الخميس، 26 أبريل 2012

الإعلام الرقمي وقضية اللغة العربية

لم يكن الخبر متاحا لسكان الأرض مثلما هو اليوم، فهناك عدد لا يحصى من المواقع الإخبارية الرقمية الدولية والوطنية والمحلية التي تتنافس في اقتناص الأخبار وتقديمها لعموم المتصفحين في ذات اللحظة وقبل أن يزول عنها بريق الطراوة…

يذكرني الوضع الإعلامي الرقمي في بلدنا المغرب وفي العالم كله بمشهد بائعي السمك عندما يتفننون في عرض ما جادت به قوارب الصيد أمام أنظار الزبناء كل حسب طريقته في ترتيب السمك وتصنيفه، وحتى عندما يتنافسون في الصياح والمناداة على الزبناء كل حسب أسلوبه ومبلغ علمه أو حيلته…

وكما تحيط ببائع السمك ضائقة الوقت، إذ عليه أن يسرع في بيع سلعته في الصباح الباكر وقبل أن تتوسط الشمس كبد السماء وإلا حلت به الخسارة الكبرى، فكذلك حال محرري الأخبار على المواقع الإلكترونية إذ عليهم أن يكونوا السباقين إلى اصطياد الأخبار الطازجة وتقديمها بسرعة إلى القراء الرقميين قبل أن يحل بها البوار أيضا.

وإذا كانت ضائقة الوقت مبررا معقولا بالنسبة لمحرري أخبارنا الوطنية والمحلية للاعتذار عما يقترفونه من أخطاء في حق لغتنا العربية، فإن هذا العذر لا يمكن أن يكون مقبولا بأي حال من الأحوال وإلا حلت بلغتنا الطامة الكبرى؛ لأن التساهل في الأمر القليل مطية إلى الفساد الأكبر. ولطالما سمعنا من أفواه آبائا المثل المغربي المعروف والذي مفاده أن سمكة واحدة فاسدة كفيلة بأن تفسد كل ما حولها.

لا شك أن مشهدنا الرقمي المكتوب بالعربية موبوء ومليء بالأخطاء والأمراض والعلل، وهو في حاجة ماسة إلى تشخيص عام، بغية وضع خطة عملية للعلاج والتقويم من لدن أهل العلم بقواعد اللغة العربية وأصحاب الاختصاص.

ولا ينبغي أن يفهم من هذا الكلام فرض وصاية لغوية إجبارية على أصحاب المواقع الإخبارية، وإنما هذا الكلام مجرد همسة في الآذان لمن يملك في قلبه وحسه اللغوي غيرة على شأن لغتنا العربية التي لطالما نعتها رواد الصحافة الأوائل بأنها لغة جميلة.

وإننا هنا لا نطلب من محرري الأخبار الرقمية أن يجملوا لغتهم بسحر البيان العربي لأن هذا مطلب عزيز يحتاج إلى مراس طويل بأسرار اللغة العربية، وخاصة في أساليبها الرفيعة المختارة، وإنما فقط مراعاة الحد الأدنى من قواعد الضبط اللغوي؛ من قبيل قواعد الإملاء، وقواعد الإعراب والتقديم والتأخير، أو ما يعرف عند النحاة العرب بقانون الصدارة. هذا القانون الذي يجعل لغتنا العربية تختلف عن لغات جيراننا في أوروبا.

وسأضرب هنا مثالا واحدا فقط على سبيل التمثيل والتوضيح: فعبارة (ممنوع التدخين) الشائعة في تعبيرنا اللغوي العربي المعاصر هي ترجمة حرفية أو بالأحرى استنساخ للوضع اللغوي الفرنسي؛ وإذا كان قانون الصدارة في التعبير الفرنسي يجيز تقديم الخبر على المبتدأ، وإذا كان قانون الصدارة في التعبير الألماني يجيز تأخير الفعل عن الفاعل والمفعول به أيضا، فإن قانون الصدارة في التعبير اللغوي العربي لا يجيز مثل ذلك إلا عند الضرورة القصوى ولاعتبارات بلاغية خاصة يمكن الرجوع إليها في في كتب النحاة. وإذن فالصواب أن نقول: التدخين ممنوع.

وهذا فقط مثال واحد من بين آلاف الأمثلة التي تحتاج إلى إعادة تصحيح وترتيب… ولو عممنا أسلوب الاستنساخ هذا لم يعد للغتنا العربية أصل يعتد به البتة.

وليت هذا الاستنساخ اللغوي الغريب بقي محصورا في الإعلام الرقمي فقط بل أصبح ظاهرة عامة نجدها في الإعلام العربي المسموع والمرئي؛ مثل نشرات الأخبار المعدة سلفا من قبل محررين رسميين موظفين لهذا الغرض، فضلا عن بقية البرامج الحوارية المباشرة والبرامج الترفيهية الحرة، والطامة الكبرى في وصلات الإشهار التي يختلط فيها الحابل بالنابل وحيث يتمثل بصورة صارخة الجهل التام بأبسط قواعد الصحة اللغوية لدى القائمين عليها، والأدهى من ذلك كله أن ينتقل هذا الداء العضال إلى أوساط التلاميذ في المدارس والطلبة في الجامعات.

ولو بذل الإعلام الرقمي والإعلام المسموع والمرئي والمكتوب قليلا من الجهد في الضبط والتصويب اللغويين حتى يصير لديها عادة طبيعة مثل بقية شعوب العالم التي تحترم شعورها اللغوي القومي لكان حال لغتنا اليوم كحال لغتنا عند أول عهدنا بالإعلام والصحافة في نهاية القرن التاسع عشر وفي القرن الماضي عندما كان كبار الصحافيين والإعلاميين هم كبار الكتاب والشعراء أيضا.

وكان الواحد من إعلامييي وصحافيي ذاك الزمن المنقضي يعرف أكثر من لغة أوربية ويتقنها إتقان الأكاديمي المتخصص؛ بحيث يترجم عنها وإليها دون أن يحدث لديه تداخل بين لغة الانطلاق ولغة الوصول، على خلاف ما هوعليه الحال اليوم لدى كثير من المواقع والقنوات والصحف التي تنتسب في الظاهر الى اللغة الأم العربية، وفي الباطن، عند التأمل والتحليل، إلى الفرنسية أو الإنجليزية وغيرهما من اللغات الأمهات في الرضاعة…

الجمعة، 6 أبريل 2012

ملهاة ورواسب افتراضية.


ما يُرى على سطح بحر الإنترت العظيم هو ما تحركه مجاذيف المبحرين القاصدين للهدف والتائهين. الكل يبحث الكل يجري ويلهث.
قلة قليلة تتزود في رحلتها الافتراضية الطويلة وتختار وتحتاط، وأكثرية هائلة تتقاذفها الأمواج من غير تحكم أو سيطرة وتقتات على الفتات.

إنها تراجيديا أو بالأحرى ملهاة افتراضية عجيبة نعيشها اليوم؛ وكل واحد منا له نصيب من مشهدها العام مما يقذفه غيرنا في بحارها ونصطاده نحن بعيون شباكنا الرقمية على الدوام.

ويلتقي أكثر الناس اليوم عند المواقع الاجتماعية الافتراضية الكبيرة في حركة جماعية تشبه حركة سمك السردين في أعالي البحار؛ لا يعنيهم أمر التزود من قوت البحر وكنوزه الثمينة المترسبة التي تحتاج إلى مراس وخبرة طويلة بفنون الغوص في الأعماق، بقدر ما يعنيهم الخوض في الزحام، والتدافع بالأكتاف لتلقي نصيبهم من الغثاء والهلام والزبد الذي يركب بعضه بعضا في السطح المكشوف والمفضوح بعد أن تتقاذفه أيادي المبحرين في كل اتجاه وناحية وتمزقه إربا إربا كما تمزق وتنهش لحوم الأضاحي…

ويكون أكثر هذا الغثاء أوالهلام أو الزبد الطافي إما في شكل نكتة، أو نميمة، أو فضيحة أو مقلب، أو صورة غريبة، أو رسم أو كاريكاتور، أو مونولوج أو دردشة فجة.. وغير ذلك من الفقاقيع الافتراضية التي قد تبهرنا بطراوتها الناعمة ولكنها سرعان ما تخبو ولا يبقى لها أثر يذكر في العقل أو الذاكرة أو الوجدان. وإذا كانت الطراوة هي مبدأ الحياة الجماعية الافتراضية وخاصة عند مواقع التعارف الاجتماعي الكبيرة المعروفة، كما أوضحنا في إدراجات سابقة، فلأن جديدها هو ما يظهر لنا على السطح دوما بالتزامن مع حركة عقارب الساعة بالدقيقة والثانية, أما القديم منها بعض الشيء فسرعان ما يترسب ويرسو في قعر المحيط الرقمي ليتراكم على القديم والقديم جدا، في حركة دائمة تكون كثبانا ورواسب من (الأزبال)، أو بعبارة ألطف وأصح من المتلاشيات الافتراضية التي يكون أصلها إما حرفا مرقونا أو صورا وأصواتا ملتقطة.

وتلك المتلاشيات الافتراضية إذا اجتمعت في حيز واحد ربما تكون بحجم جبال أرضنا وهضابها الحقيقية… ولو حولنا موقع "اليوتوب" لوحده على سبيل المثال إلى أقراص مدمجة ووزعناها على كل بيت معمور لأمكننا أن نملأ كوكبنا الأرضي ضوء وصخبا وضجيجا. ولو ألقيت نظرة على الشارع العام بعد انتهاء ساعات الدرس والعمل لوجدته فارغا، إن وجدت الوقت لاختلاس نظرة خاطفة من نوافذ البيت الحقيقية، بعيدا عن نوافذ الحاسوب الافتراضية؛ فلا أعتقد أن أحدا منا تحدثه نفسه اليوم بالتطلع إلى وجه السماء ليلا ليتفقد حركة نجومها وكواكبها… إذ لا شيء يعلو على حركة الأضواء والحروف والنوافذ الرقمية المنبثقة من أجهزة العرض الرقمية لأنها أضحت، ولو بحجمها الصغير، سماوات تطاول السماء الحقيقية بأضوائها ونجومها وببهرجها وبسحرها أيضا…

الأب والأم والأطفال كل واحد في ناحية يتملى بطلعة سمائه الخاصة التي قد تكون حاسوبا أو لوحا رقميا أو هاتفا فائق الذكاء، والجدة المسكينة وحيدة بلا سماء بعد أن خف بريق عينيها تنادي بصوتها وتحث الجميع على النوم قبل أن يمضي أكثر الليل. وكأنها آخر أوصياء هذا الزمن على ما فاتها من زمن… لا شك أن مواعيد النوم قد تأخرت في أيامنا هذه، لأن عيون الأنترنت لا تنام، ولو أمكن للمبحرين الرقميين أن يبقوا أحياء بغير نوم لما ناموا ولما رف لهم جفن حتى تبقى مقلهم محدقة في تلك السماوات الافتراضية العجيبة على الدوام.

ولا شك أن عادات الغذاء الطبيعية قد تغيرت أيضا؛ فأكثر الناس اليوم ينفضون عن موائد الطعام بسرعة منصرفين إلى حواسيبهم التي تظل في وضعية السبات المؤقت ربحا للوقت، وخاصة في صفوف الأطفال والمراهقين الذين تستبد بهم الحاجة إلى متابعة برامج الألعاب والتسالي الافتراضية إلى درجة قد تذهلهم عن قضاء الحاجات الطبيعية الضرورية والوفاء بالمتطلبات المدرسية مما يتعلق بحفظ الدروس وإنجاز التمارين المدرسية في حينها، وقد يتناسوها ولا يعملون على إنجازها إلا في آخر لحظة أو بعد إلحاح شديد من الآباء أو الأوصياء. فعلا، لقد بدأت الإنترت تغير مجرى حياتنا العادية بدل أن نغيرها، وبدأنا نلائم ظروفنا الحياتية اليومية لظروفها هي مضطرين أو مختارين. وما أخشاه أن تصير الحياة الافتراضية في مستقبل الأيام في المحل الأول، وأن يصير واقع الناس اليومي الحقيقي في المحل الثاني، أو رهينة لزر من الأزرار…..

الأربعاء، 21 مارس 2012

التقنية الرقمية “اللوحية”.


لعل أول ما يلفت النظر في دنيا التواصل الرقمي هو تقلص حجم الأجهزة المعدة لهذا الغرض يوما بعد يوم، بحيث لم تعد تحتل إلا مساحة صغيرة من غرف الجلوس أو العمل أو النوم. وفضلا عن ذلك فهي تلتقط بأصابع اليد الواحدة وتنقل من كف إلى كف وتندس بين الأوراق داخل المحافظ اليدوية وحتى في الجيب، بكل سلاسة وانسيابية لترافق الناس في كل أوقاتهم وفي جميع أوضاعهم وأحوالهم.


وهذه الأجهزة الرقمية التواصلية، على صغرها، لم تعد أحادية المهام؛ بل أصبحت لها وظائف عدة متداخلة ومندمجة ومتفاعلة؛ فجهاز التلفاز، على سبيل المثال، الذي صار في شكله الجديد أشبه ما يكون ببرواز حائطي أنيق ونحيف، لم يعد مقتصرا على الاستقبال فقط، بل مشغلا لكثير من الوسائط السمعية والبصرية أيضا، ومرتبطا بخدمة الإنترنت، ومتفاعلا مع كثير من الأجهزة الأخرى الموجودة بالبيت أو بالفضاء الخارجي عبر أنظمة الاستشعار المختلفة.

أما الهواتف النقالة فصارت لها مهام أكثر تعقيدا وتداخلا واندماجا، لجمعها بين وظائف التلفاز من جهة ووظائف الحاسوب التقليدي المعروفة ووظائف الوسائط السمعية البصرية على اختلافها وتنوعها أيضا، مع قدرة متزايدة على الحفظ والتخزين…


وقد أوجدت البيئة الرقمية لنفسها مصطلحات جديدة لوصف كثير من أجهزة الاتصال التي غدت نحيفة أكثر من أي وقت مضى؛ ولعل أبرزها:


مصطلح: "الكفية" نسبة إلى الكف. وهو مصطلح قديم وقد أطلق على نوع خاص من الهواتف المتطورة أو "الذكية" التي زودت بكثير من خدمات وبرامج الحاسوب التقليدي المعدلة تعديلا خاصا يتلاءم مع طبيعة هذه الأجهزة وسرعتها في الإقلاع حتى غدت في نهاية المطاف تنافسها منافسة قوية، وخاصة فيما يخص برامج تحرير النصوص وعرضها وبرامج الإبحار في الشبكة وبرامج تحرير الصور وتشغيل الفيديو والألعاب، وغير ذلك من البرامج التي لا يمكن أن تعد أو تحصى…


أما مصطلح "اللوحية" فنسبة إلى مستطيل لوحي أملس. وربما سميت الأجهزة "اللوحية" كذلك لأنها الأنحف من حيث السمك، وإن كانت مستطيلاتها أعرض مقارنة بحجم الهواف النقالة العادية أو سمكها أيضا أو حتى وزنها، كما أنها لا تتوفر على أزرار ناتئة، باستثناء زر التشغيل الذي لا يكاد يرى من الوهلة الأولى.


إن طفرة الأجهزة الرقمية اللوحية التي تذهلنا اليوم بأناقتها ونحافتها مثل طفرة الهواتف النقالة التي أذهلتنا في وقت سابق قد ناهز العقدين، مع قياس الفارق طبعا…


وإن الانتقال إلى تقنية العرض اللوحي النحيف الرشيق من حيث الشكل قد رافقه في نفس الوقت تطوير مذهل على مستوى مضمون هذه الأجهزة وتطبيقاتها المتنوعة التي تغطي كثيرا من جوانب حياتنا العلمية والثقافية والاجتماعية والرياضية والترفيهية وحتى الطبية والنفسية وغير ذلك. هذا فضلا عن أدائها العالي مما يجعلها فعلا أكثر اقترابا من المسطح الورقي الذي سجل عليه أجدادنا آمالهم وآلامهم ونقوشهم ومنمنماتهم التي خلدت نظرتهم إلى الكون من حولهم.

وربما لن يكون، في مستقبل الأيام، فرق كبير فرق بين هذه الأجهزة اللوحية وبين أية قطعة ورقية عادية عندما ستصبح قابلة للطي أيضا مثنى وثلاث ورباع لتندس هي الأخرى كما تندس الأوراق والهواتف العادية في الجيب….


وفي نهاية المطاف، ليست كل هذه الأجهزة الرقمية القديمة منها والجديدة إلا امتدادا لرأس الإنسان الصغير بما يشتمل عليه من مخ وسمع وبصر، ولوعيه بذاته وبالعالم من حوله، عاقلا أو مجنونا، مذهولا أو مفتونا..

الأربعاء، 18 يناير 2012

خيار العودة إلى الوضع الأول

"دوام الحال من المحال". هذا ما تعارف عليه الناس ودلت عليه التجارب منذ أن وعت البشرية حقيقة وجودها على هذا الكوكب العجيب.

ومع ذلك يبقى هناك، في نفس كل إنسان، حنين دائم إلى استعادة وضع ما أو مجموعة أوضاع سابقة مريحة ومحببة كان فيها هذا الإنسان منسجما مع ذاته ومع نفسه ومع محيطه قبل كل تغير طارئ، ولو تم ذلك الاسترجاع من طريق الحلم والخيال أو الفن أو الكتابة والتدوين…

ونستطيع هنا أن نضرب أمثلة عديدة من الحالات والأوضاع الفردية والجماعية قبل أن تدور عليها دوائر الأيام وتتعرض إلى الاختلال أو الفساد؛ من قبيل المرض بعد الصحة، والعجز بعد القدرة، والشدة بعد الرخاء والفشل بعد النجاح، والاختلاف بعد الاتفاق، والحرب بعد السلام وهلم جرا وعدا.

وحتى الطبيعة من حولنا وما عليها من مخلوقات وكائنات وجمادات لا تسلم من دواعي الدهر، بفعل اختلال بسيط في الهواء أو التربة أو الضغط أو الحرارة أو الرطوبة…

وإذا ما انتقلنا إلى عوالمنا الافتراضية بكل ما تعج به من أجهزة وبرامج وتطبيقات ووسائط وأدوات تحكم واستشعار…، فإنها لا تكاد تستثنى من هذه القاعدة أيضا، لكونها من صنع إنسان خلق أصلا من ضعف. ولذلك فهو محكوم على الدوام بضرورة مواصلة التعلم والتدريب وتكرار التجارب لعله يتغلب على ضعفه وعلى جهله وعلى نقصه وحتى على موجة الغباء التي قد تعتريه في بعض الأحيان.

فأي فرق إذن بيننا نحن ـ معشر الآدميين ـ وبين هذا الكم الهائل من المنتجات الافتراضية الآلية التي تشبهنا كثيرا في ملامحنا وفي تصرفاتنا وفي صفاتنا، والتي تقوم فيها الأسلاك والدوائر الكهرومغناطيسية الموصلة وشبه الموصلة مقام شبكة الشرايين الدموية الحيوية التي تتخلل أجسامنا ؟.

وفي الوقت الذي يحتاج فيه الآدميون إلى عمليات جراحية بالغة الكلفة بالاستئصال أو الزرع أو التعويض أو بالعقاقير لاستعادة جزء يسير من أوضاع صحية طبيعية زودهم بها الخالق لحظة خروجهم من الأرحام، لا تحتاج كثير من الأجهزة الإلكترونية التي نستخدمها في حياتنا اليومية إلا إلى ضغطة زر واحدة لاستعادة وضعها الافتراضي العادي عند خروجها الأول من أرحام المصانع أيضا.

وخيار العودة إلى الوضع الافتراضي الأول التي تزود به كثير من الأجهزة الإلكترونية التي نستخدمها في حياتنا اليومية، وأبسطها الهاتف النقال على سبيل المثال، حل سحري عجيب للتغلب على كثير من المشكلات التقنية والوظيفية لتلك الأجهزة، عند سوء الاستعمال من لدن المستخدم الذي ليست له خبرة أو معرفة كافية بأمور التشغيل والبرمجة والعرض والتحكم، وهي كذلك أيضا حتى بالنسبة لخبراء التقنية عند وقوع خطأ تقني عارض، أو عند تداخل البرامج والتطبيقات أو عدم تلاؤمها مع نوعية الأجهزة أو السلسلة أو الإصدار.

هذا موضوع شائك يختلط فيه ما هو إنساني بما هو آلي، وما هو نفسي حار بما هو آلي بارد، وتمتزج فيه المنافع والمضار دفعة واحدة.

ترى، هل يأتي على الإنسان حين من الدهر يصبح فيه جسم الإنسان وعقله مزودين بخيار العودة إلى أي وضع مثالي يختاره عن قصد وترصد من تجارب ذاتية سابقة أو آنية أو متوقعة؟

لنا عودة مفصلة إلى هذا الموضوع في تشعباته المختلفة، ولو بعد ابتعاد طويل غير مقصود عن هذه المدونة، فمعذرة إلى جميغ قراء وزوار (كلمات عابرة).


الجمعة، 2 يوليو 2010

وماذا بعد شبكة الإنترنت العادية …!؟

ربما كان هذا السؤال الوارد في العنوان أعلاه، سابقا لأوانه في هذه اللحظة التي أكتب فيها هذا الإدراج لأن عهد البشرية بالإنترنت ما زال غضا طريا، ولم يخرج بعد من طور البحث والتجريب.

ومع ذلك بدأ كثير من الناس يصابون بنوبات ملل افتراضية قد تصل بالبعض إلى درجة الجفاء والقطيعة، وأصبح أقصى ما يطلبونه تصفح جديد بريدهم الإلكتروني بضعة دقائق لينفضوا سريعا عن حواسيبهم المتصلة زاهدين في بضاعة الإنترنت الأخرى المزجاة..

ويبدو الوضع حاليا بالنسبة لمن عايش تطور شبكة الإنترنت منذ نشأتها الأولى حتى اليوم، كما لو أنها استنفدت كل ما في جعبتها بعد أن أدت وظائفها الأساسية التي لا تكاد تخرج عن تأمين اتصال سريع بالحرف والصوت والصورة أو استعراض محتوى معين للفائدة أو المتعة أو التسلية أو حتى لمجرد الفضول، أو تخزين محتوى معلوم إلى أجل غير معلوم، فضلا عن هامش كبير متاح على مدار الساعة للقراصنة وقطاع الطرق والمتسكعين والمتسولين على عتبات بريدنا الإلكتروني وفي كل أماكن التعارف الاجتماعي العالمي.

وإذا ما حللنا الوظائف الأساسية للإنترنت: أقصد وظائف الإرسال والاستقبال ووظائف التسليم والاستلام فإنها لا تخرج عن طبيعة وظائف البريد العادي التي ما زالت قائمة بمنشآتها وبشبابيكها وبسعاة البريد الذين يجوبون الأرض جيئة وذهابا على دراجاتهم البخارية أو الهوائية أو حتى على الأقدام، يحملون الرسائل والطرود إلى أصحابها ويسلمونها لهم يدا بيد وبعد دق جرس الباب وإلقاء التحية، أو وظيفة عون البنك الذي يسلم الأموال أو يستلم الصكوك بعد فحص التوقيعات والتأكد من هوية الزبناء، أو وظيفة ناشر أو صاحب مطبعة أو كشك مركون في زاوية ينقل محتوى معين من مؤلف إلى قارئ، أو حتى متسول يسأل الناس إلحافا عند بوابة مسجد أو مدخل سوق أو محطة للمسافرين…
فماذا يمكن أن يقدم الانترنت أكثر غير تأمين الاتصال السريع وتقديم كثير من الخدمات الضرورية أو الكمالية دون مغادرة الناس لبيوتهم صوب محل تجاري أو بنك أو مكتبة أو بريد أو مصلحة حكومية…، أو بالأحرى ما ذا ينقص شبكة الإنترنت حتى لا يصاب كثير من مستخدميها بالقنوط والملل؟.

صحيح أن الإنترنت دنيا أخرى متوارية خلف شاشة الحاسوب، وهي تشبه دنيانا الحقيقية بل تكاد تكون لها نسخة ثانية مجانية كبضاعة كاسدة، غير أنها بدون لون ولا نكهة ولا روائح ولا توابل، ولا حس ولا نبض غير نبض الموجات الكهرومغناطيسية المتدفقة عبر الأسلاك وعبر أثير السماء، عندما نشغل جهاز الحاسوب، ونربط الاتصال بالشبكة.
فواقع الإنترنت حاليا واقع جامد رغم كل ما يعج به من أشلاء الصور المقززة التي تشمئز منها النفوس، أو الصور الكاملة المفضوحة إلى درجة العري والعهر والابتذال.

ويسعى المهندسون اليوم في الجامعات والمعاهد المتخصصة في نظم المعلومات والحاسبات وشبكة الاتصال العالمي لإخراج شبكة الإنترنت من حالة الجمود هاته عن طريق ضخ بعض الدماء الحيوية الجديدة في شرايينها، لتصبح أكثر جدة وشبابا؛ فمصيبة الإنترنت أنها تشيخ بسرعة، لذلك عليها أن تغير جلدها في كل دورة ألف مرة، كما تفعل الحيات خلال مراحل عمرها عندما تتخلص من جلدها القديم الذي يضيق عنها فتنزعه نزعا، لتكسب جلدا طريا انسيابيا ثم تعود فتطرحه في العراء في فترة تحول تالية.

وقد كثر الحديث في هذه الأيام عن دورة حياة جديدة للإنترنت، وهي دورة مثيرة حقا إذا ما تجسدت (نسبة إلى الجسد) وتأنسنت(نسبة إلى الإنسان)، وقد تكون خطوة فريدة من نوعها إذا ما قدر للانترنت أن تهجم علينا، كما يفعل العدو المتربص أوتحضننا، كما كل أم رؤوم، أو تغمرنا كما يغمرنا الليل، أو تفضحنا كما يفضحنا ضوء النهار، وخاصة مع ظهور الجيل الثالث من الإنترنت، حيث بدأت بعض المواقع تدخل مرحلة جديدة قادرة على انتشال الشخص من واقعه الحقيقي لتقذف به في عوالم غريبة ثلاثية الأبعاد أشبه ما تكون بالعوالم الأخرى العجائبية، أقصد عوالم ما وراء الحقيقة وما وراء الطبيعة.

ترى، كيف سيكون واقع حالنا عندما ستغمرنا الانترنت قريبا بمحتوى رقمي جديد لا نراه أو نسمعه أو نقرأه فقط وإنما نشمه ونتذوقه ونلمسه؟. وعندها ستبدأ مرحلة أخرى من الكتابة والتدوين الجديد لا أعرف بالضبط كيف ستكون. ولكنها على كل حال ستتجاوز معطيات التراسل القديم بالنصوص والصور والرموز والأيقونات بمسافات بعيدة إلى التراسل بمعطيات حواسنا الخمسة دفعة واحدة. وعندها سيصبح في إمكاننا أن نتحسس افتراضيا حرارة من نصافحهم عن بعد، أو حتى أن نصفعهم باليد على الخد أو القفا عن بعد أيضا بدل أن نهجوهم بالكلام أو نسخر منهم بالرسم والصورة والكاريكاتير.

وعندما ستحقق هذه الأحلام أو الأوهام يمكن عندها أن نقول عن شبكة الإنترنت إنها قد دخلت دورة النقمص من أوسع أبوابه لتماثل دور الإنسان في أقواله وحركاته وفي أفعاله وفي انفعالاته أيضا. لكنها ستكون من طينة غير طينته، وربما قد تتفوق عليه فتستخدمه بدل أن يستخدمها وتطلبه إلى الحرب والسلم واليقظة والنوم بدل أن يطلبها إلى ذلك.
وما أتمناه في نهاية هذا الإدراج أن لا أكون قد تجاوزت حدود الكلام المعقول إلى ما يشبه حلم اليقظة أو الهذيان.

الأربعاء، 19 مايو 2010

الإنترنت عند مواعيد الامتحانات

صار للبيئة التعليمية في بلادنا المغرب، كما في بقية بلدان العالم، وجهان: أحدهما واقعي يكون بوجود المقررات والمناهج المعتمدة من لدن الوزارات الوصية وبحضور المتعلمين والأساتذة كأشخاص ذاتيين حاضرين بلحمهم وشحمهم داخل الفصول والحجرات والأقسام النظامية.

أما الوجه الثاني فهو كل ما انعكس في البيئة الافتراضية مما له علاقة بأمور التعليم والتحصيل، سواء في شكل مواقع تربوية وتعليمية تابعة لمؤسسات التربية والتعليم العمومي أو الخاص، أو في شكل مواقع ومنتديات ومدونات خاصة بالتلاميذ والطلبة والأساتذة وكافة الأطر التربوية والإدارية.

وقد عرفت البيئة التعليمية الافتراضية في بلادنا، وخلال سنوات قليلة ماضية لا تتجاوز عند العد أصابع اليدين، امتلاء كبيرا يكاد يصيب المتصفح لها اليوم بالتخمة والغثيان. وكل ذلك راجع إلى ما يطبعها من حشو ونقل حرفي بمختلف عمليات القص واللصق الرقمية الممكنة.
وعلى العموم، فالمعروض الافتراضي من المواد التربوية والتعليمية كثير، ولكن المفيد منه قليل، وأغلبه معاد مكرور ويفتقد في الغالب، إلى حس الإبداع والتجديد؛ سواء تعلق الأمر بالدروس وتطبيقاتها، أو بالأسئلة وأجوبتها، أو بالتمارين وحلولها…

وليس في كلامنا هذا أي تقليل مقصود من قيمة الجهود المبذولة من لدن كل الأشخاص الذين يعملون ليل نهار على صب مواد التربية والتعليم على اختلاف أنواعها ومسمياتها وتخصصاتها في بحر الإنترنت. وكثير من هؤلاء لا يدخر أي جهد فني خاص بتصميم الصفحات والبوابات التربوية من حيث اعتماد آخر صيحات البرمجة الرقمية.
ولكن، ما جدوى كل بناء حقيقي أو افتراضي إذا أُسسا على مضمون ضحل يشبه الفراغ أو فوضى أو عشوائية، أو غياب رؤية واضحة استشرافية.

وخلال الأيام القليلة التي تسبق مواعيد الامتحانات السنوية أو الدورية يزداد إقبال المتعلمين في بلادنا على استهلاك المواد الافتراضية التي لها علاقة بالمنهاج أو المقرر المعتمد لكل فصل أو شعبة أو مسلك في أحد الفروع العلمية أو الأدبية أو التقنية.
وتسطيع بكل بساطة أن ترصد حركة الطلاب والتلاميذ المتزايدة زرافات ووحدانا في اتجاه مواقع التربية والتعليم على الإنترنت خلال تلك الأيام القليلة التي تسبق كل اختبار أو امتحان من خلال ملاحظة مؤشر عداد الزوار للمواقع والمدونات والمنتديات وكل الصفحات الإلكترونية التي تتنافس في تقديم مواد التربية والتعليم بسخاء حاتمي يفوق التصور والخيال؛ فمؤشر عداد زوارها قد يصل في الأيام القليلة التي تسبق كل امتحان مهم أقصى درجات ارتفاعه، بينما يكون في أوقات العطل الصيفية مثلا في أدنى دراجات انخفاضه.

ولعل أهم المواعيد التي تنتظر التلاميذ كل عام موعد امتحان الباكالوريا، أما أهم مواعيد التكوين المستمر لأطر التربية والتعليم فموعد اختبار الترقية وموعد الامتحان المهني، وحيث تعرف المواقع المختصة بمناهج التدريس ومواد الديداكتيك وعلم النفس والبيداغوجيا أقصى درجات الإقبال من لدن رجال التعليم الذين يطمحون إلى تغيير الإطار، أو يطمعون في ربح بعض الوقت عبر الترقي السريع قبل نفاد العمر بدل الانتظار الطويل في طابور الأقدمية.

ولا شك أن كثيرا من وقت ناشئتنا الفتية يمكن أن يضيع هدرا في كل فترة حاسمة من فترات الامتحانات الصعبة في غياب خطة استراتيجية ذاتية محكمة للمتعلم نفسه، أو انعدام توجيه مباشر من مشرفه التربوي، داخل البيئة التربوية أو من قبل ولي أمره داخل البيئة العائلية.

ومع الأسف الشديد، فإن معظم المتعلمين والمتمدرسين يجدون أنفسهم في فترات الامتحانات العصيبة وجها لوجه أمام غابة الأنترنت المتوحشة غير المحمية، من دون بوصلة، ومن غير أدنى توجيه؛ فتتقاذفهم التيارات والرياح في مسلك غير المسلك وفي اتجاه غير الاتجاه، ويسلمون زمام أمرهم إلى محركات البحث الرقمية العشوائية التي قد تصيب الهدف المنشود مرة، وتخطئه عشرات المرات.
ولنا أن نحسب الوقت الضائع من بين أيديهم ومن خلفهم بين نتيجة بحث واحدة صحيحة على الإنترنت مقابل عشرات النتائج الخاطئة، ثم ما بالك بما فوق ذلك كله مما يقتضيه كل مقرر أو منهاج من حيث خطط الفهم والاستدلال والاستنباط والاستنتاج.

صحيح أن الانترنت مفيد لكل متعلم ولكل راغب في التكوين المستمر لأنه يقدم مواد كثيرة للفهم والتحليل والمناقشة، ولكنه لا يستطيع أن يعلمنا في كل الأحوال، كيف نفهم وكيف نحلل وكيف نناقش أو نستنتج…
وقديما، كان قدماؤنا ينتقصون من قدر الرجال الذين يأخذون العلم من بطون الكتب ولا يأخذون العلم من أفواه الرجال فيقولون عنهم: إنهم صحفيون أي يكتفون بالأخذ من الصحف والأوراق؛ لأنهم كانوا يعتقدون بأن العلم الحقيقي هو ما وقر في الصدور.

فهل يعيد الزمن دورته مرة أخرى لنتهم نحن أيضا من يكتفي بالأخذ من محتوى الأنترنت لنقول عنه بأنه (أنترنيتي) ثم ياليته كان صحفيا، فربما هان الأمر وخفت حدة الضرر المنبعثة من وراء شاشة الحاسوب المتصل بخيوط عنكبوتية لا يعرف المتعلم الناشئ من نسجها ولأي هدف، ولا يملك اتجاهها أية إمكانية للمساءلة والنقد والمقاومة، فهو يستسلم لمحتوى الإنترنت استسلام الأعزل المغلوب على أمره.

وحتى لو كان في الأنترنت شر قليل أو كثير فقد أصبح أمرا واقعا لا مفر منه، وربما صار في السنوات القليلة المقبلة بديلا نهائيا عن كل ورقة أو صحيفة. فهل أعددنا العدة الكافية لتمحيص محتوى الأنترنت العربي وتدقيقه وتنظيمه، حتى لا يكون فوضى عارمة وشرا مستطيرا على أجيالنا القادمة، لا قدر الله؟ !!

الأحد، 2 مايو 2010

الثوابت والمتغيرات في الزمن الرقمي.

يختلف الحديث عن موضوع الثوابت والمتغيرات الرقمية باختلاف المُرسِلين والمُستقبِلين وتقنيات الإرسال والاستقبال المستخدمة في كل وقت وحين.

وربما قد لا يستطيع الواحد منا تذكر عدد المرات التي غير فيها جلد حاسوبه الشخصي أو هاتفه النقال خلال السنوات القليلة الماضية جزئيا أو كليا لمواكبة سرعة التطور المتسارع في البرامج وفي أنظمة العرض والتشفير والاختزال والتخزين.

ويفرض كل تجديد في أنظمة التواصل الحديثة قطيعة مع الماضي الرقمي؛ فكل منتج تقني جديد يجُب ما قبله ويلغيه، بحيث لا يصبح القديم منها صالحا للاستعمال إلا بمواصفات بدائية لا يمكن أن تفي بالغرض المطلوب المتجدد على مدار الوقت والساعة شكلا ومضمونا.
فكل حياة رقمية جديدة ما هي في الحقيقة إلا إعلان عن موت افتراضي حتمي وشيك لأجهزة موجودة سلفا عند الناس قبل أن تصاب بالشلل أو بالسكتة الرقمية التي لا وجود بعدها ولا حياة.

لقد أصبح عمر الأجهزة التقنية التي تقع تحت تصرفنا أكثر قصرا من كل وقت رقمي افتراضي مضى؛ وتلك الأجهزة التي نقتنيها أول مرة بشغف المعجب المفتون سرعان ما تذبل في أيادينا قبل أن يمر عليها عام أو شهر أو ربما أقل من ذلك، خاصة وأن كل طفرة تقنية تستدعي منظومة جديدة متكاملة من الأجهزة والوسائل والبنيات التي لا يمكن الإعلان عنها أو عرضها للبيع والاستخدام الخاص أو العام إلا بعد اختبار درجة تفوقها على المنظومات القديمة التي يعمل الخبراء والباحثون والمهندسون على تجاوزها باستمرار بمسافات إضافية جديدة بغية إلغائها ومحو أثرها من السوق الرقمي نهائيا.

ومن هنا، فإن الأزمة التقنية لا تكمن في المنتج التقني الجديد القادم توا من المعامل بكل بريقه وبكل سحره، وإنما في القديم الذي أكل عليه الزمن الافتراضي وشرب। فيكون التخلص منه عبئا جديدا يقض مضاجع المواطنين العاديين فكريا ونفسيا وماديا كلما عاينوا منتجا رقميا جديدا على رفوف المتاجر الفاخرة، أو عبر الوصلات الإشهارية، فيسيل لها لعابهم وتصيبهم الحسرة لقلة ذات اليد. ويعلقون أملهم على الوقت الافتراضي الضائع، في انتظار الإعلان عن تخفيض الأثمان لحظة بوار أو كساد.

ومع الأسف فإن المستخدم العادي هو الذي يدفع في العادة ثمن الفرق بين كل منتج تقني جديد وآخر قديم، وهذا بغض النظر عن مقدار الثمن وكلفته المادية والنفسية.
ويستطيع الواحد منا أن يقرأ أثر التحولات الرقمية المتجددة على تصرفات الناس وسلوكياتهم العاطفية والنفسية والفكرية من خلال طرق تعاملهم مع الهواتف النقالة على سبيل المثال؛ لأنها الأكثر انتشارا بين الناس رغم اختلاف مقاصدهم منها، ولأنها الأكثر تنوعا واختلافا من حيث التقنيات ومن حيث الخيارات اللانهائية المتاحة..

وكثير من الناس عندما يشهرون هواتفهم النقالة أو يلوحون بها في الأماكن العامة ربما قد يختلط لديهم الشعور بالحاجة إلى التواصل عن بعد وبالرغبة في المباهاة وإظهار الوجاهة عن قرب لمن يرونهم في الشارع العام، وخاصة عندما يتعلق الأمر بحيازة أحدهم لأخر طراز ولأخر سلسلة من سلاسل الهواتف المطروحة في السوق.
وتلك السلاسل لن تكتمل حلقاتها الحلزونية المعقدة قبل أن تطوى صفحة وجودنا على هذا الكوكب الرقمي العجيب.

يذكرني وضعنا مع الأجهزة التقنية بقصة بعض العناكب البرية التي يأكل بعضها بعضا لحظة التزاوج لمنح حياة أخرى جديدة محتلفة في الحال والمآل؛ فما أشبه بيئتنا الرقمية ببيئة العناكب حينما تنسج شباكها في الفراغ، وحينما تراود، وحينما تصطاد، وحينما تفترس…
لاحظ معي كيف يقوم التسويق الإلكتروني اليوم على أسلوب الغواية العنكبوتي هذا؛ غواية الألوان الطرية وغواية النعومة وغواية السلاسة وغواية الانسيابية وغواية الرشاقة عندما تطوى تلك الأجهزة على بعضها البعض أو عندما تنحني، أو عندما تستدير.. أو عندما تلفها لك أنثى انتدبتها شركة ما للبيع في ورق مصقول لامع وناعم كالحرير .

الثلاثاء، 23 مارس 2010

الحائط الإلكتروني؛ طريقة جديدة للتواصل المختصر (الورقة الثانية).

الورقة الثانية: في المفهوم التواصلي

لتقنيات التواصل الحديثة قدرة سحرية عجيبة على إلغاء مفهوم المكان من الأذهان؛ فلا الشرق عندها شرق ولا الغرب غرب، وكل خطوط الطول والعرض صارت مجتمعة لديها في حيز واحد، هو حيز شبكات وخيوط وحبال الاتصال العالمي البرية والبحرية ودوائر السليكون وترددات الأمواج الكهرومغناطيسية التي يزدحم بها أثير السماء.

يبدو لي أحيانا كأن زماننا هذا قد ضاق برفيق دربه المكان، فلم يعودا قادرين على تحمل بعضهما البعض، وكل واحد منهما يرجو الفكاك والافتراق ليمضي في حال سبيله متحررا من وطأة صاحبه.
ومن هنا فإن أزمة التواصل الحديثة لا تكمن فقط في عباءتي الزمن والمكان التي تضيق بنا أو نضيق بها حينما نلبسها أو تلبسنا، وإنما أيضا في الدور المزدوج للعملية التواصلية الحديثة التي تتطلب منا أن نكون مرسلين ومستقبلين في نفس الوقت، فلا معنى ولا قيمة لهاتف ثابت أو نقال، أرضي أو فضائي، إذا لم يوجد في الطرف الآخر من خط هاتفنا من يقوم بنفس دورنا، وإلا فإنه يتحول إلى مجرد تحفة تقنية مكملة لديكور البيت، ولك أن تقيس هذا المثال على سائر الوسائط التقنية الأخرى…

وحتى أنظمة التواصل الكلاسيكية الحكومية الممعنة في البرتوكول والرسميات كالراديو والتلفزيون، بدأت تغير جلدها تدريجيا لأنها وجدت نفسها مضطرة إلى التخلي عن دورها القديم أحادي الاتجاه الذي كان يقتصر على البث فقط। وأصبحت لأول مرة تنزل هي الأخرى بمبعوثيها وبالكاميرا والميكروفون إلى الشارع لتستقبل رأي الشارع وصورة الناس البسطاء ومتجددات الحياة العادية والاستثنائية والطارئة.

إن ازدحام شبكة الاتصال العالمي بالمرسلات السمعية والبصرية، يحتم على مستعمليها استحداث طرق وأنظمة عديدة لاختصار تلك المرسلات وطيها مثنى وثلاث ورباع كما يطوى ويثنى الورق على بعضه البعض حتى يصير متناهيا في الصغر..
وقد يطول بنا الحديث إذا وسعنا دائرة البحث في أنظمة التواصل المختصر من قبيل الرسائل النصية الهاتفية القصيرة (SMS)، وأنظمة الدردشة الفورية عبر المواقع الإلكترونية بأبجديتها المعقدة وأيقوناتها المختزلة للمشاعر والأفكار والمواقف، دون أن نغفل أيضا الأشرطة المنسدلة بالطول والعرض وفي كل الاتجاهات على شاشات البث التلفزيوني الأرضي والفضائي، المركزية والجهوية، الحكومية والخاصة… وكل نظام من هذه الأنظمة يتطلب دراسة خاصة.

غير أننا خصصنا هذا الإدراج للحديث عن الحائط الإلكتروني باعتباره طريقة جديدة للتواصل الافتراضي المختصر:
فإذا افترضنا أن المواقع الإلكترونية بيوت خاصة، وأن مفاتيح الولوج إليها تكون بأيدي أصحابها كما أوضحنا ذلك في إدراج سابق، فإن الحائط الإلكتروني لكل موقع أو مدونة أو منتدى هو الجزء الهامشي الخارجي المتاح للزوار حيث يمكنهم أن يسجلوا مرورهم بإضافة تعليق أو تنبيه أو إشارة أو أي حشو بلا معنى أو أي أثر آخر مفاده: (لقد مررت من هنا)، ولو تم ذلك في أحيان كثيرة ببعض الكلمات والعبارات الممتزجة بالسخرية والتحرش والبذاءة، والمغلفة بكثير من الأحقاد الدفينة والأمراض الاجتماعية المتمكنة والعلل النفسية المزمنة، كما هو الحال بالنسبة للكتابة الحائطية الواقعية التي نراها في الخارج عندما نعبر الشارع العام.

فلا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن عوالمنا الافتراضية مليئة بالمرضى والسكارى والمعربدين واللصوص والمطاريد والمتسكعين والمتطرفين والمدمنين والمنبوذين والحمقى والأغبياء بنفس الدرجة التي يكون عليها الأصحاء والمعتدلون والعقلاء والنبهاء والأتقياء والشرفاء إن لم تكن أكثر…

ولو خصصنا يوما واحدا من أيامنا العادية لقراءة تعاليق الزوار العابرين على الجدران والحيطان الإلكترونية لتعرفنا على كثير من الأسرار والنماذج البشرية المختلفة في سلوكها وتصرفاتها وأفعالها وانفعالاتها، وربما عدنا إلى تحليل ودراسة بعض نماذج الكتابات الحائطية الإلكترونية في إدراجات لاحقة.

لكن، هناك جانب آخر إيجابي في هذه الكتابات الإلكترونية الحائطية، فضلا عن أسلوبها المختصر، عند الإشارة إلى خبر أو إدراج عنوان مقال أو رابط، أو التنبيه إلى موعد أو لقاء أو ندوة أو مظاهرة أو استطلاع رأي وغير ذلك من الرسائل القصيرة والإخباريات التي تشبه إلى حد كبير البرقيات في النظام البريدي القديم.

وقد بدأت كثير من المواقع الإخبارية والفنية والثقافية ومن المجلات والصحف الإلكترونية ومواقع التعارف الاجتماعي الكبيرة تفرد مساحة كبيرة للزوار كي يكتبوا ويتعارفوا ويتواصلوا على حيطانها الإلكترونية الخارجية المكشوفة للعموم بالحرف والصوت والصورة.
والحيطان الإلكترونية نوعان: النوع الأول حيطان جماعية حيث يمكن أن يكتب كل زائر أو عابر ما شاء. وميزتها أنك تستطيع أن تتعرف على أساليب الناس في التفكير وفي فهم الأشياء دفعة واحدة، بحيث تستطيع أن تكون من هذه المختصرات صورة متكاملة عن النوايا والدوافع الكامنة وراء كل كلمة أو جملة أو شعار أو حزمة صور أو رسوم …

النوع الثاني حيطان فردية خاصة بأصحابها فقط، كأن يعمد أحد المدونين مثلا إلى حائط خارجي بعيد عن مدونته ليسجل عليه عناوين ومقترحات وروابط ومختصرات لأنشطته الخاصة في الحياة وفي العمل وفي الكتابة والتدوين। وهذا الحائط الإلكتروني الخاص أشبه ما يكون بدفتر يومي لكنه مفتوح أمام أصدقائه وزواره على مدار الساعة ليتابعوا مختلف أنشطته التواصلية مهما كانت بسيطة وعادية؛ كأن يخبر مثلا عن موعد سفر شخصي أو يذكر اسم كتاب فرغ من قراءته أو يقدم اعتذارا أو يستدعي مجموعة من الأصدقاء…وغير ذلك من متجددات الحياة اليومية.
وأكثر المدونين العرب إنما انتسبوا إلى موقع (تويتر) و(فيس بوك) وغيرها من مواقع التدوين المختصر المتخصص ليُعرفوا أكثر في محيطهم الافتراضي.

ومن هنا تأخذ الحيطان الإلكترونية هذا البعد الإشهاري الذي نجده أيضا على واجهات المحال التجارية الفخمة وفي كل ما يحيط بنا من جدران عندما تضيء بالليل لتشع بالحروف والصور والألوان في حركات ضوئية متناسقة، وحتى في سياج المستطيل الأخضر لملاعب كرة القدم عندما تقفز منه الصور والكلمات في حركات بهلوانية رشيقة بديعة قد تذهلك أحيانا عن حركة الكرة التي تتقاذفها وتتلاعب بها أقدام كبار اللاعبين المحترفين.

الجمعة، 19 مارس 2010

الحائط الإلكتروني؛ طريقة جديدة للتواصل المُختصر (الورقة الأولى).

الورقة الأولى: في المفهوم اللغوي للحائط وما جاوره.

إذا رجعنا إلى قواميس اللغة العربية نجد أن كلمة الحائط وردت بمعان ودلالات تقترب مما تفيده كلمات الجدار والسور والسياج، لأنها جميعها لا يمكن أن تسمى بهذه المسميات إلا إذا كانت محيطة بشيء ما أو مشتملة عليه. وإنما تختلف كل واحدة منها عن الأخرى فيما يمكن أن تحتمله من درجات القوة والعلو والمنع والامتداد والعمق أو التجدر في الأرض.

وإذا كان السياج هو الأضعف والأوهى في سلسلة هذه المسميات فإن السور هو الأعظم والأفخم؛ فهناك فرق شاسع بين سور المدينة العالي السميك المتماسك بالحجارة والطوب والجير وسياج الحظيرة الذي يتخذ في العادة من الشوك أو الهشيم.

ولا تسمى الحديقة حديقة إلا إذا أحدق بها أو أحاط بها حائط يمنع الآخرين من تسلقه أو تََسَوٍُره لنهب ما فيها من خضر أو فواكه। ولذلك قد تسمى الحديقة أو البستان مجازا بالحائط من باب التوسع في اللغة العربية، فيقال مثلا: حائط فلان يقصدون بستانه، أما إذا كان البستان من غير سور فهو ضاحية، ومنه ضاحية المدينة، أي: ناحيتها مما يكون خارج السور.

قال عز وجل:( فضُرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب) سورة الحديد، آية 13، إذ شبه الله عز وجل الحاجز بين أهل الجنة وأهل النار بأعظم وأفخم حائط يمكن أن نراه في الدنيا.

ولكل سور أو حائط أو جدار ظاهر وباطن، أو وجه وظهر مثل أي مسطح ورقي صالح للكتابة। أما السور والحائط فظاهرهما هو ما يراه الناس بأعينهم من الخارج فيكون ما بدا منهما شأنا عاما، أما الداخل والباطن منهما مما توارى عن العيون فهو شأن خاص ولا يمكن معرفته إلا بالاقتحام والاختراق، ومن ذلك جدران الغرف داخل البيت الواحد مثلا. ولولا وجود الحيطان لما طمح أهل الفضول والمتطفلون إلى التجسس…

وقد تستخدم هذه الكلمات بصيغ اشتقاقية مختلفة وفي سياقات مجازية। وقد ورد كثير منها في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى (والله محيط بالكافرين) البقرة أية 19؛ أي جامعهم يوم القيامة. وقوله تعالى: (أحطت بما لم تحط به) سورة النمل آية 23: أي علِمته من جميع جهاته، (وأحاطت به خطيئته) البقرة 81 : أي مات على شركه…

أو كقول بعضهم في لغة التحليل الاقتصادي مثلا: (الضرائب الحائط القصير لدى الحكومات الفاشلة)، وفلان حائط قصير: أي سهل التجاوز، ومنه قولنا في التعبير عن الخوف من الرقباء: (للحيطان آذان).

ويمكن في نفس السياق أن نورد أمثلة مرتبطة بدلالات الجدار المجازية كالجدار الرابع في لغة أهل المسرح. وهو الحاجز الوهمي الذي يكون بين الممثلين على الخشبة وجمهور الممثلين في الصالة। وقد قاد المسرحي الألماني الشهير برتولت بريشت ثورة عنيفة ضد المسرح الكلاسيكي لتحطيم هذا الجدار، عندما وجه كامل عنايته إلى الجمهور وأشركه في التمثيل والحوار فأصبح منفعلا وفاعلا في الحدث المسرحي بدل أن يكتفي بالتفرج من بعيد. ويقوم مسرح بريشت، كما هو معروف لدى المهتمين بالمسرح الطلائعي في النصف الأول من القرن الماضي على فكرة التغريب؛ أي تغريب الأحداث اليومية العادية وذلك بجعلها غريبة ومثيرة للدهشة ومحفزة على التأمل والتفكير.

كما يمكن أن نتحدث في نفس السياق عن جدار العار أو جدار الفصل العنصري بين بني البشر: كما كان الحال في جنوب إفريقيا، وكما هو الحال اليوم في فلسطين المحتلة وفي كل أرض عندما يكون النزاع قائما على التفرقة بين اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو أية ذريعة أخرى لطمس هوية الآخر.

كما أننا لا يمكن أن نغفل الحديث هنا عن الجدران والحيطان التي صنعتها الطبيعة بفعل عوامل التعرية من مطر ورياح وسيول وترسبات وانجرافات وزلازل وبراكين।وقد جرى الحديث في معاجم اللغة العربية عن الصوح، (بفتح الصاد وضمها): ويقصدون بهذه الكلمة وجه الجبل القائم أمامنا كأَنه حائط، وصُوحا الوادي: حائطاه المنتصبان كذلك.

ومن المسميات الجديدة المستحدثة في عصرنا مما يرتبط بالتحولات السياسية والاستراتيجية الجدار الفولاذي الذي أقامته الحكومة المصرية الحالية بينها وبين قطاع غزة، والجدار الإلكتروني الذي تعمل إسرائيل على إنشائه الآن بعد أن خاب مسعاها في الجدار الكهربائي الصاعق والجدار الإسمنتي العازل.

غير أن الحيطان لم ترفع قواعدها من الأرض ومنذ فجر التاريخ لتأمين السلامة والحماية فقط لأصحابها، بل لقد تحولت مع مرور الوقت إلى معارض وتحف فنية لما تراكم على واجهتها من حفر ونقش وكتابة وتشكيل.

ومجموع ما يعرض ويكتب على الحيطان من نقوش وكلمات وشعارات يمثل اليوم علما قائما بذاته، وهو علم أوفن الكاليغرافي (Calligraphy)، وهو علم تخصصي له علماؤه وأساتذته.

ولقد كانت الكتابة على الحيطان و على شواهد القبور وعلى الحجارة المنتصبة في طريق المسافرين وحتى على جذوع الأشجار شكلا من أشكال التواصل المكاني، لأنه مرتبط ومحصور في حيز جغرافي ضيق لا يمكن نقله أو تحويله.


وتحتاج المصالح البلدية في كل مدينة من مدن المغرب إلى ميزانية سنوية خاصة لتجديد طلاء الأسوار المحيطة بالمدن والأسواق والمؤسسات العمومية، ومحو ما تراكم عليها من كتابات ومنمنمات ورسوم، وخاصة عند حلول المواعيد الانتخابية.

أما الكلام عن فحوى ومغزى ما يكتب على أسوار المدارس وداخل حجراتها وحيطانها وكراسيها وطاولاتها ومراحيضها فتلك قصة أخرى لن تكتمل في تفاصيلها وأبعادها إلا بدراسة نفسية وسلوكية متخصصة। فكثير من التلاميذ يرون في كل ما يحيط بهم من مسطحات امتدادا لسبورة القسم. لكن ليس لاستظهار بيت من الشعر أو حل معادلة رياضية، وإنما لنشر بعض الشائعات حول أصدقائهم ومدرسيهم، وكتابة أسماء النجوم التي يتعلقون بها وخاصة نجوم كرة القدم وأنديتها المشهورة، وربما حتى كتابة بعض البذاءات اللفظية وبعض السخافات والشتائم والسباب، وكثير من الرسوم المخلة بالحياء العام.


ولو كان ما يكتب أو يرسم على هذا الحائط أو ذاك بالطباشير لهان الأمر، ولكن استعمال علب الصباغة البخاخة يجعل هذا المكتوب أوضح للنظر وأبقى في وجه تقلبات المناخ والدهر.
أما ما يكتب على الحيطان الإلكترونية عبر مواقع التدوين والتعارف الاجتماعي فسيكون موضوع الورقة الثانية.

الجمعة، 12 مارس 2010

على هامش اليوم العالمي لحرية الإنترنت.

لعل أهم ما يميز محتوى الإنترنت أن الناس جميعا يوجدون منه على مسافة واحدة. وهي المسافة الفاصلة بين ضغط زر البحث وإظهار المتصفح الإلكتروني أو المحركات الرقمية للمعلومات أو المواضيع المبحوث عنها. وهذا رغم تباعد الناس في المكان حيث يكونون عند أطراف حواسيبهم المتصلة، ورغم تباين ألسنتهم وألوانهم وأعمارهم ومراتبهم، واختلاف أنماط عيشهم وتفكيرهم. وفي ذلك مظهر من مظاهر الكونية المعرفية والديمقراطية الثقافية التي لم تتح للبشرية جمعاء من قبل.

وقد أصبح اجتماع الناس اليوم عند المواقع والملتقيات الافتراضية في السر أو العلانية أسهل من اجتماعهم في الأماكن الحقيقية المعلومة لدى الدوائر الحكومية؛ إما للدردشة والتسلية أو للمحاورات والمناظرات العلمية والثقافية الجادة، وإما للتنديد والنضال ضد أشكال القمع والفساد والاضطهاد والطغيان والاحتلال، وإما لجمع التوقيعات والتبرعات والمؤازرة، وإما للإثارة والفتنة، وإما لحبك خيوط جرائم التجسس والسطو والمؤامرات والاغتيالات وحتى للعهر والفجور أو الزهد والعبادة. فلا معنى للحياة الافتراضية إلا بوجود الشيء ونقيضه في نفس الوقت، كما هو حال حقيقتنا على أرض الواقع بحلوها ومرها، وبخيرها وشرها، وبصلاحها وفسادها.

فكم عدد المواقع والمدونات والمنتديات التي تتناسل في كل يوم من غير حاجة إلى تصريح رسمي أو فرمان حكومي؟، وكيف يمكن للمتابع العادي وحتى للحكومات بأجهزة رصدها المختلفة أن تجد الوقت والجهد الكافيين لإحصاء كل ما تراكم في العقدين الأخيرين في جوف الانترنت من كل غث وسمين، وتتبع كل شاردة وواردة فيه من حرف أو رمز أو صورة، فضلا عن إمكانية تنظيف محتوى الإنترنت من الأوساخ والعوالق والطحالب قبل نشر كل هذا الغسيل الافتراضي المتبقي وتجفيفه وتقديمه إلى صفوة الصفوة ونخبة النخبة، كأنقى وأنظف وأسلم ما يكون، حسب مزاج الوصي أو الرقيب، وعبر عمليات الفرز الإلكترونية بالغربال والمصفاة…؟!!.

وتتحرك الكائنات الافتراضية في الغالب في شكل جماعي مثل الطيور التي تقع على أشكالها؛ فإذا قلت لهم: أيًَ المواقع تطرق أبوابها سيقولون لك: من تكون. صاروا يعرفونك من آثار أناملك وهي تدوس الأزرار بدل الأقدام، ومن عناوين الوضوعات التي تقرأ أو تـُقرأ لك، ومن الصور التي تًـراها أو تـُريها. ليس هناك شيء يمكن أن يخفى في بيئتنا الافتراضية، فمغناطيسها القوي يجذب حروف أبجديتها الصغيرة، ولو كانت محشورة داخل جبل عظيم من القش والغثاء.

غير أن المحتوى الافتراضي بكل ما فيه من مألوف وشاذ ومستأنس ومستوحش أشبه ما يكون بالمرعى المهمل وبالغابة الاستوائية المطيرة الكثيفة التي يستحيل معها تعيين ناطور عند كل شُجيرة أو أكمة، أو رقيب على رأس كل مدون أو صاحب موقع أو مقهى أنترنت…
وحتى المدونات التي تبدأ كحالات فردية سرعان ما تذوب في المجموع، عندما تتلقفها محاضن التدوين ومجمعاته ومراصيده، وتتصل مع غيرها من المواقع الصغيرة والكبيرة بعمليات التشبيك الإلكتروني، أوحينما ينخرط أصحابها في هيئات تحرير كبرى كالمجلات والجرائد والصحف والكتب الإلكترونية، أو ينضمون إلى أحزاب ونقابات، أو يلتحقون بصفوف الاحتجاجات والتظاهرات الافتراضية والحقيقية، النظرية والعملية…

وإذا كان بوسع الحكومات أن تضبط إيقاع الحياة في الشارع العام وفي كل بيت، وأن تحصي الرؤوس وما حوت والبطون وما هضمت والألسنة وما نطقت…، وأن تكون أجهزة الأمن لديها بمثابة صمام الأمان الذي يحول دون حدوث أي انقلاب أو أدنى تمرد أو انفلات، فإنها من المستحيل أن تضبط حركة الناس الافتراضيين الهلامية، عندما يجتمعون على هذه الصفحة الإلكترونية أو تلك، أو عندما يرسلون موضوعا أو يفشون معلومة أو يكشفون عن سر أو وثيقة أو يبثون تسجيلات بالصوت والصورة بواسطة هواتفهم النقالة على مدار الوقت والساعة، أو حتى عندما يتسللون لواذا عبر النوافذ والأبواب والشقوق الإلكترونية الضيقة ويفرون من حيز افتراضي إلى آخر متوهمين أنهم لم يتركوا أي بصمة أو أثر.

وحتى إذا ما استطاعت الحكومات أن تحجب موضوعات أو معلومات أو صورا في موقع ما داخل بلد ما فإنها ما تلبث أن تظهر في مواقع أخرى وفي بلدان أخرى بأعداد مضاعفة، فيما يشبه (الغـُميضة) أو لعبة المطاردة بين القط والفأر التي يتسلى بها الأطفال، وتلك اللعبة المشوقة المليئة بالغرائب والمفاجآت لا يمكن أن ينفد مخزونها। فكل ممنوع في دنيا الانترنت مطلوب مرغوب، وقد أصبحت المواقع والبرمجيات الخاصة بإظهار المواقع المحجوبة أكثر فعالية وأكثر انتشارا بين المتصفحين ذوي الفضول العالي والخبرة الكافية لفك عقد وطلاسم الحجب والتشفير، مما يستحيل معه محو أي أثر افتراضي نهائيا وعلى وجه التمام، إلا بإلغاء شبكة الإنترنت من الأصل، وتدمير كل الأجهزة الإلكترونية لدى الناس، ورميها في طواحين الرقابة أو في مزبلتها التاريخية إلى الأبد، وذلك من سابع المستحيلات…

وليس هناك ما يحرك البرك الراكدة في دنيا الإنترنت أكثر من حجب موقع أو مصادرة مدون، وليس هناك ما يبعث على السخرية أكثر من غباء بعض الساسة، وليس هناك ما يثير حب الاستطلاع والفضول أكثر من صور وفضائح المشاهير والنجوم في فن التمثيل والغناء والرياضة وحتى في المجون والخلاعة، وحيث يمكن بضربة حظ طائشة أن يصير المجهول معلوما، والمغمور مشهورا…

فأتفه الأمور وأسخفها وأبلدها يمكن أن تتحول بضغطة زر إلى نكتة إلكترونية وإلى صيد افتراضي ثمين يتهافت عليه البصاصون والفضوليون عبر كل الطرق الافتراضية السيارة وغير السيارة، وإلا كيف يمكن أن نفسر هذا التباين العجيب بين العدد الكثير الذي يتقاطر على المواقع السطحية التي تكشف الفضائح وتعرض الصور العارية وتخاطب الحس والغريزة البهيمية، وبين العدد القليل الذي يحج لماما إلى قلة قليلة من المواقع الجادة العاقلة العالمة..

لقد أعـُلن الثاني عشر من شهر مارس كيوم عالمي لحرية الإنترنت ومكافحة الرقابة الإلكترونية. وفي هذا اليوم بالذات، ولكي يكون لهذا الاحتفال معنى بدأت تتعالى أصوات كثير من المدونين الغيورين وأصحاب المواقع العربية الرصينة ليس فقط للمطالبة بهامش مريح من حرية التعبير الافتراضي، وإنما بدعوة جادة للمساهمة في إثراء المحتوى الافتراضي العربي، من باب المسؤولية الأخلاقية تجاه أنفسنا وضميرنا الغائب أو المغيب أولا وتجاه محيطنا المتقلب الذي نعيش فيه ثانيا، وتجاه الأجيال التي ستخلفنا ثالثا. إذ لا يعقل أن نخلف لأبنائنا وأحفادنا مجرد صور عابرة ملتقطة، ونكت فجة ومفارقات وتسالي في الإنترنت وتفاهات في برامج تلفزيون الواقع…