الجمعة، 8 فبراير 2008

مشهد الجمال

كتب يوم الخميس,كانون الأول 22, 2005

هل سألت عزيزي القارئ نفسك يوما، كيف يتولد الجمال؟
إنه يتولد بكل بساطة من التكرار، ولكن ليس ذلك التكرار العشوائي الفوضوي.
إنه التكرار المتوازن المنتظم المتناغم للشئ مع نفسه ومع محيطه الموجود فيه. أليس خَلْق الإنسان إلا نوعا من هذا التكرار الذي قصدناه، ألا يتكون من شقين متماثلين ينظر أحدهما إلى الآخر؟ : فاليد اليمنى مقابل اليسرى، وكذلك العين والأذن وبقية الأعضاء والجوارح، فكل واحدة لها نظير يشاكلها، ويعينها، ويقويها. وهل تستطيع أن تتخيل إنسانا بشق واحد ؟! أولا تكون النظرة الجانبية إلى الشخص ناقصة ومريبة حتى يقابلنا بكامل جسمه، أو نلف حوله لاستكمال بقية الصورة، وربما لهذا السبب لا تقبل صور الوجه الجانبية في الوثائق الرسمية؟

وأكثر من ذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يصنع أي شئ جميل دون أن يخلو من بعض مظاهر وخصائص التكرار، بحيث يصبح لكل جزء منه نظير واحد أو أكثر؛ وعليه، يمكن للنجار مثلا أن يبدع في صناعة طاولة بأرجل عديدة، ويخفق في صناعة طاولة منعدمة الأرجل أو برجل واحدة فقط، أو برجل ناقصة ليس لها نظير ضمن بقية الأرجل، ولو بلغت عدتها مائة رجل أو أكثر.

وقس على ذلك كل ما يحيط بك من شجر أو نبات أو زهر، وكل عمر الإنسان، و كل تقلبات الكون، وجميع دورات الحياة، الكل محكوم بقانون منتظم أساسه التكرار.

فحيثما يحضر التكرار المتناسب المنتظم في الشكل واللون والحجم والفضاء للشئ مع نفسه أو مع غيره إلا ويحضر معه قدر من الجمال قد يقل أو يكثر، وذلك بحسب طبيعة نظرة الأفراد والشعوب التي تختلف باختلاف العادة والملكة، و ظروف الزمان والمكان .

والشعور بالجمال إحساس شديد التعقيد، ولكن الثقافة والخبرة قد تعملان على إبرازه وصقله.

والتعبير عن الجمال الشكلي أوالروحي في الإنسان نفسه، أو فيما يصنعه أو يبدعه من خلال الكلام أو الرسم أو النحت وغير ذلك من وسائل التجسيد، جمال على جمال يبقى بعد فناء الأصل.

وهذا عيب الجمال الموضوعي لأ نه لا بد له من ذبول ثم أفول، إلا إذا وجد له شاعرا فذا أوكاتبا أو فنانا عبقريا يمنحه حياة باقية، ويضفي عليه جمالا آخر قد يكون الأبقى والأعمق، لأن الجمال الذي يصوره المبدعون والمبتكرون لا يكون في حيز زماني ومكاني معرض للتلف والتشويه في أي لحظة، لأنه قابع في مكان ما من النفس لا تصله أيدي المفسدين والعابثين.

ليست هناك تعليقات: