الجمعة، 8 فبراير 2008

السلطان والرعية.. ومسألة الحرية

كتب يوم الخميس,كانون الثاني 19, 2006

مقام الحرية مقام عزيز، والناس على الحرية مذ كانوا أول الأمر، ولكن المستبدين منا صادروها واحتكروها لأنفسهم، وانقلب حال كثير من الأفراد والشعوب إلى الرق والعبودية، وصار الشعار الذي رفع قديما:
( الناس على الحرية حتى يصح الرق )، معكوسا، أي: ( الناس على الرق حتى تصح الحرية).
وأصبح استرداد هذا الحق اليوم، حتى في رغيف الخبز، وفي مجرد العيش الكريم لكثير من الأفراد والأمم دونه خرط القتاد، وتيهان في أروقة المحاكم القطرية أو المحافل الدولية بمقرراتها واجتمعاتها الماراطونية التي لا تحاك ولا تحبك إلا على حساب المستضعفين وغير المتنفذين …

وحتى لا نتيه في تفاصيل الحرية الكونية، فلنحصر حديثنا عن هذه القضية والإشكالية في أمر سياسة السلطان العربي للرعية .
في البداية لا بد أن أعترف بأن المتحدث في شؤون السياسة في عالمنا العربي كالمصطلي بالنار في هذه الأيام العالمية الباردة، فقد يؤذي نفسه، من حيث يريد أن ينشر الدفئ لنفسه وغيره؛ وقد تثور حوله عاصفة نارية قد تنبعث حتى من تحت كومة الرماد الذي قد يظنه خامدا.

في سياسة الراعي والرعية، في المشهد التراثي العربي القديم، ثلاثة ملامح بارزة:

الملمح الأول:
تميز السلطان عن الرعية؛ فقد قيل: إن من أخلاق السلطان حب التفرد، وكان الحجاج المشهور باستبداه وعمامته إذا وضع على رأسه عمامته لم يجترئ أحد من خلق الله أن يدخل عليه بمثلها.
وقيل عن ملك بأرض اليمن إنه ما كان أحد من رعيته يأكل الإوز غيره.

الملمح الثاني:
الترهيب قبل الترغيب، فقد روي عن الحجاج أيضا قوله: سلطان تخافه الرعية خير من سلطان يخافها.
وروي عن العتابي الشاعر العباسي المشهور: لم لا تصحب السلطان على ما فيك من الأدب؟! قال: لأني رأيته يعطي عشرة آلاف في غير شئ، ويرمي من السور في غير شئ، ولا أدري أي الرجلين أكون.

الملمح الثالث والأخير:
حق السلطان في الفحص والتجسس عن أسرار رعيته.. كما تفعل أعتى الأنظمة الدولية الآن، ويضاف إلى ذلك شراء الكلام المنظوم والمنثور الذي يحتوي مدحا وإطراء بأغلى الأثمان، حتى جعلت للأشعار أسعار في بورصة الكلام، تماما كما هو حاصل الآن في المشهد الإعلامي السمعي والبصري، حيث الأقلام والدعايات المأجورة المموهة بماء الكذب والنفاق قد غطت على صوت أصحاب الحق والمظلومين.

ومن عجائب المشهد السياسي، في الزمن العربي القديم حكاية وزير الخليفة العباسي المقتدي بالله أبي شجاع؛ واسمه ظهير الدين محمد بن الحسين الهمداني.
وهو صاحب البيت الشعري المشهور، الذي استوعب فيه حقيقة السياسة، في زمانه، وربما في زماننا هذا أيضا:
تولاها وليس له عدو ـ وفارقها وليس له صديق

وهذا البيت قاله عندما عزل من الوزارة، وأمر بلزوم بيته، لا لشئ إلا لأنه آثر سياسة التصالح مع الرعية، وانحاز إلى جانبها، وأظهركثيرا من الحلم والعطف في تدبير شؤونها، حتى قال له المقتدي يوما:
إن الأمور لا تمشي بهذا اللين الذي تستعمله، وقد أطمعت الناس بحلمك وتجاوزك.
وعندما أمره بنقض دور عشرة من كبار الملاك في بغداد عندما حصلت الفتنة بين الشيعة والسنة، حتى تقوم سياسة الخليفة المقتدي على الأرض، وتتوقف الفتن أرسل الوزير إلى المحتسب وقال له:
قد تقدم الخليفة بنقض دور عشرة من كبار أهل المحال، ولا تمكننى المراجعة فيهم، وما آمن أن يكون فيهم أحد غير مستحق للمؤاخذة، أو أن يكون الملك ليس له، فأريد أن تبعث ثقاتك إلى هذه المحال وتشتري أملاك هؤلاء المتهمين. فإذا صارت الأملاك لي نقضتها. وأسلم بذلك من الإثم ومن سخط الخليفة. ونقده الثمن في الحال، ففعل المحتسب ذلك، ثم بعد ذلك أرسل ونقضها.
وهذا عكس ما يحصل الأن في زمن الاستبداد ( المعولم ) حيث تدك البيوت على رؤوس أصحابها المساكين دون سابق إنذار، ودون أي تعويض يذكر…

وذكر المؤرخون بعد أن أثنوا جميعهم على سيرة هذا الوزير ( الفلتة )، أنه عندما صرف من الوزارة انثالت عليه العامة بتلقائية في طريقه إلى بيته تصافحه وتدعو له، وتشكر له حسن صنيعه.. وظن الخليفة أنه إنما قصد التظاهر بذلك مع العامة تشنيعا على الدولة. فأمره بلزوم داره وأن لا يخرج منها إلا بإذن خاص، وأنكر على كل من مشى معه.

ثم إن هذا الوزيرتزهد بعد إقصائه من وزارته العجيبة التي يبدو أنها قد اخترقت ناموس الطبيعية الاستبدادية!!! ولبس ثيابا خشنة، وطلب الإذن بالتوجه إلى الحج، ثم جاور بالمدينة المنورة يكنس المسجد النبوي، ويفرش الحصر، ويشعل المصابيح. وتوفي سنة 488 هج.

كلمات في الحب والعشق

كتب يوم الخميس,كانون الثاني 19, 2006

قيل عن الحب، وقد مر معنا طرف منه في غرائب العشاق، في إدراج سابق:
الحب أوله ختل وآخره قتل.

وقالوا عن المحبة:
إنها هي الموافقة، وأشد الموافقات الموافقة بالقلب.

وقيل عن المحبة أيضا إنها:
استقلال الكثير من نفسك، واستكثار القليل من حبيبك.

وروي عن بعض الصوفية أنه قال:
لا تصلح المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر: ياأنا.

ومن غرائب الكلام عن الحب، ماذكره ابن مسروق، قال:
رأيت سمنون المحب يتكلم في المحبة فتكسرت قناديل المسجد كلها.

وذكروا من أعراض الحب علامات كثيرة؛ ومنها:
الوجوم، والإطراق، والوحدة، ونحول الجسم، والسهر، والقلق، والحزن الكبير عند جفاء المحبوب أو إعراضه..
وذكر ابن حزم الأندلسي المشهور في عالم الحب بكتابه: (طوق الحمامة) أن من علامات الحب، عند المحبين البكاء.
غير أن منهم من يكون غزير الدمعة، ومنهم من يكون جمود العين عديم الدمع، واعترف ابن حزم أنه كان جامد العين عديم الدمع، ولكن ليس بسبب قساوة في القلب، بل لسبب خلقي ولحادث مرضي عرض له حبس دمعه

وكان امرؤ القيس أول من بكا واستبكى في شعره كما هو معلوم في تاريخ الشعر العربي، في مطلع معلقته الشهير:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل….

وللشعراء حديث طويل مع البكاء والدموع والمقل الغزيرة والجافة.
ومن أغرب حكايات البكاء والدموع أن تجود عين بالدمع وتمسك الأخرى كما في الحكاية التالية:

حكي أن بعض أهل الهند عشق جارية، فرحلت الجارية، فخرج الرجل في وداعها، فدمعت إحدى عينيه دون الأخرى، فغمض التي لم تدمع أربعا وثمانين سنة، ولم يفتحها عقوبة لها، لأنها لم تبك على فراق حبيبته.
وفي هذا المعنى أنشد أحد الشعراء أيضا:

بكت عيني غداة البين دمعا
وأخرى بالبكا بخلت علينـا
فعاتبت التي بخلت بدمــــع
بأن غمضتها يوم التقينــــا

الإنترنت بين جيلين

كتب يوم الأربعاء,كانون الثاني 18, 2006

قصص الناس اليوم، مع الأنترنت بسيطة ومثيرة، ضحلة وعميقة؛ فقد تكون بسيطة وعادية وسطحية لمن لا يلامس الأنترت إلا لأجل استقبال البريد العادي أو إرساله، أو لأجل الدردشة الحياتية الروتينية مع الأهل والأصدقاء.

ولكن هذه القصص قد تصبح مثيرة عندما تتسع دائرة الأنترنت لديك، ويأخذك شغف الإبحار في محيطه إلى أعماق أعماقه. وقد يستغرقك هوس البحث والتنقيب في صفحات الأنترت المتنوعة استغراقا يذهلك عن مرور الوقت، حتى أنك تتمنى أحيانا لو تبطئ عجلة الزمن، أو تتوقف عقارب الساعة عن حساب دقائق عمرك، حتى يتسنى لك أن تقرأ أكبر عدد ممكن من صفحاته.

لكن، هيهات، هيهات!!؛ فالعمر قصير والطموح كبير، وأتعاب الجسم في ازدياد، مع إدمان الجلوس الطويل والتحديق المباشر المركز في شاشة الحاسوب، وما قد يتبع ذلك من آلام وأضرار على صحة العين والجسد، وخاصة بالنسبة لجسد جيلنا، جيل الستينات الذي حفرت فيه الأخاديد تلو الأخاديد، وأنهكه التاريخ المفعم بأروع الإحباطات والهزائم!!، وصودرت منه أمال هذا الوطن العربي العريض الجريح في الطفرة والنهضة…

لقد ضاعت معظم أحلام أدباء وعلماء ومثقفي الستينات من القرن الماضي، بين نكسة ونكبة، وبين ظلم هذا واستبداد ذاك. ولم يبق من أطيافها الجميلة إلا ما يتردد الآن على لسان فيروز أو أم كلثوم أو محمد عبد الوهاب، أو ما يقرأ في أشعار البياتي أو أمل دنقل أو في روايات نجيب محفوظ ، ومسرح سعدالله ونوس واللائحة طويلة جدا وممتدة شرقا وغربا والحمد لله، ولكن تبقى في النفس أشياء كثيرة من حتَّى…!!!

كم نغبط أجيالنا العربية الصاعدة!! فمن حظهم الطيب أن يبدأوا من حيث انتهينا، ولديهم متسع من الوقت والصحة ليكونوا أحسن منا، إذا استطاعوا النفاذ إلى جواهر الأشياء…
غير أن واقع الحال خلاف ذلك؛ فمعظمهم يؤثر السباحة في المناطق الضحلة؛ وشغلهم الشاغل تحميل آخر نغمة أو لعبة، أو آخر صورة لنجومهم المفضلة، أو إرسال رسائل (الشات) الركيكة العبثية لتدرج على صفحات الأنترنت أو في الهوامش المبعثرة لشاشات أغلب الفضائيات العربية…

وربما حق لهم أن يقفوا عند حدود القشور ولا يتجاوزوها إلى اللب والنواة، وهل وراء القشور غير مرارة النواة والحنظل!!!

ومن الحب ما قتل

كتب يوم الثلاثاء,كانون الثاني 17, 2006

تختلف مذاهب الناس في العشق والحب باختلاف طبائعهم في الألفة والمودة، وتباين قلوبهم في الرقة والقسوة.
وتحدث القدماء كثيرا عن أثر الشعور بالجمال بين المتحابين في تمكين الألفة بينهما، بغض النظر عن موضوع الجمال أوالقبح، في حد ذاتهما. وقد بينا ذلك سابقا، كما مر معنا كيف اختار أحمد بن حنبل الزواج بالعوراء الدميمة على أختها الجميلة، لأنه آثر زواج العقول والأرواح على زواج الأجساد والأشباح..
وأجاز الشرع للرجل النظر إلى وجه المرأة قبل التزويج، تمكينا للألفة بين الطرفين، قال الأعمش: (كل تزويج يقع على غير نظر فآخره هم وغم) .

وأمرالجمال والقبح، في حد ذاتهما، نسبي، فلا نهاية لهما ولا بداية. وليس هناك وصف كامل يمكن أن يحيط بهما، ولو تعاون على ذلك جميع مبدعي العالم، في فن الكلام الشعري والقصصي والدرامي، أو حتى في الأشكال المختلفة والمبهرة لفنون الرسم والتلوين والنحت والتصوير الثابت أو المتحرك…

ولكن، في أيامنا هذه، قد تتساوى القبيحة مع الجميلة تماما ـ كما قد يتساوى الباطل مع الحق وزيادة ـ إذا تدخلت قوة مشراط الطبيب الجراح، لتعديل قسمات الجسد والوجه بالزيادة أو الحذف أو التعويض، حتى تعتدل على أحسن وجه ـ تماما كما في (خطة الطريق) الأمريكية ووصيفتها لترميم وهندسة الجسد العربي القبيح ، حسب زعمها ـ.إذ لا فرق عندي بين جسد المواطن والوطن، فهذا من ذاك، ما دمنا نتحدث عن القبح والجمال، سواء في أجساد البشر أو أجساد الأمم، فأصل العشق واحد، وقد يتعدد ولكنه لا يتجزأ.

والجمال المصنوع أو المجلوب بوسائل الجراحة الترميمية أو التعويضية أو بوسائل الزينة التقليدية والعصرية أمر شغل القدماء أيضا، والحديث فيه ذوشجون. وربما عدنا إليه في إدراجات لاحقة.

أما الأن، فنود أن نختم هذا الحديث ببعض الحكايات العجيبة التي كانت تعرض للمحبين والعشاق قديما، فيما يشبه الخيال الحالم المتجاوز لكل الحدود، وليتأكد لنا أن موضوع الحب أبعد من كل وصف، وأسمى من أن يبقى محصورا في حديث صور الأجسام الجميلة أو القبيحة..
فللمحبين عجائب قد لا يتصورها البعض حتى في الخيال:

الحكاية الأولى:
روي عن عمر بن الحارث الرافعي قال: كنت في مجلس بالرقة عند صديق لي، وكان معنا فتى يتعشق جارية مغنية، وكانت معنا في المجلس فضربت بالقضيب وغنت:

علامة ذل الهوى ـ على العاشقين البكا
ولاسيما عاشــق ـ إذا لم يجد مشتــكى


فقال لها الفتى: أحسنت والله ياسيدتي، أفتأذنين لي أن أموت؟!! فقالت : مت راشدا!!
قال: فوضع رأسه على الوسادة وأطبق فمه وغمض عينيه، فحركناه فإذا هو ميت.

الحكاية الثانية:
قال سمنون المحب: كان في جيراننا رجل وله جارية يحبها غاية الحب، فاعتلت الجارية فجلس الرجل يصلح لها حيسا، فبينما هو يحرك القدر إذ قالت الجارية: آه!! قال : فدهش الرجل وسقطت الملعقة من يده وجعل يحرك ما في القدر بيده حتى سقطت أصابعه!! فقالت الجارية: ما هذا؟!! قال : هذا مكان قولك: آه!!

الحكاية الأخيرة، وليست الآخرة:
حكي عن محمد بن عبد الله البغدادي قال: رأيت بالبصرة شابا على سطح مرتفع، وقد أشرف على الناس وهو يقول:

من مات عاشقا فليمت هكذا ـ لا خير في عشق بلا موت
ثم رمى بنفسه الأرض، فحملوه ميتا

وللناس في العشق مذاهب!! وهل الموت في سبييل الحق والوطن والهوية والحرية.. إلا عشق، على عشق، على عشق….!!!
أما عبارات الناس عن الحب والمحبة فكثيرة، وسندرج بعضها لاحقا.

الجمال والقبح … وجها لوجه

كتب يوم الإثنين,كانون الثاني 16, 2006

الجمال معدود، عند البعض، من الخيرات والنعم، وكنز لصاحبته يأتيها طوعا دون أن تسعى إليه، مثله مثل باقي النعم الأخرى التي فضل الله بها بعضا على بعض، من خلقه.
ومعلوم لكل ذي بصيرة نافذة أن كل ما منحه الله تعالى للإنسان من سائر الأوصاف الخِلْقية والخُلُقية والطباع والقدرات العلمية والعملية إنما هو هبة منه، سبحانه وتعالى، ابتدأه بها مذ كان نطفة في رحم مظلم.

ومع هذا قد تغتر الحسناء بجمالها فتغفل عن هذه الحقيقة، وقد يتملكها الغيظ فلا تطيق رؤية الحلي والجواهرعلى أختها الدميمة، وتستكثر عليها ذلك فتعجب وتقول: كيف يُحرم جمالها من الغنى والزينة ويُخصص مثل ذلك لتلك القبيحة؟!!
ثم إذا وُوجهت بالحقيقة، وخُيِّرت بين الجمال مع الفقر، وبين القبح مع الغنى عاد إليها رشدها وصوابها قليلا، فآثرت الجمال على ما سواه، أو تظاهرت بذلك في علانيتها دون سرها.

وحقا، للجمال، في عصرنا هذا، نوع من النفوذ والقوة، إذ تقدر الجميلة على إنجاز حاجات قد لا تقدر عليها القبيحة، ألا ترى كيف يفسح الرجال عادة للحسناوات بتلقائية لامتناهية، في الطريق، وفي قاعات الانتظار، وفي كراسي الحافلات والقطارات… أما القبيحة فقد اعتادت أن تدفع وتدافع، وتنتظر طويلا حتى يأتيها الدور.
وإذا نظرت إلى المجلات النسائية، لا تجد فيها غير صور الحسناوات الرشيقات الممشوقات القوام، وكأن ليس هناك قبيحة في العالم..!!.
وللحسناوات المحظوظات في مهرجانات الجمال القُطرية والعالمية حظ كبير لم يكن ليخطر لهن على بال، من الجاه والشهرة، ومواعيد تلو المواعيد مع شركات إنتاج وتسويق الصور المتحركة والثابتة…
وإذا تصفحت مواقع الأنترنت تجد أن أكثر المواقع جذبا تلك التي تعج بصور الجميلات اللائي يعرضن فيها فتنة أجسادهن جملة أو تفصيلا، وبأخبارهن المثيرة في إدارة أعناق الرجال… ولكن ما نصيب القبيحات من كل ذلك، وقد يكن السواد الأعظم؟!!

إن نظرة الناس إلى القبيحة في الحاضر والماضي يشوبها، في الغالب، قدر من التنقيص والإجحاف؛ فيينسبون إليها كل الأفعال القبيحة والخصال المذمومة، ويجعلون ظاهرها عنوانا مكتوبا بالبند العريض على مخبرها، حتى ولو بقيت صامتة لا تتكلم… وحتى في رسوم الأطفال التي يقال عنها إنها بريئة لاتصور الأفعال الخسيسة والطباع الدنيئة إلا من خلال وجوههن القبيحة فينشأ الأطفال على كره القبيحات…
وقليلة هي تلك الأعمال أو الأخبار التى حاولت أن تنصف القبيحات، وأن تنفذ إلى دواخلهن !!

إن القدر الأعظم من الجمال يتشكل في الجواهر لا في الأعراض، فالصور الباطنية الجميلة حقا هي التي تحملنا على حب أشخاص لا نراهم بعيون رؤسنا، بل بعيون قلوبنا وبصيرتنا لفضلهم وخيرهم وإنسانيتهم، كما مر معنا سابقا في قصة بشار بن برد.

وإدراك الجمال في حد ذاته نوع من اللذة كتلذذنا برؤية خضرة الربيع، وجريان المياه العذبة، وبمناظر الثلوج على أسطح البيوت وقمم الجبال، إذ ليس في رؤية هذه المشاهد الخلابة طمع في تملكها أو الاستئثار بها دون الغير، أو حتى مجرد التفكير في أكلها أو شربها…
والذي فقد البصر قد لا يدرك لذة جمال تلك الصور والمشاهد، على حقيقتها وطبيعتها الصافية النقية، تماما كالذي فقد السمع لأنه لا يعرف لذة الألحان والنغمات الموزونة على حقيقتها كذبذبات عذبة غير منظورة تتخلل الجو، وكذالك الأمر بالنسبة لفاقد حاسة الشم واللمس…
ولكن فاقد القلب قد لا يدرك أبدا حقيقة وجوهر هذه اللذات كلها، ولو سَِلمت جميعُ أعضائه وحواسه…
وربما تكون سلامة حاسة القلب هي التي قادت الإمام أحمد بن حنبل إلى تفضيل العوراء القبيحة على أختها الحسناء الجميلة حين رجح لديه فضلها وعلمها، وهي التي جعلت بعض الزهاد يُقبلون على القبيحة، ويقبلون العيش تحت ظلالها…
وربما اعتبروا تحمل النظر إلى وجهها الدميم نوعا من الزلفى تقربهم من نعيم الجنة ومن الحور العين….

رسالة إلى الله .. وتوبة الجبابرة

كتب يوم الأحد,كانون الثاني 15, 2006

ما عاد ساستنا وحكامنا يجتمعون كالسابق. فقد مضى زمن غيريسير، ولم يعقدوا مؤتمرا من مؤتمراتهم العادية أوالطارئة!!.
ويبدو أن عقارب أمريكا ووصيفتها السامة قد دبت بينهم، وألقت بنار فتنتها في ساحاتهم، فأخذ زيد يضرب عمروا، وبدأ الأخضر يحترق باليابس، والصحيح يُعدي المريض، حتى غُم الأمرُ على الجميع، وما عاد يعرف القاتل من المقتول، ولا الجلاد من الضحية، ومضى كل واحد في سبيله يلتمس النجاة لنفسه، محاذرا أو مهادنا أومحتالا أومساوما ….

ترى، ماذا كان يفعل حكامنا في الزمن العربي القديم، عندما كانت تشتد عليهم المحن، وتدور عليهم دوائر الطغاة من عدو ظاهر أو باطن؟؟!!..

نقدم الآن بعض ملامح هذا الجواب من خلال سرد قصة الخليفة العباسي القائم بأمر الله عندما بغى عليه البساسيري في منتصف القرن الهجري الرابع.
وكان قصده من ثورته على القائم بأمر الله أن يمحو من بغداد رسوم الخلافة العباسية، كما تسعى أمريكا الأن إلى محو كل رسومها العربية…
ولكن القائم بأمر الله ما دعا إلى عقد مؤتمر قمة طارئ أو عاجل جدا، بل كتب رسالته إلى ربه ورب كل العباد، عز وجل، يشكو إليه ضعفه وتقصيره في حقه تعالى، وفي حق المواطنين من عباده،
فهلا اقتدى حكامنا به؟!!، واتفقوا صادقين على كتابة رسالة واحدة إلى ربهم، ثم أمروا بتعليقها على الكعبة ليعلم مواطنونهم المطحونون برحى هذه الفتنة إخلاصهم وصدقهم، وليدفع عنهم ربهم شرور البلاء المحدقة بهم.؟!!

وإليكم نص هذه الرسالة كما ورد في كتاب ( بدائع السلك في طبائع الملك ) :

( بسم الله الرحمان الرحيم، إلى الله العظيم، من عبده المسكين.
اللهم إنك عالم بالسرائر، ومطلع على مكنونات الضمائر.
اللهم إنك غني بعلمك واطلاعك على أمور خلقك عن إعلامي لك.
وهذا عبد من عبيدك قد كفر نعمتك وما شكرها، وألقى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك، وتجبر بأمانك حتى تعدى علينا بغيا، وأساء إلينا عتوا وعدوا.
اللهم قل الناصر، واعتز الظالم، وأنت المطلع العالم، والمنصف الحاكم، بك نستعين عليه، وإليك نهرب من يديه، فقد تعزز بالمخلوقين ونحن نستعين بالله رب العالمين.
اللهم إنا حكَّمناه إليك، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلماتك إلى حلمك، ووثقنا في كشفها بكرمك، فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين، وأظهر قدرتك فيه، وأرنا ما نرتجيه، فقد أخذته العزة بالإثم.
اللهم فاسلبه عزه، وملكنا بقدرتك ناصيته، ياأرحم الراحمين يارب العالمين.
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيئين وعلى آله الطيبين وسلم تسليما
).

فلما وصل الكتاب إلى مكة، وعلق على باب الكعبة، ودعا بما فيه، ذُبِح البساسيري في ذلك اليوم وهُزم جيشه على يد المظفر طُغْرل بن ميكال الغَزي صاحب خراسان، وأعاد الخليفة إلى ما كان من حاله، ورجع إلى داره.

وهاهو الزمن قد دار دورته، مرة أخرى ، وعاد الأمر إلى ما كان عليه زمن القائم بأمر الله أو أفدح..!!

صناعة الغواية

كتب يوم السبت,كانون الثاني 14, 2006

كان للمرأة الجارية أو القينة دور كبير في المجتمع العباسي. والقينة بخلاف المرأة الحرة التي بقيت قابعة في البيت، هي الوحيدة التي سمح لها بالتسلل إلى مجتمع الذكور ومطارحتهم في مجالسهم الخاصة بأشكال الغواية المختلفة. وقد تم إعدادها لأداء هذا الدورإعدادا خاصا من لدن المقينين والنخاسين لجلب أكبر عدد ممكن من الزبائن و(المربوطين).

وللجاحظ رسالة مشهورة كتبها عن القيان أراد من خلالها أن يميط اللثام عن سر صناعة الغواية لديهن، وأن يكشف خيوط شراكها المتشابكة التي إذا وقع فيها المربوط، لن يجد لنفسه فكاكا حتى يؤدي الثمن غاليا من حرعرضه وماله.
وقد حذر الجاحظ منهن ومن غوايتهن رغم اعترافه بفضلهن على كثير من مثيلاتهن من النساء الحرائر القابعات في ظلمة البيوت قسرا، وتفوقهن عليهن بحسن اطلاعهن وثقافتهن، وحفظهن لغزير الشعر، ومعرفتهن بفن الكتابة والمراسلة، بالإضافة إلى حذقهن لكثير من الصناعات قال:
(ومن الآفة عشق القيان على كثرة فضائلهن، وسكون النفس إليهن، وأنهن يجمعن للإنسان من اللذات ما لا يجتمع في شئ على وجه الأرض).
وعلل ذلك بعدم إخلاصهن وسرعة تلونهن وكيلهن لجميع الرجال بمكيال واحد وذلك:

( أن القينة لا تكاد تُخالصُ في عشقها ولا تُناصح في ودها، لأنها مكْتسبة ومجبولة على نصب الحِبالة والشَّرّك للمُتربطين ليقْتحموا في أُنْشُوطتها، فإذا شاهدها المشاهد رامته باللحظ، وداعبته بالتبسم، وغازلته في أشعار الغناء، ولَهِجت باقتراحاته، ونَشِطت للشرب عند شربه، وأظهرت الشوق إلى طول مُكْثه، والصبابة لسرعة عودته، والحزن لفراقه. فإذا أحست بأن سحرها قد نفذ فيه، وأنه قد تعقَّل في الشَّرَك، تزَيَّدت فيما كانت قد شرعت فيه، وأوهمته أن الذي بها أكثر مما به منها. ثم كاتبته تشكو إليه هواه، وتقسم أنها مدَّت الدواةَ بدمعتها، وبلت السَّحاءة بريقها، وأنه شَجْبُها وشّجْوُها في فِكرتها وضميرها، في ليلها ونهارها، وأنها لا تريد سواه، ولا تؤثر أحدا على هواه، ولا تنوي انحرافا عنه، ولا تريده لماله بل لنفسه. ثم جعلت الكتاب في سُدُس طومار، وختمته بزعفران، وشدته بقطعة سَيْر، وأظهرت ستره عن مواليها ليكون المغرور أوثق بها، وألحت في اقتِضاء جوابه، فإن أجيبت عنه ادعت أنها قد صيرت الجواب سلوتها، وأقامت الكتاب مقام رؤيته…
وحمته النظر إلى صواحباتها، وسقته أنصاف أقداحها، وجمَّشته بعضوض تفاحها، وزودته عند انصرافه خُصلة من شعرها، وقطعة من مُرْطها، وشَظِيَّة من مِضرابها، وأهدت إليه في النَّيروز تكَّةٌ وسكرا، وفي المهرجان خاتما وتفاحة، ونقشت على خاتمها اسمه، وغنته إذا رأته:
نظَرُالمُحِب إلى الحبيب نعيم
وصُدوده خطر عليك عظيم
ثم أخبرته أنها لا تنام شوقا إليه، ولا تتهنأ بالطعام وّجْدا به، ولا تمل، إذا غاب، الدموع فيه، ولا ذكرته إلا تنغصت، ولا هتفت باسمه إلا ارتاعت، وأنها قد جمعت قنينة من دموعها من البكاء عليه…
وربما شاركت صاحبها في البلوى حتى تأتي إليه بيته فتمكنه من القبلة فما فوقها، وتفرشه نفسها إن استحل ذلك منها.. وادعت الحرية احتيالا لأن يملكها، وإشفاقا أن يجتاحه كثرة ثمنها، ولا سيما إذا صادفته حلو الشمائل، رشيق الإشارة، عذب اللفظ، دقيق الفهم، خفيف الروح، فإن كان يقول الشعر ويتمثل به أو يترنم كان أحظى له عندها..
وأكثر أمرها قلة المناصحة واستعمال الغدر والحيلة في استعطاف ما يحويه المربوط والانتقال عنه.
وربما اجتمع عندها من مربوطيها ثلاثة أو أربعة على أنهم يتحامون من الاجتماع، ويتغايرون عند الالتقاء. فتبكي لواحد بعين، وتضحك للآخر بالأخرى، وتغمز هذا بذاك، وتعطي واحدا سرها والآخر علا نيتها، وتوهمه أنها له دون الآخر، وأن الذي تظهره خلاف ضميرها، وتكتب إليهم عند الانصراف كتبا على نسخة واحدة، تذكر لكل واحد منهم تبرمها وحرصها على الخلوة به دونهم.
وليس هذا بذم لهن، ولكنه من فرط المدح، وقد جاء في الأثر: ( خير نسائكم السواحر الخلابات ). وليس ما يحسن هاروت وماروت، وعصا موسى وسحرة فرعون إلا دون ما يحسنه القيان
).

وقد اعتبر الجاحظ أن القينة نتاج تنشئة لمجتمع جديد صار يستهلك جسد المرأة كأي سلعة معروضة على رفوف الحوانيت قال:

( وكيف تسلم القينة من الفتنة أو يمكنها أن تكون عفيفة، وإنما تكتسب الأهواء، وتتعلم الألسن والأخلاق بالمنشأ. وهي تنشأ من لدن مولدها إلى أوان وفاتها بما يصد عن ذكر الله من لهو الحديث وصنوف اللعب والأخانيث وبين الخُلَعاء والمُجَّان، ومن لا يسمع منه كلمة جِد ولا يرجع منه إلى ثقة ولا دين ولا صيانة ولا مُرُوَّة ).

غير أن الرابح الأكبر من تجارة التقيين هو المقين النخاس الذي في يده زمام أمرها؛ فهي أمته، وتحت يديه صك عبوديتها، وإليه يعود معظم ريع سحر غوايتها مما تسلبه من مربوطيها من كنوز وأموال منقولة وغير منقولة، قال:

( والمقين يأخذ الجوهر ويعطي العَرَض، ويفوز بالعين ويعطي الأثر، ويبيع الريح الهابة بالذهب الجامد…
وهو الذي يُعِد لكل مربوط عُدة على حِدة، كما يميز التاجر أصناف تجارته فيسعرها على مقاديرها
).

وصناعات التقيين في عصر الجاحظ وفنون تسويق الغواية لا تختلف في شئ عن مثيلاتها في زمننا هذا، زمن العولمة، إلا في الوسائل التقنية الجديدة التي يسرت إيصال منتوج الغواية إلى القاصي والداني، ومشاهد الغواية السافرة والمحجبة صارت مألوفة لدى الناس تصحبهم في بيوتهم ليلا ونهارا، بمجرد ضغطة زر بسيطة لجهاز عرض صوتي أو مرئي، أو لمجرد الصدفة ودون قصد، عند تقليب صفحات الأنترنت، أو البريد الإلكتروني.

موقع المرأة العربية في دنيا الحياة الوزجية

كتب يوم السبت,كانون الثاني 14, 2006

ربما تغيرت مشاعر الرجل العربي قليلا أو كثيرا تجاه زوجته عند مقدم الأطفال إلى دنيا حياتهما. فترجح عاطفة الأبوة الجامحة على كل العواطف التى ادخرها لها سابقا، ويدخل الزوج مرحلة جديدة من الهواجس تكاد تشغله تماما عنها.

ويعلق الأب، خلال فترة الحمل، كل آماله العريضة على مافي بطن الأم، وتتملكه مشاعر خوف كبيرة على الوضع الصحي لخلفه وسره غير عابئ بمصير الأم والزوجة، وخاصة عندما تضطره ظروف عمله إلى التغيب عن بيت الأسرة، فتصيبه حالة من الذهول المزمنة تكاد تنسيه أن في حياته امرأة وزوجة؛ فإذا تذكر أو تخيل سارعت صورة المولود المرتقب إلى الواجهة ماحية كل ذكريات الغرام والهيام والأشواق الملتهبة إبان أوقات التعارف الأولى، وربما لم يكن لها نصيب ما حتى في مجرد دعائه، عند ركوعه أو سجوده.
وفي الحكاية التالية إشارة وعبرة :

( حكي أن رجلا كانت له امرأة حاملا وأراد سفرا، فلما خرج لسفره قال: اللهم إني استودعتك ما في بطن هذه المرأة، ثم غاب. فلما قدم من سفره سأل عنها، فقيل له: إنها ماتت وهي حامل. فلما كان الليل خرج إلى المقابر فرآى نورا فتبعه فإذا هو في قبرها، فنبش عليها فإذا بالصبي يرضع في ثديها، فهتف به هاتف:
ياهذا إنك قد استودعتنا الولد فوجدته أما أنك لو استودعتنا أمه لوجدتهما جميعا
). (1)
———–
هامش:
(1) الحكاية مقتبسة من كتاب ( إيقاظ الهمم… ) لابن عجيبة توفي بالطاعون عام 1224 هج. وهو أحد رجال التصوف

تصعيد النزعة الإقليمية في برامج تلفزيون (الواقع) العربية

كتب يوم الخميس,كانون الثاني 12, 2006

عندما هبت رياح ( برامج الواقع) على بعض التليفزيونات العربية التي استقطبت عينات مختلفة من الشباب العرب الذكور و الإناث، من المحيط إلى الخليج، ومن كل البلدان المحافظة والمتفتحة، والغنية والفقيرة، خيل إلي أن حلم الوحدة العربية قد تحقق أخيرا، وأننا قد دخلنا عهد الجمهورية العربية (التليفزيونية) من بابه الواسع، فلا حديث هنا عن الخلافات الحدودية، ولا عن التصعيد العسكري لدول الجوار، ولا عن المضاربات النفطية، ولا المزايدات السياسية…
حياة هادئة، ومرح يبدو بريئا أو أريد له أن يبدو كذلك، لشباب وشابات في عمر الزهور المتفتحة … يمضون الساعات الطويلة في الأكل والنوم والمرح والغناء بعد أن طووا صفحة الدروس المملة، ونسوا وجوه مدرسيهم القاسية العابسة.
يحدث كل هذا على مرأى ومسمع من الجميع، ومن خلال بث مباشر لا يكاد ينقطع إلا لعرض الوصلات الإشهارية، والمعجبون والمعجبات من خارج التليفزيون تتفطر أكبادهم، ويهيمون في أودية الخيالات الحالمة، بين مفتون ومجنون ومخبول.

وعند نهاية الأ سبوع يستفيق الجميع على كابوس (البرايم)، وتدق ساعة الحسم لتوديع أو لطرد أحد مواطني تلك الجمهورية التليفزيونية الحالمة، ليلقى به خارج الشاشة غير مأسوف عليه، وليودع وداعا له ألف دلالة ودلالة .
وعند إعلان نتائج التصويت فقط، يتبخر الحلم العربي اللذيذ وتنكشف اللعبة، وينجلي المستور، وتصدمنا الحقيقة الراسخة على أرض وطننا العربي أن: (لا وحدة إلا على اللاوحدة)، فأول الخارجين من هذه البرامج الحية في نسختها العربية هم أبناء الدول الأقل عددا وعدة.. ولأنهم مساكين، وليس لذويهم ما يكفي من الرصيد الهاتفي لإبقائهم داخل الشاشة أطول فترة ممكنة، عليهم أن يتقبلوا نتيجة التصويت، ولوعلى مضض، ولكن يحق لهم أن يتعللوا بألف سبب وسبب.

مسافات الصمت والكلام

كتب يوم الخميس,كانون الثاني 12, 2006

دعي ابراهيم بن أدهم إلى دعوة، فلما جلس أخذ الناس في الغيبة، فقال:
( عندنا يؤكل اللحم بعد الخبز، وأنتم ابتدأتم بأكل اللحم ).

أدرجنا هذا الخبر بمناسبة عيد الأضحى حيث يكثراستهلاك اللحوم الحيوانية، على غير العادة. ورغم وفرة اللحوم المطبوخة على الموائد في أيام العيد، فقد تتحرك شهوة الآدميين أكثر إلى اللحوم النيئة، فيزدرد بعضهم بعضا، ولا يكتفون بالأجسام الحية فقط، بل ينبشون المقابر، ويبعثون الجثث والرمم…..

لقد أراد إبراهيم بن أدهم، في قوله هذا، أن ينبهنا إلى الحدود المعقولة المقبولة بين مسافات الصمت والكلام. وهي مسافات تقوم بين عقل الإنسان ولسانه.
و تصبح هذه المسافات مقبولة ومعقولة، عندما يتعود المتكلم الكلام فيما يعنيه، وفيما لابد منه.
وهذه حالة تجعله في حدود نوع من الصمت يشبه الريح المنعشة الخفيفة التى لا تثير وراءها زوبعة أو غبارا، ولا تهصر غصنا ولا تسقط ثمرة.