هذه الحشرة الملعونة عبر تاريخها الطويل للسقوف الخشبية والكتب والأوراق والمواد المخزنة في الصناديق المقفلة والدهاليز المظلمة وحتى في جوف الأرض.

وكل هذا النشاط التخريبي لهذه الحشرة العجيبة يتم في سرية تامة بعيدا عن الضوء والأنظار، إذ يكون متغلغلا في التجاويف المظلمة داخل أجزاء الخشب أو في تضاعيف المخطوطاطات والكتب، ولا يظهر أثرها للعيان إلا بعد أن تأتي على جزء كبير من حاجيات الإنسان .

وفي القرآن الكريم سُميت الأرَضَة على صغر حجمها بدابة الأرض لما يمكن أن توحي به كلمة الدابة في الذهن من المعاني القوية والعبر الدالة.

وقد أوضح الله تعالى لنا في كتابه الكريم قوة هذه الحشرة التدميرية في سياق قصة موت سليمان؛ فعندما قبض ملك الموت روحَ سليمان وهو متكئ على عصاه اختلف قومه في أمره: أميت هو أم حي؟ !، فبعث الله الأرضة التي دبت بسرعة في عصاه. فلما أكلت جوفها انكسرت العصا وخر جسد سليمان. فأيقن الناس بحقيقة موته وأذعنت الجن لعلم الله وحكمته في تدبير شؤون خلقه. وذلك في قوله عز وجل: ((فلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِين)) سورة سبأ/ آية رقم 14. ولفظة منسأته تعني: عصاه.

وهكذا قد يغيب أحدنا عن بيته لبعض الوقت فيجد أن سقفه الخشبي قد خر أرضا وصار فتاتا بسبب الرطوبة المهيجة لنشاط الأرضة، أو يجد أن كرسيه الخشبي المفضل لديه قد أصبح بين عشية وضحاها كومة من غبار، أو من غير قوائم...

وحتى عندما انتقل إنسان هذا العصر من مستوى الحياة الواقعية إلى مستوى الحياة الافتراضية المعلقة بين السماء والأرض أبت هذه الحشرة الملعونة إلا أن تلتحق بمجتمع العوالم الإلكترونية، لكن هذه المرة في هيأة ملفات وبرامح إلكترونية صغيرة الحجم خفية الملامح لتندس خلسة بين المواقع وتتنقل بين الحواسب والأجهزة الرقمية المتصلة فتتلف محتوياتها أو تربك أداءها عند التشغيل والعمل، وتتسلق الجدران العازلة العالية بخفة ورشاقة، وتخترق أعتى برامج الحماية وتقاوم أحدث المبيدات الإلكترونية للطفيليات الرقمية الزاحفة والطائرة.

فكم من المواقع والمعالم والصروح الإلكترونية تخترق في كل يوم لتتداعى حيطانها ودعائمها تحت قضم أنياب القوارض الفيروسية لتتداعى على بعضها البعض ولتذوب وتضيع كنوزها ومدخراتها في الفضاء الإلكتروني الشاسع كالهباء أو كالسراب.