الجمعة، 8 فبراير 2008

حديث الثقلاء

كتب يوم السبت,كانون الأول 31, 2005

مما جاء في الثقلاء آية الثقلاء، قال الله تعالى ( فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستا نسين لحديث)، الأحزاب/ 53.
قالت عائشة رضي الله عنها: هذه الآية نزلت في الثقلاء، وروي عنها قولها: حسبك في الثقلاء أن الله لم يحتملهم.
وسماها بعض المفسرين ب آية الثقلاء، تأديبا لهم.

وكان للأعمش (1) نظريات عجيبة ونوادر طريفة في الثقل والثقلاء، ربما لأنه كان متبرما بالناس حرجا ضيق الأخلاق بسبب ما يراه من طباعهم الفاسدة، و( دمائهم الثقيلة ).
ومن ذلك أنه؛

كان إذا رأى ثقيلا قال: (ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ، الدخان /11 ).
وقيل :إنه نقش على خاتمه: ( يامَقيت، أبْرَمْت فَقُم!)، فإذا استثقل جليسا ناوله إياه.
وأنه قال: من فاتته ركعتا الفجر فليلعن الثقلاء.
وقيل له: لم عَمَشت عينُك؟ قال: من نظري إلى الثقلاء.
وكان إذا حضر مجلسه ثقيل قال:

فما الفيل تحمله مِّيتا ــ بأثقلَ من بعض جُلاَّسِنا

وحديث الثقلاء لا ينبغي أن ينصرف إلى الأفراد فقط، بل حتى إلى بعض الدول المستعِمرة التي جثمت على صدورنا، مع تبجحها السافر بشعار الحرية واحترام خصوصية الشعوب المغلوبة التي حلت كالضيف الثقيل على أرضها، ملتهمة وناهبة.

وربما يقع اللوم علينا، لأن حكامنا وساستنا لا يملكون شجاعة الأعمش حتى يرفعوا شعار خاتمه في وجه أمريكا راعية الديموقراطية والحرمة والخصوصية وبقية وصيفاتها، أو ربما لأن دولنا كريمة وطيبة، وغير شرِّيرة. وقد يحلو لها أن تتبجح بذلك ؟؟!!.
————-
(1) هامش: الأعمش سليمان بن مهران محدث الكوفة وعالمها، توفي سنة 148 هج .

عبث وسخرية

كتب يوم السبت,كانون الأول 31, 2005

الشيخ ركن الدين الوهراني أحد رجالات الأدب المغربي المنسيين. وكان قد رحل إلى المشرق خلال القرن الهجري السادس. غير أنه أخفق في رحلته هاته وبقي يعيش على هامش الحياة، وتسكع زمنا قبل أن ينتبه بعضهم إلى علمه وفقهه.
ويظهر أن مغربيته الصريحة التي ظل ينوه بها في رسائله حالت بينه وبين إقامة علاقات سوية مع رجالات المشرق، وهذا بخلاف معاصره ابن جبير الرحالة الأندلسي المشهور الذي عرف بدبلوماسيته وحسن مداخلته للمشارقة خاصتهم وعامتهم.

اشتهر الوهراني أكثر ما اشتهر بمناماته ( الفنتازية ) المغرقة في اللا معقول وبهذيانه وعبثه السخيف برجالات عصره في المشرق والمغرب، وخاصة من أولئك الذين تحاشوه أو أبعدوه، ولم يسلم من جرأته وسلاطة لسانه حتى كبارالحكام والوزراء منهم، ربما لأنه أخفق في الوصول إلى بلاطاتهم وأخذ صلاتهم، فصب جام غضبه عليهم وعلى أعوانهم وعلى الحياة إلتي ألجأته إلى تجرع مرارة الإخفاق والحرمان، وقذفته إلى هامش الحياة.
ومما قاله شامتا بالدنيا وأهلها في لوحة عبثية ساخرة:

( كتب كلب إلى كلب:
أما بعد ياأخي ـ أدام الله حراستك ـ فإن بني آدم قد تسافلوا إلى حد ما عليه من مزيد، حتى بقيت أنا وأنت بالإضافة إليهم كمعن بن زائدة وطلحة الطلحات . فارتع في المجازر، ونم في المزابل، وارفع ساقك، وبُل على من لقيت منهم والسلام).


ذكرني حال الوهراني هذا بما يشعر به أهل المشرق من غرابة الآن في لهجة أهل المغرب من مراكش المغربية إلى طرابلس الليبية، حتى إن بعض القنوات التلفزية المشرقية تعمد إلى إدراج ترجمة مكتوبة لكلام المغاربة، أسفل الشاشة، وكأنهم يتكلمون الروسية أو الألمانية، إذا أصرهؤلاء على التكلم بلهجتهم الصريحة أو إذا عجزوا عن التكلم باللهجة المشرقية، وتلك حالة نادرة. أما معظم المغاربة الذين بستضافون في تلفزات المشرق فلا يجدون أي حرج في التكلم بلهجة البلد المضيف، بقدرما يتحرجون عند الحديث بلهجتهم. و كثيرا ما تجد مغنين و مغنيات من بلدان المغرب يغنون بلهجات المشرق، على اختلاف ألوانها وظلالها، وقليلا بل نادرا ما تجد خلاف ذلك، وكأن المدخل الطبيعي لشهرتهم لا يأتي إلا من جهة المشرق.
—————
هامش: معن بن زائدة وطلحة الطلحات من أجواد العرب وكرمائها.

استراحة مراكشية

كتب يوم الخميس,كانون الأول 29, 2005

كان الأسبوع الأخير من سنة 2005 ممطرا، في مدينة مراكش الحمراء، لا أنكرأني أحب المطر يأتي من السماء، يغسل أديم الأرض المتجهم. ما أجمل أن تودع عامك القديم على إيقاع المطر والبَرَد لتستقبل عامك الجديد بوجه نقي صَبُوح.

خرجت إلى بعض البساتين المجاورة، أوغلت فيها حتى توارى خلفي الإسمنت والإسفلت.
البناء في مراكش واطِئ جدا، والنظر يمتد بعيدا في الأفق حتى يصطدم بسلاسل الأطلس المكسوة ببياض الثلج.

النخيل ميزة هذه المدينة الأثرية، والمراكشيون يتعهدون هذه الشجرة لتبقى مدينتهم مزهوة بشعارها العالمي (مدينة النخيل)، ولذلك لا تعجب إذا رأيت النخيل فيها يطاول العمران في الأحياء العتيقة والجديدة، ويتوسط بعض الطرقات العامة، وإن كان يعرقل حركة السير فيها بعض الشئ وخاصة بالنسبة للزوار الجدد الذين لم يألفوا وجود النخيل وسط الطرقات.
وعندما ينضج البلح يتخير الأطفال بل حتى الكبار ما تساقط منه على الثرى، وقد يرجمون عرجونه بالحجارة ، ثم يتسابقون إلى ما تناثر منه في مرح وعناد طفولي.
بعض السكان المجاورين لأشجار النخيل قد يتابع سلوك الأطفال هذا خوفا على واقيات سياراتهم الزجاجية ونوافذ منازلهم ، وقد يزجرونهم بعيدا، ثم ما يلبث أن يعود بعضهم إذا نامت عيون الرقباء عنهم .
يتكرر هذا المشهد كل عام، يكبر الأطفال وقد يتحولون إلى رقباء، ثم ينشأ أطفال جدد، ويبقى النخيل في مكانه شاهدا على هذا الشغب الطفولي البريئ.

خيال مجنح

كتب يوم الأربعاء,كانون الأول 28, 2005

يقوم علماء الفيزياء والطاقة والطيران اليوم، بأبحاث نظرية وتجارب ميدانية تهدف إلى مقاومة جاذبية الأرض، بقصد الوصول إلى تحقيق التحليق الحر للأجسام في الفضاء الواسع دونما حاجة إلى طاقة نووية هائلة، استعدادا للانفصال والتحرر من الجاذبية التي تبقينا في سجن الأرض.

وهذا الهدف، إن تحقق في الأمد القريب أو البعيد سيحرر الإنسان من كل الأ نماط والمظاهر ( الأفقية ) التي تطبع حياة الإنسان على وجه البسيطة الممتدة أفقيا، وستبدأ مرحلة جديدة من أنماط وأشكال أخرى لحياة أكثر ملامحها(عمودية)؛

تخيل معي مثلا أنك تسافر رأسا أو نزولا في طبقات الجو، وأن جميع سكان الأرض يقيمون في منازل ومدن معلقة بين السماء والأرض، وأن أرضنا قد خلت من العمران والمصانع والدخان، وأنها عادت كما كانت مزرعة كبيرة، وأنها قد دخلت مرحلة نقاهة سرمدية، تتخلص فيها من كل الأوضار والأوساخ العالقة بها منذ عهد أبينا آدم وأمنا حواء. لقد دخلنا في علاقتنا مع الأرض مرحلة جديدة مطبوعة بكثير من التهديد والوعيد، فهذه قضمة تسونامي وتلك صفعة كاترينا وذاك كي البراكين المحرقة وشواظ مواسم الجفاف الطويلة …

فهل أعذر من أنذر، وهل حان موسم الهجرة إلى عنان السماء، قبل أن تطوى صفحتنا على هذه الأرض بعُجـَرها وبُجـَرها، أو أن ندعها تخلد إلى بعض الراحة والسكينة…!!؟؟

ما أكثر عقوقنا لأمنا الأرض العجوز!!، وما أكثر عيثنا وإفسادنا فيها!!، وما أقل وفاءنا لبرها وحنانها!!.
قد يشقى الآباء بأبناهم وقد يشقى الأبناء بآبائهم، فيتخلى البعض عن البعض، ولكن ما أشقانا لو قررت أمنا الأرض التخلي عنا، فحبست غيثها وربيعها، وأوقفت نمو شجرها وزهرها، أو زادت شراهتها إلى التهامنا، أوطوتنا في بطنها طي السجل للكتاب؟؟!!

وقفات تراثية

كتب يوم الثلاثاء,كانون الأول 27, 2005

ــ أصل كلمة ( عصامي ):
كثيرا ما نتحدث عن الأفراد العصاميين، وعن الشعوب العصامية التي تصنع نفسها بنفسها، ولكن هل تساءلنا عن أصل هذه التسمية؟
تقول العرب في أمثالها: كن عصاميا لا عظاميا. معناه لا تفتخر بشرف آبائك ولكن بما يؤثر من أنبائك.

وأصل استعمالنا لهذه الكلمة مشتق من اسم (عصام )، وعصام هذا كان رجلا سوقة، ثم صار صاحبا للنعمان بن المنذر، فسئل عن سبب وصوله إلى هذه المنزلة العالية، فقال: نفس عصام سودت عصاما وعلمته الكر والإقداما وصيرته ملكا هماما.

ـــ في الصمت والكلام:
مما قيل في هذا الموضوع:
الصمت منام، والكلام يقظة
حاجة الناس إلى مواد الكلام كحاجتهم إلى مواد الأغذية
لو كان الصمت أفضل من الكلام لتعبدنا الله به فيما انتدبنا إليه بالإلهام، وكان توحيد الله بحجج العقول في غنى عن واسطة أو رسول
إنك تمدح الصمت بالنطق ولا تمدح النطق بالصمت.

ــ من بلاغات اللسان:
تكلم رجل بين يدي المأمون فأحسن فقال له المأمون: ابن من أنت؟ قال: ابن الأدب ياأمير المؤمنين، فقال: نعم الحسب الذي انتسبت إليه
أرسل أعرابي ولده في حاجة فرجع خائبا، فسأله عن سبب خيبته فقال: أتيت سوق الظما فبكت السما، وضحك البرق، وقهقه الرعد فرجعت
قيل لأعرابي،: كيف حالك؟ فقال: أمزق ديني وأرقعه بالاستغفارمحنة العقل ونعمة الجهل والحظ:
قال أهل التجارب: العقل وسوء الحظ كالعلة والمعلول لا مفصل لأحدهما عن الآخر
وقيل: استأذن العقل على الجَد فحجبه فقال: اذهب أنت بي لا أنا بك.

دعت أم الإسكندر لولدها فقالت: رزقك الله حظا يخدمك به ذوو العقول، ولا رزقك عقلا تخدم به ذوي الحظوظ.
قال عبد القاهر الجرجاني، وهو من هو في علمه وبلاغته :

كبر على العقل ياخليلي
ومل إلى الجهل ميل هائم
وكن حمارا تعش بخير
فالسعد في طالع البهائـــم

و هذا الكلام من عبدالقاهر لا يعني ا لدعوة إلى الجهل والبطالة بقدرما هو تقرير واقع أمة عندما تسلم علماءها وأدباءها إلى محنة الضياع .

شعر المتنبي ومشهد مقاومة السقوط

كتب يوم الإثنين,كانون الأول 26, 2005

كان المتنبي يكره الضعف في العرب، وقد عمل على مقاومة هذا الضعف في نفسه أولا، بإعلاء صوته على الخانعين من بني جلدته، بل حتى على ممدوحيه الكثر باستثناء سيف الدولة وبعض الحكام العرب والمسلمين المخلصين النادرين. وحسب خصومه ذلك منه غرورا وتبجحا وهذيانا.
ولكنه أراد فقط أن ينبه جميع العرب إلى خطورة الغفلة عن الذات. ألم يشهد مصرع المستكفي الذي تحدثنا عنه سابقا في مشهد( سقوط الجبابرة).؟
ألم يجرب في رحلته الشعرية الطويلة أكثر من أربعين ممدوحا، واختبرهم قبل أن يحط رحاله لدى ممدوحه المفضل إلى الأبد سيف الدولة ؟ قانعا بإمارته الصغيرة في حلب، لأنها بكل بساطة، وعلى صغرها، رآها تختزل كل القيم العربية المجسدة في شخص حاكمها سيف الدولة.

ولكن، أنى له أن يهنأ بهذه اللحظة وهو يجد نفسه محاطا بحنق الحاقدين واستبداد ومكر الأعوان المنتفعين؟!

وكثير من شعر المتنبي يومئ إلى ما نذهب إليه، قال مشيرا إلى استبداد الديلم، ومنبها إل خطر المتغلبين علينا:
وإنما الناس بالملوك وما
تفلح عرب ملوكها عجـــــم

وأشجاه فقد العروبة في كثير من الأماكن التي زارها فقال:
ولكن الفتى العربي فيها
غريب الوجه واليد واللسان
وقال أيضا :
يهون علينا أن تصاب جسومنا
وتسلم أعراض لنا وعقـول
وقال في الجبان:
وإذا ما خلا الجبان بأرض
طلب الطعن وحده والنزالا
وقال في التحفيز والإقدام على الأمور العظيمة:
فطعم الموت في أمر حقير
كطعم الموت في أمر عظيم
وقال عن احتمال الأذى أنه داء يضعف الأبدان:
واحتمال الأذى ورؤية جانيه
غذاء تضوي به الأجســـام
وقوله أيضا ساخرا :
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم
ياأمة ضحكت من جهلها الأمم

ومعاني المتني غزيرة وقوية، وكأنه ناطق بلسان حالنا الآن.

مشهد سقوط الجبابرة

كتب يوم السبت,كانون الأول 24, 2005

أورد ابن طباطبا المعروف بابن الطقطقا في كتابه ( الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية) خبر اعتقال الخليفة العباسي المستكفي من لدن معز الدولة سلطان البويهين الفرس، بعد تغلبهم على أمر بني العباس في بغداد:

( ثم إن معز الدولة ركب يوما إلى دار الخلافة ـ يعني بغداد ـ وسلم على المستكفي وقبل الأرض بين يديه، وأمر المستكفي فَطرح كرسي فجلس عليه معز الدولة، ثم تقدم إلى المستكفي رجلان من الديلم ـ يعني البويهيين ـ بمواطأة معز الدولة فمدا أيديهما نحوه، فظن المستكفي أنهما يريدان تقبيل يده، فمد يده فجذباه ونكساه من السرير ووضعا عمامته في عنقه وسحباه .

ونهض معز الدولة، وضربت البوقات والطبول، واختلط الناس ودخل الديلم إلى حرم الخليفة، وحمل المستكفي إلى دار معز الدولة فاعتقل بها، وخلع من الخلافة ونهبت داره وسملت عيناه، ولم يزل في دار السلطنة معتقلا حتى توفي سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة هج).


هذا مشهد واحد من مشاهد السقوط الكثيرة المألوفة في تاريخ زعماء العرب القديم، عندما كانوا يفقدون هيبتهم ويضيعون جهدهم وقوتهم في اقتتالهم، واستئثارهم واستبدادهم، واستعلائهم على شعوبهم ومواطنيهم. فتكون النتيجة هذا السقوط المُريع وهذا الاستسلام الذَّريع للعناصر المتغلِّبة، والقوى الأجنبية المتربصة.

ما أشبه اليوم بالأمس، والحكومات العربية تخرج من استعمار إلى آستعمار، ومن شراك إلي شراك، وإن بدت في هيئة مخملية ناعمة ( حضارية ) لذي نظر قصير، لا يهمه من الحياة إلا فرصة سانحة ينتهزها، أوغنيمة ينتهبها، غير عابئ بمصير أمة أصبح الآن عل كف عفريت.

من منا لم ير صور الرئيس العراقي السابق عندما أخرج من قبوه في وضعية مزرية، أو تماثيله المسحوبة على الأرض بطريقة مخزية.
لقد أعدت مشاهد السقوط هاته عن سابق قصد وإصرار من لدن العدو المتغلب إمعانا في إذلال أمة كاملة. وهذا بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا حول سيرة زعمائنا في السر والعلن، ألم يقل العرب قديما : ( يدك منك وإن كانت شلاء ؟!)…

ولا فرق عندي بين هذين السقوطين إذا تم استعراضهما فقط على سبيل الإخبار والاجترار، فمتى نتعلم؟ وإلى متى نسلم أمرنا إلى غيرنا؟!..

كنت دائما أردد مع نفسي: كم نحن كرماء مع غيرنا حتى السفه، وكم نحن بخلاء على أنفسنا لدرجة الشح والتقتير، وإن كنا أغنى أغنياء العالم بإرثنا الروحي والأدبي والأخلاقي وثرواتنا( البيترولية ) التى أخشى أن تنفد قبل أن نستفيد منها شيئا مهما يمكن أن ينفع لبناء نهضتنا العلمية والحضارية، أو على الأقل أن يصل بعض ريعها إلى المواطن العربي المغلوب على أمره، وهو يتجرع مرارة الحسرات تلوالحسرات عن عمر يفوته وعلم يكتسبه بجهده وتعبه دون أن يجد لنفسه موقعا في بلده الصغير بله في وطنه الكبير.

وقد يكفي مثلا أن نقارن بين ما تعده وزارات السياحة في بلداننا للسائح الغربي من خدمة وترفيه حتى تكاد تحس أن هذا السائح هو السيد الآمر في بلداننا، وبين ما تعده باقي الوزارات لأجيالنا الصاعدة من بنين وبنات، أو نعكس الصورة قليلا لنرى كيف يخدم المواطن العادي في بلاد الغرب، وكيف نستقبل نحن في ديارهم؟!!

مشهد القبح

كتب يوم الجمعة,كانون الأول 23, 2005

وإذا كنا قد تحدثتا سابقا عن قيمة التكرار المتوازن المنتظم في تكوين مشهد الجمال في جسد الإنسان وفي نفسه وفي العالم المحيط به، فإننا نتحدث الآن عن مشهد القبح، عندما يغيب التكرار، أو عندما يحضر هذا التكرار بشكل عشوائي متراكم ومتراكب، وسنحاول أن نوضح ذلك ببعض الأمثلة :

ــ ربما تكون عزيزي القارئ قد رأيت صورة ( عروس البحر المخيفة ) التي أدرجها أحد الإخوة من الأردن في صفحته، ويمكن أن نعتبرهذه الصورة، بغض النظر عن صحتها أو تلفيقها، نموذجا صالحا لما نحن بصدد معالجته الآن؛ وإذا تأملت هذه الصورة التي بلغت حدا كبيرا من البشاعة جعلت صاحب الصفحة المذكورة ينبه ذوي المشاعر الحساسة من مغبة رؤيتها، فإننا نجدها تخرج عن قاعدة التكرار التي رسمناها لمشهد الجمال، فهذه الصورة تتألف من عناصر متنافرة مشوهة لكائنين مختلفين أحدهما إنساني وآخربحري، وفي أوضاع غير مرتبة وناقصةالتكوين.
ولحسن الحظ فإن صاحب الصفحة المذكورة أدرج صورا جميلة لبعض الحسناوات ولبعض قطع الأثاث الجميلة ولبعض المصنوعات الأنيقة التي خففت من رعبها.

ــ ومن مشاهد القبح التي نطالعها في تراثنا العربي الصورة الخرافية التي رسمت ل( شق ) و( سطيح )، وهما من أشهر كهان العرب وسجاعها في الجاهلية. وأخبارهما موجودة في سيرة ابن هشام، وتاريخ الطبري، والكامل لابن الأثير، وفي كثير من المواقع الإلكترونية.

ــ أما شق فقد زعموا أنه كان شق إنسان، أي: نصفه؛ له يد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة.

ــ أما سطيح فزعموا أنه لم يكن له رأس ولا عنق، وأن وجهه كان في صدره، وأنه كان جسدا ملقى لا جوارح له … الخ

ومع هذا كله فقد كانا أعلم العرب في جاهليتها بالكهانة والسجع، فهل كانت عبقريتهما في العرافة والكهانة ضربا من التعويض عن مشهد الجمال الذي ينقصهما في تكوينهما الجسدي؟! وما رأيك عزيزي القارئ في الأطفال الخدج ناقصي الأعضاء أو الجوارح أوالتكوين، وفي التوأم السيامي ؟

ولله في خلقه شؤون، والحمد لله أولا وأخيرا.

مشهد الجمال

كتب يوم الخميس,كانون الأول 22, 2005

هل سألت عزيزي القارئ نفسك يوما، كيف يتولد الجمال؟
إنه يتولد بكل بساطة من التكرار، ولكن ليس ذلك التكرار العشوائي الفوضوي.
إنه التكرار المتوازن المنتظم المتناغم للشئ مع نفسه ومع محيطه الموجود فيه. أليس خَلْق الإنسان إلا نوعا من هذا التكرار الذي قصدناه، ألا يتكون من شقين متماثلين ينظر أحدهما إلى الآخر؟ : فاليد اليمنى مقابل اليسرى، وكذلك العين والأذن وبقية الأعضاء والجوارح، فكل واحدة لها نظير يشاكلها، ويعينها، ويقويها. وهل تستطيع أن تتخيل إنسانا بشق واحد ؟! أولا تكون النظرة الجانبية إلى الشخص ناقصة ومريبة حتى يقابلنا بكامل جسمه، أو نلف حوله لاستكمال بقية الصورة، وربما لهذا السبب لا تقبل صور الوجه الجانبية في الوثائق الرسمية؟

وأكثر من ذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يصنع أي شئ جميل دون أن يخلو من بعض مظاهر وخصائص التكرار، بحيث يصبح لكل جزء منه نظير واحد أو أكثر؛ وعليه، يمكن للنجار مثلا أن يبدع في صناعة طاولة بأرجل عديدة، ويخفق في صناعة طاولة منعدمة الأرجل أو برجل واحدة فقط، أو برجل ناقصة ليس لها نظير ضمن بقية الأرجل، ولو بلغت عدتها مائة رجل أو أكثر.

وقس على ذلك كل ما يحيط بك من شجر أو نبات أو زهر، وكل عمر الإنسان، و كل تقلبات الكون، وجميع دورات الحياة، الكل محكوم بقانون منتظم أساسه التكرار.

فحيثما يحضر التكرار المتناسب المنتظم في الشكل واللون والحجم والفضاء للشئ مع نفسه أو مع غيره إلا ويحضر معه قدر من الجمال قد يقل أو يكثر، وذلك بحسب طبيعة نظرة الأفراد والشعوب التي تختلف باختلاف العادة والملكة، و ظروف الزمان والمكان .

والشعور بالجمال إحساس شديد التعقيد، ولكن الثقافة والخبرة قد تعملان على إبرازه وصقله.

والتعبير عن الجمال الشكلي أوالروحي في الإنسان نفسه، أو فيما يصنعه أو يبدعه من خلال الكلام أو الرسم أو النحت وغير ذلك من وسائل التجسيد، جمال على جمال يبقى بعد فناء الأصل.

وهذا عيب الجمال الموضوعي لأ نه لا بد له من ذبول ثم أفول، إلا إذا وجد له شاعرا فذا أوكاتبا أو فنانا عبقريا يمنحه حياة باقية، ويضفي عليه جمالا آخر قد يكون الأبقى والأعمق، لأن الجمال الذي يصوره المبدعون والمبتكرون لا يكون في حيز زماني ومكاني معرض للتلف والتشويه في أي لحظة، لأنه قابع في مكان ما من النفس لا تصله أيدي المفسدين والعابثين.

الاختيار الصعب

كتب يوم الإثنين,كانون الأول 19, 2005

من منا لا تصيبه الحيرة عند المواقف الصعبة، فيتلجلج اللسان، وتضطرب الخطوات، بين رغبة ورهبة، وبين إقدام وإحجام، وخاصة عندما تتكالب علينا الدنيا، ويسلمنا الأهل والخلان إلى مصيرنا المحتوم. وعندها لا سبيل للفوز والنجاة إلا بالعزم والإقدام. فالعزم أقرب مسافة إلى النجاح. ورب لحظة تردد قصيرة فوتت على صاحبها الفرصة، وأورثته غما ملك عليه نفسه، ونغص عليه عيشه.

تذكرت في هذه اللحظة موقف تأبط شرا أحد الشعراء الجاهلية الصعاليك الشجعان، وقد أحاط به أعداؤه من بني لحيان، بأعلى الجبل حيث كان يشري ( يقطف) العسل، وهو أعزل مكشوف لأعدائه، وليس بين يديه إلا وطاب (قربة) العسل الذي ملأه للتو. وفي مسافة عزم أقل من لمح البصر صب العسل اللزج على صخرة الجبل، وانزلق بجسمه الرشيق المفتول عليها إلى الأسفل بعيدا، شامتا مستعذبا نشوة الظفر بالأعداء الذين تسمروا في مكانهم مذهولين بشجاعته، يقول تأبط شرا مختزلا هذا المشهد في أبيات قليلة الكلمات كثيرة الدلالات، وقد اختارها أبوتمام كإحدى أفضل مشاهد الحماسة في كتابه المشهور ب ( الحماسة ):
إذا المرء لم يَحْتل وقد جَدَّ جِــــــدُّه
أَضاع وقاسى أمره وهو مُدْبــــــــر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نـــازلا
به الخَطْب إلا وهو للقصد مُبصـــر
فذاك قَريعُ الدهر ما عاش حُـــــوَّل
إِذ سُد منه مَنْخِر جاش منخــِــــــــر
أقول لِلِحْيانٍ وقد صَفِرت لهـــــــــم
وِطابي ويومي ضيِّقُ الجُحْر مُعْــوِر
هما خُطَّتا إما إِسار ومِنَّـــــــــــــــة
وإما دم والقتل بالحر أجـــــــــــــدر
وأخرى أُصادي النفس عنها وإنهــا
لمورد حَزم إن فعلت ومَصْـــــــدر
فرشت لها صدري فزَلَّ عن الصفـا
به جُؤجُؤ عَبْل ومتن مُخَصَّــــــــــر
فخالط سهل الأرض لم يَكْدح الصفا
به كَدْحَةً والموت خَزْيانُ ينظُـــــــر
فأُبْت إلى فَهْمٍ ولم أكُ آيبــــــــــــــا
وكم مِثْلِها فارقتها وهي تَصْفِـــــــر