الجمعة، 8 فبراير 2008

حديث الإنترنت

كتب يوم الثلاثاء,كانون الثاني 10, 2006

( كل الصيد في جوف الفرا )

في البدايات الأولى من حياة البشرية، على هذه البسيطة، كان علم الإنسان في عقله، لا يعلم بعد ما يصنع به، ولا كيف يخرجه، حتى تعلم الكلام. فصار علمه على لسانه، ينطق به ويودعه في عقول غيره كابرا عن كابر، وانتشرت عدوى الكلام في السلالة البشرية، ..
وعندما تعلم الحفر والنقش والخط، أخذ يزرع بذور علمه الأولى عل سطح هذه البسيطة، مسجلا حضوره وعبوره، هنا أوهناك.
وسطح هذه البسيطة، وإن كان كرويا، لا يختلف كثيرا عن سطح أملس لورقة بيضاء أو شاشة مسطحة لجهاز حاسوب أو تلفاز ملون.
ولا فرق بين علمنا و علم أجدادنا إلا في عدد قد يزيد أوقد ينقص من التجارب، في مسلسل طويل لا نهاية له من الإخفاقات الكثيرة والنجاحات القليلة.

وأنا أضع اللمسات الأولى لهذا الحديث المخصص للأنترنت بما له وما عليه، تبادر إلى ذهني مثل عربي مأثور، وهو:
( كل الصيد في جوف الفرا ).
ويضرب هذا المثل لمن يُفَضَّل على غيره.
وهذا المثل، وإن كان قديما جدا، قد ينطبق على الأنترنت، لأن جوفه الهائل قد حاز الآن كل صيد. وقد تساوى الجميع في الاطلاع عليه والانتفاع بمحتوياته. وكيف لا يكون كذلك، و وادي السليكون العجيب قد غمر بطوفانه المعرفي العالم، ومنسوبه في ارتفاع مستمر.

ولكي تكتمل عناصر المشهد الذي نحاول رسمه لدنيا (الأنترنت)، نعود إلى المثل السابق لغرض الشرح والتوضيح :
ـ 1 : أصل هذا المثل أن ثلاثة خرجوا متصيدين، فاصطاد أحدهم أرنبا، والآخر ظبيا، والثالث حمارا وحشيا. فاستبشر صاحب الأرنب والظبي بما نالاه وتطاولا عليه، فقال الثالث: ( كل الصيد في جوف الفرا ).
والفرا: هو حمار الوحش.


ـ 2 : ومعنى المثل أن ما ظفِر به الثالث يشتمل على ما عند الأول، صاحب الأرنب، والثاني، صاحب الظبي.
لأن حمارالوحش كان أعظم ما يصيده الناس في ذلك الزمن.
وهذا حالنا مع الأنترنت، اليوم. فليس هناك الآن، صيد معرفي وتواصلي أعظم منه حتى إشعار آخر…

ـ 3: وهذا المثل من كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم، تألف بها أبا سفيان حين استأذن على النبي، صلى الله عليه وسلم، فحجبه قليلا، ثم أذن له. فلما دخل قال: ما كدت تأذن لي حتى تأذن لحجارة الجلهمتين، أو الجلهتين، وهما جانبا الوادي. فقال له صلى الله عليه وسلم: ياأبا سفيان أنت كما قيل:

( كل الصيد في جوف الفرا ). وقيل في معنى كلامه، صلى الله عليه وسلم: إذا حجبتك قنع كل محجوب، ممومئا بذلك إلى أنه المفضل من بين أقرانه.

خطاب التأنيث

كتب يوم الإثنين,كانون الثاني 09, 2006

ماذا لو جرب الرجال الاعتزال، ولو لبعض الوقت، وسلموا مقاليد شؤون هذه الدنيا المتلاطمة إلى النساء؟!!، ماذا لو تقدمن الصفوف وتصدرن مسرح هذه الحـياة العبثي المرتبك؟!!

ماذا لوسمح لهن بإعادة ترتيب العالم من جديد، بعد الذي أبدينه من حذق في ترتيب أرشيف المكاتب، وطنافس البيوت، وأواني المطبخ…

وهل سيتغير العالم، عند تغيير المواقع وتبادل الأدوار بين الرجال والنساء؟!!
وهل يستقيم الحال على سكة لا عوج فيها ولا أمتا (1)،إذا جُرَّ قطار الوجود بقاطرة نسوية مخملية تنشر العطر، في الأنوف المزكومة بعفن الحروب وأبخرة القنابل والغازات السامة.؟!!..

بدأت قاطرة تأنيث الحياة، في عالمنا العربي تتحرك ببطء شديد، ولو على سبيل الاختبار والتجريب، وبمراقبة حذرة من الرجل الذي لم يتقبل بعد الفكرة من أساسها، وكيف له أن يتقبلها، وهو قد تعلم من الكتب الصفراء والبيضاء أن يجعلها من ورائه، حتى في الشارع العام عندما يخرج مع أسرته للتبضع أو التجول!! .
ولكن، ومع ذلك، وبفضل رياح العولمة، التي تطأطأ لها الرؤوس العاتية بدأ الرجل العربي يستجيب لمتطلبات العصر و يتعود على رؤية النساء العاملات في أغلب قطاعات الإنتاج الثقافي والصناعي والاقتصادي، باستثناء قطاع صناعة القرار الذي بقي حكرا على الرجل وحده … إلى أن يحدث الله أمرا.

كان ظهور المرأة الشرطية في الشارع العربي، أول مرة، حدثا عميق الدلالة والأثر، حتى إن أصحاب بعض السيارات كانوا يتعمدون إبطاء حركة سياراتهم ليستمتعوا أكبر وقت ممكن بطلعة حضرتها البهية.
فحسبوها من جملة النساء، امرأة ذات حسن ودلال، وتناسوا أنها مجرد شرطية مغلوبة على أمرها تأتمر بأمر سيدها القابع في مكتبه.

وهاهي ذي في الشارع تفترسها عيون الرجال الوقحة، وتخترقها سهام شهواتهم الجامحة، ثم لا يستفيقون من هذا الوهم إلا عندما تزجرهم بصافرتها، وبإشارتها الآمرة، فيمضون مسرعين نافثين قدرا من التلوث في نفْسِها وفي نَفَسِها..
————
هامش:
(1)، الأمت في اللغة المكان المرتفع.

سيرة ... وانفتحت

كتب يوم الأحد,كانون الثاني 08, 2006

بدأت كثير من الحكومات العربية في تنظيف بيتها ونشر غسيلها علنا وبالواضح المكشوف، وخاصة بعد مقدم سيدة العالم الأولى في فن التجميل والتنظيف الفاتنة (أمريكا)، وحلولها في قلب البيت العربي، ضيفة طفيلية ثقيلة (1) تتدخل في كل الشؤون، وتعرض خدماتها بسخاء حاتمي في فن الطبخ السريع، وفن ترتيب البيوت، وتقليم الأظافر، وفتح النوافذ، ورفع وخفض الستائر…
وقد صار مألوفا للمواطن العربي اليوم، أن يرى عبر وسائل الإعلام المتنوعة مشاهد الغسيل والتنجيد(2) والتمشيط بمختلف الألوان وبجميع أنواع التنظيف البارد والدافئ والجاف، وحتى المنسم بعطور الديموقراطية، وبأنغام الغزل، و بحلاوة الوعود المعسولة..

ربما، وحده، المواطن العربي المغلوب على أمره، ببساطته المعهودة حتى السذاجة أحيانا، وبحسه الشفاف الذي يشبه لون الماء النقي عند سفح الجبل، وبإحباطاته وبمعاناته في السر والعلن، يعلم أن كل مساحيق العالم لن تنفع في تطهير بيت الحكومات العربية بأعوانها المفسدين والمنتفعين والملوثين لسمعة البلاد والعباد، إلا بمياه الإخلاص تتدفق رقراقة من ذات أصيلة تستشعر العزة والورع، وتنصف مواطنيها قبل أن يطلب منها أن ُتنِْصفهم، وتُـعِزهم بالحسنى قبل أن تُـذَل أمامهم.

والآن، نقدم بعض الحكايات العربية القديمة في التنظيف اقتبسناها من (الرسالة القشيرية)، على سبيل الوفاء والذكرى. وقد يصلح العطار ما أفسده الدهر!!!

الحكاية الأولى:
( مر إنسان ببعض الصالحين، فجمع ذلك الشيخ ثيابه، فقال له الرجل: لم تجمع ثيابك، ليست ثيابي نجسة؟! فقال الشيخ: وهمت في ظنك، ثيابي هي النجسة، جمعتها عنك لئلا تنجس ثيابك،لا لكي تنجس ثيابي.)

الحكاية الثانية:
( قال علي العطار: مررت بالبصرة في بعض الشوارع، فإذا مشايخ قعود وصبيان يلعبون، فقلت: أما تستحون من هؤلاء المشايخ؟! فقال صبي من بينهم: هؤلاء المشايخ قل ورعهم فقلت هيبتهم).

الحكاية الثالثة:
(رهن أحمد بن حنبل، رحمه الله، سطلا عند بقال بمكة، حرسها الله تعالى، فلما أراد فكاكه أخرج البقال إليه سطلين. وقال: خذ أيَّهما هولك. فقال أحمد: أشْكل علي سطلي، فهو لك والدراهم لك.
فقال البقال: سطلك هذا، وأنا أردت أن أجربك، فقال: لا آخذه. ومضى وترك السطل عنده).

الحكاية الأخيرة:
( كان حسان بن أبي سنان لا ينام مضطجعا، ولا يأكل سمينا، ولا يشرب ماء باردا ستين سنة. فرؤي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: خيرا، إلا أني محبوس عن الجنة بإبرة استعرتها فلم أردها).
—————
هامش:
(1) ، يراجع حديث الثقلاء ، في إدراج سابق
(2) ، التنجيد: التزيين، والنجاد: الذي يعالج الفرش والوسائد

حكاية الكبش والديك

كتب يوم السبت,كانون الثاني 07, 2006

لاحديث في هذه الأيام، قبيل العيد، و في أوساط الموظفين المغلوبين على أمرهم خاصة، إلا عن أسعار الكبش وتوابعه وتوابله.!
آه! آه! آه … كلمات تخرج من نفوسهم المصدورة المكلومة، بعد فصل طويل من الأعباء المادية الباهضة ناؤوا بحملها تباعا وبشكل متلاحق متصاعد، من بداية شهر سبتمبر إلى نهاية ديسمبر؛
كانت أولى مشاهده مع تكاليف الموسم الدراسي، ثم رمضان فعيد الفطر، ثم كانت الطامة الكبرى بأداء فاتورة الضرائب السنوية، لتطوى بذلك صفحة فصل كان الأثقل والأطول من كل فصول السنة الماضية .
ولتبدأ فصول أخرى من سنة 2006، وهاقد بدأت تباشيرها التفاؤلية، بأمطار الخير العميم، وبفرحة الأطفال بالأضحى وبالعطلة الفصلية، وبنزيف الدماغ الشارونية ـ أتلفها الله ـ ، والخيبة الأمريكية في البلاد العربية، لا بارك الله في ديموقراطيتها المعلبة المزعومة.

والآن، جاء دور حكاية الكبش والديك:

(كان لإبراهيم بن مزيد ديك، وكان كريما عليه. فجاء العيد وليس عنده شئ يضحي عليه. فأمر امرأته بذبحه، واتخاذ طعام منه وخرج إلى المصلى. فأرادت المرأة أن تمسكه، ففر فتبعته، فصار يخترق من سطح إلى سطح، وهي تتبعه. فسألها جيرانها، وهم هاشميون، عن موجب ذبحه، فذكرت لهم حال زوجها، فقالوا: ما نرض أن يبلغ الاضطرار بأبي إسحاق إلى هذا القدر. فأرسل إليه هذا شاةً، وهذا شاتين، وهذا بقرةً، وهذا كبشا حتى امتلأت الدار.
فلما جاء ورأى ذلك قال: ما هذا؟! فقصت عليه زوجته القصة، فقال: إن هذا الديك لكريم على الله، فإن إسماعيل نبي الله فدي بكبش واحد، وهذا فدي بما أرى
). (1)

ثم قلت لنفسي عند نهاية الحكاية :
لو علم جيران إبراهيم بن مزيد بخبر مرض (أنفلونزا الطيور) لا نقلبت حكايته رأسا على عقب.
————-
هامش:
(1) الحكاية مقتبسة من كتاب ( المستطرف من كل فن مستظرف ) للإبشيهي.

حديث العميان1

كتب يوم الجمعة,كانون الثاني 06, 2006

بشار بن برد:
الصورة التي رسمها المترجمون لبشار بن برد أقرب ما تكون إلى أحدب نوتردام في القصة الأوربية المشهورة:(الجميلة والوحش) .
ولكن من وراء هذه الصورة المعتمة يتفتق قبس من إنسانية الإنسان، وشفافية مرهفة جعلته يتصدر قائمة الشعراء العرب المطبوعين، وجعلت النساء في عصره يتهافتن على شعره الغزلي الرقيق، حتى اضطر المهدي إلى إسكات صوته خوفا على النساء الحرائر، فكيف يجتمع الجمال والقبح في شخص غريب الأطوار كبشار؟!.
مما جاء في ترجمته أنه كان أقبح الناس عمى، فقد كان جاحظ العينين يتدلى منهما شحم أحمر.
وكان بالإضافة إلى عماه المرعب ضخما عظيم الخلق والوجه مجدورا.
وذكر الجاحظ في الحيوان أن بشارا الأعمى لم يجزع من هجاء قط كجزعه من بيت حماد عجرد حيث يقول:

ويا أقبح من قرد ـــ إذا ما عمي القرد

فقد كان بشار يعلم مع غزله المشهور بين النساء أن وجهه وجه قرد، بل قرد أعمى
و مع ذلك عرف بشار بحبه الشديد لأسرته وبره الشديد بأخويه، وقد كانا معاقين مثله، كما كانوا ثلاثتهم مختلفي الآباء. ولذلك قال صفوان الأنصاري في هجاء بشار وإخوته، مخاطبا أمهم:

ولدت خلدا وذيخا في تشتمه ـــ وبعده خزرا يشتد في الصعــــــــد
ثلاثة من ثلاث فرقوا فرقـــا ـــ فاعرف بذلك عرق الخال في الولد

وشرح الجاحظ الألفاظ المقصودة بالهجاء فقال:
الخلد: ضرب من الجرذان يولد أعمى. والذيخ ذكر الضباع، وهو أعرج. والخزرذكر الأرانب وهو قصير اليدين لا يلحقه الكلب في الصعد.
وقد تنمحي هذه الصورة التي رسمت لبشار إذااستحضرنا فقط شعره الإنساني الجميل، من غزله الذي يلا مس شغاف القلوب، وقد استعمل فيه الحوار وأسلوب تراسل الحواس قبل الرمزيين الأوربيين بزمان، قال:

ياقوم أذني لبعض الحي عاشقـــة ـــ والأذن تعشق قبل العين أحيانـــا
قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم ـــ الأذن كالعين توفي القلب ما كانـا

وقال أيضا:
يزهدني في حب عبدة معشـــــــــــــــر ـــ قلوبهم فيها مخالفة قلبـــــــــــــي
فقلت دعوا قلبي وما اختار وما ارتضى ـــ فبالقلب لا بالعين يبصر ذو اللب


هذا بشار مثال واحد لإنسان اجتمع فيه الجمال والقبح فهل أنصفه عصره؟!، وفي كتاب (نكت الهميان في نكت العميان) للصفدي أخبار طويلة عن حكايات العميان.
ولكن ما حكاياتنا اليوم معهم، وكيف تنقل أخبارهم!!
نرجو أن ننقل بعض أحوالهم وأخبارهم في الفصول القادمة.

حلم الهجرة العربية العربية

كتب يوم الخميس,كانون الثاني 05, 2006

تتملك المواطن العربي اليوم حسرة كبيرة، وهو يشعر بضيق المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها داخل وطنه العربي الممتد شرقا وغربا، فقوانين التأشيرة، وأشكال الرقابة الجائرة في كثير من الأحيان، وإجراءات التفتيش، والتخوفات والشكوك والأوهام التي تحاك حوله بالليل والنهار، تعمق لديه الشعور بالغربة، وتجعله يشك في نفسه، قبل أن يشك فيه غيره.

كم أستاء وأنا أقرأ فصولا من رحلة ابن جبير، وهو يصف كل البلدان العربية التي تنقل عبرها، تماما كما يتنقل أي مواطن عربي اليوم داخل بلدته الصغيرة المحدودة، فيستبد بي حزن شديد لأني أتفقد وجوه إخواني العرب داخل مدينتي أو قريتي فلا أراها. وحده السائح الأجنبي بشعره الأصفر، ووجهه الأحمر، يمللأ عليك المشهد كله.

وقد تأثر ابن جبير بالإكرام البالغ والتعهد الكبير الذي أولاه حكام المشرق للمغاربة في زمانه، وخاصة في بلاد الشام.
وقد دفعه هذا الشعور الذي يفتقده أكثرنا اليوم إلى بعث همة المغاربة، وخاصة الشباب الذين تخففوا من التزاماتهم الأسرية، على الرحيل إلى المشرق، مغتنمين زهرة شبابهم في البناء والتحصيل، مفيدين ومستفيدين؛ قال ابن جبير:

( فمن شاء الفلاح من نشأة مغربنا فليرحل إلى هذه ـ البلاد ـ ويتغرب في طلب العلم فيجد الأمور المعينات كثيرة؛
فأولها فراغ البال من أمر المعيشة (1)، وهو أكبر الأعوان وأهمها، فإذا كانت الهمة فقد وجد سبيل الاجتهاد.
ولا عذر للمقصر إلا من يدين بالعجز والتسويف، فذلك من لا يتوجب الخطاب عليه، وإنما المخاطب كل ذي همة يحول طلب المعيشة بينه وبين مقصده في وطنه من الطلب العلمي.
فهذا المشرق بابه مفتوح لذلك، فادخل أيها المجتهد بسلام، وتغنم الفراغ والانفراد قبل علق الأهل والأولاد تقرع سن الندم على زمن التضييع، والله يوفق ويرشد، لا إله سواه.
قد نصحت أن ألفيت سامعا وناديت أن أسمعت مجيبا
).

وهذه دعوة ابن جبير، قد جعلها مفتوحة على كل الأزمنة والأمكنة العربية، ولكنها ضاعت الآن في واد سحيق من قصر النظر وفتور الهمة، فلم يبق منها إلا رجع الصدى.
———
هامش:
(1) ذكر ابن جبير ذلك لأن حكام المشرق كفلوا لضيوفهم المغاربة أمور المسكن والمطعم على أحسن وجه.

مملكة الخيال

كتب يوم الأربعاء,كانون الثاني 04, 2006

جاء في الأمثال العربية القديمة قولهم: ( أسرى من الخيال ). للدلالة على سرعته وسعته.
وتقول مجازا: طرقني الخيال، أوطيفه.
ومن أحسن من قال في طيف الخيال بالإضافة إلى البحتري علي بن هارون المنجم قال:

بأبي والله من طرقــــــــــا ــ كابتســـام البرق إذ خفقـــــا
زارني طيف الحبيب فمـــا ــ زاد أن أغرى بي الأرقــــــا


ولابن سينا الفيلسوف والطبيب بحث مهم في موضوع الخيال عند الإنسان، وحتى الحيوان .
و للأدباء الرومانسيين عامة صولات وجولات محلقة وحالمة في مملكة الخيال الفسيحة.
فقد بلغ الخيال بجبران خليل جبران، أحد الرومانسيين العرب المشهورين، حدا جعله يضيع في الضباب، ويصنع من أبخرة أحلامه الغريبة ( امرأة جميلة عذبة الصوت لينة الملامس )، بل جعل يشك في نفسه ويقول: ( أمجنون أنا ياترى ؟ أمجنون لم يكتف بالانصراف إلى العزلة بل ابتدع له من أشباح العزلة رفيقة وقرينة؟!).

ويقول من رسالة لمي زيادة، مبررا موقفه هذا:
( يقول بعض الناس إنني من الخياليين، وأنا لا أعرف ماذا يعنون بهذه الكلمة، ولكنني أعرف أنني لست بخيالي إلى درجة الكذب على نفسي، ولو حاولت الكذب على نفسي فنفسي لا تصدقني. النفس يامي لا ترى في الحياة إلا ما بها، ولا تؤمن إلا باختباراتها الخصوصية. وإذا ما اختبرت أمرا صار غصنا في شجرتها).

وقد لا يستطيع أحدنا اليوم أن يجارى أصحابنا الأدباء في خيالاتهم وجولاتهم الأثيرية الشفافة العذبة، في حمأة حياتنا الصاخبة ورغباتها الجارفة.

في زمننا هذا، زمن (العولمة) استبيحت مملكة النفس، واخترقت مدن الأحلام والخيالات الجميلة بقوة السلاح ودهاقنة الحروب وسماسرة الشعوب.

وقد مر معنا سابقا أن الصمت منام والكلام يقظة، وأنا أقول: كلما قل ضجيجنا زادت أحلامنا واتسعت خيالاتنا.
و لكن الناس ما عادوا كما كانوا، فلا الأطفال أطفال، ولا الرجال رجال، ولا النساء نساء. اختلط الحابل بالنابل، وصارت صورالآدميين مزورة الملامح، فاقعة الألوان.
صار الرجل لايرى من المرأة غير لون شعرها المستعار، وعدسة عينيها التي تتبدل ألوانها عند الليل والنهار، وفي كل جزء من جسمها بعض قطع الغيار
والفتاة ما عادت تتقبل الشاب الجلد الخشن، حتي يصير له في شعره قرون، وفي جسمه أقراط ووشوم،
وكبر الأطفال قبل الأوان، والتحقوا بصف النساء والرجال، واغتصبت طفولتهم، والتحقوا قسرا بصف الكبار، فأشكل أمر الإنسان على الإنسان.

نبات الخروع

كتب يوم الثلاثاء,كانون الثاني 03, 2006

مر معنا، سابقا، حديث الوهراني عندما أومأنا إلى عبثه وسخريته… فمن جذور الجد قد تتفتق السخرية، ومن أعماق المعقول قد ينبثق اللامعقول.

الآن، ونحن نشاهد ما يحصل من نهب للجسد العربي المستباح، وهصر لعظامه الرخوة حتى حل به الكساح، تذكرت صورة عجائبية أخرى من صور شيخنا الوهراني نقتبسها هذه المرة من منامه الكبير. وفي هذه الصورة يصف الوهراني قوما من بني جلدته لا ينفعون قومهم ألبتة، لا في شأن جليل ولا في شئ حقير، واستعار لهذه الصورة نبات (الخروع)، وهو نبات ينمو في الدمن، أي: المزابل. وهذا النبات شديد الخضرة ريان يانع، ولكنه رخو سريع الانكسار لامتلاء جوفه بالماء، حتى إن العرب استمدت منه فعل (خرع) للدلالة على الجبن والخور.
وفوق هذا فإنه لا ينفع في شئ، وحتى الدواب لا تأكله بل تعافه، وإنما هو فقط يملأ الأفق ويضيق المكان…

وقلت مع نفسي بعد أن استوعبت عبث شيخنا الوهراني:هل صرنا نحن ـ العرب ـ في نظر أمريكا والغرب كنبات الخروع الريان هذا، يسهل هصره واستحلابه، هل تلك الخضرة الزاهية هي التي صرفت أنظارهم كاملة إلينا؟!! حتى أصابتهم بعمى الألوان، وحتى صرنا شغلهم الشاغل عند كل نشرة أخبار صباحية أو مسائية، ؟؟!!
ثم قلت لنفسي: لا!! لا شك أنهم لا ينظرون إلى ما فوق الثرى، بل إلى ما تحته، إلى البترول الأسود الذي منه يتولد الدولار الأخضر والذهب الأصفر والعيش الأنضر.
هذا كل ما يغريهم باجتثاثنا، لولا قوة النمو المتأصلة فينا.
وحتى تكتمل هذه الصورة نورد الآن كلام شيخنا الوهراني من منامه الكبير الذي كتبه في الأصل على شكل رسالة، وحذا فيه حذو المعري في افتعال المشاهد الأخروية عند الحشر، قال، واصفا جما عة الصوفية عندما عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم، ساعة الحشر:

( فتقدمت إليه الصوفية من كل مكان، وعلى أيديهم الأمشاط وأخلة الأسنان، وقدموها بين يديه، فقال صلى الله عليه: من هؤلاء؟ فقيل له: قوم من أ متك غلب العجز والكسل على طباعهم، فتركوا المعايش وانقطعوا إلى المساجد، يأكلون وينامون، فقال: فبماذا كانوا ينفعون الناس، ويعينون بني آدم؟، فقيل له: والله ولا بشئ ألبتة، ولا كانوا إلا كمثل شجر الخروع في البستان، يشرب الماء، ويضيق المكان، فساق ولم يلتفت إليهم..).

العالم في ساحة

كتب يوم الإثنين,كانون الثاني 02, 2006

ساحة ( جامع الفناء ) بمراكش، فوارة آدمية،لا تعلم من أين تنبع كل حشودها البشرية وإلى أين تعبر.؟!!

إذا وقفت بعض الوقت، وتأملت الوجوه العابرة بهذا المكان، من بلاد الشرق والغرب والسند والهند أدركت في لحظة أنك في قلب العالم، أو أن العالم قد حل في قلب هذا المكان العجيب، على صغره.
وكأن العابرين منه كانوا على موعد مع الزمن والمكان ليروا فصول حكايات عجيبة وخيوط أحلام صغيرة لأبطال شعبيين بسطاء.

هؤلاء البسطاء، أبطال الساحة، أبطال خيال وحقيقة، فيهم الرجال والنساء والأطفال، يتناوبون فرادى أو جماعات على صناعة مشاهد متكررة ومتنوعة للفرجة، تتبدل عند الصباح وعند الغداة وعند العشي .


والعابرون لا يعلمون متى تتغير تلك المشاهد ولا كيف تتبدل.
ولكن، لكل واحد منهم نصيب من الفرجة وحظ من الذكرى.

أعرف بعض أولئك البسطاء، أبطال الساحة، مذ كانوا كما كانوا، ويعلم الله كم كانوا، تغير العالم من حولهم ولم يتغيروا، حركاتهم هي حركاتهم، وكلامهم هو كلامهم، أما لكناتهم وعجائبهم وأسرارهم فتلك حكاية أخرى ربما تكون أكبر من حكاياتهم، وحتى مكبرات صوتهم المتحشرجة المهترئة لم تتغير، وكذلك الكتب الصفراء البالية، وصناديق أمتعتهم العتيقة، وقارورات الدواء والأعشاب المعروضة على أرض الساحة، ربما ذكرتك بقناني بعض أنواع المربى والزيوت والمشروبات الغازية….، بل حتى بعض أصناف الدواء التي يستحيل أن تجد لها نظيرا في متجر أو مصنع.
إنه أروع مكان لصدفة اللقاء، ولاتحاد النهاية بالبداية و الزمان بالمكان!!.

عود على بدء

كتب يوم الأحد,كانون الثاني 01, 2006

جاء في لسان العرب: رجع عودا على بدء، من غير إضافة.
وتقول: رجعت عودي على بدئي، أي رجعت كما جئت
ويقول إخواننا في الشام:( تيتي تيتي، رحت مثل ما جيتي) .

اليوم فاتح يناير 2006، بداية عام ميلادي جديد، وقد طويت صفحة ماضية على إيقاع الأماني الحالمة، والشهب المضيئة، وفي نفوس شعوب العرب المغلوبة أشياء من ( حتى )، وفي قلوبهم حرقة على فرص ضيعت ومشاريع علقت في انتظار الذي يأتي وقد لا يأتي، وفي الأفق البعيد يلوح لهم أمل باهت كالسراب، في أن تتغير أحوالهم مرددين قول الشاعر:
قد أحسن سعد في الذي كان بيننا
فإن عاد بالإحسان فالعود أحمد

وهيهات، وأين سعد هذا، حتى ينصلح الحال؟؟!!
كل عام وأحلامكم الصغيرة بخير!!